اختَلفَ الفُقهاءُ في علَّةِ تَحريمِ الطَّلاقِ في الحَيضِ وفي الطُّهرِ الَّذي جامَعَها فيه، هَلْ هوَ لِتَطويلِ العدَّةِ أم هوَ أمْرٌ تَعبُّديٌّ؟
فذهَبَ جُمهورُ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربعةِ الحنفيَّةُ والمالكيَّةُ في قَولٍ والشَّافعيةُ والحنابلَةُ أنَّ علَّةَ تَحريمِ الطَّلاقِ في هو تَطويلُ العِدَّةِ على الزَّوجَةِ؛ لأنَّ الحَيضةَ الَّتي طُلِّقَتْ فيها لا تُحسَبُ مِنْ عدَّتِها، ولا الطُّهرُ الَّذي بعْدَها عِنْدَ مَنْ يَقولُ: «الأقراءُ الحَيضُ»، ولجَوازِ طلاقِ الحامِلِ وطلاقِ غَيرِ المَدخولِ بها في الحَيضِ؛ إذْ لا تَطويلَ فيهما.
وإذا طلَّقَها في طُهرٍ أصابَها فيهِ لَم يَأمَنْ أنْ تكونَ حامِلًا مِنْ ذلكَ الجِماعِ فيَندمُ عَلى طلاقِها، ولأنَّها تَكونُ مُرتابَةً فلا يُعلمُ هلْ عَلقَتْ بالوَطءِ فتكونُ عِدَّتُها بالحَملِ، أو لَم تَعلقْ فتكونُ عِدَّتُها بالأقراءِ (^١).
وذهَبَ المالِكيَّةُ في قَولٍ إلى أنَّ العِلَّةَ في تَحريمِ الطَّلاقِ في الحَيضِ تَعبُّديةٌ، أي كَونُه مِنْ أفرادِ التَّعبُّدِ الَّتي لا تُعلَمُ لها عِلَّةٌ (^٢).
_________________
(١) «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٩٤)، «التاج والإكليل» (٣/ ٣٨)، و«شرح مختصر خليل» (٤/ ٢٩)، و«الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٤٢)، و«تحبير المختصر» (٣/ ١٣٣)، و«الحاوي الكبير» (١١/ ١٧٤)، و«المهذب» (٢/ ٧٩)، و«البيان» (١٠/ ٧٨)، و«مغني المحتاج» (٤/ ٤٩٨)، و«المغني» (٧/ ٢٧٨)، و«شرح الزركشي» (٢/ ٤٦٢)، و«مطالب أولي النهى» (١/ ٢٤٢).
(٢) «التاج والإكليل» (٣/ ٣٨)، و«شرح مختصر خليل» (٤/ ٢٩)، و«الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٤٢)، و«تحبير المختصر» (٣/ ١٣٣).
[ ١٧ / ٥٤ ]
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: وتَنازعُوا في علَّةِ منْعِ طَلاقِ الحائِضِ، هَلْ هُوَ تَطويلُ العدَّةِ كما يَقولُه أصحابُ مالِكٍ والشَّافعيِّ وأكثَرُ أصحابِ أحمَدَ، أو لكَونِه حالَ الزُّهدِ في وَطئِها فلا تَطلُقُ إلَّا في حالِ رَغبَةٍ في الوطءِ؛ لِكَونِ الطَّلاقِ مَمنوعًا لا يُباحُ إلَّا لحاجَةٍ كما يَقولُ أصحابُ أبي حَنيفةَ وأبو الخطَّابِ مِنْ أصحابِ أحمَدَ، أو هوَ تَعبُّدٌ لا يُعقلُ مَعناهُ كما يَقولُهُ بعضُ المالكيَّةِ، على ثلاثةِ أقوالٍ (^١).
وأمَّا ابنُ القيِّمِ ﵀ فقالَ: قَولُكُم: وكانَ ذلكَ تَطويلًا عليها كما لَو طلَّقَها في الحَيضِ، قيلَ: هَذا مَبنيٌّ عَلى أنَّ العلَّةَ في تَحريمِ طلاقِ الحائِضِ خَشيةُ التَّطويلِ عليها، وكَثيرٌ مِنَ الفُقهاءِ لا يَرضونَ هَذا التَّعليلِ ويُفسِدُونَه بأنَّها لَو رَضيَتْ بالطَّلاقِ فيهِ واختارَتِ التَّطويلَ لَم يُبَحْ لهُ، ولَو كانَ ذلكَ لأجْلِ التَّطويلِ لَم تُبَحْ لهُ بِرضاها، كما يُباحُ إسقاطُ الرَّجعةِ الَّذي هوَ حَقُّ المُطلِّقِ بتَراضيهِما بإسقاطِها بالعِوضِ اتِّفاقًا، وبدُونِه في أحَدِ القَولَينِ، وهَذا هوَ مَذهبُ أبي حَنيفةَ وإحدَى الرِّوايتَينِ عَنْ أحمَدَ ومالكٍ، ويَقولونُ: إنَّما حَرُمَ طلاقُها في الحَيضِ؛ لأنَّهُ طلَّقَها في وقْتِ رَغبةٍ عنها، ولَو سَلَّمْنا أنَّ التَّحريمَ لأجْلِ التَّطويلِ عليها فالتَّطويلُ المُضِرُّ أنْ يُطلِّقَها حائضًا فتَنتظِرَ مُضيَّ الحَيضةِ والطُّهرِ الَّذي يَليها ثمَّ تأخَذُ في العِدَّةِ فَلا تكونُ مُستقبِلةً لعدَّتِها بالطَّلاقِ، وأمَّا إذا طُلِّقَتْ طاهِرًا فإنَّها تَستَقبِلُ العدَّةَ عَقيبَ انقضاءِ الطُّهرِ، فلا يَتحقَّقُ التَّطويلُ (^٢).
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ٩٩).
(٢) «زاد المعاد» (٦٣٤).
[ ١٧ / ٥٥ ]
وقالَ الإمامُ ولِيُّ اللهِ الدَّهلويُّ ﵀: السِّرُّ في ذلكَ -أي في تَحريمِ الطَّلاقِ في الحَيضِ- أنَّ الرَّجلَ قَدْ يُبغِضُ المَرأةَ بُغضةً طَبيعيَّةً ولا طاعةَ لها، مِثلَ كَونِها حائِضًا وفي هَيئةٍ رَثَّةٍ، وقَد يُبغِضُها لمَصلحةٍ يَحكُمُ بإقامتِها العَقلُ السَّليمُ معَ وُجودِ الرَّغبةِ الطَّبيعيَّةِ، وهذهِ هيَ المُتبعَةُ، وأكثرُ ما يكونُ النَّدمُ في الأوَّلِ، وفيهِ يقَعُ التَّراجعُ، وهذا داعيَةُ يَتوقَّفُ تهذيبُ النَّفسِ على إهمالِها وتَركِ اتِّباعِها، وقَد يَشتبهُ الأمرَانِ على كثيرٍ مِنَ النَّاسِ، فلا بُدَّ مِنْ ضَرْبِ حَدٍّ يَتحقَّقُ بهِ الفَرقُ، فجُعلَ الطُّهرُ مَظنَّةً للرَّغبةِ الطَّبيعيَّةِ، والحَيضُ مَظنَّةً للبُغضةِ الطَّبيعيَّةِ، والإقدامُ على الطَّلاقِ على حينِ رَغبةٍ فيها مَظنَّةً للمَصلحةِ العقليَّةِ، والبقاءُ مُدَّةً طَويلةً على هذا الخاطِرِ معَ تَحوُّلِ الأحوالِ مِنْ حَيضٍ إلى طُهرٍ ومِن رَثاثةٍ إلى زِينةٍ ومِنِ انقِباضٍ إلى انبِساطٍ مَظنَّةً للعَقلِ الصُّراحِ والتَّدبيرِ الخالِصِ، فلذلكَ كُرِهَ الطَّلاقُ في الحَيضِ وأُمِرَ بالمُراجعةِ وتَخلُّلِ حَيضٍ جَديدٍ.
وأيضًا: فإنْ طلَّقَها في الحَيضِ؛ فإنْ عُدَّتْ هذهِ الحَيضةُ في العدَّةِ انتقَصَتْ مُدَّةُ العدَّةِ، وإنْ لَم تُعَدَّ تَضرَّرتِ المرأةُ بطُولِ العدَّةِ، سواءٌ كانَ المُرادُ بالقُروءِ الأطهَارُ أو الحِيَضُ، ففِي كُلِّ ذلكَ مُناقَضةٌ للحَدِّ الَّذي ضرَبَهُ اللهُ في مُحكَمِ كتابِه مِنْ ثلاثةِ قُروءٍ.
وإنَّما أمَرَ أنْ يكونَ الطَّلاقُ في الطُّهرِ قبْلَ أنْ يَمَسَّها لمَعنيَينِ:
أحَدُهما: بَقاءُ الرَّغبةِ الطَّبيعيَّةِ فيها، فإنَّهُ بالجِماعِ تَفترُ سورةُ الرَّغبةِ.
[ ١٧ / ٥٦ ]
وثانيهِما: أنْ يكونَ ذلكَ أبعَدَ مِنْ اشتباهِ الأنسابِ (^١).