تقديم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد؛ فيسرني أن أقدم للقارئ الكريم كتاب "آداب البحث والمناظرة" للعلامة المفسر الفقيه الأصولي الشيخ محمد الأمين الجكَني الشنقيطي -﵀-، في حلته الجديدة -ضمن مشروع آثار العلامة الشنقيطي- بعد مراجعته وتصحيحه والتعليق عليه بقدر ما تدعو إليه الحاجة، وكان الكتاب قد طبع عام ١٣٨٨ بالمدينة النبوية، وأشرف على طبعه ووضَع عناوينَه -كما جاء في آخر تلك الطبعة- المشرفُ على مطبوعات الجامعة الإسلامية فضيلة الشيخ عطية محمد سالم -﵀-، وهو من أخص تلاميذ المؤلف، إلا أن تلك الطبعة جاءت كثيرة الأخطاء، غير منسقة الفقرات، وذلك ما حال بين القارئ والانتفاع بالكتاب على الوجه المطلوب.
ومعلوم أن موضوع الكتاب من الموضوعات الدقيقة، التي قد تتأثر بأدنى خطأ طباعي، أو دمج بين المسائل والأمثلة في فقرة واحدة دون تفصيلها وتمييزها، وقد جربت ذلك في هذا الكتاب دراسة وتدريسًا فوجدت له أبلغ الأثر، فكم سهّل حسنُ ترتيب فقرات الكتاب على القارئ فهم المسائل، وذلك ما افتقرت إليه طبعة الكتاب السابقة، فلا عجب أن انصَرَفَ عنه إلى غيره كثيرٌ من المشتغلين بفني المنطق والجدل، مع تميزه على غيره من كتب هذين الفنين من عدة وجوه:
منها: أنه جمع بين الوجازة ووضوح العبارة ودقتها، وسهولة
[ ٥ ]
الأسلوب مع متانة المادة العلمية، وذلك ما يندر بالنسبة إلى طبيعة موضوع الكتاب.
ومنها: أن المؤلف اعتنى بالأمثلة الواقعية، والنماذج التطبيقية، وأورد الكثير منها، فطبق القياس المنطقي بأشكاله على المناظرة في بعض مسائل الاعتقاد كالاستواء والرؤية، وطبق طرق الجدل والمناظرة على قوادح العلة في علم الأصول، ولا شك أن كثرة الأمثلة الواقعية مما يعين طالب العلم على فهم الأصول والمسائل ذات الدقة والصعوبة، كما أنها تقرب من الثمرة المرجوّة من هذا النوع من العلوم.
ومنها: أن مؤلفه إمام محقق فقيه مفسر أصولي موسوعي، وقد اجتمعت له آلة الاجتهاد على وجه لم يُعرف عن غيره من معاصريه، وهو لم يُخْلِ كتابه هذا من بعض الترجيحات والتعقبات والنقودِ وإن لم يلتزم بذلك تجنبًا للإطالة، ولا شك أن عالمًا في مرتبته تجدر العناية بآرائه وترجيحاته.
وأخرى حسنة جميلة: وهي أن المؤلف سلفي المعتقد، أثري المنهج، زيَّن كتابه بخاتمة نفيسة في الحض على التمسك بالسنة، واتباع منهج السلف الصالح في الاعتقاد، والإعراض عن طريقة الخلف، خصوصًا في الصفات الإلهية، التي كثر الخوض فيها بالباطل من بعض طوائف الأمة. وكان لفني المنطق والجدل دورهما البارز في ذلك؛ فكم من مبتدع مخالف لصريح الكتاب والسنة روّج لمقالته البدعية بزعم أنها من القواطع العقلية، والنتائج المنطقية، وكم من
[ ٦ ]
مشتغل بالعلم سلّم لأهل البدع أو تهيب مخالفتهم والرد عليهم لتوهمه صحة ما ادعوه من اليقينيات المنطقية.
وميزات الكتاب غير هذه كثيرة، ستظهر للقارئ إن شاء الله واضحة في هذه الطبعة، التي كان جل عملنا فيها منصبًّا على ضبط النص، وتنقيته من الأخطاء والأوهام، ثم تفصيله في فقرات تراعي المادة العلمية وطبيعة الموضوع، بحث يناسب طالب العلم المبتدئ، وخصوصًا دارسي الأصلين: أصول الدين، وأصول الفقه؛ فهو من خير المقدمات للمتخصصين في العقيدة عند نقدهم للمنطق اليوناني، (وهي مادة معتمدة في أقسام العقيدة بالجامعات الإسلامية).
وقد جرت العادة بدراسة كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- "نصيحة أهل الإيمان بالرد على منطق اليونان" المشهور بالرد على المنطقيين، مع التقديم له بدراسة مختصرٍ في المنطق؛ إذ الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فهذا الكتاب فيما رأينا من واقع التجربة، وفي ضوء الميزات السابقة، من خير ما يؤدي هذا الغرض.
أما دارسو أصول الفقه فأولى؛ فأكثر القسم الثاني من الكتاب (البحث والمناظرة) - وهو أكبر قسميه- في ذكر قوادح العلة وتطبيق طرق المناظرة عليها، وهي أدق وأهم مباحث القياس (أهم أبواب أصول الفقه) كما هو معلوم.
وقد حرصت على أن تكون هذه الطبعة مقابَلة على أصل الكتاب بخط مؤلفه؛ لكثرة ما رأيته من الأخطاء في الطبعة، وقد تطلّبتُ هذا الأصل، لكن لم أحصل على شيءٍ، فلعله لم يحفظ بعد طبع الكتاب،
[ ٧ ]
فاستعنتُ الله على إخراجه على الصورة التي يراها القارئ الكريم بين يديه، معتمدًا على طبعة الجامعة الإسلامية بالمدينة، راجيًا ممن يعلم شيئًا عن أي أصل يعتمد عليه أن يتفضل بإفادتنا وله منا جزيل الشكر وخالص الدعاء.
وقد أعادت مكتبة ابن تيمية بالقاهرة إخراج الكتاب في طبعة تجارية بصف جديد بدون تاريخ، إلا أن تلك الطبعة احتفظت بأكثر أخطاء طبعة الجامعة الإسلامية، ولم يُصوّب منها سوى بعض ما كان جليًّا لا يخفى، مما لا يعتمد تصويبه على فهم موضوعات الكتاب ومسائله، وأضافت إليها أخطاءً أخرى، كما افتقرت تلك الطبعة كسابقتها إلى الترتيب والتنسيق، وخلت من أي خدمة للنص.
ولما كانت أكثر عناوين الطبعة السابقة ليست من وضع المؤلف كما سبقت الإشارة إلى ذلك لم ألتزم بإيرادها في طبعتنا هذه؛ لعدم دقتها أحيانًا، ولكونها أشبه بالعناوين الجانبية الزائدة على الحاجة أحيانًا أخرى، ومهما يكن، فكونها ليست من وضع المؤلف جعلني في مندوحة من إيرادها، على أني جعلت فهرسًا مفصلًا انتظم مضمونها وزيادة، إلا أنني استبقيت العناوين المنسبكة مع سياق الكلام؛ لأنها لا بد أن تكون من وضع المؤلف، وهي قليلة.
وقد نبهت على أكثر أخطاء الطبعة السابقة؛ ليعلم القاريء فضل طبعتنا هذه عليها، والجهدَ الذي بذلناه فيها، وليحترز من هذه الأخطاء من عنده الطبعة السابقة، فقد استخرجت بعضها بالمناقيش (كما في ص ١٥، ٣٥، ٤٦، ٦٢، ٨٤، ١٠١، ٢٧٧، ٢٥٤)، وأهملت التنبيه على
[ ٨ ]
بعض الأخطاء الواضحة التي لا تلتبس على القارئ، ولا أخفي أن كثرة الأخطاء في الطبعة السابقة قد أفقدها عندي المكانة التي تُعطى عادة للأصل المخطوط، وجرّأني على إثبات ما أراه صوابًا في الصلب دائمًا، سواء كان تصويبًا، أو إضافة أو حذفًا طفيفين، إلا أني أجعله بين معكوفين [هكذا]، وأنبه في الحاشية على الخطأ، دون التزام بتعليل التصويب إذا كان واضحًا، وقد كان خير معين لي في ذلك بعد الله -تعالى- سياق الكلام، وسباقه ولحاقه.
أما التعليقات فاقتصرت منها على ما دعت الضرورة إليه، فعزوت الأحاديث على قلتها إلى مصادرها مكتفيًا بذكر رقم الحديث، وحكمه إن كان خارج الصحيحين، أما الآيات فكُتبت برسم المصحف، وجعلْت أرقامها وسورها في الصلب تخفيفًا للحواشي، وخرَّجت الأبيات الشعرية من الدواوين والمصادر الأدبية، كما عرّفت بمن يحتاج إلى التعريف من الأعلام المذكورين، ووضَّحْت بعض المصطلحات والعبارات المستغلقة على ندرتها، ونبهت على بعض الأوهام التي قد تكون سبق قلم من المؤلف أو المصحح، (كما في ص ١٥، ٥٣، ١٣٠، ١٦١، ١٧٩، ٢٠١، ٢٤٢، ٣٠٥، ٣٣٢)، وعلّقت ثلاث تعليقات موجزة صيانةً لما قد تُحمّلُه عبارة المؤلف من رأي مخالف لمذهب أهل السنة والجماعة هو منه بريء، وذلك في ص ٢٢٤، ٢٥٨، ٢٣٥.
كما التزمت بعزو النقول وأقوال العلماء بحسب توفر مصادر المؤلف بين يدي.
[ ٩ ]
ومما تميزت به طبعتنا هذه الإحالات، فقد أكثر المؤلف من قوله (كما سبق أن أشرنا)، (كما سيأتي)، ومعلوم أن هذا النوع من الفنون مترابط الفقرات، منبنٍ آخره على أوله، موضح بعضه لبعض، فالتزمت بالإحالة على رقم الصفحة حيثما أحال المؤلف.