فإذا دخل فأول ما يبدأ به الطواف، طواف العمرة، ويستحب الاضطباع في هذا الطواف الأول، وهو أن يجعل وسط الرداء تحت عاتقه الأيمن، وطرفيه على ١ عاتقه الأيسر ٢
ويبتدئ من الحجر الأسود، فيستلمه ويقبله، وإن شاء استلمه فقبل يده، وإلا أشار إليه؛ لقول عمر: "إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك"٣
وقال ابن عباس:"استلمه النبي ﷺ وقبل يده"٤
وقال: "طاف النبي ﷺ على بعيره كلما أتى الحجر أشار
_________________
(١) ١ في المخطوطة: "تحت"، والصواب ما أُثبِتَ حسب المصادر. ٢ "النهاية لابن الأثير ٣/٧٣،"المصباح المنير" للفيومي ص ١٣٥. ٣ أخرجه البخاري ١٥٩٧، ١٦٠٥، ١٦١٠، ومسلم ١٢٧٠،وأبو داود ١٨٧٣، والترمذي ٨٦٠، والنسائي ٥/٢٢٧، وابن ماجه ٢٩٤٣، والدارمي ١/٤٨٢، ح ١٨٠٦، وأحمد ١/٢١، ٢٦. ٤ لم أقف عليه من حديث ابن عباس، لكن ثبت من حديث ابن عمر ﵄، قال نافع: "رأيت ابن عمر استلم الحجر بيده ثم قبل يده" وقال: "ما تركته منذ رأيت رسول الله ﷺ يفعله". أخرجه مسلم ٢/٩٢٤، ح ٢٤٦، وأحمد ٢/١٠٨، وابن خزيمة ٢٧١٥، وابن جارود ٤٥٣، وابن حبان ٩/١٣٢، ح ٣٨٢٤، والبيهقي ٥/٧٥.
[ ٣٣ ]
إليه بشيء في يده"١
ثم يطوف سبعا، يرمل في الثلاثة الأول – والرمل إسراع المشي ٢ ويمشي أربعة أشواط كلما حاذى الحجر الأسود استلمه ويشير إليه، وكلما حاذى الركن اليماني استلمه ٣
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري ١٦١٢، ١٦١٣، وأحمد ١/٢٦٤، والدارمي ١/٤٧٢ح ١٧٨٩، وابن خزيمة ٢٧٢٢، والبيهقي ٥/٩٩. وعندهم سوى البخاري زيادة "وكبر". وفي لفظ البخاري: "أشار إليه بشيء كان عنده وكبر". قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في"شرح العمدة" كتاب المناسك ٢/٤٢٧،: "ومعنى هذه الرواية أنه كان يشير إليه إشارة يمس بها الحجر كما جاء مفسرا أنه استلم الركن اليماني بمحجن، ولو لم يمس المحجن الحجر لكانت الإشارة باليد أولى. قلت: يشير إلى حديث أبي الطفيل ﵁ قال: "رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت، ويستلم الركن بمحجن معه، ويقبل المحجن ". أخرجه مسلم ١٢٧٥، وأبو داود ١٨٧٩، وابن ماجه ٢٩٤٩. ٢ "النهاية" ٢/٢٦٥. ٣ لقول ابن عمر: "كان رسول الله ﷺ لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في كل طوفة، قال نافع: وكان ابن عمر يفعله". أخرجه أبو داود ١٨٧٦، والنسائي ٥/٢٣١، وأحمد ٢/١١٥، وابن خزيمة ٢٧٢٣، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ٢/١٨٣، والحاكم ١/٤٥٦، والبيهقي٥/٧٦، ٨٠، من طريق عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر. ولفظ النسائي وابن خزيمة والطحاوي والحاكم: في كل طواف" وإسناده صحيح. =
[ ٣٤ ]
ولا يطوف إلا وهو طاهر ١، ولا بأس بالكلام في الطواف لكن لا يتكلم إلا بخير، ويكثر من الذكر والدعاء بما تيسر، وليس فيه شيء واجب ٢، مثل قوله: "اللهم اجعله حجا مبرورا، وذنبا مغفورا، وسعيا مشكورا"٣
"رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم"٤
_________________
(١) = وعنه ﵁ قال: " ما تركت استلام هذين الركنين في شدة ولا رخاء منذ رأيت رسول الله ﷺ يستلمها" أخرجه البخاري ١٦٠٦، ومسلم ١٢٦٨. ١ "المغني"٥/٢٢٢، وانظر: اختيار شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" ٢٦/١٩٩، ٢ "مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" ٢٦/١٢٢، ٣ روي أن هذا الدعاء يقال بعد رمي جمرة العقبة، وسيأتي الكلام عليه لاحقا. ٤ روي أن هذا الدعاء يقال في السعي بين الصفا والمروة. أخرجه الطبراني في"الأوسط"٣/١٤٧، ح ٢٧٥٧، وفي "الدعاء"٢/١٢٠٣، ح ٨٦٩، من طريق عبد الوارث، عن ليث بن أبي سليم، عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا سعى في بطن المسيل قال ٠٠٠٠ فذكره بدون قوله: "وتجاوز عما تعلم". وإسناده ضعيف؛ لضعف ليث بن أبي سليم. وقد تقدم. *وأخرجه ابن أبي شيبة ٣/٤٢٠ رقم ١٥٥٦٦، من طريق الأعمش والطبراني في "الدعاء" ٨٧٠، والبيهقي ٥/٩٥ من طريق منصور بن المعتمر، كلاهما عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن مسروق أن ابن مسعود ٠٠٠فذكره موقوفا. =
[ ٣٥ ]
ويقول: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ١ [البقرة ٢٠١]
_________________
(١) قال البيهقي:"هذا أصح الروايات في ذلك عن ابن مسعود". *وأخرجه ابن أبي شيبة ١٥٥٧٠، ١٥٥٧١،من طريق سفيان وحجاج، والبيهقي ٥/٩٥ من طريق زهير. كلاهما عن أبي إسحاق قال: سمعت ابن عمر ﵄ يقول بين الصفا والمروة:. ..فذكره موقوفا، وليس فيه:"وتجاوز عما تعلم". قال ابن حجر في "التلخيص"٢/٢٥١:"وعلى هذا فقول إمام الحرمين في "النهاية": صح أن رسول الله ﷺ كان يقول في سعيه: اللهم اغفر وارحم، واعف عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم فيه نظر كثير".اهـ. قلت: هذا الدعاء وإن لم يصح مرفوعا، فقد صح عن بعض الصحابة، كما تقدم، واستحبه بعض السلف، وقد نص الشافعي على استحبابه في الطواف. انظر: "السنن الكبرى" ٥/٨٤. ١ روي أن هذا الدعاء يقال بين الركنين الركن اليماني والحجر الأسود. أخرجه أبو داود ١٨٩٢، والنسائي في" الكبرى" ٣٩٣٤، وعبد الرزاق ٨٩٦٣،وأحمد ٣/٤١١، وابن خزيمة ٤/٢١٥ح ٢٧٢١،وابن حبان ١٠٠١،والحاكم ١/٤٥٥،والبيهقي٥/٨٤،من طريق ابن جريج، حدثني يحيى بن عبيد مولى السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن السائب ﵁، أنه سمع النبي ﷺ يقول فيما بين ركن بني جمح والركن الأسود: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ". وفي إسناده: عبيد مولى السائب، وهو مجهول، لم يرو عنه سوى ابنه يحيى. انظر:"تحرير التقريب"٢/٤٢٤. قال الشافعي ﵀ في "الأم"٢/١٧٣-بعد ذكره هذا الحديث-:"وهذا من أحب ما يقال في الطواف إلي، وأحب أن يقال في كله =
[ ٣٦ ]
ولابد من الطواف بالبيت سبع طوافات، فإن شك في العدد بنى على الأقل.
ثم إذا فرغ من الطواف صلى خلف المقام ركعتين، يقرأ في الأولى: فاتحة الكتاب، و﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١]، وفي الثانية: الفاتحة و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ١ [الإخلاص:١] .
فإن لم يقدر على الركعتين خلف المقام صلاهما حيثما شاء من المسجد ٢ ولا بأس أن يصليهما إلى غير سترة ولو مر الرجال والنساء بين يديه ٣ فإذا صلى ركعتين عاد إلى الحجر فاستلمه.
_________________
(١) =*وأخرجه البيهقي ٥/٨٤ من طريق أبي بكر بن عياش، عن عاصم عن حبيب بن صهبان أنه رأى عمر رضي الله يطوف بالبيت وهو يقول:"ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار ". قال النووي ﵀ في"شرح مسلم" ١٧/١٣:"وأظهر الأقوال في تفسير الحسنة في الدنيا: أنها العبادة والعافية، وفي الآخرة: الجنة والمغفرة ". ١ لحديث جابر الطويل في "صحيح مسلم" ١٢١٨. ٢ "المقنع مع الإنصاف والشرح"٩/١٢١. ٣ لما روى المطلب بن أبي وداعة ﵁ قال: "رأيت النبي صلى الله وسلم طاف بالبيت سبعا ثم صلى ركعتين بحذائه وفي حاشية المقام، وليس بينه وبين الطواف أحد". أخرجه أحمد ٦/٣٩٩،والنسائي ٢/٦٧ح٧٥٨، ٥/٢٣٥ح٢٩٥٩،وابن ماجه ٢٩٥٨،وابن خزيمة ٢/١٥ح٨١٥، والطحاوي ١/٤٦١، وابن حبان ٢٣٦٣،والحاكم ١/٢٥٤، والبيهقي ٢/٢٧٣ من طريق ابن جريج، وعبد الرزاق ٢/٣٥ ح ٢٣٨٧ عن =
[ ٣٧ ]
_________________
(١) = عمرو بن قيس، وعبد الرزاق أيضا ٢٣٨٨، والحميدي ١/٢٦٢ح٥٧٨،وأحمد ٦/٣٩٩، وأبو داود ٢/٢١١ح ٢٠١٦، والطحاوي ١/٤٦١،والبيهقي٢/٢٧٣،من طريق سفيان بن عيينة، وابن حبان أيضا ٢٣٦٤ من طريق زهير بن محمد العنبري، والطحاوي ١/٤٦١ من طريق هشام، خمستهم عن كثير بن كثير واختلف عنه: فقال ابن جريج، وعمرو بن قيس، ومحمد بن زهير: عنه، عن أبيه عن جده. وفي بعض الطرق: عن أبيه عن المطلب. وقال سفيان بن عيينة: عنه، عن بعض أهله، عن جده ورواه عبد الرزاق عن سفيان مثل ابن جريج. وفي رواية عند أحمد: قال سفيان: عنه عمن سمع جده يقول. وقال هشام: أراه عن ابن عم المطلب بن أبي وداعة، عن كثير بن كثير، عن أبيه عن جده. والروايتان الأوليان هما المشهورتان، إلا أن البعض وهم ابن جريج في روايته، فقد أخرج البيهقي٢/٢٧٣ من طريق علي بن المديني قال: "قال سفيان: سمعت ابن جريج يقول: أخبرني كثير بن كثير، عن أبيه عن جده الحديث، قال سفيان: فذهبت إلى كثير فسألته قال: لم أسمعه من أبي، حدثني بعض أهلي، عن جدي. قال علي: "قوله: لم أسمعه من أبي" شديد على ابن جريج. قال أبو سعيد عثمان: يعني ابن جريج لم يضبطه. وقال البيهقي: رواية ابن عيينة أحفظ" قلت: رواية ابن جريج فيها كثير بن المطلب، وهو مقبول، كما في "التقريب" ص ٨١٠،ولم يتابعه أحد على هذه الرواية. ورواية ابن عيينة التي رجحها بعض الأئمة فيها راو مبهم، وهو من حدث كثيرا بالحديث.=
[ ٣٨ ]