يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [سورة البقرة، آية (١٨٧)] .
هذه آية من آيات الصيام، بيّن الله تعالى فيها أحكاما عديدة، وفيها تحليل شيء كان محرما عليهم قبل نزول هذه الآية: ألا وهو إتيان النساء في أوقات معينة، وحالات خاصة، ويوضح ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن البراء ﵁ قال: "لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله تعالى الآية".
قال الحافظ ﵀: "ظاهر هذا الحديث يدل على أن الجماع كان ممنوعا في جميع الليل والنهار، بخلاف الأكل والشرب فكان مأذونا فيه ليلا ما لم يحصل النوم، لكن بقية الأحاديث الواردة في هذا المعنى تدل على عدم الفرق، فيحمل قوله: "كانوا لا يقربون النساء" على الغالب جمعا بين الأخبار. انتهى كلامه ﵀.
فاستقر الحكم أخيرا على إباحة إتيان الزوجة ليلا في رمضان، أي فترة الإفطار المباحة وهي من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الثاني، أي ما بين أذان المغرب إلى أذان الفجر الثاني.
[ ٥٥ ]
أما خلال نهار رمضان فإن إتيان الزوج لزوجته من المحرمات، بل هو انتهاك عظيم لحرمة الشهر، ولذلك كانت عقوبته عظيمة، وهي الكفارة التي حكم بها رسول الله ﷺ على من جامع امرأته نهار رمضان.
وذلك ما رواه أبو هريرة ﵁، قال: "جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، هلكت، قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان وأنا صائم، فقال ﵊: هل تجد رقبة تعتقها، قال: لا، قال: فهل تستطيع أن ثصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينا؟ قال: لا، قال: اجلس، فجلست، فأُتِيَ النبي ﷺ بِعَرَقٍ فيه ثمر، أي مكتل ضخم فقال للرجل: تصدق به، فقال: أعلى أفقر مني يا رسول الله، فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر مني، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: أطعمه أهلك"، رواه البخاري ومسلم.
فتبيّن من هذا أن من وقع على امرأته في نهار رمضان وهو صحيح مقيم، وجبت عليه الكفارة السابق ذكر خصالها في الحديث، وكذلك تجب الكفارة على الزوجة إن كانت طائعة مختارة غير مكرهة لاشتراكها مع الزوج في انتهاك حرمة الشهر، أما إن كانت مكرهة أو معذورة فلا كفارة عليها لعدم القصد منها كما أفتى بذلك جمهور العلماء.
[ ٥٦ ]