نصَّ الفُقهاءُ على أنَّ الرَّجلَ إذا عقَدَ على امرَأةٍ مَثلًا -وهوَ يقَعُ كَثيرًا فيمَن يَعقِدُ عَليها ولم يَدخُلْ بها- ثمَّ طلَّقَها وهوَ ناسٍ أنَّها زَوجتَهُ ويَظنُّ أنَّها
_________________
(١) = وأبلَغُ مِنْ هذا الصَّبيُّ المُراهِقُ للبُلوغُ؛ إذْ هوَ مِنْ أهلِ الإرادةِ والقصدِ الصَّحيحِ، ثمَّ لم يَترتَّبْ على كلامِهِ أثَرُه، وكذلكَ مَنْ سبَقَ لسانُه بالطَّلاقِ ولم يُرِدْه فإنهُ لا يَقعُ طلاقُه، وقد أتَى باللَّفظِ في حالِ «الاختيار» غيرَ مُكرَهٍ، ولكنْ لم يَقصدْهُ، والغَضبانُ وإنْ قَصدَه فلا حُكمَ لقَصدِه في حالِ الغَضبِ؛ لمَا تَقدَّمَ مِنْ الأدلَّةِ الدَّالَّةِ على ذلكَ. وقَد صرَّحُ أصحابُنا: مَنْ كانَ جُنونُه لنَشافٍ أو بَرسامٍ لا يَقعُ طلاقُه، ويَسقُطُ حُكمُ تَصرُّفِه، وإنْ كانَتْ مَعرفتُه غَيرَ ذاهِبةٍ بالكُليةِ، ولا يَضرُّه أنْ يَذكُرَ الطَّلاقَ وأنه أوقَعَه. وما ذَكرْناهُ مِنْ دُعاءِ النَّبيِّ ﷺ ربَّهُ أنْ يَجعلَ سَبَّهُ لمَن سَبَّهُ في حالِ غَضبِه صَريحٌ في أنَّه غَيرُ مُريدٍ لهُ؛ إذْ لو أرادَهُ واختارَه لم يَسألْ ربَّه أنْ يَفعلَ بالمَدعوِّ عليهِ ضدَّ ما دعا بهِ عليهِ؛ إذْ لا يُتصوَّرُ إرادةُ ضِدَّينِ في حالةٍ واحِدةٍ، وهذا وحْدَه كافٍ في المَسألةِ. فهذا ما ظهَرَ في هذِه المَسألةِ بعْدَ طُولِ التأمُّلِ والفِكرِ، ونَحنُ مِنْ وَراءِ القَبولِ والشُّكرِ لمَن رَدَّ ذلكَ بحُجَّةٍ يَجبُ المَصيرُ إليها، ومِن وَراءِ الرَّدِّ على مَنْ رَدَّ ذلكَ بالهَوى والعِنادِ، واللهُ المُستعانُ، وعليهِ التُّكلانُ، وصلَّى اللهُ على سيِّدِ المُرسَلِينَ وخاتمِ النَّبيِّينَ، وعلى آلِهِ وأصحابِه وعِتْرَتِه وأنصارِهِ، صلاةً دائِمةً بدَوامِ مُلكِ اللهِ ﷿. إلى هُنا انتَهى كلامُ الإمامِ ابنِ القيِّمِ وانتهَتْ رِسالتُه الماتِعةُ، وإنَّما ذكَرْتُها ولم أحذِفْ مِنها إلَّا الشَّيءَ اليَسيرَ؛ لعِظَمِ نَفعِها؛ إذْ هي لُبُّ بابِ الطَّلاقِ، فعامَّةُ الطَّلاقِ الَّذي يقَعُ بيْنَ المُسلمِينَ اليومَ يَكونُ في حالةِ الغَضبِ الَّتي أفرَدَها الإمامُ في رِسالتِه.
[ ١٧ / ٣٥٠ ]
خَطيبَتُه فقَطْ أو لسَببٍ آخرَ، فإنَّ الفُقهاءَ نَصُّوا في هذهِ الحالةِ أنَّه إذا طلَّقَها أنَّ طَلاقَه يَلزمُه.
قالَ الإمامُ الطَّحاويُّ ﵀: الخَطأُ: هو ما أرادَ الرَّجلُ غيْرَه ففعَلَهُ لا عَنْ قَصدٍ مِنهُ إليهِ ولا إرادةٍ منهُ إيَّاهُ، وكانَ السَّهوُ ما قصَدَ إليهِ ففعَلَه على القَصدِ منهُ إليهِ على أنَّهُ سَاهٍ عَنِ المَعنى الَّذي يَمنَعُه مِنْ ذلكَ الفِعلِ، وكانَ الرَّجلُ إذا نَسِيَ أنْ تكونَ هذهِ المَرأةُ لهُ زَوجةً فقصَدَ إليها فطَلَّقَها فكُلٌّ قد أجمَعَ أنَّ طلاقَهُ عامِلٌ، ولَم يُبطِلُوا ذلكَ لسَهوِه، ولَم يَدخُلْ ذلكَ السَّهوُ في السَّهوِ المَعفوِّ عنهُ (^١).
ويُسمَّى أيضًا طلاقَ الظَّانِّ، قالَ الإمامُ السُّغْدِيُّ الحَنفيُّ ﵀: طلاقَ الظَّانِّ طلاقٌ، وهو أنَّ الرَّجلَ يَرَى امرأتَهُ فيَظنُّها أجنبيَّةً فيَقولُ لها: «أنتِ طالِقٌ» … أو نَسِيَ نِكاحَها فقالَ بعْدَ ذلكَ: «كلُّ امرَأةٍ لهُ طالِقٌ» فإنَّها لا تَطلُقُ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (^٢).
لكنْ -واللهُ أعلَمُ- أنَّ هذهِ الصُّورةَ يَجرِي فيها الخِلافُ الآتي ذِكرُه وإنْ لم أَجِدْه مَنصوصًا للفُقهاءِ.
وقد قالَ شَيخُ الإسلامُ ابنُ تَيميةَ ﵀: لو لَقِيَ امرَأةً ظَنَّها أجنبيَّةً فقالَ: «أنتِ طالِقٌ» فتَبيَّنَ أنَّها امرَأتُه فإنَّها لا تَطلُقُ على الصَّحيحِ؛ إذِ
_________________
(١) «شرح معاني الآثار» (٣/ ٩٥).
(٢) «فتاوى السغدي» (١/ ٣٥٠).
[ ١٧ / ٣٥١ ]
الاعتِبارُ بما قصَدَه في قَلبِه، وهوَ قصَدَ مُعيَّنًا مَوصُوفًا ليسَ هوَ هذا العَينَ (^١).
وقالَ الطُّوفِيُّ الحَنبليُّ ﵀: أمَّا النَّاسِي والسَّكرانُ ففي طلاقِهما اختِلافٌ بيْنَ العُلماءِ، وعَن أحمَدَ في النَّاسِي قَولانِ، وفي السَّكرانِ أقوالٌ، ثالِثُها الوَقفُ، والمَشهورُ بيْنَ الأصحابِ فِيهما الوُقوعُ، والأشبَهُ عدَمُه؛ لأنَّهما غَيرُ مُكلَّفَينِ، ولا عِبادةَ لغَيرِ مُكلَّفٍ.
فإنْ جَعلُوا الوُقوعَ فيهما سَببًا عارَضَهم في النَّاسِي قَولُه ﵇: «عُفِيَ لأمَّتِي عَنِ الخَطأِ والنِّسيانِ» (^٢).