الفصل الثاني: الربا: تعريفه وأقسامه
ومن البيوع المنهي عنها نهيا مغلظًا "الربا":
ومعناه في اللغة: الزيادة والنمو والارتفاع والعلو قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ ١، أي علت وارتفعت. وقال تعالى: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ ٢، أي أكثر عددًا وأوفر مالًا. وشرعا: عقد على عوض مخصوص غير معلوم التماثل في معيار الشرع حالة العقد، أو مع تأخير في البدلين أو أحدهما.
فقولنا: "عقد" يتضمن الإيجاب والقبول، فإذا لم يكن إيجاب ولا قبول، فلا عقد كما لو باع بمعاطاة أي بتسليم وتسلم من غير صيغة، وهو الواقع في أيامنا لم يكن ربا، وإن كان حرامًا لكن أقل من حرمة الربا، وقولنا: "عوض مخصوص"، هو النقد والمطعوم، فلا ربا في غيرهما كنحاس وقماش، وقولنا: "غير معلوم التماثل"، يصدق بمعلوم التفاضل، وبمجهول التماثل والتفاضل أي في متحد الجنس، وقولنا: في معيار الشرع" متعلق بالتماثل، ومعيار الشرع هو الكيل في المكيل والوزن في الموزون والعد في المعدود، والذرع في المذروع، وقولنا: "حالة العقد" قيد لا بد منه دخل به، ما لو كان معلوم التماثل في معيار الشرع لا حالة العقد بأن تبايعا جزافا كصبرة قمح بصبرة قمح، ثم خرجا سواء فإنه يصدق عليه أنه مجهول التماثل في معيار الشرع حالة العقد، وقولنا: "أو مع تأخير في البدلين، أو أحدهما"، أي ومقابلة عوض بآخر مع تأخير في العوضين، أو أحدهما سواء كانا متحدي الجنس، أو
_________________
(١) ١ سورة النحل الآية: ٩٢. ٢ سورة الحج الآية: ٥.
[ ٦٩ ]
مختلفيه، لكن مع الاتحاد في علة الربا التي هي النقدية في النقد والطعمية في المطعوم، فيخرج بذلك ما لو باع برا بدراهم مع التأخير المذكور، فليس ذلك ربا لاختلاف علة الربا، والمراد بالتأخير ما يشمل تأخير القبض، أو الاستحقاق فيصدق بربا النساء.
والحاصل: أن الشق الأول من التعريف، وهو قوله غير معلوم التماثل خاص بمتحد الجنس، وأن الثاني أو مع تأخير في البدلين، أو أحدهما عام لمتحدي الجنس، ومختلفيه سواء كان التأخير للقبض أو الاستحقاق، وبذلك يعلم أن "أو" للتفريع، وهي لا تمنع في الرسوم أي التعريفات.
وخلاصة القول: أن الربا في اصطلاح الفقهاء، هو زيادة أحد البدلين المتجانسين من غير أن يقابل هذه الزيادة عوض، وليس كل زيادة ربا من حيث هي، فإن الزيادة تحصل في التجارة، ولا ربا فيها، وإنما الزيادة التي اصطلح عليه بهذا الاسم "الربا"، وجاء القرآن بتحريمها هي تلك الزيادة التي تؤخذ في نظير الأجل قال قتادة: "إن ربا أهل الجاهلية يبيع الرجل البيع إلى أجل مسمى، فإذا حل الأجل، ولم يكن عند صاحبه قضاء زاده، وأخر عنه"، وقال مجاهد في الربا الذي نهى الله عنه: "كانوا في الجاهلية يكون للرجل على الرجل الدين، فيقول: لك كذا وكذا وتؤخر عني، فيؤخر عنه".
الربا أقسامه ثلاثة:
١- ربا الفضل: وهو زيادة أحد العوضين على الآخر عند تبادل شيء مماثل يدا بيد، وقد حرم الإسلام هذا النوع من التعامل مخافة أن يقضي بالناس في النهاية إلى الربا الحقيقي، وهو ربا النساء، الذي كان شائعًا في المجتمع العربي، وفي هذا المعنى يقول رسول الله ﷺ: " لا تبيعوا
[ ٧٠ ]
الدرهم بدرهمين، فإني أخاف عليكم الرما"، والرما معناه الربا١.
ولما كان هذا النوع قد يجر إلى الربا اقتضت حكمة الشارع تحريمه؛ لأنه قد يفضي بهم إلى الحرام، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، كما قال رسول الله ﷺ.
ويدخل في هذا النوع ربا القرض، وهو أن يقرض إنسان لآخر مبلغا من المال، ويشترط عليه أن يؤدي له منفعة، كأن يزوجه ابنته، أو يشتري منه سلعة، أو يزيده عن أصل الدين، وقد قال رسول الله ﷺ: "كل دين جر نفعا، فهو حرام".
حكم ربا الفضل:
لا خلاف بين فقهاء المذاهب الأربعة في تحريم ربا الفضل، ويقال: إن بعض الصحابة أجازوه، ومنهم عبد الله بن عباس ﵄، لكن نقل أنه رجل عن رأيه أخيرا، وقال بحرمته.
والدليل على تحريمه قوله ﵊: "لا تبيعوا الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر والشعير بالشعير، والتمر بالتمر والملح بالملح إلا مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد، فمن زاد أو استزاد، فقد أربى الآخذ، والمعطي فيه سواء" ٢.
ومعنى هذا الحديث أنه إذا احتاج الناس إلى تبادل أشياء من جنس واحد، فلهم أن يختاروا أحد طريقين:
"أولهما" أن يتبادلوهما سواء بسواء أي متساويين في القدر من غير
_________________
(١) ١ المغني لابن قدامة "ج٤ ص٦". ٢ رواه أحمد والبخاري "نيل الأوطار للشوكاني ج٥ ص٢١٥".
[ ٧١ ]
زيادة، ولا نقصان بشرط الحلول، والتقابض قبل التفرق، صار فيه النظر عما بينهما من فروق أخرى كالجودة مثلًا.
"وثانيهما" أن يبيع كل رجل شيئه نقدًا أي حالا من غير نسيئة في شيء منه. وذلك لما رواه أبو سعيد الخدري، وأبو هريرة "أن رسول الله ﷺ استعمل رجلا على خيبر، فجاءهم بتمر جنيب، فقال: "أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا. إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة. فقال: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا" ١.
وعن أبي سعيد الخدري أيضًا قال: "جاء بلال إلى النبي ﷺ بتمر برني، فقال له النبي ﷺ: "من أين هذا"؟ قال: كان عندنا تمر رديء بعت منه صاعين بصاع، فقال: أوه أعين الربا عين الربا. لا تفعل: ولكن إذا أردت أن تشتري، فبع التمر بيع آخر ثم اشتر به" ٢.
ومثل هذا النهي عن بيع الذهب والفضة، ورد في حديث آخر قال ﷺ: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثل بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منهما غائبا بناجز"، متفق عليه وتشفوا أي تزيدوا، ويؤخذ من هذا أن يبع الجنس يشترط فيه، التماثل والحلول والتقابض.
أما إذا بيع جنس بجنس كقمح بشعير، فلا تحرم الزيادة لكن يشترط التقايض والحلول إلا أن يكون أحد البدلين نقدا، والآخر طعاما، فإنه يصح فيه التأخير سواء أكان الطعام مبيعا، كما إذا اشترى قمحا بجنيهات لأجل، أم كان
_________________
(١) ١ رواه البخاري "المرجع السابق ج٥ ص٢٢٠-٢٢١"، ورواه مسلم في صحيحه بشرح النووي ج١١ ص٢١. ٢ رواه الشيخان صحيح مسلم ج١١ ص٢٢.
[ ٧٢ ]
الطعام ثمنا كان إذا اشترى خمسة جنيهات بخمسة أرادب من القمح يدفعها في وقت كذا، وهذا هو السلم١.
حكمه تحريم ربا الفضل:
وبما أن ربا الفضل فيه شبح من الربا، وعنصر من عناصره، فإن مما لا شك فيه أن هناك فروق أساسية في تبادل الشيئين المتماثلين، هي التي تقتضي الزيادة. وذلك واضح في حادثة بلال حين أعطى صاعين من تمره الردي، وأخذ صعا من التمر الجيد.. ولكن؛ لأن تماثل النوعين في الجنس يخلق شبهة أن هناك عملية ربوية، إذ يلد التمر التمر! فقد وصفه ﷺ بالربا، ونهى عنه. وأمر ببيع الصنف المراد استبداله بالنقد، ثم شراء الصنف بالمطلوب بالنقد أيضًا إبعادًا لشبح الربا من العملية تمامًا!.
هذا من جهة ومن جهة أخرى، فقد يستغل الدهاة، والمخادعين ضعاف العقول، ويلبسوا عليهم أن هذا الإردب من القميح يساوي ثلاثة لجودته، وهذه القطعة المنقوشة نقشا بديعا من الذهب تساوي زنتها مرتين، وفي ذلك من الغبن بالناس، والإضرار بهم ما لا يخفى٢.
٢- ربا اليد: وهو البيع مع تأخير قبضهما، أو قبض أحدهما من غير ذكر أجل.
٣- ربا النسيئة: وهو البيع لأجل، وهو الذي كان مشهورًا في الجاهلية، فقد كان الواحد منهم يدفع ماله لغيره إلى أجل على أن يأخذ منه كل شهر قدرا معينا، ورأس المال باق بحاله فإذا حل طالبه برأس ماله، فإن
_________________
(١) ١ راجع الفقه على المذاهب الأربعة ج٢ ص٣٢٥. ٢ راجع سيد قطب في تفسير آيات الربا ص٢٤ والفقه على المذاهب الأربعة ج٢ ص٣٣٤.
[ ٧٣ ]
تعذر عليه الأداء زاده في الحق والأجل.
فالربا ظاهر في هذا النوع، ولا يحتاج إلى بيان إذ تتوافر فيه العناصر الأساسية لكل عملية ربوية: وهي: الزيادة على أصل المال، والأجل الذي من أجله تؤدى هذه الزيادة، وكون هذه الفائدة شرطا مضمونا في التعاقد، أي ولادة المال للمال بسبب المدة ليس إلا..
حكم ربا النسيئة:
وقد جاء تحريم ربا النسيئة تحريما قاطعا بكتاب الله، وسنة رسوله وإجماع المسلمين.
أما الكتاب، فقد قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ ١.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ ٢.
وفي هذا السياق يكشف الحق ﵎ عما في عملية الربا من قبح وشناعة، ومن جفاف في القلب وشر في المجتمع، وفساد في الأرض وهلاك للعباد، ولهذا فإن الإسلام لم يبلغ من تفظيع أمر أراد إبطاله من أمور الجاهلية ما بلغ من تفظيع الربا.. ولا بلغ من التهديد في اللفظ والمعنى ما بلغ التهديد في أمر الربا في هذه الآيات، وفي غيرها من مواضع أخرى.. وإن
_________________
(١) ١ الآيتان "٢٧٥، ٢٧٦" من سورة البقرة. ٢ الآية "٢٧٨" من سورة البقرة.
[ ٧٤ ]
من يتدبر حكمه الله وعظمة هذا الدين، وكمال هذا المنهج، ودقة هذا النظام يدرك اليوم من هذا كله ما لم يكن يدركه الذين واجهوا هذه النصوص أول مرة، وأمامه اليوم من واقع العالم ما يصدق كل كلمة تصديقا حيا مباشرا واقعا، فإن البشرية الضالة التي تأكل الربا، وتوكله تنصب عليها البلايا الماحقة الساحقة من جراء هذا النظام الربوي، في أخلاقها ودينها وصحتها، واقتصادها.. وتتلقى -حقا- حربا من الله تسب عليها النقمة والعذاب، أفرادا وجماعات، وأمما وشعوبا، وهي لا تعتبر ولا تفيق.
وأما تحريم الربا من السنة، فقد وردت فيه روايات كثيرة منها ما رواه مسلم: "لعن رسول الله ﷺ أكل الربا، وموكله وكاتبه، وشاهديه" ١، ومنها ما رواه ابن ماجه والبيهقي، عن عبد الله بن مسعود ﵁: "الربا ثلاثة وسبعون بابا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وأن أربى الربا عرض الرجل المسلم".
وأجمعت الأمة على أن الربا من الكبائر، حتى قيل: إنه لم يحل في شريعة من الشرائع السابقة، كقوله تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ ٢، يعني الأمم السابقة.
شبهات مردودة:
الشبهة الأولى: أن المنهزمين من المسلمين يزعمون أن الربا المحرم هو الذي يكون أضعافا مضاعفة، استنادا إلى قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ ٣، وهذا زعم باطل، وخطأ صريح؛ لأن
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي ج١١ ص٢٦. ٢ من الآية "١٦١" من سورة النساء. ٣ من الآية "١٣٠" من سورة آل عمران.
[ ٧٥ ]
الغرض من الآية الكريمة، إنما هو التنفير في أكل الربا، ولفت نظر المرابين لما عساه أن يئول إليه أمر الربا من التضعيف، الذي قد يستغرق مال المدين، فيصبح لمرور الزمن، وتراكم فوائد الربا فقيرا بائسا عاطلا في هذه الحياة بسبب هذا النوع الفاسد من المعاملة، وفي ذلك من الضرر على نظام العمران ما لا يخفى، ولا يكاد يتصور عاقل أن الله تعالى ينهى عن ثلاثة أضعاف، ولا ينهى عن الضعفين أو الضعف، على أنه لا يمكن لعاقل أن يفهم هذا المعنى بعد قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ ١.
الشبهة الثانية: وهي أن القرض بفائدة ليس من باب الربا؛ لأن الربا عقد بيع لا بد له من صيغة، أو ما يقوم مقامها، وما يتعامل به الناس الآن من أخذ مال قرضا بفائدة ليس ببيع إذ لا عقد هناك، وهذا صحيح؛ لأن الشافعية هم القائلون بذلك، ولكن غير صحيح أنهم لا يحرمون هذه العملية، فهم وإن قالوا: إن مثل ذلك ليس بعقد أيضا: إنه من باب أكل أموال الناس بالباطل، أو أن مضار الربا الذي حرم من أجلها متحققة فيه، فحرمته كحرمة الربا وإثمه كإثمه. فتحريم القرض بفائدة ثابت على أي وجه من الوجوه.
الشبهة الثالثة: أن العرب ما كانت تفرق بين البيع والربا، فكانت تحسبهما من نوع واحد، فجاء الإسلام ليبين لهم أن الزيادة التي تؤخذ على رأس المال بالبيع مختلفة عن التي تؤخذ على رأس المال في نظير الأجل، وأن الأولى مشروعة، والثانية غير مشروعة: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ ٢، وهذه الشبهة لا زالت قائمة إلى اليوم، فإن
_________________
(١) ١ من الآية "٢٧٩" من سورة البقرة. ٢ من الآية "٢٧٥" من سورة البقرة.
[ ٧٦ ]
كثير من الناس في زماننا هذا يستحلون الفائدة التي تدفعها المصارف، والبنوك لأصحاب الأمول الذين يودعون أموالهم فيها.
وكانت شبهة العرب التي ركنوا إليها، هي أن البيع يحقق فائدة وربحا، كما أن الربا يحقق فائدة وربحا.. وهي شبة واهية، فالعمليات التجارية قابلة للربح وللخسارة، والمهارة الشخصية والجهد الشخصي، والظروف الطبيعية الجارية في الحياة هي التي تتحكم في الربح والخسارة، أما العمليات الربوية فيه محددة الربح في كل حالة، وهذا هو الفارق الرئيسي، وهذا هو مناط التحريم والتحليل.
إن كل عملية يضمن فيها الربح على أي وضع، هي عملية ربوية محرمة بسبب ضمان الربح وتحديده.. ولا مجال للمماطلة في هذا، ولا للمداورة١.
الفرق بين الربا والبيع:
وإذا كان الله قد أحل البيع وحرم الربا، فذلك من وجوه:
أولا: أن البيع فيه عوض يقابل عوضًا، والربا زيادة لا مقابل لها، ذلك أن البيع يلاحظ فيه دائما انتفاع المشتري بالسلعة انتفاعا حقيقيا؛ لأن المشتري إذا اشترى قمحا مثلا، فإنما يشتريه ليأكله، أو ليبزره أو ليبيعه، وهو في كل ذلك ينتفع به انتفاعا حقيقيا، هذا بالإضافة إلى أن الثمن مقابل للمبيع مقابلة مرضية للطرفين البائع والمشتري، فكل منهما أقدم على ذلك عن طواعية، ورضا واختيار، وأما الربا في إعطاء الدراهم والمثليات، وأخذها مضاعفة في وقت آخر، فما يؤخذ منه زيادة عن رأس المال لا يقابل له من عين عمل، وهي لا تعطى بالرضا والاختيار، بل بالكره والاضطرار.
_________________
(١) ١ راجع سيد قطب في تفسير آيات الربا "ص٢٤" وما بعدها.
[ ٧٧ ]
ثانيًا: إن الله حرم الربا في النقدين؛ لأنهما وضعا أساسا ليكونا ميزانا لتقديم قيم الأشياء التي ينتفع بها بالناس في معايشهم، فإذا تحول هذا، وصار النقد مقصودًا بالاستغلال، فإن هذا يؤدي إلى انتزاع الثورة من أيد أكثر الناس، وحصرها في أيدي الذين يجعلون أعمالهم قاصرة على استغلال المال بالمال، فينمو المال ويربوا عندهم في المصارف، والبنوك، ويبخس العاملون قيم أعمالهم؛ لأن الربح يكون معظمه من المال نفسه، وبذلك يهلك الفقراء.
ثالثا: أنه لا يصح أن يكون الإنسان ماديا بحتا ليس فيه عاطفة خير لأخيه، فيستغل فرصة احتياجه، ويوقعه في شرك الربا، فيقضي على ما بقي فيه من حياة من أن الله تعالى قد أوصى الأغنياء بالفقراء، وجعل لهم حقًّا معلومًا في أموالهم، وشرع القرض لإغاثة الملهوفين، وإغاثة المضطرين حتى لا يكون الناس في تعاملهم كالذئاب لا يعرفون الرحمة، والتعاون عند الشدائد والأزمات، لهذا وغيره حرم الله الربا.
[ ٧٨ ]