المدخل إلى المسألة:
• الطهارة في العبادة منها ما هو شرط بالاتفاق كالصلاة، ومنها ما هو شرط عند الجمهور كالطواف ومس المصحف، ومنها ما هو متفق على استحبابها، وليست بشرط كالطهارة لذكر الله، ومنه الأذان.
• الأصل عدم اشتراط الطهارة للأذان.
• إذا شرعت الطهارة لرد السلام شرعت للأذان من باب أولى، فإن ذكر الله في الأذان أعظم من ذكره في رد السلام.
• إذا لم يمنع المُحْدِث من قراءة القرآن، وهو أعظم الذكر، لم يمنع من الأذان من باب أولى.
• قالت عائشة: كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه. والأذان داخل في عموم الذكر.
[م-٤١] قال ابن هبيرة: «وأجمعوا على أن أذان المحدث معتد به إذا كان حدثه هو الأصغر مع استحبابهم أن يؤذن طاهرًا» (^١).
_________________
(١) اختلاف الأئمة العلماء (١/ ١١٢).
[ ١ / ٣٧٠ ]
وقال في الإنصاف: «ولا تجب الطهارة الصغرى بلا نزاع» (^١).
ولم يختلف الفقهاء في استحباب الطهارة للمؤذن والمقيم، واستحبابها للإقامة آكد؛ لاتصالها بالصلاة (^٢).
• واستدلوا على ذلك بأدلة عامة وخاصة:
فالعامة دليلان:
(ح-١٣٨) أحدهما من السنة: وهو ما رواه أحمد من طريق سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن الحضين أبي ساسان،
عن المهاجر بن قنفذ، أنه سلم على رسول الله ﷺ، وهو يتوضأ، فلم يرد عليه حتى توضأ، فرد عليه، وقال: إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة.
[صحيح] (^٣).
وجه الاستدلال:
أن الأذان ذكر عظيم؛ لافتتاحه بتعظيم الله، واشتماله على الشهادتين، ودعوة الناس إلى الخير، وختمه بالتعظيم والتوحيد، فهو أولى بالطهارة من رد السلام، والله أعلم.
والآخر من الإجماع:
_________________
(١) الإنصاف (١/ ٤١٥)، وهذا يبين عدم صحة ما نسب للإمام أحمد بأنه يرى الطهارة شرط.
(٢) الهداية شرح البداية (١/ ٤٤)، مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر (١/ ٧٧)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٥١)، الجوهرة النيرة (١/ ٤٥)، مواهب الجليل (١/ ٤٣٧)، إرشاد السالك (ص: ١٣)، الخرشي (١/ ٢٣٢)، الشرح الكبير (١/ ١٩٥)، منح الجليل (١/ ٢٠١)، التوضيح لخليل (١/ ٢٩٦)، الحاوي الكبير (٢/ ٤٥)، نهاية المطلب (٢/ ٤٩)، البيان للعمراني (٢/ ٧٢)، أسنى المطالب (١/ ١٢٩)، نهاية المحتاج (١/ ٤١٥)، المجموع (٣/ ١١٢)، كشاف القناع (١/ ٢٣٩)، الإنصاف (١/ ٤٠٩)، المحرر (١/ ٣٧)، الإقناع (١/ ٧٨)، منتهى الإرادات (١/ ١٣٥).
(٣) سبق تخريجه في موسوعة الطهارة، المجلد السابع، الطبعة الثالثة، ح (١٢٨٩).
[ ١ / ٣٧١ ]
جاء في الإنصاف: «وأجمعوا على أنه يستحب أن يكون المؤذن حرًّا بالغًا طاهرًا» (^١).
وأما الخاصة فأحاديث كثيرة، إلا أنه لم يصح منها شيء.
الدليل الأول:
(ح-١٣٩) ما رواه الترمذي من طريق الوليد بن مسلم، عن معاوية بن يحيى، عن الزهري،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: لا يؤذن إلا متوضئ (^٢).
[اختلف فيه على الزهري، فروي موقوفًا ومرفوعًا، ولا يصحان] (^٣).
_________________
(١) الإنصاف (١/ ٤٠٩).
(٢) سنن الترمذي (٢٠٠).
(٣) اختلف فيه، على الزهري، فرواه الوليد بن مسلم الدمشقي، عن معاوية بن يحيى الصدفي، عن الزهري، واختلف على الوليد بن مسلم: فرواه الترمذي (٢٠٠) حدثنا علي بن حجر، حدثنا الوليد بن مسلم، عن معاوية بن يحيى عن الزهري، عن أبي هريرة مرفوعًا. والزهري لم يسمع من أبي هريرة. وخالفه هشام بن عمار فرواه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٩٧) من طريقه، قال:، حدثنا الوليد ابن مسلم، عن معاوية بن يحيى، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة … فوصله. وهذا منكر، وله ثلاث علل: الأولى: ضعف يحيى بن معاوية الصدفي. الثانية: الاختلاف على الوليد بن مسلم، فروي منقطعًا، عن الزهري، عن أبي هريرة، ولم يسمع منه. وروي موصولًا عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة. الثالثة: أن رفعه منكر، تفرد به معاوية بن يحيى الصدفي، وهو ضعيف، وقد خالفه من هو أقوى منه، فقد رواه ابن أبي شيبة في المصنف من طريق عمرو بن ميمون. والترمذي (٢٠١) من طريق يونس، كلاهما عن الزهري، قال: قال أبو هريرة: لا يؤذن المؤذن إلا متوضئًا. وهذا موقوف. قال الترمذي: وهذا أصح من الحديث الأول. اه. وقال البغوي في شرح السنة (٢/ ٢٦٦): «رفعه بعضهم والوقف أصح». ولا يعني كونه أصح أنه صحيح، ولذلك قال الترمذي: والزهري لم يسمع من أبي هريرة. والله أعلم. =
[ ١ / ٣٧٢ ]
الدليل الثاني:
(ح-١٤٠) روى أبو الشيخ الحافظ على ما عزاه إليه صاحب الإمام من طريق عبد الله بن هارون الفروي، حدثني أبي، عن جدي أبي علقمة،
عن محمد بن مالك قال: أذنت يومًا في مسجد علي بن عبد الله بن عباس الصبح، قال: لا تؤذن إلا وأنت طاهر، قال أبي: حدثني يعني عبد الله بن عباس أن رسول الله ﷺ قال: يا ابن عباس، إن الأذان متصل بالصلاة؛ فلا يؤذن أحدكم إلا وهو طاهر.
[ضعيف] (^١).
الدليل الثالث:
(ح-١٤١) ما رواه البيهقي من طريق عمير بن عمران العلاف، قال: حدثنا الحارث بن عِنَبة، عن عبد الجبار بن وائل.
عن أبيه، قال: حق وسنة مسنونة ألا يؤذن إلا وهو طاهر، ولا يؤذن إلا وهو قائم.
قال البيهقي: عبد الجبار بن وائل عن أبيه مرسل (^٢).
_________________
(١) = وقال البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٩٧) «هكذا رواه معاوية بن يحيى الصدفي، والصحيح رواية يونس بن يزيد الأيلي وغيره، عن الزهري قال: قال أبو هريرة: لا ينادي بالصلاة إلا متوضئ». وإنما كانت رواية الوقف أصح؛ لأن فيها علة واحدة، وهي الانقطاع، بينما الرفع فيها ثلاث علل سبق ذكرها، والله أعلم. وقال ابن حجر في نتائج الأفكار (١/ ٣٥٠): أخرجه الترمذي مرفوعًا وموقوفًا، ورجح الموقوف، وقال أيضًا: وفي سند كل منهما انقطاع. اه وذكره النووي في الخلاصة في قسم الضعيف (١/ ٢٨٠).
(٢) انظر البدر المنير (٣/ ٣٩١)، ونصب الراية (١/ ٢٩٢). في إسناده عبد الله بن هارون، قال الدارقطني كما في التهذيب: متروك الحديث. وقال الحاكم أبو أحمد: منكر الحديث، وأبوه هارون بن موسى من الثقات. وقال ابن عدي: له مناكير. وذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٣٦٧)، وقال: يخطئ ويخالف. وذكره الحافظ في التقريب تمييزًا، وقال: ضعيف.
(٣) سنن البيهقي (١/ ٣٩٧).
[ ١ / ٣٧٣ ]
قلت: وقال ابن رجب: والحارث وعمير غير مشهورين (^١).
قلت: إذا شرعت الطهارة لرد السلام شرعت للأذان من باب أولى، فإن ذكر الله في الأذان أعظم من ذكره في رد السلام.
وكما قلت: فإن هذا الأدب متفق على استحبابه، لا ينازع فيه أحد.
_________________
(١) فتح الباري لابن رجب (٥/ ٣٨٦). وأخرجه البيهقي في السنن (١/ ٥٧٦) من طريق عبد الله بن محمد بن سنان، حدثنا سلمة بن سليمان الضبي، حدثنا صدقة بن عبيد الله المازني، حدثنا الحارث بن عنبة به. وعبد الله بن محمد بن سنان رجل متهم. وشيخه الضبي بصري منكر الحديث، قاله ابن عدي، انظر ميزان الاعتدال (٢/ ١٩٠). وذكر الخطيب البغدادي في تلخيص المتشابه في الرسم (١/ ٢٥٣) عن القطيعي، قال: قال الدارقطني: غريب من حديث عبد الجبار بن وائل بن حجر، عن أبيه، تفرد به الحارث بن عِنَبة عنه، وتفرد به عمير بن عمران، عن الحارث بن عنبة ونقله ابن الملقن في البدر المنير (٣/ ٣٨٩)، وزاد: «ومع غرابته، ووقفه، ففيه أيضًا إرسال؛ لأن عبد الجبار بن وائل لم يسمع من أبيه شيئًا». اه
[ ١ / ٣٧٤ ]
الفرع الأول في كراهة الأذان من المحدث
المدخل إلى المسألة:
• إذا لم يمنع المحدث من قراءة القرآن، وهو أعظم الذكر، لم يمنع من الأذان من باب أولى.
• قول عائشة: كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه مشعر بوقوع الذكر منه حال الحدث؛ فلا يكره الأذان من المحدث؛ لأنه من سائر الأذكار.
• الكراهة حكم شرعي لا يقوم إلى على دليل شرعي.
• ترك المستحب لا يلزم منه الوقوع في المكروه.
• تطلق الكراهة في الشرع على المحرم، وعلى المنهي عنه نهي تنزيه، وعلى ترك ما فعله راجح، وإن لم يكن منهيًّا عنه، وحديث (إني كرهت أن أذكر الله ﷿ إلا على طهر) من الثالث (^١).
لا خلاف بين أهل العلم في استحباب الطهارة للأذان والإقامة، وقد أفصح عن ذلك المبحث السابق، كما أنه لا خلاف بينهم في صحتهما من المحدث حدثًا أصغر.
[م-٤٢] وإذا كان ترك المستحب لا يلزم منه الوقوع في المكروه، فقد اختلفوا في كراهة الأذان والإقامة من المحدث:
_________________
(١) لأن الكراهة هنا ليست على بابها، فمن قرأ القرآن، وهو محدث، أو ذكر الله، وهو محدث لا يقال: وقع في مكروه، وإنما يقال: خالف الأولى والأفضل، فالأفضل أن يفعل ذلك على طهارة، قال النووي في الإيجاز في شرح سنن أبي داود (ص: ١٣٦): «قوله ﷺ: كرهت أن أذكر الله على غير طهر. هذه الكراهة بمعنى ترك الأولى». والله أعلم.
[ ١ / ٣٧٥ ]
فذهب عامة الفقهاء إلى كراهة الإقامة من المحدث حدثًا أصغر (^١)، قال في الإنصاف: «تكره له الإقامة بلا نزاع» (^٢).
• وجه الكراهة عندهم:
لما في ذلك من الفصل بين الإقامة والصلاة بعمل بينهما، ولأن الإقامة تراد لاستفتاح الصلاة، فاحتاج أن يكون على صفة يمكنه استفتاحها.
• ويناقش:
بأن الفصل بين الإقامة والصلاة لا يتصور إلا إذا كان يقيم لنفسه، بخلاف ما لو كان يقيم لجماعة فليس على الجماعة انتظاره، فلم يحصل فاصل بين الإقامة والصلاة، ولو كرهت الإقامة في هذه الحال لاقتضى الكراهة له ولغيره إذا فصل فاصل بين الإقامة والصلاة.
وقد روى البخاري من طريق شعبة، عن عبد العزيز،
عن أنس ﵁، قال: أقيمت الصلاة، ورجل يناجي رسول الله ﷺ، فما زال يناجيه حتى نام أصحابه، ثم قام فصلى (^٣).
وإذا كان يقيم لنفسه فلا معنى لإقامته للصلاة قبل استعداده للدخول فيها إلا أن تكون الإقامة حصلت منه سهوًا، فإن فعل فليس عليه إعادتها، ولا يعتبر ذلك من الفاصل الطويل.
(ح-١٤٢) فقد روى البخاري ومسلم من طريق يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة،
عن أبي هريرة، قال: أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قيامًا، فخرج إلينا
_________________
(١) فتح القدير لابن الهمام (١/ ٢٥٢)، البيان للعمراني (٢/ ٧٢)، المجموع (٣/ ١٠٤)، أسنى المطالب (١/ ١٢٩)، النجم الوهاج في شرح المنهاج (٢/ ٥٣)، كفاية النبيه في شرح التنبيه (٢/ ٤١٧)، كشاف القناع (١/ ٢٣٩).
(٢) المرجع السابق.
(٣) البخاري (٦٢٩٢)، ورواه مسلم (٣٧٦).
[ ١ / ٣٧٦ ]
رسول الله ﷺ، فلما قام في مصلاه، ذكر أنه جنب، فقال لنا: مكانكم، ثم رجع فاغتسل، ثم خرج إلينا ورأسه يقطر، فكبر فصلينا معه (^١).
ولم يعيدوا الإقامة، ولو أنهم قالوا بالاستحباب لكان أقرب، لأن ما ذكروه من تعليل يقضي بالاستحباب، والإجماع منعقد عليه، ولا يلزم من تركه الوقوع في المكروه.
وقيل: لا تكره الإقامة من المحدث، وهو قول في مقابل الراجح عند الحنفية؛ لأنها أحد الأذانين (^٢).
ويمكن أن يستدل أيضًا بعدم الكراهة، أن الكراهة حكم شرعي يقوم على دليل شرعي، ولا يوجد دليل من الشرع يكره هذا الفعل.
[م-٤٣] واختلفوا في كراهة الأذان من المحدث حدثًا أصغر:
فقيل: لا يكره الأذان من المحدث، وهو مذهب الحنفية، ونص المدونة، ومذهب الحنابلة (^٣).
جاء في المدونة: «يؤذن المؤذن على غير وضوء، ولا يقيم إلا على وضوء» (^٤).
وقيل: يكره الأذان من المحدث حدثًا أصغر.
وهو قول في مذهب الحنفية (^٥)، والمشهور عند متأخري المالكية (^٦)، وقول
_________________
(١) صحيح البخاري (٢٧٥)، وصحيح مسلم (٦٠٥).
(٢) الاختيار لتعليل المختار (١/ ٤٤)، مجمع الأنهر (١/ ٧٨)، الهداية شرح البداية (١/ ٤٤)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٥٢)، فتح القدير (١/ ٢٥٢).
(٣) قال ابن نجيم جاء في الأشباه والنظائر (ص: ٣٢٣): «تكره إقامة المحدث لا أذانه»، وانظر المبسوط (١/ ١٣١)، بدائع الصنائع (١/ ١٥١)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٩٢)، الإقناع (١/ ٧٨)، الإنصاف (١/ ٤١٥)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٣٥).
(٤) المدونة (١/ ٦٠)، الاستذكار (١/ ٤٠٤)، الذخيرة (٢/ ٤٩)، التاج والإكليل (١/ ٤٣٦).
(٥) تبيين الحقائق (١/ ٩٣)، البحر الرائق (١/ ٢٧٧).
(٦) قال في حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٢٥٢): «يكره كونه محدثًا، والكراهة في الجنب أشد»، وانظر حاشية الدسوقي (١/ ١٩٥). وفي منح الجليل (١/ ٢٠١): «ويكره أن يؤذن محدث أصغر أو أكبر وكراهته ممن حدثه أكبر =
[ ١ / ٣٧٧ ]
في مذهب الحنابلة (^١).
وقيل: الطهارة من الحدث شرط، حكاه بعض المالكية، ونسب العمراني والنووي القول به لمجاهد، والأوزاعي، وإسحاق (^٢).
_________________
(١) = أشد من كراهته ممن حدثه أصغر». وخالف الخرشي والعدوي، جاء في شرح الخرشي (١/ ٢٣٢): «واستحباب ذلك -يعني الطهارة- للمقيم آكد، ويكره له تركها بخلاف الأذان». وقال العدوي في حاشيته تعليقًا على ذلك: «قوله: (بخلاف الأذان) فلا يكره، بل ارتكب خلاف الأولى». وهذا القول أقرب إلى نص المدونة، ولهذا قال في التاج والإكليل (١/ ٤٣٦): لم يذكر في المدونة إلا قوله: إن أذَّن على غير وضوء فلا بأس به، ولا يقيم إلا متوضئًا». ونفي البأس يعني الإباحة، والله أعلم. وانظر الذخيرة (٢/ ٤٩).
(٢) الإنصاف (١/ ٤١٥)، المبدع (١/ ٣٢٠).
(٣) البيان للعمراني (٢/ ٧١)، المجموع للنووي (٣/ ١٠٥). ونسبه العمراني للإمام أحمد، ولا يثبت عنه، وقد حكى المرداوي الإجماع في المذهب على صحة أذان المحدث. انظر: الإنصاف (١/ ٤٠٩، ٤١٥)، ولم يذكره ابن قدامة في المغني (١/ ٢٩٩)، كما لم يذكره ابن مفلح في الفروع (٢/ ١٩)، وهو مخالف للمنصوص عن أحمد، انظر: مسائل حرب الكرماني، ت: بهجت (٨٠٩). وما نسب لمجاهد لا يصح عنه، ولا هو صريح في الشرطية، رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢١٩٧) من طريق ثوير، قال: كنت مؤذنًا فأمرني مجاهد أن لا أؤذن حتى أتوضأ. وثوير، رافضي هالك، قال عنه الثوري: كان من أركان الكذب. وقال ابن المنذر في الأوسط (٣/ ٣٧): «اختلف أهل العلم في الأذان على غير طهارة، فكرهت طائفة أن يؤذن المؤذن إلا طاهرا، فممن قال: لا يؤذن المؤذن إلا متوضئا عطاء بن أبي رباح، وروي ذلك عن مجاهد، وهو قول الأوزاعي». وكأن ابن المنذر يرى أن عطاء ومجاهد والأوزاعي ممن يكرهون الأذان على غير طهارة؛ لأنه صرح بذكرهم فرعًا عن قوله: كرهت طائفة أن يؤذن المؤذن إلا طاهرًا. ولم أجده منسوبًا لعطاء بن أبي رباح لأنظر في صحة ثبوته وصحة دلالته، والذي ينبغي أن يحمل على الكراهة؛ لأن الأذان لا يمكن أن يكون أرفع قدرًا من القرآن، والقرآن بالإجماع لا تشترط الطهارة لقراءته. والله أعلم. = ء
[ ١ / ٣٧٨ ]
قال في عيون المسائل للقاضي عبد الوهاب: «لا يؤذن إلا طاهرًا، ولا يجزئ محدثًا» (^١).
• حجة من قال: لا يكره الأذان والإقامة من المحدث.
الدليل الأول:
الكراهة حكم شرعي، لا يثبت إلا بدليل شرعي، ولا دليل على الكراهة.
الدليل الثاني:
القياس على سائر الأذكار، فإذا لم يكره للمحدث قراءة القرآن، وهو أعظم الذكر لم يكره الأذان من باب أولى.
• حجة من قال بالكراهة:
الدليل الأول:
(ح-١٤٣) روى أبو داود، قال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن حضين بن المنذر أبي ساسان،
عن المهاجر بن قنفذ أنه أتى النبي ﷺ وهو يبول، فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه، فقال: إني كرهت أن أذكر الله ﷿ إلا على طهر، أو قال: على طهارة (^٢).
[صحيح] (^٣).
• ويناقش:
بأن الكراهة هنا محمولة على ترك الأولى؛ للإجماع على أن ذكر الله
_________________
(١) = أشد من كراهته ممن حدثه أصغر». وخالف الخرشي والعدوي، جاء في شرح الخرشي (١/ ٢٣٢): «واستحباب ذلك -يعني الطهارة- للمقيم آكد، ويكره له تركها بخلاف الأذان». وقال العدوي في حاشيته تعليقًا على ذلك: «قوله: (بخلاف الأذان) فلا يكره، بل ارتكب خلاف الأولى». وهذا القول أقرب إلى نص المدونة، ولهذا قال في التاج والإكليل (١/ ٤٣٦): لم يذكر في المدونة إلا قوله: إن أذَّن على غير وضوء فلا بأس به، ولا يقيم إلا متوضئًا». ونفي البأس يعني الإباحة، والله أعلم. وانظر الذخيرة (٢/ ٤٩).
(٢) عيون المسائل للقاضي عبد الوهاب المالكي (ص: ١١٠).
(٣) سنن أبي داود (١٧).
(٤) سبق تخريجه في المجلد السابع من موسوعة الطهارة، رقم (١٢٨٩).
[ ١ / ٣٧٩ ]
لا يكره للمحدث.
قال الطوفي في شرح مختصر الروضة: «المكروه قد يطلق على الحرام … وقد يطلق على ترك الأولى … قال الآمدي: قد يطلق المكروه على الحرام، وعلى ما فيه شبهة وتردد، وعلى ترك ما فعله راجح وإن لم يكن منهيًّا عنه» (^١).
(ح-١٤٤) وقد روى مسلم، من طريق البهي، عن عروة،
عن عائشة قالت كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه (^٢).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ في الحديث: (على كل أحيانه) لفظ كل من ألفاظ العموم. وقوله: (أحيانه) أي أوقاته، وهي نكرة مضافة، فتعم كل وقت، فيذكر الله محدثًا ومتطهرًا، وقاعدًا وقائمًا، ومضطجعًا، فإذا لم يمنع من الذكر لم يمنع من الأذان، لأن الأذان من الذكر.
الدليل الثاني:
استدلوا بأدلة ورد فيها الأمر بالوضوء للأذان، وقد سقناها عند الكلام على استحباب الطهارة للأذان، كحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: لا يؤذن إلا متوضئ (^٣).
[اختلف فيه على الزهري، فروي موقوفًا ومرفوعًا، ولا يصحان] (^٤).
وحديث وائل بن حجر، قال: حق وسنة مسنونة ألا يؤذن إلا وهو طاهر، ولا يؤذن إلا وهو قائم.
قال البيهقي: عبد الجبار بن وائل عن أبيه مرسل (^٥).
وهذه الأدلة لو صحت لم تدل على الكراهة، غايتها أن تدل على الاستحباب، وهذا لا نزاع فيه، ولا أظن أحدًا يختلف في استحباب الطهارة لذكر الله، إلا أن النقاش في الكراهة، فإنه لا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه، والله أعلم.
_________________
(١) شرح مختصر الروضة (١/ ٣٨٤).
(٢) صحيح مسلم (٣٧٣).
(٣) سنن الترمذي (٢٠٠).
(٤) سبق تخريجه، انظر ح (١٣٩).
(٥) سنن البيهقي (١/ ٣٩٧)، وسبق تخريجه، انظر ح (١٤١).
[ ١ / ٣٨٠ ]
• الراجح:
أن الأذان والإقامة لا يكرهان من المحدث لعدم قيام الدليل على الكراهة، فضلًا أن تكون الطهارةشرطًا للأذان، والله أعلم.
[ ١ / ٣٨١ ]
الفرع الثاني في كراهة الأذان من الجنب
المدخل إلى المسألة:
• الطهارة في العبادة منها ما هو شرط بالاتفاق كالصلاة، ومنها ما هو شرط عند الجمهور كالطواف ومس المصحف، ومنها ما هو متفق على استحبابها، وليست بشرط كالطهارة لذكر الله، ومنه الأذان.
• الأصل عدم اشتراط الطهارة للأذان.
• إذا شرعت الطهارة لرد السلام شرعت للأذان من باب أولى، فإن ذكر الله في الأذان أعظم من ذكره في رد السلام.
[م-٤٤] اختلف العلماء في أذان الجنب وإقامته:
فقيل: يكره أذان الجنب، وهو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، ومذهب الشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤).
_________________
(١) قال في البحر الرائق (١/ ٢٧٧): «أما أذان الجنب فمكروه روايةٌ واحدةٌ ..». وقال في الفتاوى الهندية (١/ ٥٤): «وكره أذان الجنب وإقامته باتفاق الروايات، والأشبه أن يعاد الأذان، ولا تعاد الإقامة ..». وانظر تبيين الحقائق (١/ ٩٣)، شرح فتح القدير (١/ ٢٥٢).
(٢) قال في مواهب الجليل (١/ ٤٣٥): «وهل يجوز أذان الجنب والصبي؟ في المذهب قولان: الكراهة والجواز …». وانظر الخرشي (١/ ٢٣٢)، حاشية الدسوقي (١/ ١٩٥)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٢٥٢)، عقد الجواهر لابن شاس (١/ ٩١).
(٣) قال في الأم (١/ ٨٥): «فإذا أذن، أو أقام، محدثًا، أو جنبًا كره، وصح أذانه. والكراهة في الجنب أشد». وانظر المجموع (٣/ ١١٣) الأم (١/ ٨٥)، مغني المحتاج (١/ ١٣٨)، روضة الطالبين (١/ ٣١٣).
(٤) شرح منتهى الإرادات (١/ ٨٢)، كشاف القناع (١/ ٣٢٩)، الكافي (١/ ١٠٢).
[ ١ / ٣٨٢ ]
قال ابن القاسم: لا يؤذن الجنب، وحمله اللخمي على الكراهة (^١).
وقيل: لا بأس بذلك في غير المسجد، وهو قول سحنون وابن نافع من المالكية (^٢)، وقول في مذهب الحنابلة (^٣)، وهو اختيار ابن حزم (^٤).
وقيل: يجوز مطلقًا، وهو قول في مذهب المالكية (^٥).
وقيل: إن أذن جنبًا أعاد، وهو قول في مذهب المالكية، واختيار الخرقي من الحنابلة (^٦).
• دليل من قال: لا يصح الأذان إلا بطهارة.
الدليل الأول:
(ح-١٤٥) استدلوا: بما رواه البيهقي من طريق عبد الله بن محمد بن سنان، حدثنا سلمة بن سليمان الضبي، ثنا صدقة بن عبيد الله المازني، ثنا الحارث بن عنبة، عن عبد الجبار بن وائل،
عن أبيه، قال: حق وسنة مسنونة أن لا يؤذن الرجل إلا وهو طاهر، ولا يؤذن إلا وهو قائم (^٧).
_________________
(١) النوادر والزيادات (١/ ١٦٧)، مواهب الجليل (١/ ٤٣٧)، التاج والإكليل (٢/ ٩١).
(٢) النوادر والزيادات (١/ ١٦٧)، مواهب الجليل (١/ ٤٣٥).
(٣) قال عنه صاحب الإنصاف (١/ ٤١٥): «وهو الصحيح من المذهب».
(٤) المحلى، مسألة: (١١٧).
(٥) شرح التنوخي على الرسالة (١/ ١٣٥).
(٦) جاء في عيون المسائل (ص: ١١٠): «وقيل: لا يؤذن إلا طاهرًا، ولا يجزئ محدثًا». اه ولعل هذا القول مبني على قول ابن القاسم: ولا يؤذن الجنب. فحمله على المنع، وأما اللخمي فقد حمله على الكراهة كما ذكرنا في صلب الكتاب. وقال أبو داود في مسائله لأحمد (١٩٨): سمعت أحمد سئل، يؤذن الجنب؟ قال: لا. وقال أحمد مثله في مسائل أحمد رواية ابنه صالح رقم (٣٨). وقال فيها أيضًا (١٠٣٨): يعجبني أن يتوقى. اه وقال في رواية ابن هانئ (١٨٨): لا يعجبني أن يؤذن الجنب. اه وقال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (٥/ ٣٢٢): «أكثر الروايات عن أحمد المنع من أذان الجنب، وتوقف عن الإعادة في بعضها، وصرح بعدم الإعادة في بعضها، وهو اختيار أكثر الأصحاب، وذكر جماعة عنه رواية بالإعادة، واختارها الخرقي».
(٧) سنن البيهقي (١/ ٣٩٢).
[ ١ / ٣٨٣ ]
[ضعيف جدًّا] (^١).
الدليل الثاني:
قالوا: إن للأذان شبهًا بالصلاة، وذلك أنهما يفتتحان بالتكبير، ويؤديان مع الاستقبال، ويختصان بالوقت، ولا يتكلم فيهما (^٢).
• ويجاب عنه:
بأن الجنابة أحد الحدثين، ولو كان الأذان صلاة، ما صح مع الحدث الأصغر، ولما أجزأ عندهم.
الدليل الثالث:
قالوا: إن الأذان يتطلب دخول المسجد، والجنب ممنوع من دخول المسجد.
• ويجاب:
هذا استدلال بموضع النزاع، ولا نسلم أن الجنب ممنوع من دخول المسجد، وقد بحثت هذه المسألة في فصل مستقل في كتاب الطهارة، وعُرِض فيها أقوال أهل العلم، فمنهم من منع مطلقًا، ومنهم من أباح المرور فيه دون مكث، ومنهم من أجاز المكث بشرط الوضوء، وقد ترجح من خلال البحث جواز دخول الجنب للمسجد مطلقًا، فأغنى عن إعادته هنا، وعلى فرض التسليم، قد يقال: أذانه صحيح مع الإثم لمكثه في المسجد مع الجنابة؛ لأن النهي لم يكن من أجل الأذان.
• دليل من قال: يكره أذان الجنب.
الدليل الأول:
قالوا: قد ذهب بعض أهل العلم إلى أن أذان الجنب لا يصح، فخروجًا من الخلاف قلنا بالكراهة (^٣).
_________________
(١) سبق تخريجه، انظر ح (١٤١). وقال النووي في المجموع (٣/ ١١٢): «وهو موقوف مرسل؛ لأن أئمة الحديث متفقون على أن عبد الجبار لم يسمع من أبيه شيئًا، وقال جماعة منهم: إنما ولد بعد وفاة أبيه بستة أشهر». اه
(٢) العناية (١/ ٢٥٢).
(٣) كشاف القناع (١/ ٢٣٩)، الكافي (١/ ١٠٢).
[ ١ / ٣٨٤ ]
والتعليل بالخلاف تعليل ضعيف، مع أنهم في هذه المسألة لم يخرجوا من الخلاف، بل زادوا منه لأمور:
أولًا: هم لم يأتوا بقول يجمع بين القولين حتى يقال: قد وفقوا بين الخلاف، فلا هم قالوا بصحته بلا كراهة، ولا هم منعوا منه، فأنتم في الحقيقة أحدثتم قولًا ثالثًا في المسألة، لا بسبب دليل حملكم على القول به، ولكن الذي دعاكم إلى القول به، وجود قولين في المسألة، وبدلًا من أن يكون في المسألة قولان، أصبح فيها ثلاثة أقوال، فأصبح تعليلهم زاد من الخلاف، ولم يخرجوا منه.
ثانيًا: الكراهة حكم شرعي، يقوم على دليل شرعي، ووجود الخلاف ليس من أدلة الشرع المتفق عليها، ولا المختلف فيها حتى نعلل به الحكم الشرعي.
ثالثًا: لو أخذنا بالخلاف دليلًا أو تعليلًا للحكم الشرعي، للزم أن كل مسألة خلافية، نقول: إنها مكروهة، وهذا لا يقول به أحد، فالصحيح أن الخلاف قسمان: خلاف يكون ضعيفًا جدًا، فهذا نطرحه ولا نبالي.
وليس كل خلاف جاء معتبرًا إلا خلافًا له حظ من النظر
وخلاف يكون قويًا، فتجد كل قول في المسألة له دليل قوي، وله حظ من النظر، فهنا ينظر: فإن أمكن الخروج من الخلاف، بحيث نأخذ بقول يجمع بين القولين، فهو جيد، ويكون من باب الاحتياط، وليس السبب وجود الخلاف، ولكن السبب تنازع الأدلة، فهو من باب دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.
وليس كل خلاف يمكن الخروج منه، فإن هناك أقوالًا متضادة لا يمكن الخروج من الخلاف فيها، وذلك مثل قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية للمأموم، فهناك قول يقول: تجب قراءتها، وقول آخر يقول: تحرم قراءتها، فلا يمكن هنا في مثل هذه المسألة الخروج من خلاف أهل العلم، ولا بد من ترجيح أحد القولين لامتناع جمع هذين القولين في قول ثالث، والله أعلم.
الدليل الثاني:
قالوا: إنه ذكر مشروع للصلاة يتقدمها أشبه الخطبة.
[ ١ / ٣٨٥ ]
قلت: القياس في العبادات ضعيف، ولا يصح إلا مع النص على العلة ووجودها في المقيس، وهذا لا يتأتى هنا، مع أن المقيس عليه، وهو الخطبة لا دليل فيها على كراهتها من الجنب.
الدليل الثالث:
قالوا: إن المؤذن يدعو الناس إلى التأهب للصلاة، فإذا لم يكن متأهِّبًا لها دخل تحت قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤].
• ويجاب:
الاستدلال بالآية استدلال في غير ما وضعت له، ولذا قال في آخر الآية: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، والأذان من الجنب ليس منافيًا للعقل، ثم إن الجنب سوف يصلي فلا يدخل تحت من يأمر الناس بشيء ولا يفعله، غاية ما فيه أنه سوف يذهب للغسل بعد الأذان، فهو كمن أذن، وهو محدث حدثًا أصغر، ثم ذهب يتوضأ بعد الأذان، ولا فرق، إلا أن هذه طهارة لأربعة أعضاء، وهذه طهارة للبدن كله.
• دليل من قال: يصح الأذان من الجنب.
الدليل الأول:
قالوا: لم يَأْتِ نهيٌ من كتاب الله، ولا من سنة رسول الله ﷺ للجنب يمنعه من الأذان، وقد قال ﷾:
﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، فصح أن كل ما لم يفصل لنا تحريمه، فهو مباح (^١).
والأصل عدم اشتراط الطهارة من الجنابة للأذان، فمن اشترط فعليه الدليل.
الدليل الثاني:
أن الأذان ذكر لله، والجنب لا يمنع من ذكر الله ﷾ اتفاقًا في غير القرآن الكريم، فكذا لا يمنع من الأذان.
• الراجح:
بعد استعراض أدلة الأقوال نجد أن القول بصحة أذان الجنب هو أقوى
_________________
(١) انظر المحلى (٣/ ١٤٣).
[ ١ / ٣٨٦ ]
الأقوال، وذلك أن من منع، أو كره أذان الجنب لم يأت بدليل صحيح صريح على ما ذهب إليه، والأصل عدم المنع، وإذا كانوا لا يمنعون الجنب من إجابة المؤذن، وهو سوف يقول مثل ما قال المؤذن، فكيف يمنع من الأذان؟ فلا فرق بينهما.
فإن أجزنا دخول الجنب في المسجد وهو الصحيح جاز مطلقًا.
وإن منعنا دخول الجنب المسجد منع من الأذان ليس من أجل الأذان، ولكن من أجل دخوله المسجد، فيصح أذانه خارج المسجد، ولو أذن داخل المسجد على هذا القول فينبغي أن يقال بصحته مع الإثم؛ لحصول الإعلام به، والله أعلم.
[ ١ / ٣٨٧ ]
الفرع الثالث في إقامة الجنب
المدخل إلى المسألة:
• الأصل عدم اشتراط الطهارة.
• شروط العبادة كالعبادة نفسها لا تثبت إلا بدليل.
• الأذان والإقامة ذكر لله، والأذكار لا تشترط لها الطهارة.
• تأثير الجنابة إنما هو في تأخر المصلي من حيث كونه مصليًا في الدخول في الصلاة بعد الإقامة، سواء أهو الذي أقام أم أقام غيره.
[م-٤٥] اختلف أهل العلم في إقامة الجنب للصلاة،
فقيل: لا تصح، وهو قول في مذهب المالكية (^١)، وقول عطاء (^٢)، ومجاهد (^٣)،
_________________
(١) قال في المدونة (١/ ٦٠): «يؤذن المؤذن، وهو على غير وضوء، ولا يقيم إلا على وضوء». وقال في الكافي في فقه أهل المدينة (ص: ٣٨): «ويجزئ الأذان على غير طهارة، ولا يقيم أحد إلا طاهرًا ..». وقال في الفواكه الدواني (١/ ١٧٢): «ولابد من الطهارة في الإقامة، بخلاف الأذان». وفي عقد الجواهر (١/ ٩١) نقلًا من الحاوي للقاضي أبي الفرج: لا بأس أن يؤذن قاعدًا، وراكبًا، وجنبًا، ومن لم يحتلم، وأما الإقامة فلا». وحمل بعضهم هذه النصوص على الكراهة. انظر مواهب الجليل (١/ ٤٣٧)، النوادر والزيادات (١/ ١٦٧)، لكن ورد في عيون المسائل للقاضي عبد الوهاب (ص: ١١٠): وقيل: لا يؤذن إلا طاهرًا، ولا يجزئ محدثًا». وإذا كان هذا في الأذان، وفي الحدث الأصغر ففي الإقامة مع الحدث الأكبر أولى.
(٢) انظر قول عطاء ﵀ في مصنف عبد الرزاق (١/ ٤٥٦) ح: ١٧٩٩، وسنده صحيح، وانظر السنن الكبرى للبيهقي (١/ ٥٨٣)، فتح الباري لابن حجر (٢/ ١١٤).
(٣) المجموع (٣/ ١١٤)، الأوسط (٣/ ٣٧).
[ ١ / ٣٨٨ ]
والأوزاعي (^١)، وإسحاق (^٢).
وقيل: تكره الإقامة من الجنب. وهو مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (^٣)،
والمالكية (^٤)، والشافعية (^٥)، والحنابلة (^٦).
وقيل: تصح الإقامة من الجنب بلا كراهة، وهو اختيار ابن حزم (^٧).
• وجه منع الجنب من إقامة الصلاة.
كل الأدلة التي استدلوا بها على منع الجنب من الأذان، استدلوا بها هنا على منع الجنب من إقامة الصلاة، بل قالوا: إن الإقامة أشد في المنع من الأذان، وقد ذكرتها في المسألة السابقة فلا حاجة إلى إعادتها.
• وجه كراهة إقامة الجنب:
أنه يلزم من إقامة الجنب الخروج من المسجد بعد الأذان، ويترتب عليه فوات قدر من الصلاة، وفواته المكان الفاضل، ويلزم منه الفصل بين الإقامة والصلاة، وهي متصلة بها.
• ويناقش:
بأن كل هذه المحاذير لا تتعلق بالإقامة، وإنما تتعلق بالمصلي من حيث كونه مصليًا إذا أقيمت الصلاة وهو جنب، سواء أباشر الإقامة هو أم غيره، حتى لا يضطر
_________________
(١) المجموع (٣/ ١١٤)، عمدة القارئ (٥/ ١٤٨).
(٢) المجموع (٣/ ١١٤).
(٣) المبسوط (١/ ١٣١)، البحر الرائق (١/ ٢٧٧)، الفتاوى الهندية (١/ ٥٤)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٩٢).
(٤) الخرشي (١/ ٢٣٢)، مواهب الجليل (١/ ٤٣٧)، قال ابن شاس في عقد الجواهر (١/ ٩١): «والكراهة في الجنب شديدة، وفي الإقامة أشد». وفائدة شدة الكراهة مع أنه لا عقاب في فعل المكروه، أن ما اشتدت كراهته يكون الثواب في تركه أكثر، أو أن المعاتبة على ارتكابه أكثر.
(٥) المجموع (٣/ ١١٣)، روضة الطالبين (١/ ٣١٣).
(٦) الفروع (١/ ٣٢٠)، كشاف القناع (١/ ٢٣٩)، الروض المربع (١/ ١٢٥).
(٧) المحلى (١/ ١٨٠) مسألة: ٣٢٥.
[ ١ / ٣٨٩ ]
إلى الخروج من المسجد، وفوات قدر من الصلاة، وفوات المكان الفاضل سواء أكان هو المقيم، أم كان المقيم غيره، فكون الكراهة تتوجه إلى الإقامة ليس بسديد.
وأما الفصل بين الإقامة والصلاة فلا يوجد فاصل إن كان الجنب يقيم لجماعة؛ لأن الجماعة سوف تدخل في الصلاة بعد فراغه من الإقامة مباشرة، وليس على الجماعة انتظاره؛ أما إذا أقام لنفسه، وهو جنب، ثم ذهب ليغتسل، فهنا قد يوجد فاصل بين الصلاة والإقامة، فيقال له: لا حاجة إلى أن تقيم، وأنت لن تستفتح الصلاة، فانتظر حتى تفرغ من الغسل، ولكن إن وقع منك ذلك سهوًا فلا حاجة لإعادة الإقامة.
(ح-١٤٦) فقد روى الإمام البخاري ومسلم، من طريق يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة،
عن أبي هريرة، قال: أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قيامًا، فخرج إلينا رسول الله ﷺ، فلما قام في مصلاه، ذكر أنه جنب، فقال لنا: مكانكم، ثم رجع فاغتسل، ثم خرج إلينا، ورأسه يقطر، فكبر فصلينا معه (^١). فهذا ظاهره أنهم لم يعيدوا الإقامة، والله أعلم.
• وجه تصحيح إقامة الجنب:
الأدلة نفسها التي استدلوا بها على تصحيح أذان الجنب يستدل بها هنا على صحة إقامة الجنب، فلم يَأْتِ دليل من كتاب أو سنة يمنع من إقامة الجنب للصلاة، والتعاليل التي ذكروها لا تكفي في الكراهة الشرعية.
• الراجح:
صحة إقامة الجنب، والجزم بالكراهة يفتقر إلى نهي من الشارع، ولم يثبت. وإن قلنا: لا يجوز دخول الجنب المسجد فيحرم إقامة الجنب لا من أجل الإقامة، ولكن من أجل دخول المسجد، فلو كانت إقامته خارج المسجد، أو كانت الجماعة خارج المسجد صحت إقامته، والله أعلم.
_________________
(١) صحيح البخاري (٢٧٥)، وصحيح مسلم (٦٠٥).
[ ١ / ٣٩٠ ]