لم يكن يتخيل أحد أن " يجاهر " أحد من القائمين على دعوة تحرير المرأة بأن هذا
" التحرير " في مفهومه يرادف " الأسر " بل ويرادف " الانحلال " بكل ما تحتمله الكلمة من معان.
ومع وضوح السلسلة التاريخية التي مرت بها حركة " تحرير المرأة " والتي سردنا بعضًا من حلقاتها فيما تقدم ومع إمكان الاختلاف في تحديد بدايتها على وجه الدقة إلا أنه لم يوجد " قلم " يحترم نفسه جرؤ على الزعم بأن عام ١٨٠٠م هو عام تحرير المرأة المصرية!
وأن " الحملة الفرنسية " كانت نقطة " الانطلاق " إلى " تحرير المرأة" من كل قيد وأول ذلك قيد الدين والخلق والحياء.. فماذا عن عام ١٨٠٠؟
(عام ١٨٠٠ عام هزيمة ثورة القاهرة الثانية عام سبي جنود الاحتلال الفرنسي لنساء مصر وبناتها وغلمانها هو عام تحرير المرأة المصرية)
لقد أنفرد بهذا الكشف " لويس عوض "! يقول:
(أما عام ١٨٠٠م فهو عام تحرير المرأة ففي الجبرتي وصف لبدايات حركة السفور ووصف لبدايات حركة تحرير المرأة ووصف لما أصاب بعض نساء القاهرة من انطلاق نتيجة لمخالطة المصريين للفرنسيين ومحاكاتهم في الزي وفي
_________________
(١) (*) بتصرف من " ودخلت الخيل الأزهر " ص (٣٩٥ - ٤١٤) ط. أولى، (١٣٩١ هـ - ١٩٧٢ م) - الدار العلمية - بيروت.
[ ٨٧ ]
السلوك) (١٥٥)
ويستشهد " لويس عوض " على حركة " التحرير " هذه بقول الجبرتي: (ومنها تبرج النساء وخروج غالبهن عن الحشمة والحياء وهو أنه لما حضر الفرنسيس إلى مصر ومع البعض منهم نساؤهم كانوا يمشون في الشوارع مع نسائهم وهن حاسرات الوجوه لابسات الفستانات والمناديل الحرير الملونة ويسدلن على مناكبهن الطرح الكشميري والمزركشات المصبوغة ويركبن الخيول والحمير ويسوقنها سوقًا عنيفًا مع الضحك والقهقهة ومداعبة المكارية معهم وحرافيش العامة فمالت إليهم نفوس أهل الأهواء من النساء الأسافل والفواحش فتداخلن معهم لخضوعهم للنساء وبذل الأموال لهن وكان ذلك التداخل أولًا مع بعض احتشام وخشية عار ومبالغة في إخفائه فلما وقعت الفتنة الأخيرة بمصر وحاربت الفرنسيس بولاق وفتكوا في أهلها وغنموا أموالها وأخذوا ما استحسنوه من النساء والبنات وصرن مأسورات عندهم فزيوهن بزي نسائهم وأجروهن على طريقتهن في كامل الأحوال فخلع أكثرهن نقاب الحياء بالكلية وتداخل مع أولئك المأسورات غيرهن من النساء الفواجر ولما حل بأهل البلد من الذل والهوان وسلب الأموال واجتماع الخيرات في حوز الفرنسيين ومن والاهم وشدة رغبتهم في النساء وخضوعهم لهن وموافقة مرادهن وعدم مخالفة هواهن ولو شتمته أو ضربته بتاسومتها
(١٥٦) فطرحن الحشمة والوقار والمبالاة والاعتبار واستملن نظراءهن واختلسن عقولهن لميل النفوس إلى الشهوات وخصوصًا عقول القاصرات
_________________
(١) " تاريخ الفكر " للويس عوض " ج ١ ".
(٢) أي حذاؤها.
[ ٨٨ ]
وخطب الكثير منهم بنات الأعيان وتزوجوهن رغبة في سلطانهم ونوالهم فيظهر حالة العقد الإسلام وينطق بالشهادتين لأنه ليس له عقيدة يخشى فسادها)
(ومنها أنه أوفى النيل أذرعه ودخل الماء إلى الخليج وجرت فيه السفن ووقع عند ذلك
من تبرج النساء واختلاطهن بالفرنسيين ومصاحبتهن لهم في المراكب والرقص والغناء والشرب بالنهار والليل في الفوانيس والشموع الموقدة عليهن الملابس الفاخرة والحلي والجواهر المرصعة وبصحبتهم آلات الطرب وملاحوا السفن يكثرون من الهزل والمجون ويتجاوبون برفع الصوت في تحريك المجاديف بسخف موضوعاتهم وكثائف مطبوعاتهم وخصوصًا إذا دبت الحشيشة في رؤوسهم وتحكمت في عقولهم فيصرخون ويطبلون ويرقصون ويزمرون ويتجاوبون بمحاكاة ألفاظ الفرنساوية في غنائهم وتقليد كلامهم شيء كثير)
(وأما الجواري السود فإنهن لما علمن رغبة القوم في مطلق الأنثى ذهبن إليهم أفواجًا فرادى وأزواجًا فنططن الحيطان وتسلقن إليهم من الطيقان ودلوهم على مخبآت أسيادهن وخبايا أموالهم ومتاعهم وغير ذلك) اهـ
هكذا يفهم " لويس عوض " من العبرات السابقة للجبرتي أنه كانت هناك"ثورة نسائية" أو " ثورة حريم " في مصر " أو على الأقل في القاهرة عام ١٨٠٠" ومع أن الجبرتي لم يترك فرصة لسوء الفهم هذا فإن تلميذ المدرسة الاستعمارية يصر على أنها ظاهرة عامة نابعة عن " ثورة تحررية "! وليست حالة انهيار تحدث في جميع المجتمعات التي تتعرض للاحتلال والنهب والسلب والتجويع وأسر بنات الأسر كالجواري ووضعهن في معسكرات الجنود " مأسورات ".
مؤرخ المدرسة الاستعمارية يجعل من انحطاط المرأة إلى حد التكسب "
[ ٨٩ ]
بالفاحشة " ثورة نساء وبداية تحرر المرأة!
وهو بذلك يعكس احتقارًا عميقًا للمرأة كما يعكس مفهومًا وقحًا لمعنى تحرر المرأة ولكنه لا يكتفي بذلك بل يصر على أن يجعل هذا التحرر بعلم رجال مصر ورضاهم.
والجبرتي دقيق وواضح حين يبين أن الفريق الأول أو " الرائدات " هن من النساء الأسافل والفواحش أما الفريق الثاني من الحرائر فهو يعتذر عنهن بالأسر ولكن " لويس عوض " يأبى إلا أن يلوي عنق النص ويدعي أن الجبرتي (يتحدث عن الحرائر من ربات البيوت وبناتها عن سيدات المجتمع وهؤلاء ما كان يمكن أن يخالطن الفرنسيات والفرنسيين إلا برضاء الأولياء عليهن) (١٥٧) اهـ
وهكذا بزعم تلميذ المدرسة الاستعمارية أن المجتمع المصري " المتحرر" تحولت نساؤه إلى بغايا وتحول رجاله إلى قوم يرضون بذلك!
ثم تأمل افتراءه - عامله الله بعدله - حينما يدعي أن طبقات النساء اللواتي حاكين المتفرنسات والعادات الفرنسية وطرحن الحشمة والوقار والمبالاة والاعتبار قد اتسعت
(بتأثير سبايا الفرنسيين المتحررات من بنات بولاق) اهـ
نعم في منطق " لويس عوض " وأمثاله لا تتعارض كلمة " سبايا " مع كلمة
" متحررات " لأن الحرية التي هي مسار الجدل هنا هي " الحرية الشهوانية " بمعناها السوقي المبتذل ومن ثم يمكن أن تكون المرأة جارية سبية وفي نفس الوقت " متحررة " بل
وطليعة ثورة تحررية لأنها تتبرج في ثيابها وتخرج سافرة الوجه متأبطة ذراع
" محررها " و" مالكها " في نفس الوقت ومن ثم يمكن أيضًا - في منطق الرجل - الفصل بين (حرية المرأة المملوكة) وبين (حرية الوطن الأسير) .
_________________
(١) " تاريخ الفكر " لويس عوض (ج ١) .
[ ٩٠ ]
إن ظاهرة " الاحتلال " ظاهرة عامة في المستعمرات ولا علاقة لها بمركز المرأة إذ إنها ظاهرة تنشأ عند قشرة المجتمع عند نقطة احتكاكه بالمحتل الأجنبي وهي حينئذ لن تتحول إلى ثورة نسائية ولا إلى حركة تحرير المرأة لأن المرأة لا تتحرر على يد جيش احتلال يهتك الأعراض ويدنس الحرمات.
[ ٩١ ]