hasty generalization
ولا تُشيِّد صرحًا من الأوهام المزعجة على أساسٍ غير متينٍ من ملاحظاته الناقصة.
شكسبير، عطيل
ما نكادُ نتلقَّى «حبَّةً» من الوقائع facts حتى نشيِّد منها «قبةً» من التعميمات.
جوردور أولبورت
تقول الدِّيكة الرومية:
الفلاح قدَّم الذرة لنا اليوم، … الفلاح قدَّم الذرة لنا أمس، … الفلاح قدَّم الذرة أمس الأول، … الفلاح يقدِّم لنا الذرة منذ أشهر عديدة، … الفلاح سيظل يقدم لنا الذرة إلى الأبد، … الفلاح يحبنا ويحرص على حياتنا وراحتنا.
***
[ ٤٩ ]
افترِض أنك كنت في مكتبةٍ فلاحظت أنَّ الكتب المرصوصة في قسمٍ معين تتضمن عناوين مثل: ميرامار، بين القصرين، المعذبون في الأرض، عودة الروح، وا إسلاماه، شيء من الخوف، سارة، بين الأطلال، قد تستنتج من ذلك أن كل، أو أغلب، الكتب في هذا القسم هي في الرواية، إن مقدمتك تقوم على ملاحظتك لمجموعة بعينها من الكتب، وإن نتيجتك معَمَّمة لتشمل المجموعة الأكبر من الكتب التي يشتمل عليها هذا القسم من المكتبة.
هذه هي عملية «التعميم الاستقرائي» inductive generalization التي من خلالها نستمد خصائص فئة كلية من خصائص «عينة» sample من هذه الفئة، أو نستخلص نتيجة حول «جميع» الأعضاء في مجموعة ما من خلال ملاحظات عن «بعض» أعضاء هذه المجموعة:
ملاحظة ١: «س ١» يتسم بالخاصة «ص».
ملاحظة ٢: «س ٢» يتسم بالخاصة «ص».
ملاحظة ٣: «س ٣» يتسم بالخاصة «ص».
وهكذا
إذن كل «س» يتسم بالخاصة «ص».
يُستخدم التعميم الاستقرائي في مجالات كثيرة مثل البحث العلمي والمسح الاجتماعي واستطلاعات الرأي السياسية … إلخ، غني عن القول إن ملاحظة جميع الأفراد (المجتمع الأصلي population) في المجموعات الهائلة العدد هو أمر صعب ومكلِّف وكثيرًا ما يكون مستحيلًا عمليًّا، الأمر الذي يُلجِئنا إلى إجراء «أخذ عينة» sampling، وفحص هذه العينة لِتَبيُّن خصائصِها، ثم «تعميم» generalization هذه الخصائص على جميع أعضاء المجموعة الأصلية (المجتمع الأصلي)، ولكي يكون هذا التعميم صائبًا أو قريبًا من الصواب ينبغي أن تكون العينة «مُمَثِّلة» representative للمجموعة بكاملها غير متحيزة لجانب دون جانب أو مأخوذة من ركنٍ دون ركن.
هناك طرق كثيرة لاختيار العينة بحيث تقترب من النموذج المثالي لما ينبغي أن تكونه العينة، مثل طريقة «الاختيار العشوائي» random sampling، ولكي توصف العينة بالعشوائية لا بُدَّ من أن تخضع للقرعة وأن تكون أمام جميع أفراد «المجتمع الأصلي المدروس» population فرص متساوية للوقوع في العينة.
والطريقة الثانية هي أخذ «عينة طبقية» stratified sample، بحيث تكون ممثلة للمجتمع الأصلي أو المجموعة الأصلية ومُسْتَلَّة من جميع أطرافها وتضاعيفها وزواياها،
[ ٥٠ ]
فتشتمل على فئاتها كافة وعلى خصائصها الأساسية وبنفس نسب تواجدها في المجموعة الأصلية، فإذا كانت المجموعة الأصلية تتكوَّن من ثلثين من الذكور وثلث من الإناث، وكان نصفها من القاهرة وربعها من شمالها وربعها الباقي من جنوبها لَتَوَجَّب أن تكون هذه النسب جميعًا منطبقة أيضًا في العينة.
والطريقة الثالثة هي أخذ عينة (عشوائية أو طبقية) ثم العودة لأخذ عينة أخرى على أقل تقدير بعد انقضاء فترة دالة من الزمن، ومقارنة العينتين لتبين أي تغيرات طرأت، بذلك تكون العينة أكثرَ إحاطةً بالمجتمع المدروس لأنها تمثل أفراده في أكثر من فترة زمنية واحدة، وتُسمَّى هذه العينة time-lapse sample.
يميل الناس كثيرًا إلى التحيز في أخذ العينة، إما بسبب ميلهم (عمدًا أو غير عمد) إلى التماس العينات التي توافق نظريتهم، وإما بسبب الرعونة والكسل والاستسهال الذي يدفعهم إلى انتقاء ما هو مُواتٍ قريبُ المأخذ ويصرفهم عن بذل العناء والوقت من أجل استخلاص عينة صحيحة.
•••
هَبْ أن لديك دلوًا به كرياتٌ من البلي حمراء وخضراء وصفراء وبيضاء، إن عينة مكونة من ثلاث كريات من المحال أن تمثل المجموعة الكلية أيًّا كان عددها، وفي المقابل، هب أن لديك قدرًا ضخمًا من الحساء أو من المعكرونة قيد الطبخ، إن بإمكانك الحُكم على ملوحة الحساء بتذوق ملعقة واحدة، وبإمكانك الحُكم على درجة نضج المعكرونة بتذوق واحدة منها، ذلك أن التجانس تام في هاتين المجموعتين بحيث تكفي عينة مكونة من فرد واحد للحكم على الكل، كذلك الحال بإزاء مجموعة كبيرة من الفئران المستنسخة التي يكاد كل فرد منها يُطابق الآخر مطابقة تامة، لعلك الآن قد تبينتَ الصعوبة الكامنة في تحديد كم العينة التي تعد كافية لتمثيل مجتمع من المجتمعات أو مجموعة من المجموعات، والذي قد يتطلب تقنيات إحصائية ورياضية معقدة، ويبقى رغم ذلك أمرًا غير يقيني ويهيب بملَكة الحُكم لدينا وربما باعتقاداتنا المسبقة عن أفراد المجموعة المعْنِيَّة.
ويزداد الأمر تعقيدًا عندما نكون بإزاء مجموعة ضخمة مترامية الأطراف متعددة الأطياف غير متجانسة، هنالك يتطلب الأمر شرطًا آخر بالإضافة إلى حجم العينة: أن تكون «ممثِّلة كيفيًّا» أي عشوائية وطبقية تتوزع بالقسطاس على المجموعة المفحوصة بحيث تمثلها بكلِّ نواحيها وأرجائها، إن ثمانية شبان متحلِّقين على طاولة في مقهى أرستقراطي لا يمكن أن يكونوا عينة كافية لتحديد الميول السياسية داخل بلد بأكمله، تلك عينةٌ غير كافية من جهة، وغير عشوائية ولا طبقية من جهة أخرى.
[ ٥١ ]
من الأمثلة التاريخية الصارخة لعينةٍ غير موفقة، لا بسبب صغرها بل بسبب تحيزها وعدم تمثيلها للمجتمع الأصلي، ذلك الاستطلاع الذي قامت به مجلة Literary Digest قبيل الانتخابات الأمريكية عام ١٩٣٦ م لمحاولة التنبؤ بمن يفوز بالرئاسة فرانكلين روزفلت أم ألفرد لاندون، حيث تمَّ جمع مليونين وثلاثمائة ألف رأي، كانت نتيجتها تُشير إلى فوز لاندون بأغلبية كبيرة، وقد جاءت نتيجة الانتخابات الفعلية مخيبة لهذا الاستطلاع إذ فاز روزفلت بأغلبية ستين بالمائة، فأين كان يكمن الخطأ؟!
كانت المجلة ترسل بطاقات الاستطلاع إلى أسماء اختارتها عشوائيًّا من واقع دليل التليفونات ومن قوائم المشتركين في المجلة نفسها ومن قوائم مالكي السيارات، المشكلة أن مالكي الهواتف والسيارات ومشتركي المجلة كانوا في الأغلب من الطبقة الأعلى دخلًا بالولايات المتحدة، ومِن ثَمَّ فهي لم تمثل الطبقات الأدنى دخلًا من المجتمع الأمريكي في زمنٍ كان فيه مستوى الدخل ذا صلة قوية بالميول السياسية والحزبية، ومن ثم، فعلى الرغم من ضخامة العينة المُختارة فإنها كانت «عينة متحيزة» biased sample «غير ممثِّلة» unrepresentative للمجتمع الأمريكي بجميع شرائحه وطبقاته.
يفضي هذان الخطآن في عملية اختيار العينة (الصغر والتحيز) إلى ما يُسمى مغالطة «التعميم المتسرع» hasty generalization.