[ ٧٦ ]
المبحث السادس
اشتمال الخطبة على الموعظة
والحث على التقوى وما يرقق القلوب ويزيد الإيمان في النفوس القصد الأول من الخطبة هو الموعظة، والتذكير بآيات الله تعالى، وآلائه، والحث على تقوى الله، والاستقامة على دينه، ومهما تعددت أساليب الخطبة ترغيبا وترهيبا، فإنها ينبغي أن لا تبتعد عن هذا الهدف العظيم، وقد اختلف العلماء في فروض الخطبة، فقال ابن قدامة ﵀: وفروض الخطبة أربعه أشياء:
الأول: حمد الله تعالى لأن جابرا قال: «كان رسول الله ﷺ يخطب الناس بحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ثم يقول من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
» الثاني: الصلاة على رسول الله ﷺ لأن كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله تعالى افتقرت إلى ذكر رسوله ﷺ كالأذان.
الثالث: الموعظة، لأن النبي ﷺ كان يعظ، وهي القصد من الخطبة فلا يجوز الإخلال بها.
الرابع: قراءة آية، لأن جابر بن سمرة قال: «كانت صلاة رسول الله ﷺ قصدا، وخطبته قصدا، يقرأ آيات من القرآن يذكر الناس»، رواه أبو داود والترمذي (١) .
ولأن الخطبة فرض في الجمعة، فوجبت فيها القراءة، وعن أحمد ما يدل على أنه لا يشترط قراءة آية، فإنه قال: القراءة في الخطبة على المنبر، ليس فيه شيء مؤقت ما شاء قرأ (٢) .
_________________
(١) الكافي في فقه الإمام أحمد (١ / ٣٢٨) . والحديث رواه مسلم (الجمعة- تخفيف الصلاة والخطبة ٨٦٦) والترمذي (الجمعة- ما جاء فقصر الخطبة ٥٠٧) والنسائي (الجمعة - القراءة في الخطبة الثانية ١٤١٨) وابن ماجه (الجمعة- ما جاء في الخطبة ١١٠٦) .
(٢) الكافي في فقه الإمام أحمد (١ / ٣٢٨) . والحديث رواه مسلم (الجمعة- تخفيف الصلاة والخطبة ٨٦٦) والترمذي (الجمعة - ما جاء فقصر الخطبة ٥٠٧) والنسائي (الجمعة- القراءة في الخطبة الثانية ١٤١٨) وابن ماجه (الجمعة- ما جاء في الخطبة ١١٠٦) .
[ ٧٧ ]
وقال ابن القيم في ذكر خصائص يوم الجمعة: فيه الخطبة التي يقصد بها الثناء على الله وتحميده، والشهادة له بالوحدانية، ولرسوله ﷺ، وتذكير العباد بأيامه، وتحذيرهم من بأسه ونقمته، ووصيتهم بما يقربهم إليه، وإلى جنابه، ونهيهم عما يقربهم من سخطه وناره، فهذا هو مقصود الخطبة والاجتماع لها (١) .
ثم اعلم أن الخطبة المشروعة هي ما كان يعتاده ﷺ من ترغيب الناس وترهيبهم، فهذا في الحقيقة روح الخطبة الذي لأجله شرعت، وأما اشتراط الحمد لله، والصلاة على رسول الله، أو قراءة شيء من القرآن، فجميعه خارج عن معظم المقصود من شرعية الخطبة، واتفاق مثل ذلك في خطبته ﷺ لا يدل على أنه مقصود متحتم، وشرط لازم، ولا يشك منصف أن معظم المقصود هو الوعظ. . . إذا تقرر هذا عرفت أن الوعظ في خطبة الجمعة هو الذي يساق إليه الحديث، فإذا فعله الخطيب فقد فعل الأمر المشروع، إلا أنه إذا قدم الثناء على الله وعلى رسوله، أو استطرد في وعظه بالقوارع القرآنية كان أتم وأحسن (٢) .
السياسة والفكر: يغلب على بعض الخطب وبعض الخطباء الطابع السياسي أو الفكري، أو الموضوعات الاقتصادية أو الاجتماعية المحضة، ولا شك أن هذه الأمور مهمة، وهي موضوعات تمس الواقع الإسلامي، وتهم المسلم، ولكن التزام هذه الموضوعات في خطبة الجمعة، أو جعلها هي مدار الخطبة، هو تجريد للخطبة من أهم مقاصدها، وأجل أهدافها، وبالمقابل فإن قصر الخطبة على تعليم بعض المسائل أو الأحكام الفقهية وعرضها عرضا علميا مجردا ليس هو المقصود الأهم من خطبة الجمعة التي تضم حشدا من الناس كل أسبوع.
فمنبر الجمعة ليس كرسيا جامعيا لتعليم الدراسات الفقهية، أو الاقتصادية، أو السياسية أو غيرها من الدراسات الأكاديمية، وهو في الوقت نفسه يجب أن لا
_________________
(١) زاد المعاد (١ / ٣٩٨) .
(٢) انظر: الدراري المضية شرح الدرر البهية (ص ١٥١) .
[ ٧٨ ]
يكون منفصلا عن هموم الأمة، ولا مبتوتا عن نبضها، وما يصلحها في عقيدتها، وأخلاقها، وما يرفع من همتها، ويعيدها للاعتزاز بدينها قولا وعملا، حكما وتحاكما.
وعلى ذلك فإن الخطبة الجامعة المستوفية لخصال النجاح هي الخطبة التي تجمع بين التعليم والوعظ، بين الإجابة عن أسئلة الحاضر والواقع، وما يطرح على الساحة العلمية والإسلامية، وتلبية الواجبات الشرعية في ترسيخ العقيدة، وأساسيات الفقه الإسلامي، والفهم الواعي السلفي النهج للكتاب والسنة، والتحذير من الانحرافات العقدية، والسلوكية إلى جانب التحذير من مكايد العدو، وأساليب الدس والمكر التي يسلكها في تدمير الأخلاق والأسرة، والوحدة الإسلامية.
ومع كل ما يقوم به الخطيب من تنبيه وتحذير وتبصير، فإنه ينبغي أن لا يهمل دور خطبة الجمعة الأساسي من الوعظ والتذكير.