طبع الكتاب في سنة ١٨٩٩م وقد ألغى فيه أفكاره الدفاعية التي أوردها في
_________________
(١) بتأمل عنوان الكتاب يتبين لنا أنه كان يعتبر المرأة مستعبدة وقد أخذ على نفسه أن يحررها وقد جاء في مجلة الهلال أنه كان «يعلم ما يعتور مشروعه من العقبات وما سيلقاه من مقاومة تيار الرأي العام الآن إصلاح المرأة يقتضي منحها الحرية ويتناول تقبيح الحجاب والنهي عن الطلاق وتعدد الزوجات مما يعده العامة من قبيل العقائد الدينية وهو ليس من الدين في شيء فاضطر أن يبين ذلك في أثناء بحثه» اهـ من مقدمة " أسباب ونتائج لقاسم أمين " ص (١٠) وانظر أيضًا " بناة النهضة العربية " لجرجي زيدان" ص (١٠١) .
(٢) يشير إلى إيقاف مقالات الهجوم على " قاسم أمين ".
[ ٣٩ ]
كتابه السابق (المصريون) (٥٠) سواء المتعلقة بتقييمه للإنسان المصري أو المتعلقة بالمرأة المصرية أو أحكام الشريعة وما يسميه (المدنية الإسلامية) فبينما نجده في كتابه المصريون يصف المصري بالأمانة والشجاعة والذكاء وقوة الاحتمال ويعزي هذه الخصال الجيدة لحقيقة الهوية الإسلامية للمصري نجده يقول بعد خمس سنوات في كتابه (تحرير المرأة):
«فالتركي مثلًا نظيف صادق شجاع والمصري على ضد ذلك إلا أنك تراهما رغمًا عن هذا الاختلاف متفقين في الجهل والكسل والانحطاط إذن لابد أن يكون بينهما أمر جامع وعلة مشتركة هي السبب الذي أوقعهما معًا في حالة واحدة ولما لم يكن هناك أمر يشمل المسلمين جميعًا إلا الدين ذهب جمهور "الأوروباويين" وتبعهم قسم عظيم من نخبة المسلمين إلى أن الدين هو السبب الوحيد في انحطاط المسلمين وتأخرهم عن غيرهم» (٥١)
قد انصرف جهد المؤلف في هذا الكتاب إلى التدليل على ما زعمه من أن:
«حجاب المرأة بوضعه السائد (٥٢) ليس من الإسلام وأن الدعوة إلى السفور (٥٣) ليس فيها خروج على الدين أو مخالفة لقواعده»
وقد تناول في كتابه هذا أربع مسائل وهي:
الحجاب، واشتغال المرأة بالشئون العامة، وتعدد الزوجات، والطلاق
وهو يذهب في كل مسألة من هذه المسائل إلى ما يطابق مذهب الغربيين زاعمًا أن ذلك هو مذهب الإسلام - قال:
(سيقول قومًا إن ما أنشره اليوم بدعة، فأقول: نعم! أتيت ببدعة ولكنها ليست في الإسلام بل في العوائد وطرق المعاملة التي يحمد طلب الكمال فيها) (٥٤)
_________________
(١) بل لم يحاول نقل كتابه (المصريون) إلى اللغة العربية ولا إعادة إصداره في مصر
(٢) (قاسم أمين - الأعمال الكاملة) (٢/٧٢)
(٣) يقصد تغطية المرأة جميع بدنها عن الأجانب.
(٤) يقصد به كشف وجهها.
(٥) " تحرير المرأة " ص (٥) ط محمد زكي الدين بالقاهرة ١٣٤٧ هـ.
[ ٤٠ ]
والذي يهمنا فيما نحن بصدده ما كتبه فيما يتعلق بالحجاب:
لقد اعتبر قاسم أمين الحجاب
(أصلًا من أصول الأدب يلزم التمسك به ولكنه يطالب بأن يكون منطبقًا على الشريعة الإسلامية) (٥٥) ثم يقول:
(إن الشريعة ليس فيها نصًا يوجب الحجاب على الطريقة المعهودة)
وإنما هي في زعمه:
(عادة عرضت لهم من مخالطة بعض الأمم فاستحسنوها وأخذوا بها وبالغوا فيها وألبسوها لباس الدين كسائر العادات الضارة التي تمكنت في الناس باسم الدين والدين براء منها) (٥٦) ثم يورد قاسم أمين قوله تعالى:
﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ الآيتان (٥٧) ثم يقول:
(إن الآية قد أباحت أن تظهر بعض أعضاء من جسم المرأة أمام الأجنبي عنها غير أنها لم تسم تلك المواضع وقد قال العلماء (٥٨): إنها وكلت فهمها وتعيينها إلى ما كان معروفًا في العادة وقت الخطاب واتفق الأئمة على أن الوجه والكفين مما شمله الاستثناء في الآية ووقع الخلاف بينهم في أعضاء أخر كالذراعين والقدمين) (٥٩) اهـ
ثم ينتقل إلى الكلام على الحجاب بمعنى قصر المرأة في بيتها وحظر
_________________
(١) " تحرير المرأة " ص (٥٤) .
(٢) " المصدر السابق " ص (٥٧ - ٥٨) .
(٣) سورة النور (٣٠ - ٣١) .
(٤) كذا!!! ولم يسمِّ واحدًا منهم.
(٥) " تحرير المرأة " ص (٥٨) .
[ ٤١ ]
مخالطتها بالرجال فيقول:
(إن الحجاب بهذا المعنى هو تشريع خاص بنساء النبي " ويستشهد على ذلك بقوله تعالى: ﴿وإذا سألتموهن متاعًا فسألوهن من وراء حجاب﴾ (٦٠) الآية
وقوله تعالى:
﴿يا نساء النبي لستن كأحد من النساء﴾ (٦١) الآية.
أما نساء المسلمين عامة فهن - في زعمه - منهيات عن الخلوة بالأجنبي فقط) (٦٢) اهـ
ويستمر قاسم بنفس التهافت في علاج القضايا الأخرى ويزيد على ذلك تهكمه بالفقهاء واستهزاءه بعلماء الشريعة بل وبنصوصها الصريحة كما فعل في قضية تعدد الزوجات وهو في كل ذلك يستدل بالنصوص القرآنية والأحاديث النبوية (٦٣) ثم يعرض لشرحها شرحًا ملتويًا مغرضًا يوجه لتبرير فكرة معينة يحاول أن يسخر النصوص لخدمتها تلبيسًا على ضحاياه المخدوعين.
وما أصدق ما قاله بعض معاصريه: (ما رأيت باطلًا أشبه بحق من كلام قاسم أمين)
بل هذا " أحمد شوقي " يشير إلى لباقة قاسم أمين في دعم
_________________
(١) الأحزاب (٥٣) .
(٢) الأحزاب (٣٢) .
(٣) اقتضت الضرورة " عدو المرأة المسلمة " أن يتظاهر في بعض المواضع بمظهر المسلم الوقور الغيور على دينه الحافظ لحدود الله المحترم للفقهاء والأدلة الشرعية بينما تخلى عن هذا القناع في مثل قوله: «في البلاد الحرة قد يجاهر الإنسان بأن لا وطن له ويكفر بالله ورسله ويطعن على شرائع قومه وآدابهم وعاداتهم يقول ويكتب ما شاء في ذلك ولا يفكر أحد أن ينقص شيئًا من احترامه لشخصه متى كان قوله صادرًا عن نية حسنة واعتقاد صحيح (!) كم من الزمن يمر على مصر قبل أن تبلغ هذه الدرجة من الحرية؟» اهـ من (قاسم أمين - الأعمال الكاملة) (١ / ١٦٥) .
(٤) " تحرير المرأة " ص (٦٨) هذا وقد وقع في آخر جملة في الكتاب خطأ مطبعي غير مقصود لفظًا، ولكن لا يبعد أن الحكمة الإلهية شاءت أن يقع في محله لأنه مطابق لمقصود الكتاب ألا وهو قول " قاسم أمين ": تم كتاب تجريد المرأة
[ ٤٢ ]
دعوته بالقرآن والسنة متسائلًا: أكان قاسم أمين يَغار على الإسلام أم يُغير عليه؟؟!!
ولك البيان الجزل في أثنائه العلم الغزير
في مطلب خشن كثير في مزالقه العثور
ما بالكتاب ولا الحديث إذا ذكرتهما نكير
حتى لنسأل هل تغار على العقائد أم تغير؟ (٦٤)
وقد علق الدكتور " محمد محمد حسين " - ﵀ - على هذا المنهج اللئيم بقوله:
(أحب أن أسأل الذين يحاولون أن يسوغوا باطلهم الذي يقحمونه على إسلامنا بمزاعم يتحايلون على إلصاقها بالدين ونصوصه أحب أن أسأل سؤالًا حاسمًا يفرق بين الحق والباطل: هل تعلمون أن أحدًا من المسلمين قد دعا قبل اليوم بدعوتكم؟ فإذا كان ذلك لم يحدث من قبل فهل تستطيعون أن تزعموا أن صحابة رسول الله " ورضي الله عنهم وفقهاء المسلمين قد غفلوا جميعًا عن فهم نصوص دينهم حتى جاء هؤلاء الذين أوحى إليهم شياطين الجن والإنس في باريس من أمثال قاسم أمين فانتكس تفكيرهم بين معاهدها ومباذلها حين لم يعتصموا في دين الله بحبل متين ولم يأووا بهديه إلى ركن رشيد يذود عنهم كل شيطان مريد وذلك حين بعثوا إلى تلك البلاد لينقلوا إلينا الصالح النافع من علومها وصناعاتها فضلوا الطريق وعادوا إلينا بغير الوجه الذي بعثوا به جاء هؤلاء بعد ثلاثة عشر قرنًا من نزول القرآن ليخرجوا للناس حقائق التنزيل التي غاب علمها عن الأولين والآخرين من الفقهاء والمفسرين ويضربوا بإجماع المسلمين في الأجيال المتعاقبة والقرون المتطاولة عرض الحائط أليس ابتداع هذه الدعوة في ظل الاحتلال
_________________
(١) " الشوقيات " (٢ / ١٦٨) .
[ ٤٣ ]
الإنكليزي وتزعم فريق من المتفرنجين الذين عرفوا بموالاة ذلك الأجنبي المحتل هو وحده دليلًا كافيًا على إنها طارئة علينا من الغرب تقليدًا لمذاهب أهله المبتدعين في دينهم بأهوائهم وأهواء رؤسائهم والخارجين على نصرانيتهم وكتابها) اهـ (٦٥)
- هل كان للشيخ " محمد عبده " (١٨٤٢ - ١٩٠٥ م) دور في الكتاب؟
(كان المعروف عن قاسم أمين أنه ليس له إلمام بالعلوم الإسلامية بحيث يتمكن من إضفاء الصبغة الفقهية على كتابه ومن هنا شاع بين الناس وقتها أن مؤلفه في الحقيقة أستاذه هو الشيخ محمد عبده) (٦٦) .
قال الدكتور " محمد محمد حسين":
(جاء كتابه - تحرير المرأة - مملوءًا بالمغالطات سواء كان ذلك في تفسير الآيات القرآنية أو في النصوص التاريخية والفقهية أو الأدلة العقلية وهذا الاتجاه الذي يفسر النصوص تفسيرًا جيدًا مخالفًا لكل ما هو ثابت متواتر في تفسيرها هو جزء من اتجاه عام تزعمه الشيخ " محمد عبده " متذرعًا إليه بالدعوة إلى فتح باب الاجتهاد الذي زعم أن الفقهاء أغلقوا بابه وهو يدعو إلى الملائمة بين الإسلام وبين الحضارة الغربية) (٦٧) اهـ.
قال " داود بركات " رئيس تحرير الأهرام:
(وقد حمل الشيخ محمد عبده الدعوة إلى تحرير المرأة في دروسه في الرواق العباسي بالأزهر حين أعلن أن الرجل والمرأة يتساويان عند الله وقد ترددت آراء كثيرة بأن الشيخ محمد عبده كتب بعض فصول الكتاب أو كان له دور في
_________________
(١) " حصوننا مهددة من داخلها " ص (١٢١ - ١٢٢) طبعة المكتب الإسلامي (١٣٩٨ هـ) .
(٢) " الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر " (١/ ٢٨١ - ٢٨٢) للدكتور محمد محمد حسين ﵀.
(٣) " الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر " (١ / ٢٨١ - ٢٨٢) للدكتور محمد محمد حسين ﵀.
[ ٤٤ ]
مراجعتها) (٦٨) .
ومما أورده " لطفي السيد ":
(أنه اجتمع في جنيف عام ١٨٩٧ م بالشيخ محمد عبده وقاسم أمين وسعد زغلول وأن قاسم أمين أخذ يتلو عليه فقرات من كتاب تحرير المرأة وصفت بأنها تنم عن أسلوب الشيخ محمد عبده) (٦٩) اهـ.
وقالت " وداد السكاكيني ":
(فتح - أي محمد عبده - على الناس أبوابًا جديدة تلج منها المرأة المسلمة إلى الحياة التي وهبها الخالق إياها كما وهبها للرجل ولكن النفوس لم تكن هيئت تمام التهيؤ في البداية ورأى الإمام ألا يخاطر فيلج بنفسه هذا الميدان ويرقى مرتقاه الصعب فيقف أمام الجهلاء يحاربونه فيؤثر ذلك على مركزه كإمام للإصلاح يستند على الدين وتضيع بذلك فرص في الإصلاح في الميادين الأخرى فهيأ لهذا الميدان بالذات جنديًا يصلح له من تلاميذه هو " قاسم أمين " ثم وقف يسانده ويحميه من بعيد حتى وصلت الدعوة في تحرير المرأة إلى أبعد مما كان يقصد الشيخ " محمد عبده " إذن لم تكن دعوة قاسم أمين مبتكرة ولا بدعة في سبقها) (٧٠) اهـ
وقال د / محمد عمارة جامع الأعمال الكاملة لـ قاسم أمين ومحققها:
_________________
(١) الأهرام - مايو ١٩٢٨م وانظر (دحض بدعة المساواة بين الرجل والمرأة) في القسم الثاني من هذا الكتاب ص (٩٣ - ١١٥) .
(٢) نقلًا عن كتاب (الأخوات المسلمات) ص (٢٤٧) وانظر (تطور النهضة النسائية) لإبراهيم عبده ودرية شفيق ص (٧٤) (٧٥) .
(٣) " قاسم أمين " لوداد السكاكيني ص (٤٦) .
[ ٤٥ ]
(ففي تحرير المرأة وبالذات في الفصول التي تتناول وجهة نظر الشريعة والدين في هذه القضية نلتقي بمجموعة من الآراء الفقهية والمناقشات لا يستطيع أن يبحثها ولا أن يستخلصها كاتب مثل قاسم أمين وأهم من ذلك نجد أحكامًا كلية تدل على أن صاحبها ومصدرها قد استقصى بحث هذا الأمر في جميع مصادره الرئيسية في الفكر الإسلامي على اختلاف مذاهبه وتياراته الفكرية وهو الأمر الذي لا نعتقد أنه قد توافر في ذلك العصر سوى لقلة قليلة في مقدمتهم جميعًا الأستاذ الغمام محمد عبده) (٧١) اهـ
بينما يجزم د / محمد عمارة في موضع آخر بهذه النسبة المشار إليها آنفًا بقوله وهو يعدد إنجازات الشيخ محمد عبده: (ومن أبرز أعماله الفكرية في هذه المرحلة الفصول التي شارك بها في كتاب " تحرير المرأة " لقاسم أمين سنة ١٨٩٩ م) (٧٢) اهـ
وذكرت "درية شفيق" (أن دور محمد عبده في الكتاب قد أثار حفيظة بعض الرجعيين الذين اتهموه بالزيغ والكفران) (٧٣)
وقال الدكتور السيد أحمد فرج - حفظه الله -: (وقد بالغ بعض الكتاب فرأى أن فصولًا كاملة بنصوصها في كتاب تحرير المرأة كتبها الشيخ محمد عبده من إنشائه وهي الفصول الآتية:
١ - حجاب النساء من الجهة الدينية ص (٥٩ - ٧٢)
٢ - الزواج ص (١٢٣ - ١٣٢)
٣ - تعدد الزوجات ص (١٣٣ - ١٤٠)
_________________
(١) " قاسم أمين الأعمال الكاملة " المقدمة: دراسة في فكر قاسم أمين ص ١٤٤.
(٢) " الإسلام والمرأة في رأي الإمام محمد عبده " ص ١٣٨.
(٣) (تطور النهضة النسائية) ص (٧٨)
[ ٤٦ ]
٤ - الطلاق ص (١٤١ - ١٦٤)
(محمد عمارة - الأعمال الكاملة " لمحمد عبده " ٢/ ١٠٥- ١٢٩ بيروت ١٩٧٢)
وهذا الادعاء من كاتبه يرد عليه لأنه يحتاج إلى دليل يوثقه والأرجح أنها من فكر الشيخ محمد عبده وإنشاء كاتبها فالشيخ هو الذي وجه الأفكار وأرشد إلى ما يحتاجه الكاتب من نصوص الكتاب والسنة وكتب الفقه الإسلامي وهو الذي أرشده بتوجيهاته أثناء الكتابة أو قراءة أصول الكتاب قبل طبعه كما جاء في مذكرات احمد لطفي السيد.
والمعروف عن الشيخ محمد عبده أنه كان يملي الأفكار ويوجه إليه أكثر مما يكتب هكذا فعل مع قاسم أمين ومع أشهر تلاميذه في مجال الإصلاح الإسلامي السيد " محمد رشيد رضا ") (٧٤) .