﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا يحل لكم أَن ترثوا النِّسَاء كرها وَلَا تعضلوهن لتذهبوا بِبَعْض مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَن يَأْتِين بِفَاحِشَة مبينَة وعاشروهن بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كرهتموهن فَعَسَى أَن تكْرهُوا شَيْئا وَيجْعَل الله فِيهِ خيرا كثيرا وَإِن أردتم استبدال زوج مَكَان زوج وَآتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئا أتأخذونه بهتانا وإثما مُبينًا وَكَيف تأخذونه وَقد أفْضى بَعْضكُم إِلَى بعض وأخذن مِنْكُم ميثاقا غليظا﴾
قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا يحل لكم أَن ترثوا النِّسَاء كرها﴾ أَي مكرهين على ذَلِك وَمعنى الْآيَة يَتَّضِح بِمَعْرِفَة سَبَب نُزُولهَا وَهُوَ مَا أخرجه البُخَارِيّ وَغَيره عَن ابْن عَبَّاس قَالَ كَانُوا إِذا مَاتَ الرجل كَانَ أولياؤه أَحَق بامرأته إِن شَاءَ بَعضهم تزَوجهَا وَإِن شاؤوا زوجوها وَإِن شاؤوا لم يزوجوها فهم أَحَق بهَا من أَهلهَا فَنزلت الْآيَة وَفِي لفظ لأبي دَاوُد عَنهُ كَانَ الرجل يَرث امْرَأَة ذَات قرَابَة فيعضلها حَتَّى تَمُوت أَو ترد إِلَيْهِ صَدَاقهَا وَفِي لفظ لِابْنِ جرير وَابْن أبي حَاتِم عَنهُ فَإِن كَانَت جميلَة تزَوجهَا وَإِن كَانَت دَمِيمَة حَبسهَا حَتَّى تَمُوت فيرثها وَقد رُوِيَ هَذَا السَّبَب
[ ٧٣ ]
بِأَلْفَاظ فمعناها لَا يحل لكم أَو تأخذوهن بطرِيق الارث فتزعموا أَنكُمْ أَحَق بِهن من غَيْركُمْ وتحبسوهن لأنفسكم ﴿لَا يحل لكم أَن ترثوا النِّسَاء كرها وَلَا تعضلوهن﴾ عَن أَن يتزوجن غَيْركُمْ ضِرَارًا ﴿لتذهبوا بِبَعْض مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ أَي لِتَأْخُذُوا ميراثهن إِذا متن أَو ليدفعن إِلَيْكُم صداقهن إِذا أذنتم لَهُنَّ فِي النِّكَاح وَقيل الْخطاب لِأَزْوَاج النِّسَاء إِذا حبسوهن مَعَ سوء الْعشْرَة طَمَعا فِي إرثهن أَو يفتدين بِبَعْض مهورهن وَاخْتَارَهُ ابْن عَطِيَّة وأصل العضل الْمَنْع أَي لَا تمنعوهن من الْأزْوَاج وَدَلِيل ذَلِك قَوْله ﴿إِلَّا أَن يَأْتِين بِفَاحِشَة مبينَة﴾ فَإِنَّهَا إِذا أَتَت بِفَاحِشَة فَلَيْسَ للْوَلِيّ حَبسهَا حَتَّى يذهب بمالها إِجْمَاعًا من الْأمة وَإِنَّمَا ذَلِك للزَّوْج قَالَ الْحسن إِذا زنت الْبكر تجلد مائَة وتنفى وَيرد إِلَى زَوجهَا مَا أخذت مِنْهُ وَقَالَ أَبُو قلَابَة إِذا زنت امْرَأَة الرجل فَلَا بَأْس أَن يضارها ويشق عَلَيْهَا حَتَّى تَفْتَدِي مِنْهُ وَقَالَ السّديّ إِذا فعلن ذَلِك فَخُذُوا مهورهن وَقَالَ قوم الْفَاحِشَة الْبذاء بِاللِّسَانِ وَسُوء الْعشْرَة قولا وفعلا وَقَالَ مَالك وَجَمَاعَة من أهل الْعلم للزَّوْج أَن يَأْخُذ من الناشزه جَمِيع مَا تملك وَهَذَا كُله على أَن الْخطاب فِي قَوْله ﴿وَلَا تعضلوهن﴾ للأزواج وَقد عرفت فِي سَبَب النُّزُول أَن الْخطاب لمن خُوطِبَ بقوله ﴿لَا يحل لكم﴾ فَيكون الْمَعْنى إِن يَأْتِين بِفَاحِشَة جَازَ لكم حبسهن عَن الْأزْوَاج وَلَا يخفي مَا فِي هَذَا من التعسف مَعَ عدم جَوَاز حبس من أَتَت بِفَاحِشَة عَن أَن تتَزَوَّج وتستعف من الزِّنَى وكما أَن فِي جعل قَوْله ﴿وَلَا تعضلوهن﴾ خطابا للأولياء فِيهِ التعسف كَذَلِك جعل قَوْله ﴿وَلَا يحل لكم﴾ خطابا للأزواج فِيهِ تعسف ظَاهر مَعَ مُخَالفَته لسَبَب نزُول الْآيَة وَالْأولَى أَن يُقَال إِن الْخطاب فِي قَوْله ﴿وَلَا يحل لكم﴾ للْمُسلمين أَي لَا تَفعلُوا كَمَا كَانَت تَفْعَلهُ الْجَاهِلِيَّة وَلَا تحبسوهن عنْدكُمْ مَعَ عدم رغبتكم فِيهِنَّ بل لقصد أَن تذْهبُوا بِبَعْض مَا آتَيْتُمُوهُنَّ
[ ٧٤ ]
من المهور يفتدين بِهِ من الْحَبْس والبقاء تحتكم وَفِي عقدتكم مَعَ كراهتكم لَهُنَّ إِلَّا أَن يَأْتِين بِفَاحِشَة مبينَة جَازَ لكم مخالعتهن بِبَعْض مَا آتَيْتُمُوهُنَّ
﴿وعاشروهن بِالْمَعْرُوفِ﴾ خطاب للأزواج أَو أَعم وَذَلِكَ مُخْتَلف باخْتلَاف الْأزْوَاج فِي الْغنى والفقر والرفعة والضعة قَالَ السّديّ أَي خالطوهن وَقيل خالقوهن قَالَ عِكْرِمَة حَقّهَا عَلَيْك الصُّحْبَة الْحَسَنَة وَالْكِسْوَة والرزق بِالْمَعْرُوفِ ﴿فَإِن كرهتموهن﴾ بِسَبَب من الْأَسْبَاب من غير ارْتِكَاب فَاحِشَة وَلَا نشوز فَعَسَى أَن يؤول الْأَمر إِلَى مَا تحبونه من ذهَاب الْكَرَاهَة وتبدلها بالمحبة فَيكون فِي ذَلِك خير كثير من اسْتِدَامَة الصُّحْبَة وَحُصُول الْأَوْلَاد فَيكون الْجَزَاء على هَذَا محذوفا مدلولا عَلَيْهِ بعلته أَي فَإِن كرهتموهن فَاصْبِرُوا وَلَا تفارقوهن بِمُجَرَّد هَذِه النفرة ﴿فَعَسَى أَن تكْرهُوا شَيْئا وَيجْعَل الله فِيهِ خيرا كثيرا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس الْخَيْر الْكثير أَن يعْطف عَلَيْهَا فيرزق مِنْهَا ولدا وَيجْعَل الله فِي وَلَدهَا خيرا كثيرا وَعَن السّديّ نَحوه وَقَالَ مقَاتل يطلقهَا فتتزوج من بعده رجلا فَيجْعَل الله لَهُ مِنْهَا ولدا وَيجْعَل فِي تَزْوِيجهَا خيرا كثيرا وَعَن الْحسن نَحوه وَقيل فِي الْآيَة ندب إِلَى إمْسَاك الْمَرْأَة مَعَ الْكَرَاهَة لَهَا لِأَنَّهُ إِذا كره صحبتهَا وَتحمل ذَلِك الْمَكْرُوه طلبا للثَّواب وَأنْفق عَلَيْهَا وَأحسن صحبتهَا اسْتحق الثَّنَاء الْجَمِيل فِي الدُّنْيَا وَالثَّوَاب الجزيل فِي الْآخِرَة
﴿وَإِن أردتم استبدال زوج مَكَان زوج﴾ الْخطاب للرِّجَال وَالْمرَاد بِالزَّوْجِ الزَّوْجَة ﴿وَآتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ﴾ وَهِي المرغوب عَنْهَا ﴿قِنْطَارًا﴾ أَي مَالا كثيرا وَفِي الْآيَة دَلِيل على جَوَاز المغالاة فِي المهور ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئا﴾ وَالْمرَاد هُنَا غير المختلعة قَالَ ابْن عَبَّاس إِن كرهت امْرَأَتك وَأَعْجَبَك غَيرهَا فَطلقت هَذِه وَتَزَوَّجت تِلْكَ فأعط هَذِه مهرهَا وَإِن كَانَ قِنْطَارًا فَائِدَة أخرج سعيد بن مَنْصُور وَأَبُو يعلى قَالَ السُّيُوطِيّ بِسَنَد
[ ٧٥ ]
جيد أَن عمر نهى النَّاس أَن يزِيدُوا النِّسَاء فِي صدقاتهن على أَرْبَعمِائَة دِرْهَم فاعترضت لَهُ امْرَأَة من قُرَيْش فَقَالَت أما سَمِعت مَا أنزل الله يَقُول ﴿وَآتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ فَقَالَ اللَّهُمَّ غفرا كل النَّاس أفقه من عمر فَركب الْمِنْبَر فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس إِنِّي كنت نَهَيْتُكُمْ أَن تَزِيدُوا النِّسَاء فِي صدقاتهن على أَرْبَعمِائَة دِرْهَم فَمن شَاءَ أَن يُعْطي من مَاله مَا أحب قَالَ أَبُو يعلي وَأَظنهُ قَالَ فَمن طابت نَفسه فَلْيفْعَل قَالَ ابْن كثير إِسْنَاده جيد قوي وَقد رويت هَذِه الْقِصَّة بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة هَذَا أَحدهَا وَقيل الْمَعْنى لَو جعلتم ذَلِك الْقدر لَهُنَّ صَدَاقا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئا وَذَلِكَ أَن سوء الْعشْرَة إِمَّا أَن يكون من قبل الزَّوْج أَو من قبل الزَّوْجَة فَإِن كَانَ من قبل الزَّوْج وَأَرَادَ طَلَاق الْمَرْأَة فَلَا يحل لَهُ أَن يَأْخُذ شَيْئا من صَدَاقهَا وَإِن كَانَ النُّشُوز من قبل الْمَرْأَة جَازَ لَهُ ذَلِك
﴿أتأخذونه بهتانا وإثما مُبينًا وَكَيف تأخذونه وَقد أفْضى بَعْضكُم إِلَى بعض﴾ قَالَ الْهَرَوِيّ والكلبي هُوَ إِذا كَانَا فِي لِحَاف وَاحِد جَامع أَو لم يُجَامع وبنحوه قَالَ الْفراء وَقَالَ ابْن عَبَّاس وَاخْتَارَهُ الزّجاج هُوَ فِي هَذِه الْآيَة الْجِمَاع وَلَكِن الله يكنى بِهِ ﴿وأخذن مِنْكُم ميثاقا غليظا﴾ هُوَ عقد النِّكَاح وَقيل هُوَ الْإِمْسَاك والتسريح وَقيل هُوَ الْأَوْلَاد وَكَانَ ابْن عمر إِذا نكح قَالَ نكحتك على مَا أَمر الله بِهِ إمْسَاك بِمَعْرُوف أَو تَسْرِيح بِإِحْسَان