قالَ الشَّافعيةُ: لو علَّقَ الطَّلاقَ بفِعلِ غَيرِه وقَد قصَدَ بذلكَ منْعَهُ أو حثَّهُ وهوَ ممَّن يُبالي بتَعليقِه -أي يَشُقُّ عليهِ حِنثُه- فلا يُخالِفُه لنَحوِ صَداقةٍ أو قَرابةٍ أو زَوجيَّةٍ فيَحرِصُ على إبرارِ قَسَمِه ولو حَياءً لمَكارِمِ الأخلاقِ، وليسَ المُرادُ خَشيةَ العُقوبَةِ مِنْ مُخالَفتِه، وعَلِمَ غَيرُه بتَعليقِه، فلا يقَعُ الطَّلاقُ في الأظهَرِ إذا فعَلَه ناسِيًا أو مُكرَهًا أو جاهِلًا، وإلَّا بأنْ لم يَقصِدِ الزَّوجُ منْعَه أو حثَّهُ أو لم يَكنْ يُبالي بتَعليقِه كالسُّلطانِ والحَجِيجِ، أو كانَ يُبالي بهِ ولَم يَعلَمْ بهِ، فيقَعُ الطَّلاقُ بفِعلِه قَطعًا، وإنِ اتَّفقَ في بعضِ الصُّورِ نِسيانٌ ونَحوُه؛ لأنَّ الغرَضَ حِينئذٍ مُجرَّدُ تَعليقِ الفِعلِ مِنْ غَيرِ قَصدِ مَنعٍ أو حَثٍّ.
_________________
(١) «الإفصاح» (٢/ ٣٧٥، ٣٧٦)، وقالَ السُّغْديُّ الحَنفيُّ ﵀: طلاقُ اللَّاغِي وهو أنْ يَحلِفَ الرَّجلُ بطَلاقِ امرأتِه أنه لم يَفعَلْ كذا وكذا، وهو يَرَى أنه لَم يَفعَلْ ثمَّ عَلِمَ أنه فعَلَ ذلكَ الفِعلَ فإنَّ امرَأتَه تَطلُقُ. «فتاوَى السُّغديِّ» (١/ ٣٥٠).
[ ١٧ / ٣٥٨ ]
لَكنْ يُستَثنَى مِنهُ الصُّورةُ الأخيرَةُ، وهي فيما إذا قصَدَ فِيمَن يُبالي بهِ إعلامَهُ ولم يَعلمْ بهِ فلا تَطلُقُ.
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: ولو عَلَّقَ بفِعلِ الزَّوجةِ أو أجنبيِّ؛ فإنْ لم يَكنْ للمُعلَّقِ بفِعلِه شُعورٌ بالتَّعليقِ ولم يَقصِدِ الزَّوجُ إعلامَهُ أو كانَ ممَّن لا يُبالي بتَعليقِهِ، بأنْ عَلَّقَ بقُدومِ الحَجيجِ أوِ السُّلطانِ طُلِّقَتْ بفِعلِه في حالَتيِ النِّسيانِ والإكراهِ على المَذهبِ، وقيلَ: إنْ فعَلَهُ مُكرَهًا ففيهِ القَولانِ، فكأنَّه لا فِعلَ لهُ.
وإنْ كانَ المُعلَّقُ بفِعلِه عالِمًا بالتَّعليقِ وهوَ ممَّنْ يُبالي بتَعليقِهِ وقصَدَ المُعلِّقُ بالتَّعليقِ منْعَه ففعَلَه ناسِيًا أو مُكرَهًا أو جاهِلًا ففيهِ القَولانِ.
ولو قَصَدَ منْعَها مِنَ المُخالَفةِ فنَسيَتْ قالَ الغَزاليُّ: لا تُطَلَّقُ قَطعًا؛ لعَدمِ المُخالَفةِ، ويُشبِهُ أنْ يُراعَى مَعنَى التَّعليقِ ويُطرَدَ الخِلافُ.
قُلتُ: الصَّحيحُ قَولُ الغَزاليِّ، ويَقرُبُ مِنهُ عَكسُهُ وهوَ أنَّه لو حلَفَ لا يَدخُلُ عمدًا ولا ناسِيًا فدخَلَ ناسِيًا فنقَلَ القاضِي حُسينٌ أنَّه يَحنَثُ بلا خِلافٍ (^١).
وهذا كلُّه إذا حلَفَ على فِعلٍ مُستَقبلٍ، أمَّا إذا حلَفَ على نَفيِ شيءٍ وقَعَ جاهِلًا به أو ناسِيًا لهُ كما لَو حلَفَ أنَّ زيدًا ليسَ في الدَّارِ وكانَ فيها ولم يَعلمْ بهِ أو عَلمَ ونَسيَ؛ فإنْ حلَفَ أنَّ الأمرَ كذلكَ في ظنِّهِ أو فيما انتَهَى إليهِ
_________________
(١) «روضة الطالبين» (٥/ ٥٠٢).
[ ١٧ / ٣٥٩ ]
عِلمُه -أي لم يَعلمْ خِلافَه- ولم يَقصِدْ أنَّ الأمرَ كذلكَ في الحَقيقةِ لم يَحنَثْ؛ لأنَّه إنَّما حلَفَ على مُعتقَدِهِ، وإنْ قصَدَ أنَّ الأمرَ كذلكَ في نَفسِ الأمرِ أو أطلَقَ ففي الحِنثِ قَولانِ، رجَّحَ مِنهُما ابنُ الصَّلاحِ وغَيرُه الحِنثَ، وصَوَّبَه الزَّركَشيُّ؛ لأنهُ غَيرُ مَعذُورٍ، إذْ لا حِنثَ ولا مَنْعَ بل تَحقِيقٌ، فكانَ عليهِ أنْ يَتثبَّتَ قبلَ الحَلِفِ، بخِلافهِ في التَّعليقِ بالمُستقبَلِ.
ورجَّحَ الإسنَوِيُّ وغَيرُه أخذًا مِنْ كَلامِ أصلِ الرَّوضَةِ عدَمَ الحِنثِ، ورجَّحَ بعضُ المُتأخِّرينَ أنَّه يَحنَثُ فيما إذا قصَدَ أنَّ الأمرَ كذلكَ في نفسِ الأمرِ، وعَدمَ الحِنثِ عِنْدَ الإطلاقِ، قالَ الخَطيبُ الشّربينيُّ: وهذا أوجَهُ.
ثمَّ قالَ: تَتمَّةٌ: لو علَّقَ الطَّلاقَ بدُخولِ بهيمَةٍ أو نَحوِها كطِفلٍ فدَخلَتْ مُختارةً وقَعَ الطَّلاقُ، بخِلافِ ما إذا دخَلَتْ مُكرَهةً لم يَقَعْ.
فإنْ قيلَ: هذا يُشكِلُ بما مَرَّ مِنْ وُقوعِ الطَّلاقِ فيما إذا لَم يَعلمِ المُعلَّقُ بفِعلِه التَّعليقَ وكانَ ممَّنْ لا يُبالي بتَعليقِهِ، أو مِمَّنْ يُبالي به ولَم يَقصدِ الزَّوجُ إعلامَهُ ودخَلَ مُكرَهًا.
أُجيبَ: بأنَّ الآدَميَّ فعْلُه مَنسُوبٌ إليهِ وإنْ أتَى بهِ مُكرَهًا، ولهذا يَضمَنُ بهِ، بخِلافِ فعلِ البَهيمةِ، فإنَّها حِينَ الإكراهِ لم تَفعلْ شيئًا.
وحُكمُ اليَمينِ فيما ذُكِرَ كالطَّلاقِ، ولا يَنحَلُّ بفِعلِ الجاهِلِ والنَّاسي والمُكرَهِ (^١).
_________________
(١) «مغني المحتاج» (٤/ ٥٢٦، ٥٢٧)، ويُنظر: و«روضة الطالبين» (٥/ ٥٠٢)، و«النجم الوهاج» (٧/ ٥٨٠)، و«تحفة المحتاج» (٩/ ٥٥٠، ٥٥٣)، و«الديباج» (٣/ ٤٦٩).
[ ١٧ / ٣٦٠ ]
وقالَ الحَنابلةُ: لو حلَفَ على مَنْ يَمتَنعُ بيَمينِه وقصَدَ الحالِفُ منعَه مِنَ المَحلوفِ عَليهِ كالزَّوجةِ والوَلدِ ونَحوِهما كغُلامِه وقَرابتِه ففعَلَه ناسِيًا أو جاهِلًا ففيهِ ثلاثُ رِواياتٍ، والصَّحيحُ منها أنَّه يَحنَثُ في الطَّلاقِ والعِتاقِ دُونَ غيرِهِما، وقيلَ: لا يَحنَثُ مُطلَقًا، وقيلَ: يَحنَثُ في الجَميعِ.
وإنْ فعَلَه مُكرَهًا فلا شيءَ عليهِ، كمَن حلَفَ على زَوجَتِه أو نحوِها أنْ لا تَدخُلَ دارًا فدَخلَتْها مُكرَهةً لم يَحنَثْ مُطلَقًا، وإنْ دخلَتْها جاهِلةً أو ناسِيةً فيَحنثُ في الطَّلاقِ والعِتاقِ، فإنْ قالَ: «إنْ دخلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالِقٌ» فدَخلَتْها ناسِيةً أو جاهِلةً طلقَتْ، وكذا إنْ قالَ لابنِه: «إنْ دَخلْتَ الدَّار فأمُّكَ طالِقٌ» فدخَلَ ناسِيًا أو جاهِلًا طلقَتْ أمُّه.
وحَلِفُه على هَؤلاءِ -مَنْ يَقصِدُ مَنْعَه كزَوجةٍ ووَلدٍ وغُلامِه وقَرابتِه- لا يَفعلَنَّ شَيئًا كحَلفِه على نَفسِه في كَونِه يَمينًا؛ لحُصولِ المَقصودِ مِنَ اليَمينِ بهِ، وهوَ المنعُ مِنْ ذلكَ الشَّيءِ.
فإنْ لم يَقصِدْ منْعَه بأنْ قالَ: «إنْ قَدِمَتْ زَوجتِي بلدَ كذا فهيَ طالِقٌ» ولم يَقصِدْ منْعَها فهوَ تَعليقٌ مَحضٌ، يقَعُ بقُدومِها كيفَ كانَ، كمَن لا يَمتَنعُ بيَمينِه.
وإنْ حلَفَ على مَنْ لا يَمتَنعُ بيَمينِه كالسُّلطانِ والأجنَبيِّ والحاجِّ استَوى في وُجودِ المَحلوفِ عَليهِ العَمدُ والسَّهوُ والإكراهُ وغَيرُه، أي يَحنَثُ الحِالفُ في ذلكَ؛ لأنهُ تَعليقٌ مَحضٌ، فحنَثَ بوُجودِ المُعلَّقِ عَليه.
[ ١٧ / ٣٦١ ]
وإنْ حلَفَ على غَيرِه لَيَفعلَنَّ كذا أو حلَفَ على غَيرِه لا يَفعلَنَّه فخالَفَه حنَثَ الحالِفُ؛ لوُجودِ الصِّفةِ وتَوكيدِ الفِعلِ المُضارِعِ المَنفِيِّ بلا قَليلٍ، ومنهُ قولُه تعالَى: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ﴾.
وقالَ شَيخُ الإسلامِ: لا يَحنَثُ الحالِفُ بمُخالَفةِ المَحلوفِ عليهِ إنْ قصَدَ إكرامَهُ، لا إلزامَهُ بهِ بالمَحلُوفِ عَليهِ؛ لأنَّ الإكرامَ قدْ حصَلَ لأنَّهُ كالأمرِ إذا فُهِمَ منهُ الإكرامُ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ أبا بكرٍ بالوُقوفِ في الصَّفِّ ولَم يَقفْ.
ولأنَّ أبا بكرٍ أقسَمَ عليهِ لَيُخبِرَنَّهُ بالصَّوابِ والخَطأِ لمَّا فسَّرَ الرُّؤيا فقالَ: لا تُقسِمْ؛ لأنهُ عَلِمَ أنَّه لم يَقصدِ الإقسامَ عليهِ معَ المَصلحةِ المُقتضيةِ للكَتمِ، وقالَ: إنْ لَم يَعلمِ المَحلُوفُ عليهِ بيَمينِه فكَنَاسٍ، قالَ ابنُ مُفلحٍ: وعَدمُ حِنثِه هُنا أظهَرُ (^١).
وإنْ حلَفَ لَيَفعلَنَّ شَيئًا فتَرَكَه مُكرَهًا لم يَحنَثْ؛ لأنَّ التَّركَ لا يُنسَبُ إليهِ، أي بتَركِه، وإنْ ترَكَه ناسِيًا يَحنَثُ في طلاقٍ وعِتقٍ فَقطْ في وَجهٍ، قالَ في «تَصحِيح الفُروعِ»: وهوَ قَويُّ.
والوَجهُ الثَّاني: لا يَحنَثُ فيهما، قالَ في «تَصحِيح الفُروعِ»: وهوَ الصَّوابُ، وقطَعَ بهِ في «التَّنقِيح» وتَبِعَه في «المُنتَهى».
_________________
(١) «الفروع» (٦/ ٣٤٨).
[ ١٧ / ٣٦٢ ]
وإنْ ترَكَه جاهِلًا يَحنَثُ في طلاقٍ وعِتقٍ فقطْ، كما تَقدَّمَ فيما لو حلَفَ لا يَفعَلُه.
وإنْ عقَدَ اليَمينَ يَظنُّ صِدقَ نفسِه فبانَ بخِلافِ ظنِّهِ فكَمَن حلَفَ على مُستَقبلٍ لا يَفعَلُه وفعَلَه ناسِيًا، يَحنَثُ في طَلاقٍ وعِتقٍ فقَطْ لا في يَمينِ اللهِ تعالَى (^١).
_________________
(١) «كشاف القناع» (٥/ ٣٦٤، ٣٦٥)، و«الفتاوى الكبرى» (٤/ ٥٨٠)، و«المبدع» (٧/ ٣٧٠)، و«الإنصاف» (٩/ ١١٦).
[ ١٧ / ٣٦٣ ]