قال ﵀ (٣٤١):
(ومن ذلك: أن ولي الأمر يجب عليه أن يمنع من اختلاط الرجال بالنساء في الأسواق والفرج ومجامع الرجال.
قال مالك ﵀ ورضي الله عنه:
" أرى للإمام أن يتقدم إلى الصناع في قعود النساء إليهم وأرى أن لا يترك المرأة الشابة تجلس إلى الصناع فأما المرأة المتجالة والخادم الدون التي لا تتهم على القعود ولا يتهم من تقعد عنده: فإني لا أرى بذلك بأسًا " انتهى.
فالإمام مسؤول عن ذلك والفتنة به عظيمة قال ":
" ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء " (٣٤٢)
وفي حديث آخر أنه قال للنساء: " لكُن حافات الطرق " (٣٤٣) ويجب عليه منع النساء من الخروج متزينات متجملات ومنعهن من الثياب التي يكن بها كاسيات عاريات كالثياب الواسعة والرقاق ومنعهن من حديث الرجال في الطرقات ومنع الرجال من ذلك
وإن رأى ولي الأمر أن يفسد على المرأة - إذا تجملت وتزينت وخرجت - ثيابها بحبر ونحوه فقد رخص في ذلك بعض الفقهاء وأصاب وهذا من أدنى عقوبتهن المالية وله أن يحبس المرأة إذا أكثرت الخروج من منزلها - ولا سيما إذا خرجت متجملة - بل إقرار النساء على ذلك إعانة لهن على الإثم والمعصية والله سائل ولي الأمر عن ذلك وقد منع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ النساء من المشي
_________________
(١) " الطرق الحكمية في السياسة الشرعية " ص (٢٨٠ - ٢٨١) .
(٢) رواه الشيخان وغيرهما عن أسامة ﵁.
(٣) أخرجه أبو داود عن أبي أسيد الأنصاري بلفظ: (ليس لكُن أن تحققن الطريق عليكن بحافات الطريق: وفي سنده مجهول لكن له شاهد حسن من حديث أبي هريرة بلفظ: (ليس للنساء وسط الطريق) رواه ابن حبان وغيره، فيتقوى به (صحيح الجامع ٥ / ٩٨)، وتحقيق " شرح السنة " (١٢ / ٣٢٢) .
[ ٢٠٠ ]
في طريق الرجال والاختلاط بهن في الطريق (٣٤٤) فعلى ولي الأمر أن يقتدي به في ذلك.
وقال الخلال في جامعه: أخبرني محمد بن يحيي الكحال أنه قال لأبي عبد الله: أرى الرجل السوء مع المرأة؟ قال: صح به وقد أخبر النبي ":
" أن المرأة إذا تطيبت وخرجت من بيتها فهي زانية " (٣٤٥)
ويمنع المرأة إذا أصابت بخورًا أن تشهد عشاء الآخرة في المسجد (٣٤٦) فقد قال النبي ": " المرأة إذا خرجت استشرفها الشيطان " (٣٤٧) .
ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية وشر وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا وهو من أسباب الموت العام والطواعين المتصلة) اهـ.
فهذه نبذة يسيرة مما ينبغي أن يكون عليه الحاكم المسلم وأن سلطته - بقوة الشرع الذي يجعل طاعته جزء من الدين - تمتد إلى هذه الحدود الواسعة ردعًا للفسقة ومشيعي الفاحشة ومراعاة لقوله ":
" كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته: الإمام راع وهو مسؤول عن رعيته "
الحديث (٣٤٨) .
_________________
(١) وقد روى أنه رأى رجلًا وامرأة يتكلمان في الطريق - وقد تكون زوجته أو من محارمه - فعلاهما بالدرة، وقال: (ما وجدتما مكانًا غير هذا تتكلمان فيه؟) فأين أنت يا عمر وأين درتك؟ ما أحوجنا إليكما الآن! .
(٢) أخرجه النسائي وأبو داود والترمذي والحاكم والإمام أحمد وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما من حديث أبي موسى الأشعري بلفظ: (أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية) وقال الترمذي: حسن صحيح وقال الحاكم: صحيح الاسناد، ووافقه الذهبي.
(٣) لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ": (أيما امرأة أصابت بخورًا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة) أخرجه مسلم وأبو عوانة في صحيحيهما وأصحاب السنن وغيرهم.
(٤) رواه البزار والترمذي والطبري في الكبير وصححه الألباني (إرواء الغليل ١ / ٣٠٣) رقم (٢٧٣) .
(٥) رواه الشيخان وغيرهما عن ابن عمر ﵄.
[ ٢٠١ ]
قال الله تعالى: (وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميه ليمكروا فيها)
الآية الأنعام ١٢٣.
وهذا ما جرى من " أكابر مجرميها " قرانا حيث تمكن منها تلامذة الاستعمار الأمناء على عهده الحافظون لمآربه وهم قوم صغار النفوس لا يقف استهتارهم وعنادهم للشرع عند حد والأمة إذا أسندت أمرها إلى صغار النفوس كبرت رذائلهم لا نفوسهم وإذا حكم الفاسق فقد حكم الفسق.
وللخير أهل يعرفون بهديهم إذا اجتمعت عند الخطوب المجامع
وللشر أهل يعرفون بشكلهم تشير إليهم بالفجور الأصابع
وقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ": " صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مميلات (٣٤٩) مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا ".
قال الأستاذ " محمد أديب كلكل " (٣٥٠) مشيرًا إلى فوائد هذا الحديث:
(وفيه ربط بين الاستبداد السياسي " قوم معهم سياط " والانحلال الخلقي " ونساء كاسيات عاريات " وهذا ما يصدقه الواقع فإن المستبدين من الطغاة والمتسلطين من الفراعنة يشغلون الشعوب عادة بما يقوي الشهوات ويزينها ويلهي الناس بالمتاع الشخصي عن مراقبة القضايا العامة لكي يبقوا سادرين في غفلاتهم غارقين في شهواتهم لا يهتمون
_________________
(١) قال الإمام ابن الأثير الجزري ﵀: (" مائلات مميلات " مائلات: أي زائغات عن طاعة اللهو عما يلزمهن من حفظ الفروج ومميلات: يعلمن غيرهن الدخول في مثل فعلهن) اهـ محل الغرض منه (جامع الأصول ١١ / ٧٨٩) . وقال الشيخ إسماعيل حقي في تفسير قوله (مميلات): (أي قلوب الرجال إلى الفساد بهن، أو مميلات أكتافهن وأكفالهن كما تفعل الراقصات أو مميلات مقانعهن عن رؤوسهن لتظهر وجوههن) اهـ من (روح البيان) (٧ / ١٧٠) - وانظر هامش " المجموع " للنووي (٤ / ٣٠٧) .
(٢) في كتابه (حكم النظر في الإسلام) ص (١٣٤) .
[ ٢٠٢ ]
بطغيان ولا يسألون عن انحراف ولا يقاومون ظلمًا ولا عدوان) اهـ بمعناه.
أجل! لقد تطرف هؤلاء " الأكابر " في انجذابهم إلى طريق الشيطان حتى خرجوا من الدائرة بالكلية وصاروا هم في الحقيقة الرجعيين المتطرفين الداعين إلى الرجعية الجاهلية المظلمة قبل بزوغ فجر الإسلام.
ومن عجيب أمرهم أنه إذا أنكر عليه منكر فتحهم باب الطعن في أحكام الإسلام احتجوا بأن هذه أمور تخضع للحرية الشخصية وأن لابد من التزام مبدأ حرية الرأي والسلوك أفلا يحتجون بحرية الرأي والسلوك في حق من يكفر بنظمهم " الأساسية " ويطعن في مناهجهم العلمانية؟ أم أنهم يغارون على دنياهم ويستكثرون منا أن نغار على ديننا؟
يقاد للسجن من سب الزعيم ومن سب الإله فإن الناس أحرار
[ ٢٠٣ ]