وكذا رواه أبو الفرج المعافى بن زكريا الجريري، من طريق ابن لهيعة عن دراج، فذكره بمثله.
وروى الآجري أيضا بسنده، عن ابن عمر -﵄- قال: ذكر عند رسول الله - ﷺ - طوبى فقال: «يا أبا بكر، هل بلغك ما طوبى؟» قال: الله ﷿ ورسوله أعلم، قال: «طوبى شجرة في الجنة لا يعلم ما طولها إلا الله ﷿، يسير الراكب تحت غصن من أغصانها سبعين خريفا، ورقها الحلل يقع عليها طير كأمثال البخت» قال أبو بكر - ﵁ -: إن هناك طيرا ناعما يا رسول الله؟ قال: «أنعم منه من يأكله، وأنت منهم إن شاء الله يا أبا بكر».
ورواه ابن مردويه بنحوه، وخرّج أيضا من حديث ابن عباس -﵄- نحو ذلك.
وعن قرة بن إياس المزني - ﵁ - نحو ذلك أيضا، رواه ابن جرير.
فهذه الأحاديث يشد بعضها بعضا، ولها شواهد في الصحيحين وغيرهما من حديث سهل بن سعد، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وأنس بن مالك - ﵃ -.
وأما الغرباء فهم أهل السنة والجماعة، وهم الطائفة المنصورة، والفرقة الناجية من ثلاث وسبعين فرقة كلها تنتسب إلى الإسلام، ووراء ذلك الأدعياء الذين ينتسبون إلى الإسلام، ويدّعونه وهم عنه بمعزل، فمنهم فئام قد لحقوا بالمشركين، وفئام يعبدون الأوثان، وفئام من الدهرية، وعُبّاد الطبيعة، وفئام من المعطلة والجهمية، وأفراخ القرامطة والباطنية،
[ ١ / ١٢٥ ]
والحلولية والاتحادية، وغلاة الصوفية، والروافض، فهؤلاء أدعياء الإسلام، وما أكثرهم لا كثَّرهم الله.
فالفرقة الناجية بين جميع المنتسبين إلى الإسلام كالشعرة البيضاء في الجلد الأسود، فهم غرباء بين المنتسبين إلى الإسلام، فضلا عن أعداء الإسلام من سائر الأمم، وهم في غربتهم متفاوتون، فأهل الإسلام غرباء في الناس، وأهل الإيمان غرباء في المسلمين، وأهل العلم بالكتاب والسنة غرباء في المؤمنين، والداعون منهم إلى الخير، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، الصابرون على أذى المخالفين لهم أشد غربة، وقليل ما هم، قال علي - ﵁ - فيهم: أولئك الأقلون عددا، الأعظمون عند الله قدرا.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: إياك أن تغتر بما يغتر به الجاهلون، فإنهم يقولون: لو كان هؤلاء على حق لم يكونوا أقل الناس عددا، والناس على خلافهم، فاعلم أن هؤلاء هم الناس، ومن خالفهم فمشبهون بالناس وليسوا بناس، فما الناس إلا أهل الحق، وإن كانوا أقلهم عددا.
قال ابن مسعود - ﵁ -: لا يكن أحدكم إمَّعة، يقول: أنا مع الناس، ليوطِّن أحدكم نفسه على أن يؤمن ولو كفر الناس. انتهى.
وقال أيضا في "الكافية الشافية":
لا توحشنك غربةً بين الورى فالناس كالأموات في الجبّان
أَوَمَا علمت بأن أهل السنة الـ ـغرباء حقا عند كل زمان
قل لي متى سلم الرسول وصحبه والتابعون لهم على الإحسان
من جاهل ومعاند ومنافق ومحارب بالبغي والطغيان
[ ١ / ١٢٦ ]