(هي نور الهدى بنت محمد سلطان باشا - التي تسمت فيما بعد على الطريقة الأوربية بهدى شعراوي إلحاقًا لها باسم زوجها " على باشا شعراوي " بواسطة حرم حسين باشا رشدي الفرنسية وقد اعترفت هدى شعراوي بنفسها في مواضع كثيرة من مذكراتها بفضل هذه السيدة عليها (١٨٩) وأبوها " محمد سلطان باشا " (١٩٠) الذي كان يرافق جيش الاحتلال الإنكليزي في زحفه على العاصمة والذي كان يدعو الأمة إلى استقباله وعدم مقاومته ويهيب بها علانية أن تقدم له كافة المعاونات والمساعدات وقد سجل التاريخ فوق هذه الصفحة السوداء صفحة أخرى أشد سوادًا حينما تقدم هذا الخائن مع فريق من الكبراء بهدية من الأسلحة الفاخرة إلى
_________________
(١) (مصطفى كامل) للرافعي ص (٤١٦) .
(٢) (رجال اختلف فيهم الرأي) ص (٣٤) .
(٣) " المؤامرة على المرأة المسلمة " ص (٢٣) .
(٤) انظر تفاصيل خيانته للثورة العرابية في كتاب (محمد سلطان أمام التاريخ) للدكتور عبد العزيز رفاعي و(الأستاذ الإمام محمد عبده) لرشيد رضا (١ / ٢٥٨ - ٢٥٩)، و(رجال اختلف فيهم الرأي) لأنور الجندي (٣١ - ٣٣) .
[ ١٠٦ ]
قادة جيش الاحتلال شكرًا لهم على
" إنقاذ البلاد ".. وهكذا لم يكن عجبًا أن يفرض الاحتلال على الخديوي أن يمنح أمثال هذا الخائن عشرة آلاف من الجنيهات الذهبية اعترافًا من بريطانيا له بالجميل.. ليس هذا فحسب بل لقد أنعمت عليه انجلترا بنيشان " سان ميشيل " و" سان جورج " الذي يلقب حامله بلقب " سير " (١٩١) وهي زوجة " علي شعراوي " باشا ابن عمتها وتلميذ محمد عبده (*) ورفيق سعد زغلول وعبد العزيز فهمي أصدقاء الإنكليز والصديق الوفي للطفي السيد وأحد أعضاء " حزب الأمة " الذين أطلق عليهم " الإنكليز " اسم
" الرجال المعتدلون " لأنهم حاربوا في سبيل بريطانيا " مصطفى كامل " وناوأوه ووصفوه بالرجل العنيف وقد كان هذا الحزب المشبوه ينكر الجامعة الإسلامية ويحاربها داعيًا إلى وطنية تقوم على المصلحة المتبادلة والمنفعة المادية لا على الإسلام وهو الحزب الذي عرف فيما بعد باسم (حزب الوفد) (١٩٢) والذي كان (علي شعراوي) نفسه وكيلًا له (١٩٣) .
وهي أيضًا رفيقة " صفية زغلول " ابنة " مصطفى فهمي " تلقفتها جماعات تحرير المرأة في روما وأمستردام ومرسيليا واستانبول وباريس وبرلين وبروكسل وبودابست وكوبنهاجن وجنيف وحيدر أباد ونيو دلهي لتقود حركة " تحطيم المرأة المسلمة " في مصر.
وهي أيضًا تلميذة وفية لزوجة " حسين رشدي " باشا الفرنسية التي كانت " هدى " تكبرها وتفيض في ذكر مبررات إعجابها بها واتخاذها مثلها الأعلى
_________________
(١) (الحكات النسائية في الشرق) للأستاذ " محمد فهمي عبد الوهاب " ص (٢٣ - ٢٤) . (*) " المؤامرة على المرأة المسلمة " ص (٦٤) .
(٢) (الاتجاهات الوطنية) (٢/ ١٣٥)، و" حواء " العدد (١٢٣١) (٢٦ / ٤ / ١٩٨٠ م) .
(٣) (حواء) (١٢٢٧) تاريخ (٢٩ / ٣ / ١٩٨٠ م) ص (١٩) .
[ ١٠٧ ]
فقالت:
(لم تكن تعني بظروفي وحالتي واسمي فقط وإنما كانت أيضًا تجتهد في تثقيفي في اللغة الفرنسية وكانت ترشدني إلى أثمن الكتب وأنفعها وكانت تناقشني فيما قرأت وتفسر لي ما يصعب عليّ فهمه وكانت تغذي عقلي وروحي بكل أنواع الجمال والكمال وتحتم عليّ حضور صالونها كل يوم سبت وتقول لي: أنت زهرة صالوني) (١٩٤) .
وكانت هذه المرأة الفرنسية الأصل التي أعدت "هدى شعراوي" إعدادًا خاصًا لمهمتها قد ألفت كتابين الأول بعنوان " حريم ومسلمات مصر " وكتاب " المطلقات " تعبر فيهما - على حد قولها - عن مدى الألم والتعاسة التي تعانيها من " أجل تعاسة المصرية وظلم الرجل لها " (١٩٥) .
وكانت على صلة وثيقة بحركة تحرير المرأة المصرية كما كانت موضع إعجاب النابهين في مصر من رواد هذه الحركة وعلى رأسهم الشيخ محمد عبده وسعد زغلول وقاسم أمين الذي كانت تعجب به كثيرًا وتأسف لعدم تقدير المصريين له التقدير اللائق برسالته " وكانت كثيرًا ما تقص على صفيتها هدى شعراوي ما كان يدور بينها وبين هؤلاء الثلاثة الكبار من حديث " (١٩٦) تشعل به كيانها وتدفعها إلى التطلع إلى تحسين أحوال المرأة المصرية والسير بحركتها إلى الأمام.
وكانت كثيرًا ما تحدث هدى شعراوي " حول البحث عن الطريقة العملية المجدية للوصول إلى تحسين حال المرأة المصرية والترفيه عنها وكانت توجهها إلى أن تبدأ مشروعها بتوجيه المرأة المصرية إلى ممارسة الرياضة البدنية أولًا قبل تنبيهها إلى خوض الحياة الاجتماعية وترغيبها في دراسة الفنون والآداب وعقد اجتماعات تجمع بين
_________________
(١) (مذكرات هدى شعراوي) ص (٩٦) - كتاب الهلال سبتمبر / ١٩٨١.
(٢) السابق ص (٩٩) .
(٣) السابق ص (١٠٢) .
[ ١٠٨ ]
الرياضة الفكرية والرياضة البدنية وكذا إعداد ملعب " للتنس " في حديقة مصطفى رياض باشا) (١٩٧) .
قالت (وداد السكاكيني) في ترجمة " هدى شعراوي ": (.. وقد توقد فيها الذكاء والإباء فتأبت على هذه التقاليد التي كانت تضطر نظائرها من بنات الصعيد إلى التزام الحجاب (١٩٨) والبعد عن السياسة ولو كانت تدار من بيوتهن) (١٩٩) .
وقالت: (لما عادت هدى شعراوي للمرة الأولى من الغرب كانت تفكر في هذه التقاليد الموروثة التي لا تسمح لها بالظهور سافرة في بلادها فثارت عليها وما كادت تطل على الإسكندرية (٢٠٠) حتى ألقت الحجاب جانبًا ودخلت مصر مع صديقتها (سيزا نبراوي) بدون نقاب (٢٠١) فلقيتا من جراء هذا السبق بالسفور لغطًا وتعنتًا من المتزمتين ولم يكن هذا الأمر من رائدة النهضة النسوية بدعًا أو خروجًا على الحشمة والوقار بل كان منها سلوكًا مثاليًا في السفور السليم "؟ ! " واستنكارًا للانحراف والتبرج "! ! " اللذين ظهرت فيهما بعض السافرات المتطرفات) (٢٠٢) اهـ.
_________________
(١) السابق ص (٩٩) .
(٢) ومن هذه الوجهة كانت تصف زوجها بأنه كان يسلبها كل حق في الحياة وذكرت من أمثلة ذلك ما نصه : (ولا أستطيع تدخين سيجارة لتهدئة أعصابي حتى لا يتسلل دخانها إلى حيث يجلس الرجال فيعرفوا أنه دخان سيجارة السيدة حرمه إلى هذا الحد كانت التقاليد تحكم بالسجن على المرأة وكنت لا أحتمل مثل هذا العذاب ولا أطيقه) اهـ من (المرأة المصرية) ص (١٣٩) .
(٣) (نساء شهيرات من الشرق والغرب) ص (٥) .
(٤) كانت في هذه الرحلة تستقل الباخرة التي يعود عليها سعد زغلول من فرنسا بعد استشفائه (المرأة المصرية) ص (١٣٦) .
(٥) وقد ذكرت (صافي ناز كاظم) أن (هدى شعراوي وسيزا نبراوي ألقتا حجابهما وداستاه بأقدامهما فور وصولهما من مؤتمر النساء الدولي الذي عقد بروما صيف ١٩٢٣ م) اهـ من (مسألة السفور والحجاب) ص (٩)، وانظر (المرأة المصرية) لدرية شفيق ص (١٣٤ - ١٣٥) .
(٦) (نساء شهيرات من الشرق والغرب) لوداد السكاكيني ص (٥، ٦) .
[ ١٠٩ ]
تقول " درية شفيق ":
وقد شجعت (هدى) عددًا من الفتيات على السفر إلى أوربة (كي تعود الطالبات حاملات إلى الوطن عناصر الثقافية الغربية ومثلها العليا في الحياة الاجتماعية) (٢٠٣) .
(كانت " هدى " لا تزال تفكر في النظرة التي تقابل بها المصرية كلما سافرت إلى أوربا إن القوم هناك يسخرون من ذلك الحجاب الذي يغطي وجوه المصريات حتى إنهم كانوا - إذ يرون هدى شعراوي وزميلاتها بلا يشامك ولا براقع - يشككون في مصريتهن وفي ذلك المؤتمر الأخير بالذات كانت مندوبات الدول المختلفة ينكرن على "هدى" مصريتها ولا يكدن يعترفن إلا بمصرية واحدة كانت تصر على حضور تلك المؤتمرات محجبة لا تكشف شيئًا من وجهها وهي السيدة " نبوية موسى ") (٢٠٤) اهـ
تقول " هدى شعراوي " في حديث لها: و".. ورفعنا النقاب أن وسكيرتيرتي
" سيزا نبراوي " وقرأنا الفاتحة ثم خطونا على سلم الباخرة مكشوفتي الوجه وتلفتنا لنرى تأثير الوجه الذي يبدو سافرًا لأول مرة بين الجموع فلم نجد له تأثيرًا أبدًا لأن كل الناس كانوا متوجهين نحو " سعد " متشوقين إلى طلعته " (٢٠٥) اهـ.
وقد دفعت بعد ذلك مباشرة ثمن جرأتها ورأت تأثير الوجه السافر حينما واجهتها هي وزميلاتها كثير من التعليقات الساخرة كلما سرن في الطريق وعرضن أنفسهن حتى للعبارات النابية والصفات المؤذية (٢٠٦) .
وهذه " الزعيمة " هي التي قادت مع زوجة " الزعيم " سعد المظاهرة النسائية المشهورة سنة ١٩١٩ تقول في مذكراتها:
_________________
(١) " تطور النهضة النسائية في مصر " ص (١٥) .
(٢) (المرأة المصرية) لدرية شفيق ص (١٣٦) .
(٣) المصدر السابق ص (١٣٧) .
(٤) انظر المصدر السابق ص (١٣٨) .
[ ١١٠ ]
(وبينما كنت أتأهب لمغادرة منزلي في ذلك اليوم للاشتراك في المظاهرة بادرني زوجي بالسؤال: إلى أين تذهبين والرصاص يدوي ويتساقط في أنحاء المدينة؟
فأجبت: للقيام بالمظاهرة التي قررتها اللجنة!!
فأراد أن يمنعني فقلت له: هل الوطنية مقصورة عليكم معشر الرجال فقط وليس للنساء نصيب فيها؟
فأجابني: هل يرضيك إذا تحرش بكن الإنجليز أن يفزع بعض النساء ويولولن
" يا أمي يا لهوتي!! ".
فقلت له إن النساء لسن أقل منكم شجاعة ولا غيرة قومية أيها الرجال وتركته وانصرفت لألحق بالسيدات اللاتي كن في انتظاري ) (٢٠٧) .
في ذمة الفضلى هدى جيل إلى هاد فقير
أقبلن يسألن الحضارة ما يفيد وما يضير
ما السبل بينه ولا كل الهداة بها بصير (٢٠٨)
وتقول وداد السكاكيني:
(وكانت هدى اليد اليمنى لصفية زغلول والمفكرة المتحررة لنسوة الطليعة الواعية بمصر والبلاد العربية وقد استجابت لدعوة المؤتمرات النسوية في الشرق والغرب فلما عقد أول مؤتمر دولي للمرأة في روما عام ١٩٢٣ م حضرته " هدى شعراوي " مع " نبوية موسى " و" سيزا نبراوي " صديقتها وأمينة سرها.. وقد توالت بعدئذ رحلات
" هدى شعراوي " للشرق والغرب ممثلة نساء بلادها رافعة علمها بين أعلام
_________________
(١) (المرأة المصرية) لدرية شفيق ص (١٣٩) وانظر: (رجال اختلف فيهم الرأي) لأنور الجندي ص (٣٤ - ٣٥) .
(٢) (الشوقيات) (٢ / ١٦٨) .
[ ١١١ ]
الدول الوافدات على المؤتمر) (٢٠٩) اهـ.