اعْلَم أَن الْفِعْل ينصب بعْدهَا بإضمار أَن وَذَلِكَ لِأَن حَتَّى من عوامل الْأَسْمَاء الخافضة لَهَا تَقول ضربت الْقَوْم حَتَّى زيدٍ وَدخلت الْبِلَاد حَتَّى الكوفةِ وأكلتُ السمكةَ حَتَّى رأسِها أَي لم ابق مِنْهَا شَيْئا فعملها الْخَفْض وَتدْخل الثَّانِي فِيمَا دخل فِيهِ الأول من الْمَعْنى لِأَن مَعْنَاهَا إِذا خفضت كمعناها إِذا نسق بهَا فَلذَلِك خَالَفت إِلَى قَالَ الله ﷿ ﴿يسلامٌ هِيَ حتّى مَطلَعِ الفَجْرِ﴾ فَإِذا وَقعت عوامل الْأَسْمَاء على الْأَفْعَال لم يستقم وَصلهَا بهَا إِلَّا على إِضْمَار أَن لِأَن أَن وَالْفِعْل اسْم مصدر فَتكون وَاقعَة على الْأَسْمَاء وَذَلِكَ قَوْلك أَنا أَسِير حَتَّى تمنعني وَأَنا اقف حَتَّى تطلع الشمسُ فَإِذا نصبت بهَا على مَا وصفت لَك كَانَ ذَلِك على أحد مَعْنيين على كي وعَلى إِلَى أَن لِأَن حَتَّى بِمَنْزِلَة إِلَى فإمَّا الَّتِي بِمَعْنى إِلَى أَن فقولك أَنا أَسِير حَتَّى تطلع الشَّمْس وَأَنا أَنَام حَتَّى يسمعَ الْأَذَان وَأما الْوَجْه الَّذِي تكون فِيهِ بِمَنْزِلَة كي فقولك أطع الله حَتَّى يُدخلك الْجنَّة وَأَنا أكلم زيدا حَتَّى يأمرَ لي بِشَيْء فَكل مَا اعتوره وَاحِد من هذَيْن الْمَعْنيين فالنصب لَهُ لَازم على مَا ذكرت لَك
[ ٢ / ٣٨ ]
وَاعْلَم أَن حَتَّى يرْتَفع الْفِعْل بعْدهَا وَهِي حَتَّى الَّتِي تقع فِي الِاسْم ناسقة نَحْو ضربت الْقَوْم حَتَّى زيدا ضَربته ومررت بالقوم حَتَّى زيد مَرَرْت بِهِ وَجَاءَنِي الْقَوْم حَتَّى زيدٌ جَاءَنِي وَقد مضى تَفْسِير هَذَا فِي بَاب الْأَسْمَاء فالتي تنسق ثمَّ هَا هُنَا كَمَا كَانَ ذَلِك فِي الْوَاو وَالْفَاء وَثمّ وَجَمِيع حُرُوف الْعَطف فالرفع يَقع بعْدهَا على وَجْهَيْن يرجعان إِلَى وَجه وَاحِد وَإِن اخْتلف موضعاهما وَذَلِكَ قَوْلك سرت حَتَّى أدخلها أَي كَانَ مني سير فدخول فَأَنت تخبر أَنَّك فِي حَال دُخُول اتَّصل بِهِ سيرك كَمَا قَالَ الشَّاعِر
(فإنَّ المُندَّى رٍ حلةٌ فَرُكوبُ )
[ ٢ / ٣٩ ]
فَلَيْسَ فِي هَذَا معنى كي وَلَا إِلَى أَن إِنَّمَا خبرت بِأَن هَذَا كَذَا وَقع مِنْك وَالْوَجْه الْأُخَر أَن يكون السَّبَب مُتَقَدما غير مُتَّصِل بِمَا تخبر عَنهُ ثمَّ يكون مُؤديا إِلَى هَذَا كَقَوْلِك مرض حَتَّى لَا يرجونه أَي هُوَ الْآن كَذَاك فَهُوَ مُنْقَطع من الأول ووجوده إِنَّمَا هُوَ فِي الْحَال كَمَا ذكرت لَك فِيمَا قبله فَذَلِك قولي يرجعان إِلَى شَيْء وَاحِد وَمثل ذَلِك مرض حَتَّى يمر بِهِ الطَّائِر فيرحمه أَي هُوَ الْآن كَذَاك فَمثل النصب قَوْله
(سَريْتُ بِهِمْ حتّى تكِلَّ مطِيّهُم وحتّى الجيادُ مَا يُقدْنَ بأرسانِ)
أَي إِلَى أَن وَمثل الرّفْع تَمام الْبَيْت وَهُوَ
(حَتَّى الجيادُ)
وَنَظِير الرّفْع فِي الْأَسْمَاء قَوْله
[ ٢ / ٤٠ ]
(فيا عجبا حتّى كُلِيبٌ تَسُبُني كأنَّ أَبَاهَا نَهْشَلٌ أَو مُجاشِعُ)
أَي وَحَتَّى كُلَيْب هَذِه حَالهَا كَمَا أَن نَظِير النصب ضربت الْقَوْم حَتَّى زيدٍ فِي الْأَسْمَاء لِأَن الْمَعْنى ضربت الْقَوْم حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى هَذَا الْموضع
[ ٢ / ٤١ ]