القدح، يتعجلونه ولا يتأجلونه» رواه الإمام أحمد وأبو داود.
وفي رواية لأحمد: دخل رسول الله - ﷺ - المسجد فإذا فيه قوم يقرؤون القرآن قال: «اقرؤوا القرآن وابتغوا به الله ﷿ من قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القدح، يتعجلونه ولا يتأجلونه».
الحديث الأربعون: عن سهل بن سعد الساعدي - ﵁ - قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ - يوما ونحن نقتري فقال: «الحمد لله، كتاب الله واحد، وفيكم الأحمر، وفيكم الأبيض، وفيكم الأسود، اقرؤوا قبل أن يقرأه أقوام يقيمونه كما يقوم السهم، يتعجل أجره ولا يتأجله» رواه أبو داود.
الحديث الحادي والأربعون: عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: بينما نحن نقرأ فينا العربي والعجمي والأسود والأبيض إذ خرج علينا رسول الله - ﷺ - فقال: «أنتم في خير، تقرؤون كتاب الله وفيكم رسول الله، وسيأتي على الناس زمان يثقفونه كما يثقف القدح، يتعجلون أجورهم ولا يتأجلونها» رواه الإمام أحمد.
وفي هذا الحديث والحديثين قبله فوائد:
إحداها: أن النبي - ﷺ - كان يحب القراءة السهلة.
الثانية: أنه - ﷺ - كان يأمر أصحابه أن يقرأ كل منهم بما تيسر عليه، وسهل على لسانه.
الثالثة: ثناؤه عليهم بعدم التكلُّف في القراءة.
الرابعة: أنه لم يكن يُعلِّمهم التجويد ومخارج الحروف، وكذلك
[ ١ / ٥٨ ]
أصحابه - ﵃ - لم يُنقل عن أحد منهم أنه كان يعلم في التجويد ومخارج الحروف، ولو كان خيرا لسبقوا إليه، ومعلوم ما فتح عليهم من أمصار العجم من فرس وروم وقبط وبربر وغيرهم وكانوا يعلمونهم القرآن بما يسهل على ألسنتهم ولم ينقل أنهم كانوا يعلمونهم مخارج الحروف، ولو كان التجويد لازما ما أهملوا تعلمه وتعليمه.
الخامسة: ذم المتكلفين في القراءة، المتعمقين في إخراج الحروف.
السادسة: الرد على من زعم أن قراءة القرآن لا تجوز بغير التجويد، أو أن ترك التجويد يخل بالصلاة، وقد أخبرني بعض أئمة المسجد النبوي أن جماعة من المتكلفين أنكروا عليه إذ لم يقرأ في الصلاة بالتجويد، وما علم أولئك المتكلفون الجاهلون أن النبي - ﷺ - أقر العربي والعجمي والأحمر والأبيض والأسود على قراءتهم وقال لهم: «كل حسن»، وذم المتكلفين الذين يقيمونه كما يقام القدح والسهم ويثقفونه ويتنطعون في قراءته كما هو الغالب على كثير من أهل التجويد في هذه الأزمان، فالله المستعان.
السابعة: الأمر بقراءة القرآن ابتغاء وجه الله ﷿.
الثامنة: ذم من يأخذ على القراءة أجرا كما عليه كثير من قُرَّاء الإذاعات ونحوهم، وأردأ منهم من يجعل القرآن وسيلة لسؤال الناس، وقد رأيتهم يفعلون ذلك في المسجد الحرام؛ يجلس أحدهم فيقرأ قراءة متكلفة يتنطع فيها، ويعالج في إخراجها أعظم شدة ومشقة، وتنتفخ أوداجه، ويحمرّ وجهه ويكاد يغشى عليه مما يصيبه من الكرب في تكلفة وتنطعه، ويفرش عنده منديلا
[ ١ / ٥٩ ]
أو نحوه ليلقى فيه المستمعون لقراءته ما يسمحون به من أوساخهم، وهذا مصداق حديث عمران بن حصين الآتي، فصلوات الله وسلامه على نبينا المصطفى الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.
الحديث الثاني والأربعون: عن عمران بن حصين -﵄- أنه مر على قارئ يقرأ ثم سأل، فاسترجع ثم قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من قرأ القرآن فليسأل الله به، فإنه سيجيء أقوام يقرؤون القرآن يسألون به الناس» رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن.
الحديث الثالث والأربعون: ما رواه الديلمي عن علي - ﵁ -: «من اقتراب الساعة إذا تعلم علماؤكم ليجلبوا به دنانيركم ودراهمكم، واتخذتم القرآن تجارة».
الحديث الرابع والأربعون: عن أم الفضل أم عبد الله بن عباس - ﵃ - قالت: بينما نحن بمكة قام رسول الله - ﷺ - من الليل فنادى: «اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت؟» ثلاثا، فقام عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: نعم، ثم أصبح فقال رسول الله - ﷺ -: «ليظهرن الإسلام حتى يرد الكفر إلى مواطنه، وليخوضن رجال البحار بالإسلام، وليأتين على الناس زمان يتعلمون القرآن ويقرؤونه ثم يقولون: قرأنا وعلَّمنا، فمن هذا الذي هو خير منا؟ فهل في أولئك من خير» قالوا: يا رسول الله، فمن أولئك؟ قال: «أولئك منكم وهم وقود النار» رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه.
الحديث الخامس والأربعون: عن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويثبت الجهل، ويشرب الخمر،
[ ١ / ٦٠ ]
ويظهر الزنا» متفق عليه.
وفي رواية: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من أشراط الساعة أن يقل العلم، ويظهر الجهل، ويظهر الزنا، وتكثر النساء، ويقل الرجال حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد» هذا لفظ البخاري.
ولفظ مسلم: «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويظهر الجهل، ويفشو الزنا، ويشرب الخمر، ويذهب الرجال، وتبقى النساء حتى يكون لخمسين امرأة قيم واحد».
قوله: «ويثبت الجهل»، قال النووي رحمه الله تعالى في شرح مسلم: هكذا هو في كثير من النسخ «يثبت الجهل» من الثبوت، وفي بعضها «يُبَثّ» بضم الياء وبعدها موحده مفتوحة ثم مثلثة مشددة أي ينشر ويشيع. انتهى.
قال الكرماني: وفي رواية «وينبت» بالنون بدل المثلثة من النبات، ذكر ذلك عنه الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" قال: وحكى ابن رجب عن بعضهم «وينثا» بنون ومثلثة من النث وهو الإشاعة، قال ابن حجر: وليست هذه في شيء من الصحيحين. انتهى.
وقد ظهر مصداق هذا الحديث في زماننا ما عدا خصلة واحدة وهي قلة الرجال وكثرة النساء، فأما العلم الموروث عن النبي - ﷺ - وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين فقد هجره الأكثرون، وقل من يرغب فيه ويعتني به، وقد انصرفت الهمم إلى الجهل الصرف الذي هو الصحف والمجلات والكتب
[ ١ / ٦١ ]