(١٣٥٢ - ٢٢٥) استدلوا بما رواه البخاري في صحيحه من طريق عبد الله، عن هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة ﵂، قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيده شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته، أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده، رواه البخاري واللفظ له، ومسلم (^١).
وجه الاستدلال:
قولها ﵂: «توضأ وضوءه للصلاة» يراد به الوضوء الكامل، ومنه مسح الرأس.
ويجاب عن هذا الحديث:
قولها ﵂: «توضأ وضوءه للصلاة» مجمل، قد يراد به الوضوء الكامل، وقد يقال: باعتبار الأغلب، فهذه ميمونة ﵂ تقول: «توضأ وضوءه للصلاة» والمراد الأغلب، وليس كل أعضاء الوضوء،
(١٣٥٣ - ٢٢٦) فقد روى البخاري من طريق سفيان، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس،
عن ميمونة، أن النبي - ﷺ - اغتسل من الجنابة، فغسل فرجه بيده، ثم دلك بها الحائط، ثم غسلها، ثم توضأ وضوءه للصلاة، فلما فرغ من غسله غسل رجليه. رواه البخاري واللفظ له، ومسلم (^٢).
_________________
(١) البخاري (٢٧٢)، ومسلم (٣١٦).
(٢) البخاري (٢٦٠)، ومسلم (٣١٧).
[ ١١ / ٥٢٢ ]
فإذا صح أن تقول ميمونة ﵂: «توضأ وضوءه للصلاة» والمراد غير رجليه، صح أن قول عائشة ﵂: «توضأ وضوءه للصلاة» أي وغسل رأسه بدلًا من مسحه، خاصة أن الرأس لم يترك حتى يستثنى، بل غسل غسلًا، وهو مسح وزيادة، وكوننا نحمل حديث عائشة على حديث ميمونة في صفة غسل الرأس، أولى من حمله على صفتين، خاصة أننا لم نقف على حديث واحد عن رسول الله - ﷺ - يصرح بمسح الرأس في غسل الجنابة، بل جاء عن عائشة ما يوافق حديث ميمونة عندما ذكر الوضوء بشيء من التفصيل،
(١٣٥٤ - ٢٢٧) فقد روى أحمد ﵀، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن عطاء بن السائب، قال:
سمعت أبا سلمة، قال: دخلت على عائشة، فسألتها عن غسل رسول الله - ﷺ - من الجنابة؟ قالت: كان يؤتى بإناء، فيغسل يديه ثلاثًا، ثم يصب من الإناء على فرجه، فيغسله، ثم يفرغ بيده اليمنى على اليسرى، فيغسلها، ثم يمضمض ويستنشق، ثم يفرغ على رأسه ثلاثًا، ثم يغسل سائر جسده (^١).
[حديث حسن، وشعبة روى عن عطاء قبل تغيره] (^٢).
_________________
(١) المسند (٦/ ١٧٣ - ١٧٤).
(٢) الحديث مداره على أبي سلمة، عن عائشة، ويرويه عن أبي سلمة عطاء بن السائب وبكير بن عبد الله الأشج، ورواية بكير في مسلم، وليس فيها ذكر الوضوء، وأما عطاء بن السائب فقد رواه عنه زائدة وحماد بن سلمة وعمر بن عبيد الطناني، وذكروا فيه التثليث في الوضوء، ورواه شعبة، عن عطاء، كما في إسناد الباب، ولم يذكر التثليث، وشعبة عندي أرجح، فالمحفوظ عدم ذكر تثليث الوضوء، وقد تكلمت على طرق الحديث في كتابي الحيض والنفاس رواية ودراية رقم (١٣٩) من الطبعة الأولى، فأغنى عن إعادته هنا، والله أعلم.
[ ١١ / ٥٢٣ ]
فهذا حديث عائشة حين ذكر الوضوء فيه مفصلًا، ذكر غسل الرأس بدلًا من مسحه، وهو يؤكد أن قوله: «توضأ وضوءه للصلاة» أن ذلك يدخل فيه الرأس، ولكن بالغسل، وليس بالمسح، كما في رواية ميمونة، وكما في حديث عائشة من رواية أبي سلمة عنها، والله أعلم.
الدليل الثاني على أن الرأس يمسح في الوضوء.
(١٣٥٥ - ٢٢٨) ما رواه البخاري من طريق سفيان، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس،
عن ميمونة، قالت: توضأ رسول الله - ﷺ - وضوءه للصلاة غير رجليه وذكرت الحديث. ورواه مسلم، واللفظ للبخاري (^١).
فالاستثناء معيار العموم، فمعنى ذلك أنه لم يستثن إلا الرجلين، فدل على أن الرأس يمسح.
قلت: هذا الحديث ليس صريحًا، نعم فيه دليل على أن الرأس لم يترك كما ترك غسل الرجلين، ولكنه ليس صريحًا أنه مسح رأسه، فقد يكون غسل رأسه، وهو مسح وزيادة، خاصة أن رواية أبي سلمة، عن عائشة عندما فصلت الوضوء في حديث عائشة، ذكرت أنه غسل رأسه، وكذلك جاء في حديث ميمونة، والله أعلم.