قربة، وبغضهما مروق، ما بال أقوام يذكرون أخوي رسول الله - ﷺ - ووزيريه، وصاحبيه، وسيدي قريش، وأبوي المسلمين، فأنا بريء ممن يذكرهما وعليه معاقب.
وبالجملة فالنفاق من أشد الأمور خطرا، فينبغي للمؤمن أن يحذر منه أشد الحذر، ويخافه على نفسه ولا يأمنه، وقد كان الصحابة - ﵃ - مع كثرة تقواهم لله تعالى، وشدة اجتهادهم في العبادة يخافونه على أنفسهم.
وروي أن عمر - ﵁ - قال لحذيفة: أنشدك الله أمنهم أنا؟ قال: لا، ولا أؤمِّن منها أحدا بعدك.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: سمعت شيخنا -يعني أبا العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى- يقول: ليس مراده أني لا أبرِّئ غيرك من النفاق، بل المراد: لا أفتح عليّ هذا الباب؛ فكل من سألني هل سماني لك رسول الله - ﷺ - أزكيه. انتهى.
وقال البخاري في صحيحه: قال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي - ﷺ - كلهم يخاف النفاق على نفسه. ويُذكر عن الحسن أنه قال: ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق.
وروى جعفر الفريابي، عن المعلى بن زياد قال: سمعت الحسن يحلف في هذا المسجد بالله الذي لا إله إلا هو ما مضى مؤمن قط ولا بقي إلا وهو من النفاق مشفق، ولا مضى منافق قط ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن، وكان يقول: من لم يخف النفاق فهو منافق.
[ ١ / ٣٥٩ ]
وسمع رجل أبا الدرداء يتعوذ من النفاق في صلاته، فلما سلم قال له: ما شأنك وشأن النفاق؟! فقال: اللهم اغفر لي -ثلاثا- لا تأمن البلاء، والله إن الرجل ليفتن في ساعة واحدة فينقلب عن دينه.
وعنه - ﵁ - أنه قال: ما الإيمان إلا كقميص أحدكم، يخلعه ويلبسه أخرى، والله ما أمن عبد على إيمانه إلا سلبه فوجد فقده. رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة".
وفي صحيح البخاري عن حذيفة بن اليمان -﵄-: إن المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبي - ﷺ -؛ كانوا يومئذ يسرون، واليوم يجهرون.
وفيه أيضا عنه - ﵁ - قال: إنما كان النفاق على عهد النبي - ﷺ -، فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان.
قلت: إذا كان هذا قول حذيفة - ﵁ - في زمن الخلفاء الراشدين، ووقت عزة الإسلام وظهوره، وانقماع المنافقين وذلهم بين المؤمنين، فكيف لو رأى حال الأكثرين في أواخر القرن الرابع عشر، فقد تغيرت فيه الأحوال وانعكست الأمور، وظهر الكفر والنفاق، حتى كان بعض ذلك يُدرس في المدارس ويعتنى به، فالله المستعان.
فمن ذلك ما فشا في زماننا؛ من موافقة طواغيت الإفرنج، وزنادقة المنجمين ونحوهم، وتقليدهم فيما ذهبوا إليه من التخرصات، والظنون الكاذبة المخالفة للقرآن والأحاديث الصحيحة؛ كقولهم: إن الشمس قارة ساكنة لا تزول عن مكانها، وإن الأرض هي التي تجري وتدور حول
[ ١ / ٣٦٠ ]
الشمس، وشبهوا ذلك براكب القطار ونحوه من المراكب السريعة يرى في حال سيرها كأن الذي حوله من المباني والشجر يسير، وكأن ما تحته من المركوب واقف، والحال بالعكس، قالوا: فهكذا الأرض مع الشمس، فالشمس قارة لا تزول، والأرض هي التي تجري، ولها دورتان، دورة في كل يوم وليلة، ودورة في كل سنة، هكذا افتروا وزعموا، وهي دسيسة خبيثة من دسائس أعداء الله ورسوله والمؤمنين، قد جعلوها حبالة يصيدون بها خفافيش الأبصار من غوغاء المسلمين وجُهَّالهم، ويحملونهم بذلك على تكذيب القرآن والأحاديث الصحيحة، حتى ينسلخوا من دين الإسلام بالكلية ويصيروا كفارا مثلهم، وقد قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ الآية [النساء: ٨٩]، وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠٠ - ١٠١]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٩]، ففي هؤلاء الآيات الكريمات أبلغ تحذير للمؤمنين من طاعة الكفار والمنافقين، وقبول آرائهم وظنونهم وتخرصاتهم، فإنهم لا يألون المسلمين خبالا، وودوا ما عنَّتهم، وأزلَّهم عن الحق، وأضلهم عن الصراط السوي والهدى، وقد
[ ١ / ٣٦١ ]
جعل الله ﷾ للمسلمين في كتابه وسنة رسوله - ﷺ - كفاية وغنية عما سواهما من أقوال الناس وآرائهم وتخرصاتهم، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١]، وقال تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ [آل عمران: ١٠١]، وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣].
وعن أبي الدرداء - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «وأيم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء»، قال أبو الدرداء - ﵁ -: صدق والله رسول الله - ﷺ -، تركنا والله على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء. رواه ابن ماجة.
وعن العرباض بن سارية - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «قد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» رواه الإمام أحمد، وابن ماجة، والحاكم في مستدركه.
ومن لم يكتف بكتاب الله تعالى، وسنة رسوله - ﷺ -، وما عند المسلمين من العلوم الشرعية النافعة المستفادة من الكتاب والسنة، بل ذهب يطلب غير ذلك من أقوال الكفار والمنافقين وآرائهم وتخرصاتهم التي ما أنزل الله بها من سلطان، فأبعده الله ولا كفاه، والمقصود ههنا التحذير من دسيسة أعداء الله التي قد سرت في جميع الأقطار الإسلامية على أيدي الكفار والمنافقين، وقبلها الجماهير تلو الجماهير من الأغبياء الغافلين الذين لا يسمعون ولا يعقلون، ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾، وليس للكفار
[ ١ / ٣٦٢ ]
والمنافقين ومقلديهم حجة على هذا القول الذي شغفوا به؛ لا من كتاب الله تعالى ولا من أخبار المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وإنما يعتمدون على ما زخرفته لهم شياطين الإنس والجن من الآراء الفاسدة، والظنون الكاذبة، والقياس الذي يكذبه الحس، ويعلم كل عاقل فساده بالبديهة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢ - ١١٣].
وها أنا أذكر الأدلة على رد هذا القول الباطل من كتاب الله تعالى، وسنة رسوله - ﷺ - ليعرف الجاهلون به مغزاه، وما أراد به مخترعوه وموافقوهم من تكذيب القرآن (١).
وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن».
_________________
(١) سقط بعد هذا الكلام من الأصل ست صفحات من صفحة (١٣١ - ١٣٦)، وهي المشتملة على الأدلة التي أشار -رحمة الله- إلى أنه سيذكرها من الكتاب والسنة على قرار الأرض ودوران الشمس، ولعله -﵀- أزالها بعد أن نقل ما فيها إلى كتابه الذي صنفه لهذا الموضوع خاصة وهو كتاب "الصواعق الشديدة على أتباع الهيئة الجديدة"، أو إلى ذيله "ذيل الصواعق لمحو الأباطيل والمخارق"، فاكتفى بذكرها هناك، والله أعلم. يؤكد ذلك أن الصفحات التالية وهي صفحة (١٣٧) من الأصل قد ضُرب على الأسطر الخمسة الأولى منا وما يتبعها من اللحق والحواشي.
[ ١ / ٣٦٣ ]
وفي المسند، وصحيح مسلم، وجامع الترمذي من حديث المقداد بن الأسود - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «تُدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل» الحديث، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وفي المسند أيضا من حديث أبي أمامة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «تدنو الشمس يوم القيامة على قدر ميل، ويُزاد في حرِّها» الحديث.
وفي المسند أيضا، وصحيح الحاكم، عن عقبة بن عامر - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «تدنو الشمس من الأرض، فيعرق الناس ..» الحديث، قال الحاكم: صحيح الإسناد.
وهذه الأحاديث الأربعة وإن كانت في أخبار يوم القيامة ففيها دلالة على أن الأرض قارة ثابتة، لا تفارق موضعها، ولو كانت الشمس هي القارة الثابتة لكانت الأرض هي التي تُدنى منها، وهذا خلاف نصوص هذه الأحاديث، والله أعلم.
فهذا ما يسَّره الله تعالى من الآيات والأحاديث (١) الدالة على أن الشمس تسير وتدور على الأرض، وأن الأرض قارة ثابتة، خلاف ما يزعمه الجغرافيون من أن الشمس قارة، وأن الأرض تدور عليها، وحقيقة قولهم تكذيب الآيات والأحاديث التي ذكرنا، وإطراحها بالكلية، وذلك هو الكفر
_________________
(١) الإشارة هنا بناء على ما كان في الأصل من ذكر الأدلة من الكتاب والسنة على قرار الأرض ودوران الشمس، وقد سبقت الإشارة إلى أنه نقل ذلك إلى ما كتبه في هذا الموضوع بخصوصه، وهما كتابا الصواعق الشديدة، وذيل الصواعق، فليتنبه.
[ ١ / ٣٦٤ ]
الصريح، والضلال البعيد، قال الله تعالى: ﴿ومَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٨]، وقول الجغرافيين في الشمس والأرض دائر بين افتراء الكذب والتكذيب بالحق.
ومن أعجب العجب أنها قد جُعلتْ في زماننا من الفنون المهمة التي تدرس في كثير من المدارس، ويُعتنى بها في كثير من الأقطار الإسلامية أكثر مما يعتنى بالعلوم الشرعية، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وهذا مصداق ما جاء في الحديث الصحيح عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويثبت الجهل» الحديث متفق عليه.
وفي رواية: «من أشراط الساعة أن يقل العلم، ويظهر الجهل».
ولهما عن عبد الله بن مسعود، وأبي موسى -﵄- قالا: قال النبي - ﷺ -: «إن بين يدي الساعة لأياما ينزل فيها الجهل، ويرفع فيها العلم» الحديث.
ومن أقبح الجهل وأظلم الظلم تكذيب الله تعالى، وتكذيب رسول الله - ﷺ -، ومعارضة القرآن والسنة بأقوال الملاحدة والزنادقة وآرائهم الفاسدة، وتَعلُّم ذلك وتعليمه، فالله المستعان.
وقد ثبت أيضا بالدليل العقلي أن الأرض قارة ساكنة لا تدور، ولا تفارق موضعها أبدا، وذلك بما يسره الله تعالى في زماننا من وجود المراكب الجوية التي تخترق الهواء في جميع أرجاء الأرض، فإن سيرها من المشرق
[ ١ / ٣٦٥ ]