[ ٢ / ١١ ]
فإذا كان يوم التروية أحرم فيفعل كما فعل عند الميقات إن شاء أحرم من مكة وإن شاء من خارج مكة هذا هو الصواب، وأصحاب النبي ﷺ إنما أحرموا كما أمرهم النبي ﷺ من البطحاء، والسنة أن يحرم من الموضع الذي هو نازل فيه وكذلك المكي يحرم من أهله كما قال النبي ﷺ (من كان منزله دون مكة فمهله من أهله حتى أهل مكة يهلون من مكة) . انتهى.
قال ابن القيم ﵀: وكان ﷺ يصلي مدة مقامه بمكة بمنزله الذي هو نازل فيه بالمسلمين بظاهر مكة يعني بالأبطح فأقام بظاهر مكة أربعة أيام يقصر الصلاة يوم الأحد، والاثنين والثلاثاء والأربعاء، فلما كان يوم الخميس ضُحى توجه بمن معه من المسلمين إلى منى فأحرم بالحج من كان أحل منهم من رحالهم ولم يدخلوا إلى المسجد ليحرموا منه بل أحرموا ومكة خلف ظهورهم فلما وصل إلى منى نزل بها وصلى بها الظهر والعصر وبات بها وكان ليلة الجمعة انتهى. ولا يخطب يوم السابع بعد صلاة الظهر بمكة لعدم وروده ثم يخرج يوم التروية من مكة محرمًا إلى منى قبل الزوال فيصلي بها الظهر مع الإمام ويبيت بمنى إلى أن يصلي مع الإمام الفجر لقول جابر: وركب رسول الله ﷺ إلى منى فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ثم مكث قليلًا حتى طلعت الشمس وهذا قول سفيان ومالك والشافعي وإسحق وأصحاب الراي، وليس ذلك واجبًا بل سُنة لأن عائشة تخلفت ليلة عرفة حتى ذهب ثلثا الليل، وإن أحرم قبل يوم التروية كان ذلك جائزًا، وقد روى عن عمر ﵁ أنه قال لأهل مكة ما لكم يقدم الناس عليكم شعثا إذا رأيتم الهلال فأهلوا بالحج، وهذا مذهب ابن الزبير وقال الإمام مالك: من كان بمكة فأحب أن يهل من المسجد لهلال
[ ٢ / ١٢ ]
ذي الحجة انتهى، والمستحب الإحرام يوم التروية حين التوجه إلى منى كما تقدم وبهذا قال ابن عمر وابن عباس، قال شيخ الإسلام: والسنة أن يبيت الحجيج بمنى فيصلون بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ولا يخرجون منها حتى تطلع الشمس كما فعل النبي ﷺ وأما الإيقاد فهو بدعة مكروهة باتفاق العلماء، وإنما الإيقاد بمزدلفة خاصة بعد الرجوع من عرفة، أما الإيقاد بمنى أو عرفة فبدعة، ويسيرون من منى إلى نمرة على طريق ضب من يمين الطريق انتهى.
قلت: طريق ضب هو الطريق المزفت الذي تسلكه السيارات في هذا الزمن فتسير معه وتكون مزدلفة على يسارك إذا كنت قاصدًا عرفة ثم إذا سلكت طريق ضب المذكور.
يكون مأزمًا عرفة وعلماء الحرم على يسارك أيضًا، وأما الطريق الآخر فهو على جهة اليسار من مزدلفة فإذا سلكته صار المشعر الحرام على يمينك ثم تسير بين المأزمين فإذا جاوزت ما بينهما أتيت على علمي الحرم وعلى عرنة بالنون، وبين علمي الحرم المذكورين وجدار مسجد إبراهيم القبلي المسمى مسجد عرنة بالنون تقريبًا ألف ذراع وثمانمائة ذراع بذراع اليد كما اختبرنا ذلك، وقال الأزرقي ألف ذراع وستمائة ذراع وخمسة أذرع انتهى، وقول شيخ الإسلام: وإنما الإيقاد بمزدلفة خاصة مراده ما يفعل سابقًا من إيقاد النار بها، قال الأزرقي في تاريخ مكة وساق بسنده إلى غنيم بن كليب عن أبيه عن جده قال رأيت النبي ﷺ في حجته وقد دفع من عرفة إلى جمع والنار توقد بالمزدلفة وهو يؤمها حتى نزل قريبًا منها، وساق بسنده أيضًا عن نافع عن ابن عمر قال: كانت النار توقد على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃، يعني بالمزدلفة بعد الرجوع من عرفة انتهى، وقد أبدلت في زماننا هذا وقبله بالسرج التي توضع في منارة المشعر
[ ٢ / ١٣ ]
الحرام كما يأتي، ولو صادف يوم التروية يوم جمعة وهو مقيم بمكة ممن تجب عليه وزالت الشمس وهو بمكة فلا يخرج قبل صلاة الجمعة لوجوبها بالزوال، والخروج إلى منى في ذلك الوقت غير واجب وقب الزوال إن شاء خرج إلى منى وإن شاء أقام بمكة حتى يصلي الجمعة فإن خرج الإمام إلى منى أمر من يصل بالناس الجمعة إن اجتمع معه العدد لئلا تفوتهم، فإذا طلعت الشمس من يوم عرفة سار من منى إلى عرفة فأقام بنمرة ندبا حتى تزول الشمس، قال في الإقناع وشرحه: ونمرة موضع بعرفة وقيل بقربها وهو خارج عنها، وهو الجبل الذي عليه أنصاب؛ أي علامات الحرم على يمينك إذا خرجت من مأزمي عرفة
تريد الموقف انتهى. قلت: وفي زمننا هذا ليست أنصاب الحرم على جبل بل هي على أرض مستوية كما هو مشاهد، قال في المنتهى وشرحه: فإذا طلعت الشمس سار من منى فأقام بنمرة: موضع بعرفة إلى الزوال ثم يأتي عرفة انتهى ملخصًا، قال في القاموس: ونمرة كفرحة: موضع بعرفات أو الجبل الذي عليه أنصاب الحرم على يمينك خارجًا على المأزمين تريد الموقف، ومسجدها معروف انتهى، قال في المصباح: ونمرة موضع قيل من عرفات وقيل بقربها خارج عنها انتهى، وقال النووي: ونمرة ليست من عرفة كعرنة انتهى.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ونمرة كانت قرية خارجة عن عرفات من جهة اليمين فيقيمون بها إلى الزوال كما فعل النبي ﷺ ثم يسيرون منها إلى بطن الوادي، وهو موضع النبي ﷺ الذي صلى فيه الظهر والعصر وخطب وهو في حدود عرفة ببطن عرنة، وهناك مسجد يقال له مسجد إبراهيم وإنما بني في أول دولة بني العباس، فيصلي هناك الظهر والعصر قصرًا كما فعل النبي ﷺ ويصلي خلفه جميع الحجيج أهل مكة وغيرهم قصرًا
[ ٢ / ١٤ ]
وجمعًا يخطب بهم الإمام كما خطب النبي ﷺ على بعيره ثم إذا قضى الخطبة أذن المؤذن وأقام ثم يصلي كما جاءت بذلك السنة ويصلي بعرفة ومزدلفة ومنى قصرًا، ويقصر أهل مكة وغير أهل مكة وكذلك يجمعون الصلاة بعرفة ومزدلفة كما كان أهل مكة يفعلون خلف النبي ﷺ بعرفة ومزدلفة وكذلك كانوا يفعلون خلف أبي بكر وعمر، ولم يأمر النبي ﷺ ولا خلفاؤه أحدًا من أهل مكة أن يتموا الصلاة ولا قالوا لهم بعرفة ومزدلفة ومنى: أتموا صلاتكم فإنا قوم سفرٌ، ومن حكى ذلك عنهم فقد أخطأ ولكن المنقول عن النبي ﷺ أنه قال ذلك في غزوة الفتح لما صلى بهم بمكة، وأما في حجه فإنه لم ينزل بمكة ولكن كان نازلًا خارج مكة وهناك كان يصلي بأصحابه انتهى كلامه رحمه الله تعالى. قلت: وموضع نزوله ﷺ في حجته كان بالأبطح أعلى مكة والله أعلم.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: نمرة قرية غربي عرفات وهي خراب اليوم نزل بها ﷺ حتى إذا زالت الشمس أمر بناقته القصواء فرحلت ثم سار حتى أتى بطن الوادي من أرض عرنة فخطب الناس، وتمامه يأتي، قال الأزرقي، ونمرة هو الجبل الذي عليه أنصاب الحرم على يمينك إذا خرجت من مأزمي عرفة تريد الموقف، وتحت جبل نمرة غار أربعة أذرع في خمسة أذرع ذكروا أن النبي ﷺ كان ينزله يوم عرفة حتى يروح إلى الموقف وهو منزل الأئمة إلى اليوم، والغار داخل في جدار دار الإمارة في بيت في الدار ومن الغار إلى مسجد عرنة ألفا ذراع وأحد عشر ذراعًا انتهى. قلت في كلام الأزرقي نظرًا لأن النبي ﷺ ضربت له قبة أي خيمة بنمرة فنزل بها لا بالغار وفي هذا الزمن لا يوجد على الجبل المذكور أنصاب للحرم وإنما
[ ٢ / ١٥ ]
أنصاب الحرم على وجه الأرض كما تقدم.
قال ابن القيم ﵀ وموضع خطبته ﷺ لم يكن من الموقف فإنه خطب بعرنة وليست من الموقف وهو ﷺ نزل بنمرة وخطب بعرنة ووقف بعرفة انتهى، قال النووي: واعلم أنه ليس من عرفات وادي عرنة ولا نمرة ولا المسجد الذي يصلي فيه الإمام المسمى مسجد إبراهيم ويقال له مسجد عرنة بل هذه المواضع خارج عرفات على طرفها الغربي مما يلي مزدلفة وهذا نص الشافعي انتهى، قلت: كلام شيخ الإسلام وابن القيم والنووي المتقدم صريح في أن نمرة ليست من عرفة وهو الذي اتضح لنا بعد التحري الشديد والوقوف على تلك المواضع ومشاهدتها لأن حد عرفة من الغرب هو وادي عرنة بالنون، ونمرة هي غربي وادي عرنة من جهة الجرم، وكذلك مسجد عرنة المسمى مسجد إبراهيم ليس من عرفات، ولا عبرة بقول من قال: آخر المسجد من عرفات لأنه يكذبه الحس الظاهر بالمشاهدة لعلمي عرفة، ولأن نفس المسجد المذكور في بطن وادي عرنة بالنون وللوادي بقية من جهة عرفة شرقي المسجد، وكل ما ذكرناه يتضح بالوقوف والمشاهدة والله أعلم. وقال النووي أيضًا واعلم أن عرفة ونمرة بين عرفات والحرم ليستا من واحد منهما وأما جبل الرحمة ففي وسط عرفات انتهى وهو كما قال.
(تنبيه): لا ينافي هذا ما يأتي من أن من حد عرفة من الشمال وادي عرنة لأن الوادي مستطيل فهو حد لعرفة غربًا ومن حدها شمالًا والله أعلم. فإذا زالت الشمس استحب للإمام أو نائبه أن يخطب خطبة واحدة يقصرها لقول سالم بن عبد الله للحجاج بن يوسف يوم عرفة (إن كنت تريد أن تصيب السنة فقصر الخطبة وعجل الصلاة، فقال ابن عمر صدق) رواه البخاري، ويفتتحها بالتكبير يعلم الناس فيها مناسكهم من الوقوف ووقته والدفع من عرفات
[ ٢ / ١٦ ]
والمبيت بمزدلفة وأخذ الحصا ورمى الجمار وغير ذلك من الحلق والنحر، فإذا فرغ من خطبته أمر بالأذان فنزل وصلى الظهر والعصر جمعًا بأذان للأولى وإقامتين لكل صلاة إقامة لحديث جابر، قال في الإقناع وشرحه: فإذا فرغ من خطبته نزل فصلى الظهر والعصر جمعًا إن جاز له الجمع كالمسافر سفر قصر بأذان وإقامتين، وكذلك يجمع غيره أي غير الإمام ولو منفردًا لأن الجماعة ليست شرطًا للجمع انتهى، قال في المنتهى وشرحه: ثم يجمع من يجوز له الجمع حتى المنفرد بين الظهر والعصر ويعجل انتهى، قال الشيخ محمد الخلوتي في حاشيته على المنتهى: قوله ويعجل، أي يجمع جمع تقديم انتهى وفيه قصور، والمراد بالتعجيل هو تعجيل الصلاة حين تزول الشمس، قال في المغني والشرح: والسنة تعجيل الصلاة حين تزول الشمس وأن يقصر الخطبة ثم يروح إلى الموقف لما روى سالم أنه قال للحجاج يوم عرفة (إن كنت تريد أن تصيب السنة فقصر الخطبة وعجل الصلاة، فقال ابن عمر صدق) . رواه البخاري، ولأن تطويل ذلك يمنع الرواح إلى الموقف في أول وقت الزوال والسنة التعجيل في ذلك وتمامه فيه قول ولأن تطويل ذلك يمنع الرواح إلى الموقف، إلخ يعني يمنع الرواح إلى عرفة في أول وقت الزوال لأن السنة تعجيل الدخول إلى عرفة وعرفة كلها موقف، والله أعلم.
قال في الإنصاف: تنبيه ظاهر كلام المصنف يعني الموفق أن أهل مكة ومن حولهم كغيرهم إذا ذهبوا إلى عرفة ومزدلفة ومنى، وهو صحيح، فلا يجوز لهم القصر، ولا الجمع على الصحيح من المذهب نص عليه، وعليه أكثر الأصحاب، وجزم به في المستوعب وغيره وقدمه في الفروع، وقال اختاره الأكثر وقدمه في الفائق وقال: لا يجمع ولا يقصر عند جمهور أصحابنا، واختار أبو الخطاب
[ ٢ / ١٧ ]
في العبادات الخمس والشيخ تقي الدين جواز القصر والجمع لهم فيعايابها، واختار المصنف يعني الموفق جواز الجمع فقط، قال في الفروع وهو الأشهر عن أحمد فيعايابها انتهى. وقال شيخ الإسلام: ثم لما خرج ﷺ إلى منى وعرفة خرج معه أهل مكة وغيرهم ولما رجع من عرفة رجعوا معه ولما صلى بمنى أيام منى صلوا معه ولم يقل لهم: أتموا صلاتكم فإنا قوم سفرٌ ولم يحد النبي ﷺ السفر لا بمسافة ولا بزمان ولم يكن بمنى أحد ساكن في زمنه، ولهذا قال (منى مناخ من سبق) ولكن قيل إنها سكنت في خلافة عثمان وأنه بسبب ذلك أتم عثمان الصلاة لأنه كان يرى أن المسافر من يحمل الزاد والمزاد ثم بعد ذلك يذهب إلى عرفات فهذه السنة، لكن في هذه الأوقات لا يكاد أحد يذهب إلى نمرة ولا إلى مصلى النبي ﷺ بل يدخلون عرفات فهذه السنة، بل يدخلون عرفات على طريق المأزمين ويدخلونها قبل الزوال ومنهم من يدخلها ليلًا ويبيتون بها قبل التعريف، وهذا الذي يفعله الناس كله يجزئ معه الحج، لكن فيه نقص عن السنة فيفعل ما يمكن من السنة مثل الجمع بين الصلاتين فيؤذن أذانًا واحدًا ويقيم لكل صلاة انتهى كلام الشيخ رحمه الله تعالى.
قلت: ما ذكره شيخ الإسلام كان في زمنه، وأما زمننا هذا فإن غالب الحجاج يذهبون إلى عرفات من طريق ضب على السيارات وهو الطريق المبعد المزفت ويتمكنون من الذهاب إلى نمرة وإلى الصلاة في مصلى النبي ﷺ مع الإمام وبدونه للأمن الشامل في هذا الزمن من طريق المأزمين على السيارات وكذلك المشاة على الأقدام وأصحاب الدواب، وسنح لي هنا ما تذكرته سنة أربعين وإحدى وأربعين بعد الثلاثمائة والألف حين أتيت عرفات للحج فاستشهدت بهاتين الآيتين الكريمتين، وهما قوله
[ ٢ / ١٨ ]
تعالى: (واذكروا إذا أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون) .
وقوله تعالى: (فاعتبروا يا أولي الأبصار) اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك يا أرحم الراحمين، وسبق في كلام شيخ الإسلام أن السنة قصر الصلاة بعرفة ومزدلفة ومنى لأهل مكة وغير أهل مكة وكذلك الجمع بعرفة ومزدلفة لأهل مكة وغير أهل مكة وأن هذا الذي فعله رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄.
(تنبيه): الناس في زمننا هذا ثلاثة أقسام: قسم لا يجمع ولا يقصر في عرفة ومزدلفة ومنى، وقسم يجمع ولا يقصر فيهن، وقسم يقصر ويجمع بعرفة ومزدلفة ويقصر ولا يجمع بمنى، وهذا القسم الثالث هو الذي معه الدليل من سنة النبي ﷺ والخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر والله أعلم. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فلما طلعت الشمس سار ﷺ من منى إلى عرفة وأخذ على طريق ضب على يمين طريق الناس اليوم وكان من أصحابه الملبي ومنهم المكبر وهو يسمع ذلك ولا ينكر على هؤلاء ولا على هؤلاء فوجد القبة قد ضربت له بنمرة بأمره، وهي قرية غربي عرفات وهي خراب اليوم فنزل بها حتى إذا زالت الشمس أمر بناقته القصواء فرحلت، ثم سار حتى أتى بطن الوادي من أرض عرنة فخطب الناس وهو على راحلته خطبة عظيمة قرر فيها قواعد الإسلام وهدم فيها قواعد الشرك والجاهلية وخطب خطبة واحدة ولم تكن خطبتين جلس بينهما، وموضع خطبته لم يكن من الموقف فإنه خطب بعرنة، وليست من الموقف، وهو ﷺ نزل بنمرة وخطب بعرنة ووقف بعرفة، فلما أتم خطبته أمر بلالًا فأذن. ثم أقام الصلاة فصلى
[ ٢ / ١٩ ]
الظهر ركعتين أسر فيهما بالقراءة وكان يوم جمعة؛ فدل أن المسافر لا يصلي جمعة ثم أقام فصلى العصر ركعتين أيضًا ومعه أهل مكة وصلوا بصلاته قصرًا وجمعًا بلا ريب ولم يأمرهم بالإتمام ولا بترك الجمع، ومن قال إنه قال لهم: أتموا صلاتكم، فإنا قوم سفرٌ فقد غلط فيه غلطًا بينا ووهم وهما قبيحًا، وإنما قال لهم ذلك في غزوة الفتح بجوف مكة حيث كانوا في ديارهم مقيمين انتهى.
(تنبيه): السنة أن يقيم بنمرة يوم عرفة إلى الزوال ثم يسير منها إلى بطن وادي عرنة بالنون ويصلي هناك الظهر والعصر جمعًا وقصرًا ويخطب بهم الإمام في حدود عرفة ببطن عرنة وهو موضع المسجد الآن، وهذا هو الذي يدل له حديث جابر، وأما عبارة المنتهى وشرحه كالإقناع فإنها تقتضي أن السنة الإقامة بنمرة إلى الزوال والصلاة جمعًا بها وأنها من عرفة، ولكن حديث جابر صريح في أنه ﷺ لم يصل الظهر والعصر من يوم عرفة بنمرة، وإنما أقام ﷺ بنمرة إلى الزوال فقط ثم ارتحل وسار منها إلى بطن وادي عرنة فصلى هناك الظهر والعصر جمعًا وقصرًا ببطن عرنة وهي ليست من عرفة كما في الحديث (وارفعوا عن بطن عرنة) كما أن نمرة ليست من عرفة بطريق الأولى، لأنها غربي عرنة بالنون من جهة الحرم وتقدم ذلك ولكن أعدناه للتأكيد وإزالة الإشكال الذي وقع فيه الفقهاء ومؤلفو المناسك، والله أعلم.
قال ابن القيم ﵀: فلما فرغ ﷺ من صلاته الظهر والعصر ركب حتى أتى الموقف فوق في ذيل الجبل عند الصخرات واستقبل القبلة وجعل حبل الماشة بين يديه وكان على بعيره، فأخذ في الدعاء والتضرع والابتهال إلى غروب الشمس وأمر الناس أن يرفعوا عن بطن عرنة وأخبر أن عرفة لا تختص بموقفه ذلك، بل قال (وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف) وأرسل
[ ٢ / ٢٠ ]
إلى الناس أن يكونوا على مشاعرهم ويقفوا بها فإنها من إرث أبيهم إبراهيم، وكذلك هناك أقبل ناس من أهل نجد فسألوه عن الحج فقال (الحج يوم عرفة من أدرك قبل صلاة الصبح فقد أدرك الحج أيام منى ثلاثة أيام التشريف فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه) انتهى ملخصًا، قال في الإقناع وشرحه، ثم يأتي موقف عرفة ويغتسل له، أي للوقوف استحبابًا انتهى. قال شيخ الإسلام: الاغتسال لعرفة قد روى في حديث عن النبي ﷺ وروى عن ابن عمر، ولم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه في الحج إلا ثلاثة أغسال غسل الإحرام والغسل عند دخول مكة والغسل يوم عرفة وما سوى ذلك كالغسل لرمي الجمار والطواف والمبيت بمزدلفة، فلا أصل له لا عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ولا استحبه جمهور الأئمة، لا مالك ولا أبو حنيفة ولا أحمد وإن كان قد نقله طائفة من متأخري أصحابه بل هو بدعة إلا أن يكون هناك سبب يقتضي الاستحباب مثل أن يكون عليه رائحة يؤذي الناس بها فيغتسل لإزالتها انتهى، قال في المغني والشرح والمنتهى والإقناع وغيرها وحد عرفات من الجبل المشرف على عرنة إلى الجبال المقابلة له إلى ما يلي حوائط بني عامر انتهى. وذكر الأزرقي بسنده عن ابن عباس أنه قال حد عرفة من الجبل المشرف على بطن عرنة إلى جبال عرفة إلى وصيق إلى ملتقى وسيق ووادي عرنة انتهى.
وهذا مطابق لحدود عرنة بالمشاهدة، وقوله إلى جبال عرفة هي سلسلة الجبال والهضاب المتصل بعضها ببعض من الشرق والجنوب، قال النووي قال إمام الحرمين ويطيف بمنعرجات عرفات جبال وجوهها المقبلة من عرفات انتهى، وهذا تحديد جامع مفيد، وقال النووي أيضًا: وأما عرفات فحدها ما جوز وادي عرنة، أي جاوز الوادي من جهة عرفات إلى الجبال المقابلة مما يلي بساتين
[ ٢ / ٢١ ]
تنسب إلى عبد الله بن عامر بن كريز بن خال عثمان بن عفان الذي افتتح فارس وخراسان، وقد اكتشفتها في خامس عشر صفر سنة ألف وثلاثمائة وثمان وثمانين هجرية فوجدت الساقي الذي يجري معه ماء العين مستطيلًا ومشيت معه جنوبًا شرقًا حتى أتيت على موضع بركة العين فوجدتها مبنية هي وساقيها بالحجارة والنورة القوية الصلبة وقد عجزت عن فصل النور من الحجارة، وهذا هو أول اكتشاف لبساتين ابن عامر وعينها، ووجدت موضعها على طبق ما حدده الشافعي، لأن الجبال المقابلة لوادي عرنة في قول الشافعي هي سلسلة الجبال والهضاب الجنوبية والشرقية المتصل بعضها ببعض التي هي حدود عرفة، فبساتين ابن عامر داخلة في عرفة، لأنها دون الهضاب الشرقية، والجنوبية التي هي حدود عرفة والحاصل أن حدود عرفة من جهاتها الأربع هي من الشرق الجبل المشرف المسمى سعدا وما اتصل به من الجبال إلى الهضاب الجنوبية التي هي حدود عرفة جنوبًا إلى أن تلتقي بوادي عرنة على مسامته جبل نمرة، وحدود عرفة من الجهة الشرقية الشمالية هي من الجبل المشرف سعد المذكورة وما اتصل به من الجبال إلى وصيق وملتقى وصيق ووادي عرنة فحد عرفة من الشمال ملتقى وصيق بوادي عرنة وحدها من الغرب وادي عرنة، أما مسجد عرنة فإنه في نفس الوادي، والوادي هو حد عرنة من الغرب وبمشاهدة علمي عرفة القديمين يتضح أن جميع المسجد ليس من عرفة، ويقال إن صدر هذا المسجد كانت بنايته في المحل الذي خطب فيه رسول الله ﷺ الخطبة البليغة، وصلى فيه رسول الله صلى عليه
وسلم يوم عرفة صلاة الظهر والعصر جمع تقديم، وذلك في حجة الوداع سنة عشر من الهجرة النبوية والعلمان القديمان المذكوران يقعان شرقًا شمالًا عن المسجد
[ ٢ / ٢٢ ]
المذكور وهما فاصلان بين عرفة ووادي عرنة من جهة الغرب عن عرفة، فما كان شرقًا عن العلمين المذكورين فهو من عرفة، وما كان غربًا عنهما فمن عرنة، وقد وجدت مكتوبًا على العلم الجنوبي منهما في حجر ملزق بالعلم ما نصه: بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين أمر بعمارة علمي عرفات المفروض القيام بها على كافة الأنام في حجة الإسلام سيدنا ومولانا الإمام الأعظم مفترض الطاعة على كافة الأمم أبو جعفر المنصور عبد الله أمير المؤمنين أمتع الله بطول بقائه، وله بقية لم نتمكن من قراءتها لصعوبة معرفتها، وتاريخ اكتشافي لما هو مكتوب في العلم المذكور في جمادى الأولى سنة سبعين وثلاثمائة وألف فليعتمد ذلك، قال الأزرقي: حدثني جدي قال حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح قال رأيت الفرزدق جاء إلى قوم من بني تميم في مسجد لهم بعرفة معهم مصاحف لم يبعد مكانهم من موقف الإمام فوقف عليهم ففداهم بالأب والأم، وقال إنكم على إرث من إرث آبائكم.
ويسن أن يقف عند الصخرات وجبل الرحمة، واسمه إلال بوزن هلال وبعض العامة تسمية القرين بضم القاف مصغرًا ولا يشرع صعوده، ويقال لجبل الرحمة أيضا جبل الدعاء، ويقف مستقبل القبلة راكبًا، قال ابن الحاج: وهذا مستثنى من النهي عن اتخاذ ظهور الدواب مجلسًا يجلس عليها انتهى لحديث جابر عنه ﵊ فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة، وقوله حبل المشاة: أي طريقهم الذي يسلكونه، وقيل أراد صفهم ومجتمعهم في مشيهم تشبيها بحبل الرمل، وهذا بخلاف سائر المناسك والعبادات فإنه يفعلها راجلًا، وفي الانتصار ومفردات أبي يعلى الصغير أفضلية المشي في الحج على الركوب، وهو ظاهر كلام ابن الجوزي في مثير
[ ٢ / ٢٣ ]
الغرام الساكن فإنه ذكر أن الحسن بن علي حج خمس عشرة حجة ماشيًا، وذكر غيره خمسا وعشرين والجنائب تقاد معه. قلت: أما الوقوف بعرفة فقد وقف النبي ﷺ بها راكبا، ولنا به ﷺ أسوة حسنة، قال شيخ الإسلام: وتختلف أفضلية الحج راكبًا أو ماشيًا بحسب الناس، والركوب واقفًا أفضل انتهى ويرفع يديه واقف بعرفة ولا يجاوز بهما رأسه.
(تنبيه): إذا كان بعرفة غربًا عن جبل الرحمة الذي وقف عنده ﷺ أو شمالًا أو جنوبًا عنه، فإن لا يستقبل الجبل المذكور وإنما يستقبل القبلة هذه هي السنة، وقد رأيت أكثر الحجاج حين الوقوف بعرفات يستقبلون الجبل ويدعون وهم متوجهون إلى الشرق أو الجنوب أو الشمال ويقولون نحن نشاهد الجبل، وغالبهم لا يطمئن إلا برويته للجبل في منزله بعرفه وحين الدعاء فينبغي التنبه لهذا وتبيه الناس على استقبال القبلة حين الوقوف والدعاء، أما إذا كان الواقف بعرفات شرقًا عن جبل الرحمن فإنه إذا استقبله يكون مستقبلًا للقبلة ولكن ليس هو موقف النبي ﷺ الذي وقف فيه بعرفة كما يأتي، والله أعلم.
(تنبيه آخر): السنة أن يقف بعرفات عند الصخرات لحديث جابر المتقدم، وفيه (فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة) والصخرات المذكورات لم أر من الفقهاء ولا من مؤلفي المناسك ولا من شراح الحديث من عيَّن موضعها، وفي تواريخ مكة شيء من بيان موضعها لكنه غير محرر فلا يكفي ولا يشفي، ولم أعلم إلى ساعتي هذه من حرر موضعها تحريرًا واضحًا، وقد صار عادة أهل نجد سابقًا ولاحقًا يقفون هناك على الإبل في حفرة شرقًا عن جبل الرحمة وهم فيها مستقبلون للقبلة
[ ٢ / ٢٤ ]
لكن هذه الحفرة ليست والله أعلم موقف النبي ﷺ لأنه لا ينطبق على موضعها حديث جابر حيث جاء فيه (وجعل حبل المشاة بين يديه) ومن كان واقفًا في الحفرة المذكورة لا يكون بين يديه حبل مشاة فرضي الله عن جابر بن عبد الله لقد وصف موقف النبي ﷺ وصفًا واضحًا، والذي ينطبق عليه هو المحل الكائن عند الجبل من جهته الجنوبية، فإذا وقفت فيه صار الحبل المسمى جبل الرحمة على يمينك وكنت حينئذ مستقبلًا القبة وصار حبل المشاة بين يديك تشاهدهم وهم يمشون، وهناك الصخرات عليها بناية من الجهات الأربع على هيئة المسجد وفيه محراب، وكان أمراء مكة من السابق يقفون في هذا الموضع، والله أعلم.
(فائدة) يجب على كل من أراد نجاة نفسه أن يتوب إلى الله توبة نصوحًا لا سيما في هذا الموقف العظيم ويستحضر بقلبه عظمة ربه أرحم الراحمين ويخلص أعماله لله رب العالمين. وروى ابن ماجة في سننه، قال: قالت عائشة ﵂ إن رسول الله ﷺ قال: (ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عدبًا من النار من يوم عرفة، فإنه ليدنو ﷿، ثم يباهي بكم الملائكة، فيقول ما أراد هؤلاء؟) قال في المغني: ويستحب أن يكون مفطرًا ليتقوى على الدعاء مع أن صومه بغير عرفة يعدل سنتين انتهى، ويكثر الدعاء والاستغفار والتضرع وإظهار الضعف والافتقار ويلح في الدعاء ولا يستبطئ الإجابة ويجتنب السجع ويكرر الدعاء ثلاثًا ويكثر من قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، والله اجعل في قبري نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، ويسر لي أمري، ويدعو بما أحب ومما ورد أفضل، ومنه: اللهم إنك ترى مكاني وتسمع كلامي وتعلم سري
[ ٢ / ٢٥ ]
وعلانيتي ولا يخفى عليك شيء من أمري أنا البائس الفقير المستغيث المستجير الوجل المشفق المقر المعترف بذنبه أسألك مسألة المسكين وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خضعت لك رقبته وذل لك جسده وفاضت لك عيناه ورغم لك أنفه، يا من لا يشغله سمع عن سمع ولا تشتبه عليه الأصوات، يا من لا تغلطه المسائل ولا تختلف عليه اللغات، يا من لا يبرمه إلحاح الملحين ولا تضجره مسألة السائلين أذقنا برد عفوك وحلاوة مغفرتك برحمتك يا أرحم الراحمين. وفي الحديث (أفضل الدعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له) رواه مالك في الموطأ، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (كان أكثر دعاء النبي ﷺ يوم عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير) .
رواه الترمذي، وروى عن سفيان الثوري قال: رأيت أعرابيًا وهو مستلق بعرفة يقول: إلهي من أولى بالزلل والتقصير مني وقد خلقتني ضعيفًا؟ ومن أولى بالعفو عني منك وعلمك في سابق وأمرك بي محيط، أطعتك بإذنك والمنة لك وعصيتك بعلمك والحجة لك فأسألك بوجوب حجتك وانقطاع حجتي وبفقري إليك وغناك عني أن تغفر لي وترحمني، إلهي لم أحسن حتى أعطيتني ولم أسيء حتى قضيت عليّ، اللهم أطعتك بنعمتك في أحب الأشياء إليك شهادة أن لا إله إلا الله ولم أعصك في أبغض الأشياء إليك الشرك بك فاغفر لي ما بينهما، اللهم أنت أنيس المؤنسين لأوليائك وأقربهم بالكفاية للمتوكلين عليك تشاهد ما في ضمائرهم وتطلع على سرائرهم وسري لك اللهم مكشوف وأنا إليك ملهوف، إذا أوحشتني الغربة آنسني ذكرك، وإذا صبت إليّ الهموم لجأت إليك استجارة بك علمًا أن أزمة الأمور
[ ٢ / ٢٦ ]
بيديك ومصدرها عن قضائك، وكان إبراهيم بن إسحاق الحربي يقول: اللهم قد آويتني من ضنأي بالفتح والمد: أي تعبي، وبصرتني من عمائي وهديتني من جهلي وجفائي أسألك ما يتم به فوزي وما آمل في عاجل دنياي وديني ومأمول أجلي ومعادي ثم لا أقدر على أداء شكره إلا بتوفيقك وإلهامك إذ هيجت قلبي القاسي على الشخوص إلى حرمك وقويت أركاني الضعيفة لزيارة عتيق بيتك ونقلت بدني إلى مواقف حرمك اقتداء بسنة خليلك واحتذاء على مثال رسولك ﷺ واتباعًا لآثار خيرتك من خلقك وأنبيائك وأصفيائك، وأدعوك في مواقف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومناسك السعداء ومشاهد الشهداء دعاء من أتاك لرحمتك راجيًا وعن وطنه نائيًا ولقضاء نسكه مؤديًا ولفرائضك قاضيًا ولكتابك تاليًا ولربه ﷿ داعيًا ملبيًا ولقلبه شاكيًا ولذنبه خاشيًا ولحظه مخطئًا ولرهنه مغلقا ولنفسه ظالمًا وبجرمه عالمًا، دعاء من عمت عيوبه وكثرت ذنوبه وتصرمت أيامه واشتدت فاقته وانقطعت مدته، دعاء من ليس لذنبه سواك غافرًا ولا لعيبه غيرك مصلحًا ولا لضعفه غيرك مقويًا
ولا لكسره غيرك جابرًا ولا لمأمول خير غيرك معطيًا ولا لما يتخوف من حر ناره غيرك معتقًا.
اللهم وقد أصبحت في بلد حرام في شهر حرام في فئام من خير الأنام، أسألك أن لا تجعلني أشقى خلقك المذنبين عندك ولا أخيب الراجين لديك ولا أحرم الآملين لرحمتك الزائرين لبيتك ولا أخسر المنقلبين من بلادك.
اللهم وقد كان من تقصيري ما قد علمت ومن توبيقي نفسي ما قد عرفت ومن مظالمي ما قد أحصيت، فكم من كرب قد نجيت ومن غم قد جليت ومن هم قد فرجت ومن دعاء قد استجبت ومن شدة قد أزلت ورخاء قد أنلت، منك النعماء وحسن العطاء ومني الجفاء
[ ٢ / ٢٧ ]
وطول الاستعصاء والتقصير عن أداء شكرك، لك النعماء يا محمود فلا يمنعك من إعطائي مسألتي من حاجتي إلى حيث انتهى لها سؤالي ما تعرف من تقصيري وما تعلم من ذنوبي وعيوبي.
اللهم فأدعوك راغبًا وأنصب لك وجهي طالبًا وأضع لك خدي مذنبًا راهبًا فتقبل دعائي وارحم ضعفي وأصلح الفساد من أمري واقطع من الدنيا همي وحاجتي واجعل فيما عندك رغبتي.
اللهم واقلبني منقلب المدركين لرجائهم المقبول دعاؤهم المفلوج حجتهم المبرور حجهم المغفور ذنبهم المحطوط خطاياهم الممحو سيئاتهم المرشود أمرهم، منقلب من لا يعصى لك بعده أمرًا ولا يأتي بعده مأثمًا ولا يركب بعده جهلا ولا يحمل بعده وزرًا، منقلب من عمرت قلبه بذكرك ولسانه بشكرك وطهرت الأدناس من بدنه واستودعت الهدي قلبه وشرحت بالإسلام صدره وأقررت قبل الممات بعفوك عينه وأغضضت عن المآثم بصره واستشهدت في سبيلك نفسه برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا كما يحب ربنا ويرضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ويكثر من قول: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسن وقنا عذاب النار) .
اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم، ويكثر البكاء مع ذلك فهناك تسكب العبرات وتقال العثرات.
قال الشيخ زين الدين عبد الرحمن بن رجب في اللطائف بعد كلام سبق وفضل يوم عرفة مشهور، ففي الصحيحين عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رجلًا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود أنزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا، قال أي آية؟ قال قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكن نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا) فقال
[ ٢ / ٢٨ ]
عمر ﵁: إني لأعرف اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه، نزلت على رسول الله ﷺ وهو قائم بعرفة يوم جمعة، فهذه الآية تشهد لما روى في يوم عرفة أنه يوم المغفرة والعتق من النار، فيوم عرفة له فضائل متعددة منها: أنه يوم إتمام الدين، وإكمال النعمة، ومنها أنه عيد لأهل الإسلام كما قال عمر بن الخطاب وابن عباس ﵄، ويشرع صيامه لأهل الأمصار، ومنها أنه قيل إنه الشفع الذي أقسم الله تعالى به في كتابه وأن الوتر يوم النحر، وقد روى ذلك عن النبي ﷺ، وقيل إنه الشاهد الذي أقسم الله به في كتابه، قال تعالى: (وشاهد ومشهود) الشاهد يوم عرفة والمشهود يوم الجمعة وقيل بالعكس، ومنها أنه روى أنه أفضل الأيام، قال ﷺ: (أفضل الأيام يوم عرفة) وذهب إلى ذلك طائفة من العلماء ومنهم من قال: يوم النحر أفضل. قلت: وهو اختيار شيخ الإسلام ﵀. ومنها أنه روى عن أنس بن مالك قال: إنه كان يقال يوم عرفة بعشرة آلاف يوم يعني في الفضل. ومنها أنه يوم الحج الأكبر عن جماعة من السلف، وقيل يوم الحج الأكبر يوم النحر. قلت: وهو الصحيح الذي تدل عليه السنة وإن كان الشيخ عبد الرحمن بن رجب ﵀ حكاه بصيغة التمريض. ومنها أن صيامه كفارة سنتين.
قلت لغير الحاج الواقف بعرفة فإنه لا يستحب له صومه تطوعًا والله أعلم. ومنها أنه يوم مغفرة الذنوب والتجاوز عنها والعتق من النار والمباهاة بأهل الموقف كما ورد ذلك عن النبي ﷺ. وليحذر من الذنوب التي تمنع من المغفرة والعتق من النار، فمنها الاختيال، عن النبي ﷺ قال: (ما يرى أكثر عتيقًا ولا عتيقة من يوم عرفة لا يغفر الله لمختال) والمختال هو المتعاظم في نفسه المتكبر، قال الله تعالى: (والله لا يحب كل مختال فخور)،
[ ٢ / ٢٩ ]
وقال ﵊: (إن الله لا ينظر إلى من جر ثوبه خيلاء) . ومنها الإصرار على الكبائر، من يطمع في العتق من النار يمنع نفسه من الرحمة بالإصرار على كبائر الإثم والأوزار، بالله ما نصحت لنفسك ولا وقف على طريقك غيرك. توبق نفسك بالمعاصي فإذا حرمت المغفرة. قلت من أين هذا (قل هو من عند أنفسكم) .
فنفسك لُم ولا تلم المطايا ومت كمدًا فليس لك اعتذار.
إذا كنت تطمع في العتق من النار فاشتر نفسك من الله فإن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة. من كرمت عليه نفسه هان عليه كل ما يبذل في انفكاكها من النار. اشترى بعض الصالحين نفسه من الله ثلاث مرات أو أربعا فتصدق بوزنه فضة. واشتر عامر بن عبد الله بن الزبير نفسه من الله ست مرات يتصدق بها، واشترى حبيب نفسه من الله بأربعين ألفًا تصدق بها، وكان أبو هريرة ﵁ يسبح كل ليلة اثنتي عشرة ألف تسبيحة يفك بذلك نفسه. من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل. ويحك قد رضينا منك بفكاك نفسك بالندم وقنعنا منك بثمنها بالتوبة والحزن وفي هذا الموسم قد رخص السعر. من ملك سمعه وبصره ولسانه غفر له. مد غليه يد الاعتذار وقم على بابه بالذل والانكسار وارفع قصة ندمك على صحيفة خدك بمداد الدموع الغزار. وقل: (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) . كانت أحوال الصادقين في الموقف فر عفة تتنوع: فمنهم من كان يغلب عليه الخوف والحياء. توافق مطرف بن عبد الله بن الشخير وبكر المزني فقال أحدهما: اللهم لا ترد أهل الموقف من أجلي، وقال الآخر: ما أشرفه من موقف وأرجاه لأهله لولا أني فيهم. وقف الفضيل بعرفة والناس يدعون وهو يبكي بكاء الثكلى
[ ٢ / ٣٠ ]
المحترقة وقد حال البكاء بينه وبين الدعاء، فلما كادت الشمس أن تغرب رفع رأسه إلى السماء وقال واسواتاه منك وإن عفوت عني. وقف بعض العافين بعرفة إلى غروب الشمس فنادى: الأمان الأمان فقد دنا الانصراف فياليت شعري ما فعلت بحاجة المسكين:
[ ٢ / ٣١ ]
وإني لأدعو الله أسأل عفوه وأعلم أن الله يعفو ويغفر.
لأن أعظم الناس الذنوب فإنها وإن عظمت في رحمة الله تصغر.
انتهى ملخصا من اللطائف، قلت ما قاله الفضيل بن عياض ﵀ هو في حق الواقفين بعرفات المخلصين أعمالهم لله ﷿ الذين لم يصرفوا شيئًا من عباداتهم لغيره، أما من صرف شيئًا من أنواع العبادة لغير الله من دعاء الله من دعاء أو خوف أو رجاء أو توكل أو رغبة أو رهبة أو خشية أو خشوع أو استعانة أو استغاثة أو استعاذة أو ذبح أو نذر أو غيرها من العبادات، فهذا قد ارتكب ظلمًا عظيمًا مانعًا لمغفرته ما دام مصرًا على شركه، كمن يدعو الله ويراقب شيخه في دعائه كما يفعله أتباع مشايخ الطرق فإن المريدين يراقبون مشايخهم في عباداتهم وأذكارهم فيصرفون مرتبة الإحسان التي لا تصلح إلا الله جل وعلا لمشايخهم، ومشايخهم يشترطون على أتباعهم مراقبتهم في جميع حالاتهم، فإن لله وإنا إليه راجعون.
ووقت الوقوف بعرفة من طلوع الفجر يوم عرفة إلى طلوع فجر يوم النحر هذا هو المذهب لحديث عروة بن مضرس الطائي قال: (أتيت النبي ﷺ بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة فقلت يا رسول الله إني جئت من جبلي طيء أكللت راحلتي وأتعبت نفسي والله ما تركت من حبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج؟ فقال النبي ﷺ من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه) . رواه الخمسة وصححه الترمذي، ولفظه له ورواه الحاكم وقال صحيح
[ ٢ / ٣٢ ]
على شرط كافة أئمة الحديث، ولأن ما قبل الزوال من يوم عرفة فكان وقتًا للوقوف كما بعد الزوال، وتركه ﷺ الوقوف فيه لا يمنع كونه وقتًا للوقوف كما بعد العشاء، وإنما وقف النبي ﷺ وقت الفضيلة، وقوله في الحديث: جئت من جبلي طيء هما أجا وسلما جبلان معروفان بقرب بلد حائل، وقوله والله ما تركت من حبل يروى بالحاء المهملة أحد حبال الرمل: وهو ما اجتمع منه واستطال، وروى جبل بالجيم والله أعلم، واختار شيخ الإسلام وأبو حفص العكبري وحكي إجماعا أن وقت الوقوف من الزوال يوم عرفة، وهو قول مالك والشافعي وأكثر الفقهاء، لأن النبي ﷺ إنما وقف بعد الزوال وقد قال: (خذوا عني مناسككم) إلى طلوع فجر يوم النحر لقول جابر: (لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جمع) فقال أبو الزبير فقلت له أقال رسول الله ﷺ ذلك؟ قال نعم. قلت: وفائدة الخلاف في ذلك أنه لو وقف أول النهار ثم خرج من عرفة قبل الزوال ولم يعد إليها صح حجه وعليه دم هذا على المذهب، وعلى مقابله إذا خرج من عرفة قبل الزوال ولم يعد إلهيا في وقت الوقوف لم يصح حجه، والله أعلم.
فعلى المذهب من حصل بعرفة في وقت الوقوف وهو من طلوع الفجر يوم عرفة إلى طلوع الفجر يوم النحر ولو لحظة مختارًا ولو مارًا بها راجلًا أو راكبًا ولو في طلب غريم أو طلب نحو دابة شاردة أو عبد آبق أو نائمًا أو جاهلًا بأنها عرفة وهو من أهل الوقوف بأن يكون مسلمًا عاقلًا محرمًا بالحج صح حجه وأجزأ عن حجة الإسلام إن كان حرا بالغًا وإلا فنفل لعموم قوله ﷺ (وقد أتى عرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا) وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة؛ وقال أبو ثور لا يجزئه لأنه لا يكون واقفًا إلا بإرادة، ودليل الأئمة الأربعة عموم
[ ٢ / ٣٣ ]
الحديث المذكور، ولا يصح الوقوف من مجنون ومغمى عليه وسكران وفاقًا للشافعي لعدم عقله إلا أن يفيقوا وهم بعرفات قبل خروج وقت الوقوف، وكذا لو أفاقوا بعد الدفع منها وعادوا فوقفوا بها في وقت الوقوف. وقال مالك وأصحاب الرأي في المغمى عليه يجزئه، ومن فاته الوقوف بعرفة قبل طلوع فجر يوم النحر فاته الحج لحديث جابر، ويستحب أن يقف طاهرًا من الحدثين ومن نجاسة ببدنه وثوبه كسائر المناسك، ويصح وقوف الحائض إجماعًا ووقفت عائشة الصديقة بنت الصديق ﵄ حائضًا بأمر النبي ﷺ، ولا يشترط للوقوف طهارة ولا سترة ولا استقبال القبلة ولا نية، لكن كشف العورة محرّم وعكس الوقوف إحرام وطواف وسعي، لا يصير من حصل بالميقات محرمًا بلا نية لأن الإحرام هو النية كما سبق، وكذا الطواف والسعي لا يصحان بلا نية وتقدم.
ويجب أن يجمع في الوقوف بين الليل والنهار من وقف نهارًا لفعله ﷺ مع قوله (خذوا عني مناسككم) فإن دفع من عرفة قبل غروب الشمس فعليه دم كدم متعة وهو ذبح شاة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع لأنه ترك واجبًا وهو الوقوف في جزء من أجزاء الليل، ولا يفسد الحج بتركه أشبه ترك الإحرام من الميقات، وصيام ثلاثة الأيام في الحج في هذه الصورة يتعين عنها صيام ثلاثة أيام التشريق لأنه لم يبق من أيام الحج سواها والله أعلم. وإن عاد إلى عرفة قبل الغروب ووقع الغروب وهو بها فلا دم عليه، لأنه أتى بالواجب وهو الجمع بين الليل والنهار في الوقوف، قال الشيخ سليمان بن علي في منسكه: ويجب أن يجمع في الوقوف بين الليل والنهار من وقف نهارًا، فإن دفع قبل الغروب فعليه دم إن لم يعد قبله ويقع الغروب وهو بها، قال في الشرح الكبير: لأنه عليه الوقوف حال الغروب وقد فاته بخروجه فأشبه من تجاوز الميقات غير محرم فأحرم دونه ثم عاد إليه انتهى. قال في الإنصاف: ومن وقف بعرفة نهارًا ودفع قبل غروب الشمس فعليه دم، هذا المذهب، ثم قال تنبيه محل وجوب الدم إذا لم يعد إلى الموقف قبل الغروب هذا الصحيح من المذهب جزم به في المغني والشرح والوجير، وغيرها وقدمه في الفروع وغيره، وقال في الإيضاح لأبي الفرج الشيرازي ولم يعد إلى الموقف قبل الفجر وقاله ابن عقيل في مفرداته، فإن عاد إلى الموقف قبل الغروب أو قبل الفجر عند من يقول به فلا دم عليه على الصحيح من المذهب وعليه أكثرهم جزم به في الوجيز وغيره وقدمه في الفروع وقيل عليه دم مطلقًا. وفي الواضح وشرح المنتهى: لو عاد إليه قبل الفجر فلا دم عليه لأنه أتى بالواجب وهو الوقوف في الليل والنهار فلم يجب عليه دم كمن تجاوز
[ ٢ / ٣٤ ]
الميقات غير محرم ثم رجع إليه فأحرم منه، والذي يظهر أن شارح المنتهى قال ذلك تبعًا لابن عقيل انتهى كلام الشيخ سليمان.
قلت: وقد تبع الشيخ منصور في شرحه على المنتهى الشيخ الفتوحي في شرحه عليه. وعبارة الإقناع: ويجب أن يجمع في الوقوف بين الليل والنهار من وقف نهارًا، فإن دفع قبل غروب الشمس فعليه دم إن لم يعد قبله انتهى، فكلام صاحب الإقناع صريح في مخالفة شرح المنتهى، ثم قال منصور في شرح الإقناع: فإن عاد إلهيا ليلًا فلا شيء عليه، والظاهر أنه قال ذلك متابعة للفتوحي في شرحه على منتهاه من غير نظر إلى الترجيح كما تابعه أيضًا في شرحه للمنتهى وكما جرى عليه في شرح المختصر. وعبارة المغني باختصار: فإن دفع قبل الغروب ثم عاد نهارًا فوقف حتى غربت الشمس فلا دم عليه، فإن لم يعد حتى غربت الشمس فعليه دم لأن عليه الوقوف حال الغروب وقد فاته بخروجه وكذا عبارة الشرح الكبير. إذا تقرر هذا فالمذهب كما في المغني والشرح والإنصاف ومتن الإقناع ومتن المنتهى والمختصر وغيرها أن من وقف
[ ٢ / ٣٥ ]
نهارًا ودفع قبل الغروب فعليه دم إن لم يعد قبل الغروب ويقع الغروب وهو بعرفة. وقال ابن عقيل في مفرداته إن عاد إلى الموقف قبل الفجر فلا دم عليه وتبعه في الإيضاح ومشى عليه الشيخ محمد الفتوحي في شرح المنتهى وتبعه الشيخ منصور البهوتي في شروحه على الإقناع والمنتهى والمختصر والله أعلم. وإن وافى عرفة ليلًا فقط فلا دم عليه بعدم وقوفه جزءًا من النهار لأنه ليس بواجب على من لم يوافها إلا ليلًا ووقف بها، قال في المغني والشرح لا نعلم فيه مخالفًا لقول النبي ﷺ (من أدرك عرفات بليل فقد أدرك الحج) ولأنه لم يدرك جزءًا من النهار فأشبه من منزله دون الميقات إذا أحرم منه. قال الشيخ سليمان بن علي في منسكه ولعل سقوط الدم عنه فيما إذا منعه عذر عن الوقوف نهارًا انتهى. قلت كلام الأصحاب مطلق في أنه لا دم على من لم يواف عرفة إلا ليلًا ولم يقيدوه بما إذا كان له عذر عن الوقوف نهارًا لأن الوقوف نهارًا ليس بواجب على من لم يواف عرفة إلا ليلا، والله أعلم.
(فائدة): إذا خاف فوت الوقوف بعرفة إن صلى صلاة آمن صلى صلاة خائف إن رجا إدراك الوقوف لما في فوت الحج من الضرر العظيم، قال في شرح المختصر: وإذا اشتد الخوف صلوا رجالًا وركبانًا للقبلة وغيرها يومئون طاقتهم، وكذا حالة هرب مباح من عدو أو سيل ونحوه أو خوف فوت عدو يطلبه أو وقت وقوف بعرفة انتهى، فعلى هذا إذا خاف فوت الوقوف بعرفة صلى الفريضة راجلًا أو راكبًا في سيارة أو على دابة أو غيرهما للقبلة أو غيرها ويوميء بقدر طاقته والله أعلم.
(فائدة) وقفة الجمعة في آخر يومها ساعة الإجابة للخبر، فإذا اجتمع فضل يوم الجمعة ويوم عرفة كان لهما مزية على سائر الأيام. قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
[ ٢ / ٣٦ ]
وأما ما استفاض على ألسنة العوام بأنها تعدل اثنتين وسبعين حجة فباطل لا أصل له انتهى. قال الفاسي في الإعلام وفي سنة عشرين وسبعمائة وقف الناس بعرفة يوم الجمعة وهذه تكملة مائة جمعة وقفها المسلمون من الهجرة النبوية إلى الآن قال البرزالي انتهى. وإن وقف كل الحجيج الثامن أو العاشر خطأ أجزأهم، أو وقوف الحجيج إلا يسيرًا الثامن أو العاشر خطأ أجزأهم نصًا فيهما. قال الشيخ سليمان بن علي في منسكه: ولو رأى الهلال طائفة قليلة لم ينفردوا بالوقوف بل الوقوف مع الجمهور، واختار في الفروع أنه يقف من رآه في التاسع ومع الجمهور وهو حسن انتهى كلامه. قلت الوقوف بعرفة مرتين بدعة لم يفعله السلف كما سنوضحه في باب الفوات والإحصار بأبسط من هذا إن شاء الله تعالى.
(تنبيه): من دفع قبل غروب الشمس من المحل الذي وقف فيه بعرفة لأجل الزحمة ونيته أن يتقدم إلى السعة ولا يخرج من عرفة بل يقف بها حتى تغرب الشمس وهو بها لم يضره ذلك والله أعلم. قال شيخ الإسلام ﵀: ويقفون بعرفة إلى غروب الشمس لا يخرجون منها حتى تغرب، فإذا غربت يخرجون إن شاءوا بين العلمين وإن شاءوا من جانبهما، والعلمان الأولان حد عرفة فلا يجاوزهما حتى تغرب الشمس، والميلان بعد ذلك حد مزدلفة وما بينهما حد عرنة ولا يقف ببطن عرنة، قلتك لما كان العلمان الأولان حد عرفة فإن مسجد عرنة المسمى مسجد إبراهيم هو في عرنة بلا إشكال فلا يجزئ الوقوف به وتقدم، وقول الشيخ ﵀ والميلان بعد ذلك حد مزدلفة، أقول الميلان المذكوران هما علمان للحرم والله أعلم. قال الحطاب نقلًا عن تاريخ الفاسي: وعرنة التي يجتنب الحاج الوقوف فيها هي واد بين العلمين اللذين هما على حد عرفة، والعلمين اللذين هما على حد الحرم فليسا من عرفة
[ ٢ / ٣٧ ]
ولا من الحرم انتهى. قلت: وهو كما قال والله أعلم ويأتي في كلام شيخ الإسلام تحديد مزدلفة وأنها ما بين مأزمي عرفة إلى بطن محسر وهذا هو الصحيح بخلاف ما ذكره هنا من قوله والميلان بعد ذلك حد مزدلفة.