أعلم أَن إِذن فِي عوامل الْأَفْعَال كظننت فِي عوامل الْأَسْمَاء لِأَنَّهَا تعْمل وتلغى كظننت أَلا ترى أَنَّك تَقول ظَنَنْت زيدا قَائِما وَزيد ظَنَنْت قَائِم إِذا أردْت زيد قَائِم فِي ظَنِّي وَكَذَلِكَ إِذن إِذا أعْتَمد الْكَلَام عَلَيْهَا نصب بهَا وَإِذا كَانَت بَين كلامين أَحدهمَا فِي الآخر عَامل أُلغيت وَلَا يجوز أَن تعْمل فِي هَذَا الْموضع كَمَا تعْمل ظَنَنْت إِذا قلت زيدا ظَنَنْت قَائِما لِأَن عوامل الْأَفْعَال لَا يجوز فِيهَا التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير لِأَنَّهَا لَا تتصرف فَأَما الْموضع الَّذِي تكون فِيهِ مبتدأه وَذَلِكَ قَوْلك إِذا قَالَ لَك قَائِل أَنا أكرمك قلت إِذن أجزيك وَكَذَلِكَ إِن قَالَ انْطلق زيد قلت إِذن ينْطَلق عَمْرو وَمثله قَول الضبيّ
(اُردُدْ حِماركَ لَا تُنْزَعْ سَوِيَّتُهُ إِذن يُرَدَّ وقَيدُ العيْرِ مكروبُ)
[ ٢ / ١٠ ]
والموضع الَّذِي لَا تكون فِيهِ عاملة الْبَتَّةَ قَوْلك إِن تأتنى إِذن آتِك لِأَنَّهَا دَاخِلَة بَين عَامل ومعمول فِيهِ وَكَذَلِكَ أَنا إِذن أكرمك وَكَذَلِكَ أَن كَانَت فِي الْقسم بَين الْمقسم بِهِ والمقسم عَلَيْهِ نَحْو قَوْلك وَالله إِذن لَا أكرمك لِأَن الْكَلَام مُعْتَمد على الْقسم فَإِن قدمتها كَانَ الْكَلَام مُعْتَمد عَلَيْهَا فَكَانَ الْقسم لَغوا نَحْو إِذن وَالله أضربك لِأَنَّك تُرِيدُ إِذن أضربك وَالله فَالَّذِي تلغيه لَا يكون مقدما إِنَّمَا يكون فِي أَضْعَاف الْكَلَام أَلا ترى إِنَّك لَا تَقول ظَنَنْت زيد منطلق لِأَنَّك إِذا قدمت الظَّن فَإِنَّمَا تبني كلامك على الشَّك وَإِنَّمَا جَازَ أَن تفصل بالقسم بَين إِذن وَمَا عملت فِيهِ من بَين سَائِر حُرُوف الْأَفْعَال لتصرفها وَأَنَّهَا تسْتَعْمل وتلغى وَتدْخل للابتداء وَلذَلِك شبهت بظننت من عوامل الْأَسْمَاء - وَأعلم أَنَّهَا إِذا وَقعت بعد وَاو أَو فَاء صلح الإعمال فِيهَا والإلغاء لما أذكرهُ لَك وَذَلِكَ قَوْلك إِن تأتني آتِك وَإِذن أكرمك أَن شِئْت رفعت وَإِن شِئْت نصيب وَإِن شِئْت جزمت
[ ٢ / ١١ ]
أما الْجَزْم فعلى الْعَطف على آتِك وإلغاء إِذن وَالنّصب على إِعْمَال إِذن وَالرَّفْع على قَوْلك وَأَنا أكرمك ثمَّ أدخلت إِذن بَين الِابْتِدَاء وَالْفِعْل فَلم تعْمل شَيْئا وَهَذِه الْآيَة فِي مصحف ابْن مَسْعُود ﴿وَإذَنْ لاَ يَلبَثوا خَلفَكَ﴾ الْفِعْل فِيهَا مَنْصُوب بِإِذن وَالتَّقْدِير وَالله أعلم الِاتِّصَال بِإِذن وَإِن رفع فعلى أَن الثَّانِي مَحْمُول على الأول كَمَا قَالَ الله ﷿ ﴿فَإِذا لَا يُؤْتونَ النَّاس نقيرا﴾ أَي فهم إِذن كَذَلِك فالفاء وَالْوَاو يصلح بعدهمَا هَذَا الْإِضْمَار على مَا وصفت لَك من التَّقْدِير وان تَنْقَطِع إِذن بعْدهَا مِمَّا قبلهمَا ثمَّ يدخلَانِ للْعَطْف بعد أَن عملت إِذن وَنَظِير ذَلِك قَوْلك إِن تعطني أشكرك وَإِذن أَدْعُو الله لَك كَأَنَّهُ قَالَ إِذن أَدْعُو الله لَك ثمَّ عطف هَذِه الْجُمْلَة على مَا قبلهَا لِأَن الَّذِي قبلهَا كَلَام مستغن
[ ٢ / ١٢ ]
وَقد يجوز أَن تَقول إِذن أكرمك إِذا أخْبرت أَنَّك فِي حَال إكرام لِأَنَّهَا إِذا كَانَت للْحَال خرجت من حُرُوف النصب لإن حُرُوف النصب إِنَّمَا معناهنَّ مَا لم يَقع فَهَذِهِ حَال إِذن إِلَى أَن نفرد بَابا لمسائلها إِن شَاءَ الله
[ ٢ / ١٣ ]