المدخل إلى المسألة:
* الأذان لا يتعدد بتعدد الصلوات المجموعة، والفائتة، بخلاف الإقامة.
* الأذان للصلوات المجموعة كالأذان للصلوات الفائتة.
* الأذان وظيفة الوقت، فإذا أذن في وقت صلى به ما شاء من جمع أو فوائت، والإقامة وظيفة الصلاة، فتتعدد بتعددها.
[م-٨٥] سبق لنا بيان الخلاف في مسألة الجمع في النسك، في جمع التقديم في عرفة، وفي جمع التأخير في مزدلفة، وأما الجمع في غير النسك كما لو جمع في سفر، أو مطر، أو غيرها من مسوغات الجمع فهذه الصور من صور الجمع المختلف فيها:
فالحنفية يرون الجمع من أحكام النسك فقط، فلا يشرع إلا في عرفة، ومزدلفة (^١).
قال السرخسي: «ولا يجمع بين صلاتين في وقت إحداهما في حضر، ولا سفر ما خلا عرفة ومزدلفة» (^٢).
وأما الجمهور القائلون بالجمع في غير عرفة ومزدلفة فلم يختلفوا في مشروعية الإقامة لكل صلاة من الصلاتين المجموعتين، واختلفوا في الأذان على أقوال:
_________________
(١) فتح القدير (٢/ ٤٨)، المبسوط (١/ ١٤٩).
(٢) المبسوط (١/ ١٤٩).
[ ٢ / ٦٦ ]
فقيل: يؤذن ويقيم لكل واحدة منهما، هو المشهور من مذهب المالكية (^١).
وقيل: يصليهما بإقامتين بلا أذان، وهو قول في مذهب المالكية (^٢).
وقيل: يؤذن للأولى، ويقيم لكل واحدة، وهو اختيار ابن الماجشون من المالكية، والمذهب عند الحنابلة والقديم من قولي الشافعي (^٣).
وقيل: بالتفريق بين جمع التقديم والتأخير: فإن كان الجمع جمع تقديم أذن للأولى، وأقام لكل صلاة، وإن كان الجمع جمع تأخير فهما بمنزلة الفائتتين؛ فلا يؤذن للفائتة، ويصليهما بإقامتين، وهذا هو الجديد من قولي الشافعي، وقول في مذهب الحنابلة (^٤).
* دليل من قال: يؤذن ويقيم لكل واحدة منهما:
الدليل الأول:
(ث-٥٢) روى البخاري من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال:
خرجنا مع عبد الله ﵁، إلى مكة، ثم قدمنا جمعًا، فصلى الصلاتين كل صلاة وحدها بأذان وإقامة والعشاء بينهما (^٥).
_________________
(١) المدونة (١/ ١٦٠)، شرح التلقين (١/ ٤٤٣)، بداية المجتهد (٢/ ١١٣)، التوضيح شرح مختصر ابن الحاجب (١/ ٢٩٢)، كفاية الطالب الرباني مع حاشية العدوي (١/ ٣٣٦)، مناهج التحصيل (١/ ٤٠٨)، التبصرة للخمي (١/ ٢٤٩)، مواهب الجليل (١/ ٤٦٨، ٤٦٩).
(٢) التفريع لابن الجلاب (١/ ١١٩)، مواهب الجليل (١/ ٤٦٩)، التوضيح شرح مختصر ابن الحاجب (١/ ٢٩٢)، شرح التلقين (١/ ٤٤٣).
(٣) كفاية الطالب الرباني (١/ ٣٣٦)، التبصرة للخمي (١/ ٢٤٩)، النوادر والزيادات (١/ ٤٨٩)، مواهب الجليل (١/ ٤٦٩)، التوضيح شرح مختصر ابن الحاجب (١/ ٢٩٢)، الحاوي الكبير (٤/ ١٧٦)، البيان للعمراني (٢/ ٦١)، روضة الطالبين (١/ ١٩٧، ١٩٨)، أسنى المطالب (١/ ١٢٦)، نهاية المحتاج (١/ ٤٠٦)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٠٦)، الهداية (ص: ٧٥)، الإنصاف (١/ ٤٢٢)، الإقناع (١/ ٨٠).
(٤) الحاوي الكبير (٢/ ٤٧)، الوسيط (٢/ ٤٧)، البيان للعمراني (٢/ ٦١)، روضة الطالبين (١/ ١٩٧، ١٩٨)، مغني المحتاج (١/ ٣٢٠)، المغني (١/ ٣٠٥).
(٥) صحيح البخاري (١٦٨٣).
[ ٢ / ٦٧ ]
ولم ينفرد أبو إسحاق، فقد تابعه إبراهيم النخعي.
فرواه ابن أبي شيبة في المصنف من طريق شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال:
حججت مع عبد الله، فلما أتى جمعًا أذن، وأقام، فصلى المغرب ثلاثًا، ثم تعشى، ثم أذن، وأقام، فصلى العشاء ركعتين (^١).
وروى ابن أبي شيبة في المصنف من طريق شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن ابن الأسود، عن أبيه، أن عمر صنع مثل صنيع ابن مسعود (^٢).
[صحيح].
وقد أجبت عن هذا الدليل في مسألة الجمع بين الظهر والعصر بعرفة، فأغنى ذلك عن إعادته.
الدليل الثاني:
إذا جُمِعَت الصلاتان في وقت واحد فإن الوقت يصير وقتًا لهما، فلم تكن إحداهما أولى بالأذان من الأخرى.
* ويجاب عنه:
بأن هذا نظر في مقابل النص، فيكون فاسدًا.
* حجة من قال: يصليهما بإقامتين بلا أذان:
القياس على جمع المغرب والعشاء بالمزدلفة،
(ح-٢١٢) فقد روى البخاري في صحيحه من طريق ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله،
عن ابن عمر ﵄ قال: جمع النبي ﷺ -بين المغرب والعشاء بجمع، كل واحدة منهما بإقامة، ولم يسبح بينهما، ولا على إثر كل واحدة منهما (^٣).
(ح-٢١٣) وروى البخاري من طريق كريب،
_________________
(١) المصنف (١٥١٩٩).
(٢) المصنف (١٥٢٠٠).
(٣) صحيح البخاري (١٦٧٣)، ورواه مسلم بنحوه (١٢٨٨).
[ ٢ / ٦٨ ]
عن أسامة بن زيد ﵄، أنه سمعه يقول: دفع رسول الله من عرفة … وفيه: فجاء المزدلفة، فتوضأ، فأسبغ، ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت الصلاة، فصلى، ولم يُصَلِّ بينهما (^١).
وقد أجبت عن هذا الدليل في مسألة الجمع بين الظهر والعصر بعرفة، فأغنى ذلك عن إعادته.
* دليل من قال: يؤذن للأولى، ويقيم لكل صلاة:
(ح-٢١٤) ما رواه مسلم من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه،
عن جابر بن عبد الله ﵄ في صفة حج النبي ﷺ، وفيه:
ثم أذن، ثم أقام، فصلى الظهر، ثم أقام، فصلى العصر، ولم يُصَلِّ بينهما شيئًا (^٢).
هذا في جمع التقديم، وقال جابر في جمع التأخير في صفة حج النبي ﷺ، وفيه: (أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئًا) (^٣).
ومعلوم أن جابرًا ﵁ من أكثر الصحابة ضبطًا لصفة حج النبي ﷺ -حتى اشتمل حديثه على صفة حج النبي ﷺ -من حين انطلاقه من المدينة إلى حين رجوعه ﵊.
* دليل من قال: يؤذن في التقديم في الأولى ويقيم لكل صلاة، ويكتفي بالإقامة لكل صلاة بالتأخير:
القياس على جمع مزدلفة، حيث كان الجمع فيها جمع تأخير.
(ح-٢١٥) فقد روى البخاري في صحيحه من طريق ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله،
عن ابن عمر ﵄ قال: جمع النبي ﷺ -بين المغرب والعشاء بجمع، كل واحدة منهما بإقامة، ولم يسبح بينهما، ولا على إثر كل واحدة منهما (^٤).
_________________
(١) صحيح البخاري (١٦٧٢)، وصحيح مسلم (١٢٨٠).
(٢) صحيح مسلم (١٢١٨).
(٣) صحيح مسلم (١٤٧ - ١٢١٨).
(٤) صحيح البخاري (١٦٧٣)، ورواه مسلم بنحوه (١٢٨٨).
[ ٢ / ٦٩ ]
(ح-٢١٦) وروى البخاري من طريق كريب،
عن أسامة بن زيد ﵄، أنه سمعه يقول: دفع رسول الله من عرفة … وفيه: فجاء المزدلفة، فتوضأ، فأسبغ، ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت الصلاة، فصلى، ولم يُصَلِّ بينهما (^١).
ولأن الأولى منهما في غير وقتها، فأشبهت الفائتة، والثانية منها مبسوقة بصلاة فلا يشرع لها الأذان كالثانية من الفوائت.
وسبق مناقشة هذه الأقوال وأدلتها في المسألة السابقة، فأغنى ذلك عن إعادتها.
* والراجح:
أنه يؤذن للأولى، ويقيم لكل صلاة، ولا فرق بين جمع التقديم والتأخير، وهو ما حفظه لنا جابر ﵁ في صفة جمع النبي ﷺ -في عرفة ومزدلفة، والله أعلم.
_________________
(١) صحيح البخاري (١٦٧٢)، وصحيح مسلم (١٢٨٠).
[ ٢ / ٧٠ ]