نقتبس هذا المثال من بين تلك «الحجج المندمجة» coalescent arguments التي أشار إليها ميشيل جلبرت، والتي تعبر في زعمه عن جملةٍ من المواقف سئ والاعتقادات والمشاعر والحدوس التي تميز صاحب الحجة، فهذه طالبةٌ جامعية تبكي في مكتب الأستاذ؛ كي تبثَّه
_________________
(١) السيمانطيقا semantics (علم دلالة الألفاظ، أو المعاني) هي الدراسة التي تتناول علاقة العلامات اللغوية بالعالم أو الواقع الخارج عن اللغة extralinguistic reality، أما البراجماطيقا pragmatics (التداولية) فهي المبحث الخاص بدراسة العلاقة بين العلامات اللغوية ومستخدميها من بني البشر.
[ ١٦ ]
قلقَها للأهمية التي يوليها الأستاذ لحصول الطالب على درجة A في مادةٍ معينة، (^١) بوسعنا أن نؤوِّل هذا على أنه «قياسٌ مضمر» enthymeme (^٢) تقديره:
إنه لمن أشد دواعي البؤس والجزع ألَّا أحصل على درجة A.
(مقدمة ١)
إنَّ عليك ألَّا ترمي بي في حضيض البؤس والجزع.
(مقدمة ٢)
عليك، إذن، أن تمنحني درجة A.
(النتيجة)
ورغم أننا نُسَلِّم بأن هذه الحجة تندرج ضمن فئة «الحجج الانفعالية» التي تَحَدَّث عنها جلبرت، فليس ما يمنع أن نعاملَها كغيرها من الحجج، فنفحص مقدماتها ونُقيِّمها من حيث القبول والرفض، وننظر فيما إذا كانت النتيجة فيها تلزم عن المقدمات.
ولا يخفى على القارئ الآن أن المقدمة «٢» فيها نظر! فالأستاذ، بعد كل شيء، يعمل بمَرفق التعليم العالي وليس بمرفق الشئون الاجتماعية، إن عليه أن يُعِين الطالبَ ويدعمه بأن يقرِّب إليه مادتَه العلمية ويُذلل قطفها، وليس بأي طريق آخر، والحجة من ثم تندرج في مغالطة «الاحتكام إلى الشفقة» ad misericordiam.