الحكمة في مشروعية العيدين: أن كل قوم لهم يوم يتجملون فيه، ويخرجون من بيوته بزينتهم (٤).
عن أنس ﵁ قال: قدم النبي ﷺ، ولأهل المدينة يومان يلعبون فيهما في
_________________
(١) إسناده حسن: أخرجه عبد الرزاق (٥٧٢٥)، وأبو داود (١٠٧٢) مختصرًا.
(٢) «نيل الأوطار» (٣/ ٣٣٦).
(٣) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٧).
(٤) «حجة الله البالغة» للدهلوي (٢/ ٢٣).
[ ١ / ٥٩٧ ]
الجاهلية، فقال: «قدمتُ عليكم، ولكم يومان تلعبون فيهما في الجاهلية، وقد أبدلكم الله بهما خيرًا منهما: يوم النحر ويوم الفطر» (١).
«أي: لأن يومي الفطر والنحر بتشريع الله تعالى، واختياره لخلقه، ولأنهما يعقبان أداء ركنين عظيمين من أركان الإسلام، وهما: الحج والصيام، وفيهما يغفر الله للحجيج والصائمين، وينشر رحمته على جميع خلقه الطائعين، وأما النيروز والمرجان، فإنهما باختيار حكماء ذاك الزمان لما فيهما من اعتدال الزمن والهواء ونحو ذلك من المزايا الزائلة، فالفرق بين المزيَّتين ظاهر لمن تأمر ذلك» (٢).
حكم صلاة العيدين:
اختلف أهل العلم في حكم صلاة العيدين على ثلاثة أقوال:
الأول: أنها واجبة على الأعيان، وهو مذهب أبي حنيفة وأحد أقوال الشافعي ورواية عن أحمد وبه قال بعض المالكية واختاره شيخ الإسلام (٣)، وحجتهم:
١ - قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٤)، والأمر للوجوب.
٢ - قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (٥). والأمر بالتكبير في العيدين أمر بالصلاة المشتملة على التكبير الراتب والزائد بطريق الأولى والأحرى.
٣ - ملازمة النبي ﷺ لهذه الصلاة في العيدين، وعدم تركها في عيد من الأعياد، ومداومة خلفائه والمسلمين من بعده عليها.
٤ - أمر الناس بالخروج إليها حتى النساء وذوات الخدور والحيَّض -وأمرهنَّ أن يعتزلن المصلى- حتى أمر من لا جلباب لها أن تلبسها صاحبتها، وسيأتي الحديث بهذا.
٥ - أنها من أعظم شعائر الإسلام الظاهرة فكانت واجبة كالجمعة، ولذلك يجب قتال الممتنعين من أدائها بالكلية.
٦ - أنها مسقطة للجمعة إذا اتفقتا في يوم واحد كما تقدم، وما ليس بواجب لا يسقط ما كان واجبًا.
_________________
(١) صحيح: أخرجه أبو داود (١١٣٤)، والنسائي (٣/ ١٧٩)، وأحمد (٣/ ١٠٣) والبغوي (١٠٩٨) وغيرهم.
(٢) «الفتح الرباني بترتيب مسند أحمد» للبنا (٦/ ١١٩).
(٣) «البدائع» (١/ ٢٧٤)، و«ابن عابدين» (٢/ ١١٦)، و«الدسوقي» (١/ ٣٩٦)، و«الإنصاف» (٢/ ٢٤٠)، و«مجموع الفتاوى» (٢٣/ ١٦١)، و«السيل الجرار» (١/ ٣١٥).
(٤) سورة الكوثر، الآية: ٢.
(٥) سورة البقرة، الآية: ١٨٥.
[ ١ / ٥٩٨ ]
الثاني: أنها واجبة على الكفاية: فلو قام بها بعضهم سقطت عن الباقين، وهو مذهب الحنابلة وبعض الشافعية (١)، وحجتهم أدلة الفريق الأول، لكنهم قالوا:
لا تجب على الأعيان لأنه لا يشرع لها الأذان، فلم تجب على الأعيان كصلاة الجنازة ولَوَجبت خطبتها، ووجب استماعها كالجمعة.
الثالث: أنها سنة مؤكدة وليست بواجبة: وهو مذهب مالك والشافعي وأكثر أصحابهما (٢)
وحجتهم:
١ - قوله ﷺ للأعرابي لما ذكر الصلوات الخمس فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوَّع» (٣) وما في معناه.
٢ - أنها صلاة ذات ركوع وسجود (!!) لم يشرع لها أذان، فلم تجب بالشرع كصلاة الضحى.
والراجح: القول الأول لما تقدم من الأدلة، وأما القول بأنها سنة مؤكدة فضعيف، وأما حديث الأعرابي فلا حجة فيه، لأنه خصَّ الخمس بالذكر لتأكيدها ووجوبها على الدوام، وتكررها في كل يوم وليلة وغيرها يجب نادرًا كصلاة الجنازة والنذر وغير ذلك.
وأما القول بأنها فرض كفاية فلا ينضبط، ثم هو إنما يكون فيما تحصل مصلحته بفعل البعض، كدفن الميت، وقهر العدو، وليس يوم العيد مصلحة معينة يقوم بها البعض، بل صلاة العيد شرع لها الاجتماع أعظم من الجمعة، فإنه أمر النساء بشهودها ولم يؤمرن بالجمعة وأذن لهن فيها وقال: «صلاتكن في بيوتكن خير لكنَّ»، والله أعلم.
وقت صلاة العيدين:
يبتدئ وقت صلاة العيد بعد ارتفاع الشمس قيد رمح (أي: بعد مضي وقت الكراهة) وينتهي بزوال الشمس، وبهذا قال الجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة) (٤):
فعن عبد الله بن بسر -صاحب النبي ﷺ- أنه خرج مع الناس يوم فطرٍ
أو
_________________
(١) «المغنى» (٢/ ٣٠٤)، و«كشاف القناع» (٢/ ٥٠)، و«المجموع» (٥/ ٢) وادَّعى النووي الإجماع على أنها ليست فرض عين، وهو منقوض بما تقدم.
(٢) «الدسوقي» (١/ ٣٩٦)، و«جواهر الإكليل» (١/ ١٠١)، و«المجموع» (٥/ ٢).
(٣) صحيح: تقدم مرارًا.
(٤) «ابن عابدين» (١/ ٥٨٣)، و«الدسوقي» (١/ ٣٩٦)، و«كشاف القناع» (٢/ ٥٠)، وأجاز الشافعي الصلاة أول طلوع الشمس.
[ ١ / ٥٩٩ ]
أضحى، فأنكر إبطاء الإمام، وقال: «إنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه» وذلك حين التسبيح (١).
فائدة: الأفضل أن تُصلى صلاة الأضحى في أول الوقت ليتفرغ المسلمون بعدها لذبح أضاحيهم، ويستحب تأخيرها قليلًا عن هذا الوقت في صلاة الفطر، ليتمكن الناس من إخراج زكاة الفطر (٢).
حكمها إذا فات وقتها: لفوات صلاة العيد عن وقتها ثلاث صور (٣):
الأولى: أن لا يعلموا بالعيد إلا بعد زوال الشمس: فهذا عُذْر يجوِّز تأخيرها إلى اليوم الثاني سواء كان العيد عيد الفطر أو الأضحى، وبهذا قال الجمهور (الحنفية والشافعية والحنابلة) لحديث أبي عمير بن أنس عن عمومةٍ له من أصحاب النبي ﷺ يشهدون: «أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم أن يفطروا، وإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم» (٤).
الثانية: أن يؤخروا -جميعًا- صلاة العيد عن وقتها لغير العذر المتقدم:
فإن كان العيد عيد فطر سقطت أصلًا ولم تُقضى، وإن كان عيد أضحى جاز تأخيرها إلى ثالث أيام النحر، أي: يصح قضاؤها في اليوم الثاني، وإلا ففي اليوم الثالث من ارتفاع الشمس إلى أول الزوال سواء كان لعذر أو لغير عذر، لن تلحقهم الإساءة إن كان لغير عذر.
الثالثة: أن تؤدى في وقتها من اليوم الأول لكنها تفوت بعض الأفراد:
فعند الحنفية والمالكية لا يُشرع قضاؤها لأنها صلاة لم تشرع إلا في وقت معين وبقيود خاصة فلابد من تكاملها جميعًا ومنها الوقت.
وأجاز الشافعية قضاءها في أي وقت شاء وكيفما كان منفردًا أو جماعة، بناء على أصلهم في مشروعية قضاء كل النوافل.
_________________
(١) صحيح: علَّقه البخاري (٢/ ٤٥٦)، ووصله أبو داود (١١٣٥)، وابن ماجه (١٣١٧)، والحاكم (١/ ٢٩٥)، والبيهقي (٣/ ٢٨٢).
(٢) المصادر الفقهية السابقة.
(٣) «البدائع» (١/ ٢٧٦)، و«الدسوقي» (١/ ٣٩٦ - ٤٠٠)، و«بداية المجتهد» (١/ ٣٢١)، و«المجموع» (٥/ ٢٧)، و«المغنى» (٢/ ٣٢٤)، و«مجمع الأنهر» (١/ ١٦٩).
(٤) صحيح: أخرجه أبو داود (١١٥٧)، والنسائي (٣/ ١٨٠)، وابن ماجه (١٦٥٣).
[ ١ / ٦٠٠ ]
ومنع الحنابلة قضاءها لكن قالوا: مخيَّر، إن شاء صلاها أربعًا إما بسلام واحد أو بسلامين. قلت: وهذا الأخير ضعيف، أو مبناه على التشبيه بالجمعة!!
الراجح الذي يظهر لي في الصور الثلاث جميعًا أن من فاتته صلاة العيد، فإن كان لعذر جاز أداؤها في اليوم التالي، وإن لم يكن لعذر لم يقض على ما تقدم في قضاء الفوائت، والله أعلم.
مكان أدائها:
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأولَّ شيء يبدأ به الصلاة » (١).
«والسُّنَّة الماضية في صلاة العيدين أن تكون في المصلى [في الصحراء أو في مفازة واسعة] لأن النبي ﷺ قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» (٢)،
ثم هو مع هذه الفضيلة العظيمة، خرج ﷺ وتركه » (٣).
إلا أن يكون هناك عذر كمطر (٤) ونحوه، أو أن يضعف بعض الناس -لمرض أو كبر سنٍّ- عن الخروج فلا حرج حينئذٍ في الصلاة في المسجد.
وليُعلم أن الهدف من الصلاة اجتماع المسلمين في مكان واحد، فلا ينبغي تعدد المصليَّات من غير حاجة في الأماكن المتقاربة كما تراه في بعض المدن الإسلامية «بل قد أصبحت بعض (المصليَّات) منابر حزبية لتفريق كلمة المسلمين ولا حول ولا قوة إلا بالله» (٥).
فائدة: صلاة العيد بمكة: الأفضل الصلاة في المسجد الحرام، فإن الأئمة لم يزالوا يصلون العيد بمكة بالمسجد الحرام، وهو أفضل من الخروج إلى المصلى (٦).
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٩٥٦)، ومسلم (٨٨٩)، والنسائي (٣/ ١٨٧).
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (١١٩٠)، ومسلم (١٣٩٤).
(٣) «المدخل» لابن الحاج (٢/ ٢٨٣).
(٤) وفيه حديث مرفوع أن النبي ﷺ صلى بهم في المسجد لما أصابهم المطر وهو ضعيف.
(٥) «أحكام العيدين» (ص: ٢٤)، للشيخ علي حسن عبد الحميد، حفظه الله.
(٦) «المجموع» للنووي (٥/ ٥٢٤).
[ ١ / ٦٠١ ]
الخروج إلى المصلى وآدابه:
١ - يستحب الغُسل قبل الخروج: فعن نافع أن ابن عمر: «كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو إلى المصلى» (١).
سئل علي بن أبي طالب عن الغسل فقال: «يوم الجمعة، يوم عرفة، ويوم النحر، ويوم الفطر» (٢).
٢ - التجمُّل ولبس أحسن الثياب:
والأصل في استحباب هذا حديث ابن عمر قال: أخذ عمر جُبَّةً من إستبرق تُباع في السوق، فأخذها، فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، اتْبَع هذه، تجمَّل بها للعيد والوفود » (٣) الحديث «ومنه عُلم أن التجمل يوم العيد عادة متقررة بينهم، ولم ينكرها النبي ﷺ فعلم بقاؤها» (٤). وعن ابن عباس أن النبي ﷺ: «كان يلبس يوم العيد بردة حمراء» (٥).
٣ - الأكل قبل الخروج إلى المصلى في عيد الفطر خاصة:
عن أنس قال: «كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات» (٦).
وعن بريدة قال: «كان النبي ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ويوم النحر لا يأكل حتى يرجع فيأكل من نسيكته» (٧).
والحكمة في الأكل قبل خروجه في عيد الفطر أن لا يظن ظانٌ لزوم الصوم حتى يُصلى العيد، فكأنه سدَّ هذه الذريعة، وفي الأضحى يؤخر حتى يكون فطره على أضحيته.
وقيل: الحكمة إيقاع الأكل في العيدين في الوقت المشروع لإخراج صدقتهما الخاصة بهما (٨).
_________________
(١) إسناده صحيح: أخرجه مالك (٤٢٦)، وعنه الشافعي (٧٣)، وعبد الرزاق (٥٧٥٤).
(٢) إسناده صحيح: أخرجه الشافعي (١١٤)، ومن طريقه البيهقي (٣/ ٢٧٨).
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (٨٨٦، ومواضع)، ومسلم (٢٠٦٨) وغيرهما.
(٤) «حاشية السندي على النسائي» (٣/ ١٨١).
(٥) صححه الألباني. وانظر «الصحيحة» (١٢٧٩).
(٦) صحيح: أخرجه البخاري (٩٥٣)، والترمذي (٥٤٣)، وابن ماجه (١٧٥٤)، وأحمد (٣/ ١٢٦).
(٧) حسن: أخرجه الترمذي (٥٤٢)، وابن ماجه (١٧٥٦)، وأحمد (٥/ ٣٥٢).
(٨) «الفتح» (٢/ ٤٤٧)، و«المغنى» (٢/ ٣٧١)، و«زاد المعاد» (١/ ٤٤١).
[ ١ / ٦٠٢ ]
٤ - التكبير في العيدين من حين الخروج:
قال الله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١).
وقد جاء عن النبي ﷺ أنه «كان يخرج يوم الفطر فيكبِّر حتى يأتي المصلى، وحتى يقضي الصلاة، فإذا قضى الصلاة قطع التكبير» (٢).
وعن ابن عمر: «أن رسول الله ﷺ كان يخرج في العيدين مع الفضل بن عباس وعبد الله والعباس وعلي وجعفر والحسن والحسين وأسامة بن زيد وزيد بن حارثة وأيمن ابن أم أيمن ﵃ رافعًا صوته بالتهليل والتكبير» (٣).
فيشرع لكل أحد أن يجهر بالتكبير عند الخروج إلى العيد باتفاق الأئمة الأربعة (٤)، لكن بيَّنه بعض العلماء على أنه لا يُشرع في التكبير الاجتماع على صوت واحد كما يفعله الناس اليوم (٥).
قلت: وقد يستدل على مشروعية هذا الاجتماع بما علَّقه البخاري بصيغة الجزم عن ابن عمر أنه «كان يكبِّر في قبَّته بمنى، فيسمعه أهل المسجد فيكبرون، ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيرًا وكنَّ النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان، وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد » فالمسألة محل اجتهاد ونظر ولا ينبغي النزاع والشقاق لأجلها.
صيغة التكبير: لم يصحَّ عن النبي ﷺ حديث مرفوع في صيغة التكبير لكن ثبت عن ابن مسعود أنه كان يقول: «الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد» (٦).
وكان ابن عباس يقول: «الله أكبر الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر وأجلُّ، الله أكبر على ما هدانا» (٧).
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٨٥.
(٢) مرسل وله شواهد. أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٤٨٧)، وانظر «الصحيحة» (١٧٠).
(٣) حسَّنه الألباني. أخرجه البيهقي (٣/ ٢٧٩)، وانظر «الإرواء» (٣/ ١٢٣).
(٤) «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٢٢٠).
(٥) وممن يقول بهذا العلامة الألباني -كما في «الصحيحة» (١/ ١٢١) - وابن باز وابن عثيمين، رحم الله الجميع.
(٦) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٦٨).
(٧) إسناده صحيح: أخرجه البيهقي (٣/ ٣١٥).
[ ١ / ٦٠٣ ]
وكان سلمان ﵁ يقول: «كبِّروا: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرًا» (١).
وأما ما زاده العامة ومتبوعوهم في هذا الزمان على التكبير مما هو مسموع ومعروف، فمُختَرع لا أصل له، قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٥٣٦): «وقد أُحدث في هذا الزمان زيادة في ذلك لا أصل لها» اهـ.
قلت: كانت في زمانهم (زيادة) وعندنا الآن أهازيج وأناشيد، فالله المستعان!!
فائدة: وقت التكبير في عيد الأضحى: أن يكبِّر من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق، وعلى هذا جمهور السلف والفقهاء من الصحابة والأئمة (٢).
ويقيِّده بعضهم بالتكبير «عقب الصلوات» لكن لا دليل على هذا فقد علَّق البخاري (٢/ ٤٦١) بصيغة الجزم قال: «وكان ابن عمر يكبِّر بمنى تلك الأيام وخلف الصلوات وعلى فراشه وفي فسطاطه ومجلسه وممشاه تلك الأيام جميعًا».
٥ - يخرج النساء -حتى الحُيَّض- والصبيان:
عن أم عطية: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرجهن في الفطر والأضحى: العواتق، والحُيَّض، وذوات الخدور، فأما الحُيَّض فيعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير، ودعوة المسلمين، قلت: يا رسول الله، إحدانا لا يكون لها جلباب؟ قال: «لتلبسها أختها من جلبابها» (٣).
ويجب عليهن التزام آداب الخروج، من عدم التطيب والتزين كما هو معلوم.
وأما الصبيان، فقد سئل ابن عباس: أشهدتَ العيد مع النبي ﷺ؟ قال: «نعم، ولولا مكاني من الصغر ما شهدته» (٤).
لكن ينبغي أن يكون معهم من يضبطهم عن اللعب واللهو ونحوهما سواءً صلوا أم لا.
٦ - مخالفة الطريق إلى المصلى:
عن جابر بن عبد الله قال: «كان النبي ﷺ إذا كان يوم عيدٍ خالف الطريق» (٥).
_________________
(١) إسناده صحيح: أخرجه البيهقي (٣/ ٣١٦).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٢٢٠)، وانظر «إرواء الغليل» (٣/ ١٢٥).
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (٩٧١)، ومسلم (٨٩٠).
(٤) صحيح: أخرجه البخاري (٩٧٧).
(٥) صحيح: أخرجه البخاري (٩٨٦).
[ ١ / ٦٠٤ ]
وعن أبي هريرة قال: «كان النبي ﷺ إذا خرج إلى العيد رجع في غير الطريق الذي خرج فيه» (١) فاستحب أكثر أهل العلم الذهاب إلى المصلى من طريق والرجوع من طريق آخر، تأسيًّا بالنبي ﷺ.
٧ - يستحب المشي إلى المصلى وعدم الركوب إلا لحاجة: فعن عليٍّ ﵁ قال: «من السنة أن تخرج إلى العيد ماشيًا» (٢) وفيه ضعف، ويشهد له حديث لابن عمر: «كان رسول الله ﷺ يخرج إلى العيد ماشيًا ويرجع ماشيًا» (٣).
وهذا إذا كان المصلى قريبًا لا يشق المشي إليه، فإن احتاج للركوب فلا حرج والله أعلم.
٨ - يستحب التبكير إلى المصلى: بعدما يصلُّوا الصبح لأخذ مجالسهم، ويكبِّرون حتى يخرج الإمام للصلاة (٤).
وهذا إذا كان المصلى قريبًا لا يشق المشي إليه، فإن احتاج للركوب فلا حرج، والله أعلم.
لا سُنَّة قبل صلاة العيد ولا بعدها:
عن ابن عباس: «أن النبي ﷺ صلى يوم الفطر ركعتين، لم يُصلِّ قبلها ولا بعدها» (٥).
قال ابن العربي: التنفُّل في المصلى لو فُعل لنُقل، ومن أجازه رأى أنه وقت مطلق للصلاة ومن تركه رأى النبي ﷺ لم يفعله، ومن اقتدى فقد اهتدى. اهـ.
قال الحافظ: وأما مطلق النفل فلم يثبت فيه منع بدليل خاص، إلا إن كان ذلك في وقت الكراهة الذي في جميع الأيام، والله أعلم. اهـ (٦).
قلت: ورأى بعض الفضلاء أن مصلى العيد مسجد، فإذا دخله الإنسان فلا يجلس حتى يصلي ركعتين، واستدل بمنع الرسول ﷺ الحيَّض أن يمكثن فيه،
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (١٣٠١)، والدارمي (١٦١٣)، وأحمد (٨١٠٠)، وابن خزيمة (١٤٦٨)، وابن حبان (٢٨١٥)، والبيهقي (٣/ ٣٠٨)، وذكره البخاري (٩٤٣) متابعة لحديث جابر المتقدم -وهو من نفس الطريق!! - وقال: «وحديث جابر أصح».
(٢) حسنه الألباني: وانظر «صحيح الترمذي» (١/ ١٦٤) للألباني.
(٣) حسنه الألباني: وانظر «صحيح ابن ماجه» (١٠٧١) للألباني.
(٤) انظر «شرح السنة» للبغوي (٤/ ٣٠٢).
(٥) صحيح: أخرجه البخاري (٩٨٩)، والترمذي (٥٣٧)، والنسائي (٣/ ١٩٣)، وابن ماجه (١٢٩١).
(٦) «فتح الباري» (٢/ ٥٥٢).
[ ١ / ٦٠٥ ]
وأمرهن باعتزاله (١) وفيه نظر، فأما الاستدلال بمنع الحيض فيردُّه أن المراد اعتزالهن الصلاة كما تقدم في أبواب «الطهارة»، ثم إن الأرض كلَّها مسجد أفيشرع تحية المسجد عند إرادة الصلاة في أي بقعة منها؟! وعلى كلٍّ لو كان الصحابة يصلون التحية في المصلى لنُقل كما تقدم عن ابن العربي، والله أعلم. لكن لو صلوا في المسجد فلا شك في مشروعية التحية.
ليس للعيد أذان ولا إقامة:
عن ابن عباس وجابر ﵄ قالا: «لم يكن يؤذَّن يوم الفطر ولا يوم الأضحى (٢).
وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: «صليت مع رسول الله ﷺ العيدين غير مرة، ولا مرتين، بغير أذان ولا إقامة» (٣).
قال ابن القيم: «وكان ﷺ إذا انتهى إلى المصلى أخذ في الصلاة من غير أذان ولا إقامة، ولا قول: الصلاة جامعة. والسنة أن لا يُفعل شيء من ذلك» اهـ. وعلى هذا فإن النداء للعيدين بدعة، والله أعلم.
كيفية صلاة العيد:
صلاة العيد ركعتان، لحديث عمر ﵁ قال: «صلاة السفر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، تمام غير قصر على لسان نبيكم ﷺ» (٤). وتصلى على الصورة الآتية:
١ - يبدأ الركعة الأولى -كسائر الصلوات- بتكبيرة الإحرام.
٢ - ثم يكبِّر بعدها سبع تكبيرات أخرى قبل أن يبدأ القراءة، ولم يصحَّ عن النبي ﷺ أنه كان يرفع يديه مع تكبيرات العيد لكن قال ابن القيم: «وكان ابن عمر - مع تحرِّيه للاتباع- يرفع يديه مع كل تكبيرة» (٥).
قلت: فمن رأى أن ابن عمر لا يفعل هذا إلا بتوقيف من النبي ﷺ فله أن يرفع يديه وإلا فخير الهدي هدي محمد ﷺ.
_________________
(١) يقول بهذا العلامة ابن عثيمين، ﵀.
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (٩٦٠)، ومسلم (٨٨٦).
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٨٨٧)، وأبو داود (١١٤٨)، والترمذي (٥٣٢).
(٤) صحيح: أخرجه النسائي (٣/ ١٨٣)، وأحمد (١/ ٣٧) وقد تقدم.
(٥) «زاد المعاد» (١/ ٤٤١).
[ ١ / ٦٠٦ ]
٣ - ولم يصحَّ عن النبي ﷺ ذكر معين في سكوته بين هذه التكبيرات، لكن قال ابن مسعود: «بين كل تكبيرتين حمد لله ﷿، وثناء على الله» (١).
٤ - ثم يبدأ بقراءة الفاتحة -بعد التكبيرات- ثم سورة، ويستحب أن يقرأ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ على أن يكون في الركعة الثانية ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾ كما ثبت عن النبي ﷺ (٢) وربما قرأ فيهما ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ (٣).
٥ - وبعد القراءة يأتي بباقي الركعة على هيئتها المعتادة.
٦ - ويكبِّر للقيام إلى الركعة الثانية.
٧ - ثم يكبِّر بعدها خمس تكبيرات على نحو ما تقدم في الركعة الأولى.
٨ - ويقرأ الفاتحة والسورة التي تقدم ذكرها.
٩ - ثم يتم صلاته ويسلِّم.
وهذا قول أكثر أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم في صفة صلاة العيدين: عن عائشة ﵂ «أن رسول الله ﷺ كان يكبِّر في الفطر والأضحى: في الأولى سبع تكبيرات، وفي الثانية خمسًا، سوى تكبيرتي الركوع» (٤).
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «كبَّر رسول الله ﷺ العيد: سبعًا في الأولى، ثم قرأ، ثم كبَّر فركعوا، ثم سجد، ثم قام فكبَّر خمسًا، ثم قرأ ثم كبر فركع، ثم سجد» (٥).
الخطبة بعد الصلاة والتخيير في حضورها:
والسنة أن يخطب الإمام بعد الصلاة خطبة واحدة -لا خطبتين (٦) - واقفًا على الأرض لا على منبر، كذا فعل النبي ﷺ والخلفاء الراشدون من بعده:
_________________
(١) إسناده حسن: أخرجه البيهقي (٣/ ٢٩١).
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٨٩١)، والنسائي في الكبرى (١١٥٥٠)، والترمذي (٥٣٤)، وابن ماجه (١٢٨٢).
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٨٧٨)، وغيره عن النعمان بن بشير وقد تقدم قريبًا.
(٤) صحيح: أخرجه أبو داود (١١٥٠)، وابن ماجه (١٢٨٠)، وأحمد (٦/ ٧٠).
(٥) حسنه الألباني: أخرجه أبو داود (١١٥٢)، وابن ماجه (١٢٧٨)، وانظر «الإرواء» (٣/ ١٠٨ - ١١٢).
(٦) وما ورد في أنهما خطبتان فضعيف جدًّا، والله أعلم.
[ ١ / ٦٠٧ ]
١ - فعن ابن عباس ﵄ قال: «شهدت العيد مع رسول الله ﷺ وأبي
بكر وعمر وعثمان ﵃، فكلُّهم كانوا يُصلُّون قبل الخطبة» (١).
٢ - وعن ابن عمر: «أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر، كانوا يصلون العيدين قبل الخطبة» (٢).
٣ - وعن أبي سعيد الخدري قال: «كان النبي ﷺ يخرج يوم العيد والأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف، فيقوم مقابل الناس -والناس جلوس على صفوفهم- فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم، فإن كان يريد أن يقطع بعثًا قطعه أو يأمر بشيء أمر به ثم ينصرف» قال أبو سعيد: «فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجتُ مع مروان -وهو أمير المدينة- في أضحى أو فطر، فلما أتينا المصلَّى إذا منبر بناه كثير بن الصلت، فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي، فجبذتُ بثوبه، فجبذني، فارتفع فخطب قبل الصلاة، فقلتُ له: غيَّرتم والله، فقال: أبا سعيد، قد ذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلمُ والله خيرٌ مما لا أعلم، فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلتُها قبل الصلاة» (٣). وحضور هذه الخطبة لا يجب ويستحب للإمام أن يُخير في حضورها تأسيًا بالنبي ﷺ فعن عبد الله بن السائب قال: شهدت العيد مع النبي ﷺ فلما قضى الصلاة قال: «إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحب أن يذهب فليذهب» (٤).
فائدة: خطبة العيد كسائر الخطب، تُفتتح بالحمد والثناء على الله تعالى، ولم يصح حديث في افتتاحها بالتكبير.
هل يهنئون بعضهم بالعيد؟
قال شيخ الإسلام في «الفتاوى» (٢٤/ ٢٥٣):
«أما التهنئة يوم العيد بقول بعضهم لبعض إذا لقيه بعد صلاة العيد: (تقبَّل الله منا ومنكم) و(أحال عليك) ونحو ذلك، فهذا قد رُوى عن طائفة من الصحابة
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٩٦٢)، ومسلم (٨٨٤).
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (٩٦٣)، ومسلم (٨٨٨).
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (٩٥٦)، ومسلم (٨٨٩).
(٤) صحيح: أخرجه أبو داود (١١٥٥)، والنسائي (٣/ ١٨٥)، وابن ماجه (١٢٩٠).
[ ١ / ٦٠٨ ]
أنهم كانوا يفعلونه (١) ورخَّصَ فيه
الأئمة كأحمد وغيره، لكن قال أحمد: أنا لا أبتدئ أحدًا، فإن ابتدأني أحد أجبتُه، وذلك لأن جواب التحية واجب، وأما الابتداء بالتهنئة فليس مأمورًا بها، ولا هو أيضًا مما نُهي عنه، ممن فعله فله قدوة، ومن تركه له قدوة، والله أعلم» اهـ.
«ولا ريب أن هذه التهنئة من مكارم الأخلاق، ومحاسن المظاهر الاجتماعية بين المسلمين، ولها أثر طيب في تقوية الصلات والوشائج، وإشاعة روح المحبة بين المسلمين، فأقل ما يقال فيها أن تهنئ من هنَّأك، وتسكت إن سكت» (٢).
_________________
(١) قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٥١٧): «ورونا في «المحامليات» بإسناد حسن عن جبير بن نفير قال: «كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا التقوا يوم العيد، يقول بعضهم لبعض: تقبَّل الله منا ومنك» اهـ. ونقل ابن قدامة في «المغنى» (٢/ ٢٥٩) نحوه عن أبي أمامة وغيره من أصحاب النبي ﷺ ونقل عن أحمد تجويده حديث أبي أمامة، وانظر «تمام المنة» (ص: ٣٥٤ - ٣٥٦).
(٢) «وقفات للصائمين» للشيخ سلمان العودة -حفظه الله- (ص: ٩٩) عن «أحكام العيدين» لهشام البرغش (ص: ٥٧).
[ ١ / ٦٠٩ ]