الوَسوسَةُ: الصَّوتُ الخَفيُّ، ومِنها (وسْوَاسُ الحُليِّ) لأصواتِها، ويُقالُ: (وَسْوَسَ الرَّجلُ) بلَفظِ ما سُمِّيَ فاعِلُه: إذا تَكلَّمَ بكَلامٍ خَفيٍّ يُكرِّرُه، وهوَ فِعلٌ لازِمٌ ك: وَلْوَلَتِ المَرأةُ ووَعْوَعَ الذِّئبُ، (ورَجلٌ مُوَسْوِسٌ) بالكَسرِ -ولا يُقالُ بِالفَتحِ، ولكنْ مُوسَوَسٌ لهُ أو إليهِ- أي تُلقَى إليهِ الوَسوسَةُ، وقالَ أبو اللَّيثِ ﵀: (الوَسوَسةُ) حَديثُ النَّفْسِ، وإنَّما قيلَ (مُوسْوِسٌ)؛ لأنَّهُ يُحدِّثُ بما في ضَميرِه، (وعَن) اللَّيثِ ﵀: لا يَجوزُ طلاقُ المُوسوِسِ، قالَ: يَعني المَغلوب، أي المَغلُوب في عَقلِه إذا تَكلَّمَ تَكلَّمَ بغَيرِ نِظامٍ، (والوَسواسِ) اسمٌ بمَعنَى الوَسوسَةِ، كالزِّلزالِ بمَعنَى الزَّلزلَةِ، والمُرادُ بهِ الشَّيطانُ في قَولِه تعالَى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ﴾ [الناس: ٤]، كأنَّه وَسوسَةٌ في نَفسِه (^٢).
_________________
(١) «شرح مختصر خليل» (٤/ ٣١، ٣٢).
(٢) «المغرب في ترتيب المعرب» (٢/ ٣٥٣).
[ ١٧ / ٢٨٨ ]
نَصَّ أكثرُ أهلِ العِلمِ على أنَّ المُوسْوِسَ المَغلوبَ على عَقلِه لا يَقعُ طَلاقُه؛ لأنَّه في حُكمِ المَجنونِ.
وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: طلاقُ زائِلِ العَقلِ.
المَخرَجُ الأوَّلُ: أنْ يَكونَ المُطلِّقُ أو الحالِفُ زائِلَ العقْلِ، إمَّا بجُنونٍ أو إغماءٍ أو شُربِ دَواءٍ أو شُربِ مُسكِرٍ يُعذَرُ بهِ أو لا يُعذَرُ أو وَسوسَةٌ، وهذا المخْلصُ مُجمَعٌ عليهِ بيْنَ الأمَّةِ، إلَّا في شُربِ مُسكِرٍ لا يُعذَرُ به؛ فإنَّ المُتأخِّرينَ مِنْ الفُقهاءِ اختَلفُوا فيه (^١).
قالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: المُوسْوِسُ لا يَقعُ طلاقُه، صرَّحَ بهِ أصحابُ أبي حَنيفةَ وغَيرُهم، وما ذاكَ إلَّا عَدمُ صحَّةِ العَقلِ والإرادةِ منهُ (^٢).
وقالَ الإمامُ الشَّافعيُّ ﵁: ومَن غُلِبَ على عَقلِه بفِطرَةِ خِلقَةٍ أو حادِثِ علَّةٍ لم يَكنْ سَببًا لاجتِلابِها على نَفسِه بمَعصيةٍ لم يَلزمُه الطَّلاقُ ولا الصَّلاةُ ولا الحُدودُ، وذلكَ مِثلُ المَعتوهِ والمَجنونِ والمُوسوسِ والمُبرسَمِ وكُلِّ ذي مَرضٍ يَغلِبُ على عَقلِه ما كانَ مَغلُوبًا على عَقلِه، فإذا ثابَ إليهِ عَقلُه فطلَّقَ في حالِهِ تلكَ أو أتَى حَدًّا أُقيمَ عَليهِ ولَزمَتهُ الفَرائِضُ، وكذلكَ المَجنونُ يُجَنُّ ويُفيقُ، فإذا طلَّقَ في حالِ جُنونِه لم يَلزمْه، وإذا طلَّقَ في حالِ إفاقَتِه لَزِمَهُ.
_________________
(١) «إعلام الموقعين» (٤/ ٤٨، ٤٩).
(٢) «إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان» ص (٤٢).
[ ١٧ / ٢٨٩ ]
وإنْ شَهِدَ شاهِدانِ على رَجُلٍ أنَّهُ طلَّقَ امرأتَهُ فقالَ: «طلَّقْتُ في حالِ جُنوني أو مَرضٍ غالِبٍ على عَقلِي»؛ فإنْ قامَتْ لهُ بيِّنةٌ على مَرضٍ غلَبَ على عَقلِه في الوَقتِ الَّذي طلَّقَ فيهِ سَقطَ طلاقُه، وأُحلِفَ ما طلَّقَ وهوَ يَعقِلُ، وإنْ قالَتِ امرَأتُه: «قدْ كانَ في يَومِ كذا في أوَّلِ النَّهارِ مَغلوبًا على عَقلِه» وشَهدَ الشَّاهِدانِ على الطَّلاقِ فأثْبَتَا أنَّه كانَ يَعقِلُ حينَ طلَّقَ لَزمَهُ الطَّلاقُ؛ لأنَّه قَدْ يغلبُ على عَقلِه في اليَومِ ويُفيقُ، وفي السَّاعَةِ ويُفيقُ، وإنْ لَم يُثبِتَ شاهِدَا الطَّلاقِ أنَّه كانَ يَعقِلُ حينَ طلَّقَ، أو شَهدَ الشَّاهِدانِ على الطَّلاقِ وعرَفَ أنَّه قدْ كانَ في ذلكَ اليَومِ مَغلُوبًا على عَقلِه أُحلِفَ ما طلَّقَ وهو يَعقِلُ، والقَولُ قَولُه، وإنْ شَهدَا عليهِ بالطَّلاقِ ولَم يُثبِتَا أَيعقِلُ أم لا وقالَ هو: «كُنْتُ مَغلوبًا على عَقلِي» فهو على أنَّه يَعقِلُ حتَّى يُعلمَ ببَينةٍ تَقومُ أنَّه قدْ كانَ في مِثلِ ذلكَ الوَقتِ يُصيبُه ما يُذهِبُ عَقلَه، أو يَكثُرُ أن يَعتَريه ما يُذهِبُ عَقلَه في اليومِ والأيَّامِ فيُقبَلُ قَولُه؛ لأنَّ لهُ سَببًا يدُلُّ على صِدقِه (^١).
ورَوى البُخاريُّ مُعلَّقًا في «صَحيحِه» عَنْ عُقبةِ ابنِ عامرٍ: «لا يَجُوزُ طَلاقُ المُوسوِسِ» (^٢).
قالَ الحافظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀: أي لا يَقعُ؛ لأنَّ الوَسوسَةَ حَديثُ النَّفسِ، ولا مُؤاخَذةَ بما يقَعُ في النَّفسِ (^٣).
_________________
(١) «الأم» (٥/ ٢٥٣).
(٢) «صحيح البخاري» (٥/ ٢٠١٩).
(٣) «فتح الباري» (٩/ ٣٩٢).
[ ١٧ / ٢٩٠ ]
وكذا قالَ الإمامُ بَدرُ الدِّينُ العينيُّ ﵀: وإنَّما قالَ: لا يَجوزُ طلاقُ المُوسوِسِ؛ لأنَّ الوَسوسةَ حَديثُ النَّفسِ، ولا مُؤاخَذةَ بما يقَعُ في النَّفسِ (^١).
ورَوى الإمامُ البُخاريُّ قالَ: [٤٩٦٨]: حدَّثنَا مُسلِمُ بنُ إبراهيمَ حدَّثنا هِشامٌ حَدَّثنا قَتادَةُ عَنْ زُرارَةَ بنِ أَوفَى عَنْ أبي هُرَيرةَ ﵁ عنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللهَ تَجاوَزَ عَنْ أمَّتِي ما حدَّثَتْ بهِ أنفُسَها ما لَم تَعمَلْ أو تَتكَلَّمْ». قالَ قَتادَةُ: إذا طلَّقَ في نَفسِه فليسَ بشيءٍ.
قالَ الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀: هذا الحَديثُ حُجَّةٌ في أنَّ المُوسوِسَ لا يقَعُ طَلاقُه، والمَعتوهُ والمَجنونُ أَولَى منهُ بذلكَ (^٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ نُجَيمٍ الحَنفيُّ ﵀: وأمَّا المُوسوِسُ فضَبَطَه في «الظَّهيريَّةِ» في فَصلِ التَّعزيرِ بكَسرِ الوَاوِ، وفي «المُغْرِب»: رَجلٌ مُوسوِسٌ بِالكَسرِ، ولا يُقالُ بالفَتحِ، ولَكنْ مُوسوَسٌ لهُ أو إليهِ، أي مُلقى إليهِ الوَسوسَةُ.
وقالَ اللَّيثُ: الوَسوسَةُ حَديثُ النَّفسِ، وإنَّما قيلَ مُوسوِسٌ؛ لأنَّه يُحدِّثُ بما في ضَميرِه.
وعَن أبي اللَّيثِ: لا يَجوزُ طلاقُ المُوسوِسِ، يَعني المَغلوب في عَقلِه، وعَن الحاكِمِ: هوَ المُصابُ في عَقلِه، إذا تَكلَّمَ تَكلَّمَ بغَيرِ نِظامٍ. اه (^٣).
_________________
(١) «عمدة القاري» (٢٠/ ٢٥٣).
(٢) «فتح الباري» (٩/ ٣٩٣).
(٣) «البحر الرائق» (٥/ ٥١)، و«حاشية ابن عابدين» (٤/ ٢٢٤).
[ ١٧ / ٢٩١ ]
وجاءَ في «المُدوَّنَة الكُبرى»: وإنَّ عُقبةَ بنَ عامِرٍ الجُهَنيَّ كانَ يَقولُ: «لا يَجُوزُ طَلاقُ المُوسوسِ» (^١).
وقالَ أبو الوَليدُ ابنُ رُشدٍ القُرطبيُّ ﵀: وقالَ في رَجُلٍ تُوسوِسُه نَفسُه فيَقولُ: «قدْ طَلَّقتُ امرأتِي» أو يَتكلَّمُ بالطَّلاقِ وهوَ لا يُريدُه أو يُشككه، فقالَ: يُضرِبُ عَنْ ذلكَ ويَقولُ للخَبيثِ -أي الشَّيطَانِ- صَدقْت، ولا شيءَ عَليهِ.
قالَ مُحمَّدُ بنُ رُشدٍ: هذا مِثلُ ما في «المُدوَّنة» أنَّ المُوسوِسَ لا يَلزَمُه طلاقٌ، وهوَ ممَّا لا اختِلافَ فيهِ؛ لأنَّ ذلكَ إنَّما هو مِنَ الشَّيطانِ، فيَنبغي أنْ يُلهَى عَنه ولا يُلتفَتَ إليهِ، كالمُستَنكحِ في الوُضوءِ والصَّلاةِ، فإنَّه إذا فعَلَ ذلكَ أَيْأَسَ الشَّيطانُ منهُ، فكانَ ذلكَ سَببًا لانقِطاعِه عنهُ إنْ شاءَ اللهُ (^٢).
قالَ الإمامُ الموَّاقُ ﵀: وقالَ عِزُّ الدِّينِ: الوَسوسَةُ ليسَتْ مِنْ نَفْسِ الإنسانِ، وإنَّما هي صادِرةٌ مِنْ فِعلِ الشَّيطانِ، ولا إثمَ على الإنسانِ فيها؛ لأنَّها ليسَتْ مِنْ كَسْبِه وصُنعِه، ويَتوَّهمُ الإنسانُ أنَّها مِنْ نَفسِه لما كانَ الشَّيطانُ يُحدِّثُ بها القَلبَ ولا يُلقِيها إلى السَّمعِ، فيُوهَمُ الإنسانُ أنَّها صادِرةٌ منهُ، فيَتحرَّجُ لذلكَ ويَكرهُه.
وفي «لَطائِف المِنَنِ»: كانَ الشَّيخُ أبو العبَّاسِ يُلقِّنُ مَنْ بهِ وَسواسٌ:
_________________
(١) «المدونة الكبرى» (٥/ ٣٠).
(٢) «البيان والتحصيل» (٦/ ١٦١).
[ ١٧ / ٢٩٢ ]
سُبحانَ المَلِكِ الخَلَّاقِ ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾ (^١).