اختَلفَ أهلُ العِلمِ فيما لو طلَّقَ الزَّوجُ المَريضُ مرَضَ المَوتِ زوجَتَه طلاقًا بائِنًا لا رَجعةَ فيهِ ثمَّ ماتَ في مرَضِه، هل تَرِثُه الزَّوجَةُ مُطلقًا، سواءٌ ماتَ وهي في العدَّةِ أو بعْدَ العدَّةِ، تزوَّجَتْ أم لَم تَتزوَّجْ كما يَقولُ المالكيَّةُ؟ أم تَرِثُه ما دامَتْ في العدَّةِ ولا تَرِثُه بعْدَها كما يقولُ الحنفيَّةُ؟ أم لا تَرِثُه مُطلقًا على الصَّحيحِ عندَ الشَّافعيةِ؟ أم تَرِثُه ما لم تَتزوَّجْ كما هوَ مَذهبُ الحنابلةِ؟
بعدَ إجماعِهِم على أنَّهُ إذا طلَّقَ في مرَضِه المَخُوفِ ثمَّ ماتَتْ هي فيهِ فإنَّ
_________________
(١) «الحاوي الكبير» (١٠/ ٢٦٣، ٢٦٤).
[ ١٧ / ٢١١ ]
الرَّجلَ لا يَرثُها ولو طلَّقَها مَريضةً؛ لأنَّهُ الَّذي أسقَطَ ما كانَ بيَدهِ لأنَّها لَم تُخرِجْه هي عنِ المِيراثِ، وليسَتْ مَحجُورًا عَليها لأجلِهِ، فافتَرَقَ بحُكمِ مَوتِه ومَوتِها (^١).
قالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ المُطلَّقةَ ثلاثًا لو ماتَتْ لم يَرِثْها المُطلِّقُ؛ وذلكَ لأنَّها غَيرُ زَوجةٍ (^٢).
وقالَ ابنُ بطَّالٍ ﵀: الإجماعُ على أنَّ الزَّوجَ لا يَرِثُها وإنْ ماتَتْ في العدَّةِ، ولا بعْدَ انقِضاءِ العدَّةِ إذا طلَّقَها ثلاثًا وهوَ صَحيحٌ أو مَريضٌ (^٣).
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: الطَّلاقُ البائِنُ في المرَضِ المُخَوِّفِ إذا اتَّصلَ بالمَوتِ، فإنْ ماتَتْ لَم يَرِثْها إجماعًا (^٤).
القولُ الأوَّلُ: ذَهبَ الحنفيَّةُ إلى أنَّ الزَّوجَ إذا طلَّقَ زَوجتَهُ في مرَضِ مَوتِه طلاقًا بائِنًا ثمَّ ماتَ وهي في العدَّةِ وَرثَتْ منهُ، وكذا إذا طلَّقَها ثلاثًا، وإنْ ماتَ بعْدَ انقِضاءِ عدَّتِها فلا مِيراثَ لها؛ لأنَّها قدْ حَلَّتْ للأزواجِ، فكيفَ تَرثُ زوْجَها وهي تحْتَ غَيرِه؟ ولأنَّهُ لا خِلافَ بيْنَ المُسلمينَ أنَّ مَنْ طلَّقَ امرأتَهُ صَحيحًا طلقةً يَملِكُ فيها رَجعتَها ثمَّ انقَضَتْ عدَّتُها قبْلَ مَوتِه أنَّها لا تَرثُه؛ لأنَّها أجنبيَّةٌ ليسَتْ منهُ ولا هوَ مِنها، ولا تكونُ المَبتوتةُ المُختلَفُ
_________________
(١) «المعونة» (١/ ٥٢٨)، و«شرح مختصر خليل» (٤/ ١٨)، و«تحبير المختصر» (٣/ ١١٣).
(٢) «الإجماع» (٤٥١).
(٣) «شرح صحيح البخاري» (٧/ ٣٩٤).
(٤) «الحاوي الكبير» (١٠/ ٢٦٤).
[ ١٧ / ٢١٢ ]
في ميراثِها في العدَّةِ بالميراثِ بأقوَى مِنْ المُجتمَعِ على ميراثِها في العدَّةِ.
وأصلُهُ: أنَّ الزَّوجيَّةَ في مرَضِ المَوتِ سَببٌ يُفضِي إلى الإرْثِ غالِبًا، فإبطالُهُ يكونُ ضَررًا بصاحِبِه، فوجَبَ ردُّهُ دفْعًا لهذا الضَّررِ في حقِّ الإرثِ ما دامَتْ في العدَّةِ كما في الطَّلاقِ الرَّجعيِّ؛ لأنَّ النِّكاحَ في العدَّةِ يَبقَى في حقِّ بعضِ الآثارِ، فجازَ أنْ يَبقَى في حقِّ إرثِها عَنهُ، بخلافِ ما بعْدَ الانقِضاءِ؛ لأنَّهُ لا إمكانَ والزَّوجيَّةُ في هذهِ الحالَةِ ليسَتْ بسَببٍ لإرثِهِ عنها، فتَبطُلُ في حقِّهِ خُصوصًا إذا رَضيَ بهِ.
والدَّليلُ على هذا فِعلُ الصَّحابةِ ﵃، فقْد رَوى إبراهيمُ قالَ: جاءَ عُروةُ البارقِيُّ إلى شُريحٍ مِنْ عِنْدِ عُمرَ ﵁ بخَمْسِ خصالٍ مِنهنَّ: «إذا طلَّقَ المَريضُ امرأتَهُ ثلاثًا وَرثَتْه إذا ماتَ وهيَ في العدَّةِ».
وعنِ الشَّعبيِّ أنَّ أمَّ البَنِينَ بنتَ عُيَينَةَ بنِ حصنٍ الفزاريِّ كانَتْ تحتَ عُثمانَ بنِ عفَّانَ ﵁ ففارَقَها بعدَما حُوصِرَ، فجاءَتْ إلى عليٍّ ﵁ بعْدَما قُتِلَ وأخبَرَتْه بذلكَ فقالَ: «تَرَكَها حتَّى إذا أشرَفَ على المَوتِ فارَقَها، وورَّثَها منهُ».
وعَن عائشةَ ﵂: «أنَّ امرأةَ الفارِّ تَرِثُ ما دامَتْ في العدَّةِ».
وهذا إذا طلَّقَها بغَيرِ سُؤالٍ مِنها ولا رِضًا، أمَّا إذا سَألَتْه ذلكَ فَطلَّقَها بائِنًا أو ثلاثًا أو خالَعَها أو قالَ لهَا: اختارِي فاختارَتْ نفْسَها فماتَ وهي في العدَّةِ لا تَرِثُ؛ لأنَّها رَضِيَتْ بإبطالِ حقِّها.
[ ١٧ / ٢١٣ ]
وإنْ قالَتْ لهُ في مرَضِه: طلِّقْنِي للرَّجعَةِ فطلَّقَها ثلاثًا وَرثَتْ؛ لأنَّ الرَّجعيَّ لا يُزيلُ النِّكاحَ، فلَم تكنْ بسُؤالِها راضيةً بإبطالِ حقِّهَا.
وإنْ طلَّقَها ثلاثًا وهوَ مريضٌ ثمَّ صحَّ ثمَّ ماتَ بعْدَ ذلكَ وهيَ في العدَّةِ لَم تَرثْه، خِلافًا لزُفَرَ.
وإنْ صحَّ مِنْ مرَضِه ثمَّ مَرِضَ ثمَّ ماتَ مِنْ مرَضِه وهيَ في العدَّةِ وَرثَتْه أيضًا.
ثمَّ المرَضُ الَّذي لا تَرثُه المُطلَّقةُ أنْ يكونَ مَريضًا مَرضًا لا يَعيشُ مِنهُ غالبًا، ويَخافُ منهُ الهَلاكَ غالبًا، بأنْ يكونَ صاحِبَ فِراشٍ لا يَجيءُ ولا يَذهَبُ إلى أنْ يَموتَ.
وقيلَ: أنْ يكونَ مُضنًى لا يَقومُ إلَّا بشدَّةِ، وهو في حالٍ يَجوزُ لهُ الصَّلاةُ قاعِدًا، أمَّا إذا كانَ يذهَبُ ويَجيءُ وهوَ يُحَمُّ فهو كالصَّحيحِ.
وإنْ قُدِّمَ ليُقتَلَ قصاصًا أو رجمًا فطلَّقَ حينَئذٍ وَرثَتْ، وكذا إذا انكَسرَتْ بهِ السَّفينةُ وبَقيَ على لَوحٍ، أو وقَعَ في فَمِ سَبُعٍ فطلَّقَ ثلاثًا وماتَ مِنْ ذلكَ وَرثَتْ (^١).
_________________
(١) «الحجة على أهل المدينة» (٤/ ٧٨، ٧٩)، و«مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٤٣٢، ٤٣٥)، و«المبسوط» (٦/ ١٥٤، ١٥٧)، و«الهداية» (٢/ ٣)، و«الاختيار» (٣/ ١٧٧، ١٧٨)، و«شرح فتح القدير» (٤/ ١٤٥)، و«الجوهرة النيرة» (٤/ ٤٦٤، ٤٦٦)، و«مختصر الوقاية» (١/ ٤٠١)، و«اللباب» (٢/ ٩٥)، و«حاشية ابن عابدين» (٣/ ٣٨٣، ٣٨٦).
[ ١٧ / ٢١٤ ]
القولُ الثَّاني: ذَهبَ المالكيَّةُ إلى أنَّ الزَّوجَ إذا طلَّقَ زَوجَتَه المَدخولُ بها واحدَةً أو اثنتَينِ أو ثلاثًا ثمَّ ماتَ مِنْ مرَضِهِ المَخُوفِ فإنَّها تَرثُه مُطلقًا، سواءٌ انقَضَتْ عدَّتُها أم لمْ تَنقَضي؛ لأنَّ الميراثَ إنَّما يَثبتُ لها لأنَّ الطَّلاقَ صادَفَ سبَبَهُ وهوَ ثُبوتُ الحَجْرِ عليهِ مِنْ أجْلِها؛ فلا فرْقَ بيْنَ بقاءِ العدَّةِ وزَوالِها؛ لِوُجوبِ الميراثِ لها بحُصولِ السَّببِ الَّذي هوَ الحَجْرُ، سواءٌ تزوَّجَتْ بعْدَه أم لم تتزوَّجْ، حتَّى لو تزوَّجَتْ بعْدَهُ ثمَّ ماتَ وَرثَتْه، وكذلكَ لو تزوَّجَتْ بعَشرةِ مِنَ الرِّجالِ وكلٌّ مِنهم طلَّقَها في مَرضِ مَوتِه المَخُوفِ فإنَّها تَرثُ منهُم جميعًا؛ لأنَّ الميراثَ إنَّما وجَبَ لها بإخْراجِه إيَّاها منْهُ بعْدَ ثُبوتِ حقِّ الحجْرِ عليهِ، وهذا مَوجودٌ معَ تَزوُّجِها، فلَم يكُنْ لاعتِبارِ التَّزويجِ معنًى كما لم يكُنْ لاعتِبارِ العدَّةِ مَعنًى.
وقدْ رَوى مالكٌ في «المُوطَّأ»: بابُ طلاقِ المرِيضِ
١١٨٣ - حدَّثَني يَحيَى عَنْ مالِكٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عَنْ طلحَةَ بنِ عَبدِ اللهِ بنِ عَوفٍ قالَ: وكانَ أعلَمَهُم بذلكَ، وعَن أبي سلَمةَ بنِ عَبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوْفٍ أنَّ عَبْدَ الرَّحمَنِ بنَ عوْفٍ طَلَّقَ امرأتَهُ البتَّةَ وهوَ مرِيضٌ، فوَرَّثَها عُثمانُ بنُ عفَّانَ منهُ بعْدَ انقِضاءِ عدَّتِها».
١١٨٤ - وحدَّثَني عَنْ مالكٍ عَنْ عَبدِ الله بنِ الفَضلِ عنِ الأعرَجِ «أنَّ عُثمانَ بنَ عفَّانَ ورَّثَ نِساءَ ابنِ مُكْمِلٍ منهُ، وكانَ طَلَّقَهنَّ وهو مَريضٌ».
١١٨٥ - وحدَّثَني عَنْ مالكٍ أنَّهُ سَمعَ رَبيعةَ بنَ أبي عَبدِ الرَّحمنِ يَقولُ:
[ ١٧ / ٢١٥ ]
«بَلَغَني أنَّ امرأةَ عَبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ سَألتْهُ أنْ يُطلِّقَها فقالَ: إذا حِضتِ ثمَّ طهُرْتِ فآذِنيني، فلَم تَحِضْ حتَّى مَرضَ عَبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ، فلمَّا طهُرَتْ آذَنتْهُ فطلَّقَها، البَتَّةَ أو تَطليقةً لَم يَكنْ بَقيَ لهُ عَليها مِنَ الطَّلاقِ غَيرُها، وعَبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ يَومئذٍ مَريضٌ، فورَّثَها عثمانُ بنُ عفَّانَ منهُ بَعدَ انقضاءِ عدَّتِها».
١١٨٦ - وحدَّثَني عَنْ مالكٍ عَنْ يَحيَى بنِ سَعيدٍ عَنْ محَمَّدِ بنِ يَحيَى بنِ حبَّانَ قالَ: كانَتْ عِنْدَ جَدِّي حبَّانَ امرَأتانِ هاشمِيَّةٌ وأنصاريَّةٌ، فطلَّقَ الأنصاريَّةَ وهيَ تُرضِعُ، فمَرَّتْ بها سَنَةٌ ثمَّ هلَكَ عنها ولم تَحضْ، فقالَتْ: أنا أرثُهُ لم أَحِضْ، فاختَصَمَتا إلى عُثمانَ بنِ عفَّانَ، فقَضَى لها بالمِيراثِ، فلامَتِ الهاشميَّةُ عُثمانَ فقالَ: هذا عَملُ ابنِ عَمِّكِ، هوَ أشارَ علينا بهذا، يَعني عَليَّ بنَ أبي طالبٍ».
١١٨٧ - وحدَّثَني عَنْ مالكٍ أنَّهُ سَمعَ ابنَ شِهابٍ يَقولُ: «إذا طلَّقَ الرّجُلُ امرأتَهُ ثلاثًا وهو مَريضٌ فإنَّها تَرثُهُ».
قالَ مالكٌ: وإنْ طلَّقَها وهوَ مَريضٌ قبْلَ أنْ يَدخُلَ بها فلَها نصفُ الصَّداقِ ولها الميراثُ ولا عِدَّةَ عليها، وإنْ دخَلَ بها ثمَّ طلَّقَها فلَها المَهرُ كلُّهُ والميراثُ، البِكرُ والثَّيِّبُ في هذا عِندَنا سواءٌ (^١).
وجاءَ في «المُدوَّنة الكُبرَى»: قُلتُ: أرأَيتَ إذا طلَّقَ رَجلٌ امرَأتُهُ وهو
_________________
(١) «الموطأ» (٢/ ٥٧١، ٥٧٢).
[ ١٧ / ٢١٦ ]
مَريضٌ قبْلَ البِناءِ بها؟ قالَ: قالَ مالكٌ: لها نِصفُ الصَّداقِ ولها الميراثُ إنْ ماتَ مِنْ مرَضِهِ ذلكَ، قُلتُ: فهَل يَكونُ على هذهِ عدَّةُ الوَفاةِ أو عِدَّةُ الطَّلاقِ؟ قالَ: قالَ مالِكٌ: لا عِدَّةَ عَليها، لا عِدَّةَ وفاةٍ ولا عِدَّةَ طلاقٍ، قالَ مالكٌ: وإنْ طلَّقَها طلاقًا بائِنًا وهوَ مَريضٌ وقدْ دخَلَ بها كانَ عَليها عدَّةُ الطَّلاقِ ولها المِيراثُ، وإنْ كانَ طلاقًا يَملِكُ رَجعَتَها فماتَ وهي في عدَّتِها مِنَ الطَّلاقِ انتَقلَتْ إلى عدَّةِ الوفاةِ، وإنِ انقَضَتْ عدَّتُها مِنْ الطَّلاقِ قبْلَ أنْ يَهلكَ فهلَكَ بعْدَ ذلكَ فلها الميراثُ ولا عِدَّةَ عَليها مِنَ الوَفاةِ.
قُلتُ: هلْ تَرِثُ امرَأةٌ أزواجًا كلُّهُم يُطلِّقُها في مرَضِه، ثمَّ تَتزوَّجُ زَوجًا والَّذينَ طلَّقُوها كلُّهم أحياءٌ، ثمَّ ماتُوا مِنْ قبْلِ أنْ يَصِّحُوا مِنْ مرَضِهم ذلكَ، وهي تحتَ زَوجٍ، أتُورِّثُها مِنْ جَميعِهم أم لا في قَولِ مالِكٍ؟ قال: لها المِيراثُ مِنْ جَميعِهم، قالَ مالِكٌ: وكذلكَ لو طلَّقَها واحدَةً ألبتَّةَ وهوَ مَريضٌ وتزوَّجَتْ أزواجًا بعْدَ ذلكَ كلُّهم يُطلِّقُها وَرثَتِ الأوَّلَ إذا ماتَ مِنْ مرَضِه ذلكَ (^١).
قالُوا: ولأنَّ المَعنَى في ذلكَ المُقابَلةُ بنَقيضِ القَصدِ، وإنْ كانَ عَبدُ الرَّحمَنِ ﵁ قدْ نَزَّهَهُ اللهُ عَنْ أنْ يَقصِدَ منْعَها، إلَّا أنَّ الحُكمَ إذا ثَبتَ لعِلَّةٍ غالِبةٍ اكتُفِي بغَلبَتِها عَنْ تَتبُّعِها في آحادِ الصُّوَرِ، وهذا في الشَّريعةِ كَثيرٌ لِمَنْ تأمَّلَه، لا سيِّمَا على القَولِ بحَسمِ الذَّرائِعِ، ولأنَّ المَريضَ مَمنُوعٌ أنْ
_________________
(١) «المدونة الكبرى» (٤/ ٢١٠).
[ ١٧ / ٢١٧ ]
يَتبَرَّعَ بإخراجِ جُزءٍ زائِدِ على ثُلثِهِ لحَقِّ الوَرثةِ، فأَولَى أنْ يُمنعَ مِنْ إسقاطِ بَعضِهم جُملةً.
ولأنهُ ﷺ لمَّا منَعَ المَريضَ مِنَ الحُكمِ في ثُلثَي مالِهِ المَورُوثِ بما يُنقصُ ورَثتَه منهُ؛ كانَ مَمنُوعًا أنْ يُدخلَ عَليهِم وارثًا، أو يُخرجَ مِنهُم وارثًا، ولمَّا منَعَ الرَّسولُ ﷺ القاتِلَ المِيراثَ بما أحدَثَ مِنَ القتْلِ انبغَى أنْ لا يَكونَ المَريضُ مانِعًا لزَوجتِهِ المِيراثَ بما أحدَثَ منَ الطَّلاقِ، ولا فرْقَ بيْنَ وارثَينِ أحدُهُما يَدخُلُ في الميراثَ بوجهٍ فيُمنَعُ مِنْ أجلِهِ، وآخرُ قدْ أُخرجَ بمِثلِ ذلكَ الوَجهِ؛ لأنَّ القاتِلَ أرادَ أنْ يَستوجِبَ بفِعلِه حقًّا لم يَجِبْ لهُ بعْدُ، فمُنِعَه، وكذلكَ المَريضُ أرادَ أنْ يَمنعَ بفعلِهِ حقًّا عَنْ مَنْ وجَبَ لهُ فمُنِعَه، وكما لم يكُنْ للمَريضِ أنْ يُدخِلَها في الميراثِ بتَزويجِه إيَّاها فيهِ؛ كانَ كذلكَ لا يُخرِجُها مِنَ الميراثِ بطلاقِها فيهِ.
وقدْ قضَى بهِ عُثمانُ ﵁ بمَحضَرِ المُهاجرِينَ والأنصارِ، وقالَهُ عُمَرُ وعليُّ بنُ أبي طالِبٍ ﵄.
إلَّا أنَّهُ إذا صحَّ مِنْ مرَضِه ثمَّ ماتَ فلا تَرِثُه على أيِّ وجْهٍ كانَ؛ لأنَّهُ إذا صَحَّ فقَدْ زالَ الحَجرُ عنهُ، كمَنْ طلَّقَ في الصِّحَّةِ.
ولَو سألَتْهُ الطَّلاقَ وهوَ مَريضٌ فطَلَّقَها أو خالَعَها وَرثَتْهُ؛ لأنَّ عُثمانَ ﵁ حكَمَ بذلكَ في تُماضِرَ بنتِ الأصبغِ زَوجةِ عَبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ، وكانَتْ عِندَهُ على طَلقَةٍ، فسألَتْهُ في شكوَتِهِ الَّذي ماتَ فيهِ أنْ يُطلِّقَها تَطليقةً
[ ١٧ / ٢١٨ ]
هيَ آخِرُ طلاقِها، فوَرَّثَها عُثمانُ مِنهُ، ولَم يُنكِرْ ذلكَ عَليهِ أحَدٌ، ولأنَّهَا مُطلَّقةٌ في المَرضِ كالَّتي لَم تَأذنْ، ولأنَّ الإنسانَ قد يُضيِّقُ على زَوجَتِه حتَّى تَسألَهُ الخُلعَ، فحُسِمَ البابُ بتَوريثِها، ولأنَّ الإذْنَ في إخراجِها مِنَ الميراثِ بعْدَ ثُبوتِ سَببِه لا يُؤثِّر كما لَو قالَتْ: لَستُ أَرِثُكَ.
وإنْ ماتَتْ هي لَم يَرِثْها؛ لأنَّها لَم تُخرِجْه هيَ عَنِ الميراثِ، وليسَتْ مَحجُورًا عَليها لأجلِهِ، فافتَرقَ بحُكمِ مَوتِه ومَوتِها.
وعدَّتُها عدَّةُ طلاقٍ؛ لأنَّها قَدْ بانَتْ مِنهُ بالطَّلاقِ دُونَ المَوتِ، وإنَّما قَطَعَ المَرضُ مِنْ أحكامِ المَبتُوتَةِ انتِفاءَ الإرثِ فقَطْ (^١).
القَول الثَّالثُ: قولُ الشَّافعيةِ في الأظهَرِ وهوَ المَذهبُ الجَديدُ، قالُوا: الزَّوجُ إذا طلَّقَ زَوجَتَه طلاقًا بائِنًا في مَرضِ مَوتِهِ ثمَّ ماتَ فلا تَرِثُ منهُ زَوجَتُه؛ سَواءٌ سألَتْه الطَّلاقَ أو لَم تَسألْهُ؛ لأنَّها فُرقةٌ تَقطعُ إرثَهُ مِنها، فوجَبَ أنْ تَقطعَ إرثَها مِنهُ، أصلُهُ الفُرقةُ في الصِّحَّةِ، ولأنَّهُ إرثٌ يَنقطِعُ بالفُرقةِ في حالِ الصِّحةِ فوجَبَ أنْ يَنقطِعَ بالفُرقةِ في حالِ المَرضِ، أصلُهُ إرثُ الزَّوجِ؛ لأنَّ الإجماعَ مُنعقِدٌ على أنَّ الزَّوجَ لا يَرثُها وإنْ ماتَتْ في العِدَّةِ، ولا بعْدَ انقِضاءِ العدَّةِ إذا طلَّقَها ثلاثًا وهو صَحيحٌ أو مَريضٌ، فكذلكَ الزَّوجةُ لا تَرثُه.
_________________
(١) «عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة» (٢/ ٥٢٤)، و«الجامع لمسائل المدونة» (١٠/ ٧١٦، ٧١٧)، و«المعونة على مذهب عالم المدينة» (١/ ٥٢٧، ٥٢٨)، و«شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٧/ ٢٩٤، ٢٩٧)، و«الكافي» ص (٢٧٠، ٢٧١)، و«الاستذكار» (٦/ ١١٢، ١١٦)، و«القوانين الفقهية» ص (١٥١، ١٥٢).
[ ١٧ / ٢١٩ ]
ولأنَّ للنِّكاحِ أحكامًا مِنْ طلاقٍ وظِهارٍ وإيلاءٍ وتَحريمٍ للجَمْعِ بيْنَها وبيْنَ أُختِها وخالَتِها وعمَّتِها وثُبوتِ الميراثِ وعدَّةِ الوفاةِ، فلمَّا انتَفَى عن هذهِ المَبتُوتةِ في حالِ المَرضِ أحكامُ النِّكاحِ مِنْ غَيرِ الميراثِ؛ انتَفَى عَنها أحكامُ النِّكاحِ في المِيراثِ.
وتَحريرُهُ قياسًا: أنَّهُ حكمٌ يَختصُّ بالنِّكاحِ، فوجَبَ أنْ يَنتفِيَ عن المَبتوتةِ في المرَضِ كسائِرِ الأحكامِ، ولأنَّ فسْخَ النِّكاحِ في المرَضِ سَببٌ مِنْ جهَتِها كالرِّدَّةِ والرَّضاعِ يَمنعُ ميراثَهُ مِنها، وإنْ تَوجَّهَتِ التُّهمةُ إليهِما جَميعًا بيْنَ وُجودِه في الصِّحَّةِ والمرَضِ، وجَبَ أنْ يكونَ وُجودُ الفُرقةِ مِنْ جهَتِه يَمنَعُ ميراثَها منهُ؛ تَسويةً بيْنَ الصِّحَّةِ والمَرضِ.
ولأنَّ هذا قولُ عَبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ، قالَ الإمامُ الشَّافعيُّ: أخبَرَنا عَبدُ المَجيدِ عَنْ ابنِ جُريجٍ عَنْ أبي مُلَيكةَ أنَّهُ سَألَ ابنَ الزُّبيرِ عنِ المرأةِ يُطلِّقُها الرَّجلُ فيبُتُّها ثُمَّ يَموتُ وهي في عدَّتِها، فقالَ ابنُ الزُّبيرِ: طلَّقَ عَبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ تُماضِرَ بنتَ الأَصبغِ الكَلبيَّةَ فبَتَّها، ثمَّ ماتَ وهي في عِدَّتها، فورَّثَها عُثمانُ، فقالَ ابنُ الزُّبيرِ: «فأمَّا أنا فلا أرَى أنْ تَرثَ مَبتوتةٌ» (^١). وهو صحابيٌّ مِنْ أهلِ الاجتِهادِ، لا سيِّمَا في أيَّامِ عُثمانَ ﵁.
وفي قولٍ للشَّافِعيةِ أنَّ مَوتَ الزَّوجِ في مرَضِ مَوتِهِ المَخُوفِ لا يَقطعُ التَّوارُثَ، فتَرثُه زَوجتُه؛ لأنَّهُ مُتَّهَمٌ بدَفعِ الإرثَ، كما يُحجَبُ القاتِلُ؛ لأنَّهُ
_________________
(١) «الأم» (٥/ ٢٢٦).
[ ١٧ / ٢٢٠ ]
مُتَّهَمٌ بجَلبِ الإرثِ؛ لأنَّ عَبدَ الرَّحمنِ بنَ عَوفٍ طلَّقَ زَوجتَهُ تُماضِرَ في مَرضِ المَوتِ فورَّثَها عُثمانُ ﵁».
وإنَّما تَرثُ بِشُروطٍ:
أحدُها: كَونُ الزَّوجةِ وارِثةً، فلو أسلمَتْ بعْدَ الطَّلاقِ فلا تَرِثُ.
ثانيهَا: عَدمُ اختيارِها، فلوِ اختَلعَتْ أو سَألَتْ، أو قالَ: «أنتِ طالقٌ إن شِئتِ» فشَاءَتْ، أو «اختارِي نَفسَكِ» فقالَتْ: «اختَرتُ»، أو علَّقَ الطَّلاقَ بفِعلِها الَّذي لا ضَرورةَ لها بهِ ولا حاجَةَ ففَعلتْهُ، فليسَ بفارٍّ ولا تَرِثُه.
ثالثُها: كَونُ البَينونةِ في مرَضٍ مَخُوفٍ وماتَ بسَببِه، فإنْ بَرئَ مِنهُ فلا قَطعًا.
رابعُها: كَونُها بالطَّلاقِ، لا بلِعانٍ وفَسخٍ، فلَو فسَخَ نكاحَها بعَيْبِها في المَرضِ فليسَ بفارٍّ على الصَّحيحِ.
خامِسُها: كَونُه مُنجَّزًا، فلو علَّقَ طلاقَها بصِفةٍ تَحتَملُ أنْ تُوجَدَ في الصِّحةِ والمرَضِ ولَم يَتعلَّقْ بفِعلِهِ، كقولِهِ: «إنْ قَدِمَ زَيدٌ أو جاءَ رأسُ الشَّهرِ فأنتِ طالِقٌ»، فقَدِمَ أو جاءَ وهوَ مَرِيضٌ؛ فقَولانِ: أصحُّهما أنَّهُ ليسَ بفارٍّ.
وإنْ ماتَ بسَببٍ آخَرَ بأنْ قُتِلَ في ذلكَ المَرضِ فقَولانِ.
إلَّا أنَّ في زَمانِ ميراثِها مِنهُ ثلاثةَ أقاويلَ:
أحدُها -وهوَ مَذهبُ الحَنفيَّةِ-: أنَّها تَرِثُه ما كانَتْ في عِدَّتِها، وهيَ عدَّةُ
[ ١٧ / ٢٢١ ]
الطَّلاقِ بالأقراءِ، فإذا انقَضَتْ عدَّتُها لم تَرثْ؛ لأنَّ بقاءَ العِدَّةِ مِنْ بقايا عَلَقِ النِّكاحِ وأحكامِهِ، فتَبِعَها الإرثُ وسقَطَ بانقِضائِها.
والقولُ الثَّانِي -وهوَ مَذهبُ الحَنابلةِ-: أنَّها تَرِثُه ما لَم تَتزوَّجْ، فإنْ تَزوَّجتْ لم تَرثْ؛ لأنَّ تَزويجَها رِضًا مِنها بطلاقِهِ.
والقولُ الثَّالثُ -وهوَ مَذهبُ المالكيَّةِ: أنَّها تَرِثُه وإنْ تَزوَّجَتْ؛ لأنَّهُ حَقٌّ لها، فلَم يَسقُطْ بالتَّزويجِ كسائِرِ الحُقوقِ (^١).
القولُ الرَّابعُ: قولُ الحَنابلةِ في المَذهبِ، قالُوا: الزَّوجُ إذا طلَّقَ زَوجَتَهُ طَلقةً بائِنةً غَيرَ رَجعيَّةٍ في مرَضِ مَوتِهِ المَخُوفِ فإنَّها تَرثُ مِنهُ ما لَم تَتزوَّجْ أو تَرتدَّ، سواءٌ طالَتِ المُدَّةُ أم قَصُرَتْ، فإنْ تزوَّجَتْ فلا تَوارُثَ بيْنَهما؛ لأنَّها فَعلَتْ باختيارِها ما يُنافي نِكاحَ الأوَّلِ فلَم تَرثْهُ، ولِمَا رَوى أبو سَلمةَ بنُ عَبدِ الرَّحمَنِ «أنَّ أباهُ طلَّقَ أمَّهُ وهوَ مَريضٌ فماتَ فوَرثَتْه بعْدَ انقِضاءِ العدَّةِ» (^٢).
ولأنَّ سبَبَ تَوريثِها فِرارُهُ مِنْ ميراثِها، وهذا المَعنَى لا يَزولُ بانقِضاءِ العدَّةِ.
_________________
(١) «الحاوي الكبير» (١٠/ ٢٦٤، ٢٦٦)، و«نهاية المطلب» (١٤/ ٢٣٠، ٢٣٣)، و«روضة الطالبين» (٥/ ٣٧١، ٣٧٢)، و«النجم الوهاج» (٧/ ٥١٥)، و«أسنى المطالب» (٣/ ٢٨٦)، و«مغني المحتاج» (٤/ ٤٧٨)، و«تحفة المحتاج» (٩/ ٤٠٥)، و«نهاية المحتاج» (٦/ ٥٢٤)، و«الديباج» (٣/ ٤٢٤).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه ابن أبي شيبة في «أخبار المدينة» (٢/ ١٠٢) رقم (١٦٦٩)، والشافعي «المسند» (١/ ٢٩٤).
[ ١٧ / ٢٢٢ ]
وعَن الإمامِ أحمَدَ رِوايةٌ أُخرى: أنَّها لا تَرثُ بعْدَ العدَّةِ، وهذا قولُ عُروةَ وأبي حَنيفةَ وأصحابِهِ وأحدُ أقوالِ الشَّافعيِّ؛ لأنَّها تُباحُ لزَوجٍ آخَرَ، فلَم تَرثْهُ كما لَو كانَ في الصِّحةِ، ولأنَّ تَوريثَها بعدَ العدَّةِ يُفضِي إلى تَوريثِ أكثرَ مَنْ أربعِ نِسوةٍ، فلَم يَجُزْ كما لو تَزوَّجَتْ (^١).
وعلى هذا: إنْ تزوَّجَتِ المَبتوتةُ لَم تَرثْهُ، سواءٌ كانَتْ في الزَّوجيَّةِ أو بانَتْ مِنَ الزَّوجِ الثَّانِي، هذا قولُ أكثرِ أهلِ العِلمِ الحنفيَّةِ والشَّافعيةِ والحنَابلةِ؛ لأنَّ هذهِ وارثَةٌ مِنْ زَوجٍ، فلا تَرِثُ زَوجًا سواهُ كسائِرِ الزَّوجاتِ، ولأنَّ التَّوارُثَ مِنْ حُكمِ النِّكاحَ، فلا يَجوزُ اجتِماعُهُ معَ نكاحٍ آخَرَ كالعدَّةِ، ولأنَّها فعلَتْ باختيارِها ما يُنافي نكاحَ الأوَّلِ لها، فأشبَهَ ما لو كانَ فسخُ النِّكاحِ مِنْ قِبَلِها.
وذهبَ المالكيَّةُ -كما تَقدَّمَ- إلى أنَّها تَرثُهُ؛ لأنَّها شَخصٌ يَرثُ معَ انتِفاءِ الزَّوجيَّةِ، فوَرثَ مَعها كسائِرِ الوارثِينَ (^٢).