وُلِدَ الملك الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود - رحمه الله تعالى - في قَصْر الإمارة في مدينة الرياض في اليوم التاسع عشر من ذي الحجة سنة ١٢٩٣هـ، وقيل: سنة ١٢٩٧هـ، ونشأ في أسرة آل سعود التي عُرِفَت منذ نشأتها بالتمسك بالإيمان العميق، والتحلِّي بالتوحيد الخالص، والتمسك بكتاب الله وسُنَّة رسوله ﷺ.
وقد اهتم الإمام عبد الرحمن بن فيصل آل سعود بتربية ابنه عبد العزيز تربية دينية مشتملة على دراسة القرآن الكريم والعلوم الشرعية إلى جانب تطبيق هذه التعاليم تطبيقًا عمليًا.
وقد عوَّده أبوه أن يستيقظ قبل الفجر، وبدأ يصوم وهو في العاشرة من عمره١.
وكان يحفظ أجزاءً من القرآن، ويحفظ الرحبية في الفرائض، وتعلَّم زاد المستقنع في الفقه، ويحفظ من كتب الأحاديث (الأربعين النووية)، و(بلوغ المرام) . وكان يحب قراءة (البداية والنهاية) لابن كثير، و(تاريخ الرسل والملوك) للطبري، و(السيرة) لابن هشام، و(المغني والشرح الكبير) لابن قدامة، و(الإنصاف) للمرداوي، وتفسير ابن كثير، والبغوي.
وكان يحب من الشعر ما تميز منه بالطابع الإسلامي والنصائح٢.
وكان له وِرْد خاص يقرأه يوميًا عن ظهر قلب٣ معظمه من الآيات القرآنية
_________________
(١) ١ الدكتور سعود بن سعد الدريب، الملك عبد العزيز ووضع قواعد التنظيم القضائي في المملكة ص ٩ ٢ فؤاد حمزة، البلاد العربية السعودية ص ٣٠، مطبعة دار المطبوعات الحديثة، ط ١ سنة ١٤٠٨ هـ، والمرجع السابق ص ٩ ٣ الدعوة في عهد الملك عبد العزيز ص:١/ ٥٦
[ ٩٥ ]
والأحاديث الصحيحة، وقد طُبِعَ أكثر من مرَّة، ويشتمل على (١١٦صفحة) ١.
وقد أجاد استعمال السيف والبندقية وركوب الخيل في سِنٍّ مبكرة، وكان حاد الطبع دائم الحركة، لا يستقر في مكانٍ واحدٍ فترة طويلة٢.
وقد حباه الله ببنية قوية، وقامة مديدة، فكان يفوق أقرانه ويتفوق عليهم. واجتمع له مع قوة الجسم سلامة الرأي، فكان يشارك في الصلح بين القبائل وهو في الثالثة عشرة من عمره٣.
وقد كان للنشأة الدينية القويمة التي عاشها الملك عبد العزيز ﵀ أثرٌ واضح، ونتائج ملموسة، فنراه يتمسَّك بالعقيدة، ويحض على التمسك بها في كل مناسبة، ويحافظ على أداء الفرائض قبل أن يحث غيره على التمسك بها، ويقرأ القرآن الكريم، ويستشهد بآياته، وأحاديث الرسول ﷺ وأقوال السلف الصالح، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويرغب في فضائل الأعمال ومكارم الأخلاق، ويلزم بها نفسه قبل أن يطالب بها غيره ليكون قدوة لغيره، ولذا وفَّقه الله، وآزره فيما سعى إليه٤.
وقد كان لمعايشته بعض الظروف التي مرَّت بأسرته وسقوط دولة آبائه آثار على نفسه منذ صغره حيث شحذت همته على استيعابها والاستفادة منها. جاء في معرض خطبته عام ١٣٥٨هـ وهو يتحدث عن أسباب سقوط الدولة السعودية الثانية، قوله:
_________________
(١) ١ المرجع السابق ص ٥٦ مع الحاشية. ٢ الملك الراشد ص ٣٢٢، لعبد المنعم الغلامي، دار اللواء، الرياض، ١٤٠٠هـ، والزركلي: شبه الجزيرة ١/٥٧ ٣ د. سعود الدريب، مصدر سابق ص ١٠ ٤ الدعوة في عهد الملك عبد العزيز ص ١/٦٠، والزركلي في مقدمة كتابه شبه الجزيرة ١/٢١
[ ٩٦ ]
"كل أمة تريد أن تنهض لابُدَّ لكل فرد فيها من أن يقوم بواجباتٍ ثلاثة:
أولها: واجباته نحو الله والدين.
وثانيها: واجباته في حفظ أمجاد أجداده وبلاده.
وثالثها: واجباته نحو شرفه الشخصي"١.
فقد وعى هذا الدرس جيدًا، وعمل على تلافي أسبابه ودواعيه.
كما كان لسكناه في البادية مع آل مرة والعجمان آثار إيجابية أكسبته صلابة العود مبكرًا، واستوعب فنون القتال والفروسية، وأجاد الكر والغزو والمواهب القتالية، وكان يقول: "أنا ترعرعت في البادية فلا أعرف التلاعب بالكلام وتزويقه، ولكني أعرف الحقيقة عارية عن كل تزويق".
كما كان لإقامته في الكويت على مقربة من موقع المسئولية وصنع القرار الإداري والسياسي أثر كذلك، إذ أتاح له المقام بالكويت الاطلاع على كيفية إدارة شئون الدولة، وأكسبته الخبرة والحنكة السياسية. وراقب بعينٍ بصيرة صراعات الدول الكبرى ومناوراتها على المستوى المحلي والعالمي.
وعرف كيف يتعامل بمهارة مع تلك السياسات عندما أصبح في موقع المسؤلية إبان تأسيس الدولة السعودية الثالثة، فحظي باحترام زعماء العالم المعاصرين له٢.
كما كان لصفاته الشخصية وسجاياه الجليلة من قوة التدين والإيمان الخالص، والكرم والشجاعة والفراسة والحكمة والأناة في معالجة الأمور، والتواضع وحسن الخلق، والقدرة على كتمان السر، آثار إيجابية وطأت له
_________________
(١) ١ تاريخ نجد ص ١١٠، والزركلي: شبه الجزيرة ٢/٧٩٢ ٢ الزركلي: شبه الجزيرة ٢/٧٩٤، عبد العزيز والشخصية الإسلامية، لعبد العزيز شرف ومحمد إبراهيم شعبان ص ١٧٠، الدعوة في عهد الملك عبد العزيز ١/ ٦٢
[ ٩٧ ]
أسباب التمكين في الأرض وحب الناس له. وكان بروحه المؤمنة الصادقة قد أتاح للجزيرة عهدًا سعيدًا عامرًا بالأمن، والرخاء، ورغد العيش.
فكان عهده مذكرًا لجميع المسلمين بعهد الخلفاء الراشدين ﵃، إذ حاول قدر جهده أن يسير على دربهم، ويحتذي حذوهم، فصدق فيه قوله -تعالى-: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْض﴾ ١، وقوله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ ٢.
وقد بنى الملك عبد العزيز دولته وأقام نظامه في الجزيرة التي بُعِثَ فيها الرسول ﷺ ونَزَل عليه الوحي فيها، وجاهد فيها، وأقام دولته فيها.
وهو المكان الذي شهد الدولة الإسلامية للخلفاء الراشدين ﵃ جميعًا.
وإن كان المؤرخون يقسمون تاريخ الدولة السعودية إلى ثلاثة عهود، فإنَّ وجه الشبه بين هذه العهود هو حرص الحكام والعلماء في العهود الثلاثة على الأُسُس والمبادئ الإسلامية، وتقديم التضحيات في سبيل نشر الدعوة السلفية، واتخاذ الشريعة الغرَّاء منهجًا للبلاد.
حيث كانت أحكام الشريعة غير مطبقة تطبيقًا سليمًا أو غير مطبقة
بالمرة، واستبدل بها أحكام جرت مجرى العرف، وكان التمسك بها شديدًا؛ لأنَّها من وضع سلفهم، ولأنَّ الخلف وجدوا آباءهم معتزين بها، ومطبقين لها، وهذا مما يجعل تغير هذه الأوضاع البعيدة عن الإسلام من الصعوبة بمكان.
_________________
(١) ١ القصص: ٥ - ٦ ٢ محمد: ٧
[ ٩٨ ]
وعندما شرع الملك عبد العزيز في تأسيس دولته على الدين
الحنيف، كانت صورة الحكم الإسلامي مهتزة في أذهان بعض الناس؛ لأنَّهم نظروا إلى الإسلام من خلال واقع المسلمين وأعمالهم، وما ارتكبوه من أخطاء.
أمَّا الملك عبد العزيز فلم يصغ إلى ذلك الوهم؛ لأنَّه يؤمن بالإسلام عقيدة وشريعة ونظامًا للحياة. وأنَّ التمسك بالإسلام يعصم من الضلال، فسارع في إنفاذ الشريعة وتطبيق أحكامها، "ولم يتعلل بعدم وجود فقه تفصيلي، ولم يَخَفْ من نتائج تطبيق الشريعة؛ لأنَّه لا يخاف من هذه النتائج إلاَّ من نوى الظلم والفساد في الأرض.
والملك عبد العزيز قد عرف من سيرته بأنَّه محب للعدل، مقيم له، كاره للفساد مقاومٌ له"١.
فلم يبتدع نظامًا، ولم يشرع قانونًا، بل ما عمله في هذا السبيل هو أنَّه أحيا سًنَّة القرآن الكريم، وأيقظ في النفوس وازع الإيمان، ففجر فيها القوة في التضحية والانضباط في التزام ما شرعه الله لعباده٢.
وقد أطلنا في هذا التمهيد الذي يتقدم جهود الملك عبد العزيز - ﵀ - في تقرير العقيدة الإسلامية، وهو الهدف العام من الدعامة الأولى من دعائم التمكين (إقام الصلاة) كما سبق. لكن المقام يتطلَّب هذه الإشارات للربط بين أجزاء الموضوع.
_________________
(١) ١ المنهج القويم في الفكر والعمل ص ٤٢ ٢ الدعوة في عهد الملك عبد العزيز ١/١٩٧
[ ٩٩ ]