ويُلح فيلسوف العلم كارل بوبر في غير موضع من كتاباته على أن مصدر النظرية العلمية هو أمرٌ لا صلة له البتة بوضعها العلمي، أي بتحديد ما إذا كانت النظرية علمية أم لا، فالنظرية لا تكون علمية ما لم تكن «قابلة للتكذيب» Falsifiable، يستوي في ذلك أن تكون النظرية قد جاءت من المختبر أو من نفحة إلهام، بالطبع قد تكون إحدى الطرق أكثر خصوبة من غيرها كوسيلة لإنتاج نظريات أصيلة، ولكن هذا لا علاقة له بالسؤال عما إذا كانت عبارة ما هي عبارة علمية أم غير علمية، ولا علاقة لها بالسؤال عن مدى أصالتها العلمية إن كانت عبارة علمية، ليست هناك طريقة آلية يمكن بها للعلم أن يحقق تقدمًا، وبوبر في ذلك يرخي العنان للتأمل الخيالي الجريء، فالعلم ليس أقل احتياجًا للخيال من أيِّ فن آخر من الفنون، وفي معرِض نقده لفرويد لم يأخذ عليه طريقته في الكشف ولم يعرض لهذا الأمر قط، فهو لا يعنيه مصدر النظرية بل يعنيه منطق الاختبار، وهو لا يسأل العالِم من أين جاء بنظريته بل يسأله عما أَعَدَّ لها من
[ ٤٤ ]
اختباراتٍ قاسية، وقد لاحظ أينشتين من قبل أنه بينما يمكن للنظرية أن تُختبر بالبينة evidence فليس هناك طريقٌ من البينة إلى النظرية! ويُظْهِرنا تاريخ الممارسة العلمية على أن الاقتحامات الكبرى في العلم تأتي عن طريق الحدس، ثمة دائمًا قفزة إبداعية تتجاوز المعلومات المتاحة وتضيف إليها شيئًا ما مستجدًّا، وأحيانًا ما تأتي ومضة الاستضاءة من الأحلام بالمعنى الحرفي!
أحيانًا ما يحلم العلماء نظرياتهم حلمًا! وفي كتابهما «الإبداعية العالية: تحرير اللاوعي من أجل انطلاق الاستبصارات» يعرض وليز هارمن وهوارد راينجولد عددًا هائلًا من الأحلام العلمية، مثل: حلم كيكوليه بِبِنية حلقة البنزين إذ رأى في منامه أفعى تعض ذيلها (وقيل عدة أفاعٍ تعض كل واحدة ذيل تاليتها)، وحلم نيلز بور بالنظام الشمسي كنموذج للذرات، وحلم ديمتري مندليف بالجدول الدوري للعناصر، لا لم يكن مصدرُ النظرية مما يعني بوبر من قريب أو بعيد، فلتأتِ النظرية من حيث تأتي، المهم أن تكون علمًا، أي قولًا يحمل نبأ عن العالم المحدد الذي وُجدنا فيه، ويحمل في تضاعيفه تنبؤات قابلة للاختبار. (^١)
ويُذْكَر أن نظرية التطور خطرت لألفرد والاس بينما كان في حالة هذيان delirium، ومن الأحاديث الشهيرة ما يؤثَر عن أرشيميدس من أنه توصل إلى مبدأ الثقل النوعي وقانون الطفو (الإزاحة) بينما كان يغتسل، فقفز من الحمام صائحًا «وجدتها!» Eureka!.