[بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين]
فمن ذلك ما جرى بين سيبويه والكسائي في مجلس يحيى بن خالد البرمكي، وكان شيخنا أبو اليمن﵀- شافهني بشيء من ذلك من لفظه، وعن الفراء:
[ ٢ / ٥٣٣ ]
قدم سيبويه﵀- على البرامكة، فعزم يحيى على الجمع بينه وبين الكسائي، فجعل لذلك يوما؛ فلما حضر- يعني سيبويه-[١٠٧/آ] تقدمت أنا والأحمر. فدخلنا فإذا بمثال في صدر المجلس، فقعد عليه يحيى، ومعه إلى جانب المثال الفضل وجعفر ومن حضر بحضورهم.
فأقبل الأحمر على سيبويه فسأله عن مسألة فأجاب فيها سيبويه، فقال له الأحمر: أخطأت. ثم سأله مسألة ثانية فأجابه فيها، فقال له: أخطأت. فقال سيبويه: هذا سوء أدب.
قال الفراء: فأقبلت عليه فقلت له: إن في هذا الرجل حدة وعجلة؛ ولكن ما تقول فيمن قال: هؤلاء (أبون) ومررت بـ (أبين)، كيف تقول على مثال ذلك من (أويت) و(أويت)؟ فقدر فأخطأ. فقلت: أعد النظر، فقدر فأخطأ. فقلت: أعد النظر ثلاث مرات يجيب ولا يصيب. فلما كثر ذلك قال: لست أكلمكما أو يحضر صاحبكما حتى أناظره.
فحضر الكسائي، فأقبل على سيبويه فقال: أتسألني أم أسألك؟ فقال: لا. بل سلني أنت. فأقبل عليه الكسائي فقال:
[ ٢ / ٥٣٤ ]
كيف تقول: كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو هي، أم فإذا هو إياها؟ فقال سيبويه: فإذا هو هي، ولا يجوز النصب. فقال له الكسائي: لحنت. ثم سأله عن مسائل من هذا النحو: خرجت فإذا عبد الله القائم، أو القائم [١٠٧/ب]؟ فقال سيبويه ذلك كله بالرفع دون النصب. فقال الكسائي: العرب ترفع ذلك كله وتنصب؛ فدفع سيبويه قوله.
فقال يحيى بن خالد: قد اختلفتما وأنتما رئيسا بلديكما، فمن ذا يحكم بينكما؟!. فقال له الكسائي: هذه العرب ببابك قد اجتمعت من كل أوب، ووفدت عليك من كل قطر، وهم فصحاء الناس، وقد قنع بهم أهل المصرين، وسمع أهل البصرة وأهل الكوفة منهم، فيحضرون ويسألون.
فقال يحيى- أو جعفر-: قد أنصفت؛ وأمر بإحضارهم فدخلوا، وفيهم أبو فقعس، وأبو زياد، وأبو الجراح، وأبو ثروان، فسئلوا فاتبعوا الكسائي وقالوا بقوله. فأقبل يحيى على سيبويه فقال: قد تسمع!! فاستكان سيبويه.
[ ٢ / ٥٣٥ ]
وأقبل الكسائي على يحيى، فقال: أصلح الله الوزير!! إنه قد وفد عليك من بلده مؤملا، فإن رأيت أن لا ترده خائبا!! فأمر له بعشرة آلاف درهم، فخرج وصير وجهه إلى فارس، فأقام هناك ولم يعد إلى البصرة.
قال أبو العباس ثعلب: إنما أدخل العماد في قوله: فإذا هو إياها؛ لأن (إذا) مفاجأة، أي: فوجدته ورأيته؛ و(رأيت) ينصب شيئين ويكون معه خبر؛ فلذلك نصبت العقرب. قال الزجاجي [١٠٨/آ]: وهذا آخر الخبر.
قال لي شيخنا أبو اليمن﵀-: إن سيبويه إنما قال ذلك؛ لأن المعاني لا تنصب المفاعيل الصريحة. وقال أيضا: إنه لما دخل من دخل من العرب وقالوا: القول ما قال الكسائي، إن سيبويه قال: مرهم فلينطقوا بذلك؛ فإنهم لا تجري ألسنتهم به.
[ ٢ / ٥٣٦ ]
قال أبو القاسم الزجاجي﵀-: وأقول في ذلك بحسب ما يوجب النظر.
أما حكاية الفراء عن الأحمر انه سأل سيبويه ثلاث مسائل، فقال له: أخطأت، فقد أقر الفراء بأنه أجاب فيها وشهد له بذلك، ولا يلتفت إلى قول الأحمر: أخطأت. ومع ذلك فلم يحك المسائل؛ ليعلم وجه الخطأ فيها من الصواب!!.
وأما قول الفراء: إني قلت له: كيف تقول- في مذهب من قال: هؤلاء (أبون)، ومررت بـ (أبين) - مثله من (وأيت) و(أويت)؛ وقوله: إنه قدر ثلاث مرات فأخطأ- فقد كان الواجب أن يحكي كيف قدر ثلاث مرات، ويدل على موضع الخطأ؛ ليعلم أصادق هو في ذلك أم كاذب، فلعل جواب سيبويه في ذلك كان صوابا، ورأى الفراء خلافه؛ فكان عنده، مخطئا لمخالفته إياه.
قلت: هذا الذي قاله أبو القاسم هو الحق؛ وهذا كما سأل بعض الشباب الشافعي﵀- عن مسألة فأجابه، فقال له: أخطأت. فقال: يا بن أخي، أخطأت [١٠٨/ب] ما في كتابك،
[ ٢ / ٥٣٧ ]
ولم أخطيء الحق والصواب.
قال أبو القاسم: ونحن نذكر الجواب في هاتين المسألتين.
اعلم أن (أوى) تقديره: فعل؛ فالهمز فاء الفعل، والواو عينه، واللام ياء، لأنه إذا حصلت العين واوا فاللام ياء، فإن كانت واوا لم تصحح بل ترد إلى الياء. ألا ترى أنهم قالوا: قويت، فردوا الواو إلى الياء. فإذا بنيت (فعل) منه اسما قلت: أوى مثل هوى؛ فإذا جمعته جمع السلامة، على مذهب من قال (أبون)، ومررت بـ (أبين)، قلت: (أوون)؛ تسقط اللام لسكونها وسكون واو الجمع، وفي الخفض والنصب: (أوين)، كقولك: مصطفون ومصطفين.
قال: وهذا مذهب يتفق عليه البصريون والكوفيون. وللكوفيين في ذلك مذهب آخر نذكره بعد ذكر المتفق عليه. وكذلك لو جمعت عصا ورحى، وما أشبه ذلك، اسم رجل، جمع السلامة لقلت (عصون) و(عصين)، و(رحون) و(رحين)، والباب واحد.
[ ٢ / ٥٣٨ ]
وأما (وأى) فتقديره أيضا فعل، ولامه ياء لا محالة؛ لأنه ليس في كلامهم مثل: وعوت. فلو بنيت منه اسما على فعل، وجمعته جمع السلامة قلت: وأون مثل وعون، وفي الخفض والنصب: (وأين) مثل (وعين) [١٠٩/آ]. والتفسير، على ما تقدم في إسقاط لام الفعل، وهذا واضح بين متفق عليه، وليس مما يغلط فيه سيبويه ولا من هو دونه. ولكن الفراء سامه أن يبني منه على مذهبه، على أنه معرب من مكانين؛ لأنه يسمي هذه الأسماء- أعني قولهم: أبوك وأخوك، وأخواته، وابنم، وامرؤ- معربا من مكانين. وهذا عند البصريين محال؛ لأنه لو جاز أن يجعل في اسم واحد رفعان، كما زعموا، لجاز أن يجتمع فيه إعرابان مختلفان، فيجتمع رفع ونصب، أو نصب وخفض في حال؛ وهذا محال؛ فكما امتنع اجتماع إعرابين مختلفين كذلك يمتنع اجتماع إعرابين متفقين. فلعل سيبويه قدر أن يجمعه جمع السلامة، على ما ذكرنا، ولم يسبق إلى علمه أن في الكلام شيئا يعرب من مكانين، فكان تقديره على ذلك.
وقول الفراء له: (أعد النظر) إرادة منه أن يقيسه على أنه معرب من مكانين، ولم يصرح له بذلك ليدهشه بقوله: (أعد
[ ٢ / ٥٣٩ ]
النظر) ولا يعرفه من أي جهة أخطأ؛ فكان يرد عليه بما يوجبه القياس.
ونحن نذكر قياس هاتين المسألتين على [١٠٩/ب] مذهب الفراء والكسائي لتعرفه؛ إن شاء الله ﷿.
اعلم أنك إذا أردت أن تبني مثل قولهم: (أبوك) من (أوى) على أنه معرب من مكانين، فإنك تقول: هذا (أيك). وقياس ذلك أنك لما أعربته من العين واللام تحركت العين، وهي واو وقبلها فتحة، فانقلبت ألفا، كما تنقلب في قام وطال. وتصح الياء لأنها ليست زائدة ولا واقعة بعد ألف زائدة فيلزمها الاعتلال، ولكن تصح كما صحت في (راي) جمع راية، وفي (معايش).
فإذا ثنيت اختلف الكسائي والفراء:
أما الكسائي فألزم على قياس قوله أن يقول: هذان أوياك فيرد عين الفعل، وهي الواو، إلى الأصل؛ لأن ألف التثنية ردتها
[ ٢ / ٥٤٠ ]
إلى أصلها، كما قالوا: فتيان، ورحيان، وعصوان، فردوا الألف إلى أصلها؛ لأنهم لو لم يفعلوا ذلك لزمهم حذفها، فكان يلتبس الواحد بالاثنين، وهذا لا لبس فيه.
ويلزم على قياس قول الفراء أن يقال في التثنية: هذان (آياك)؛ وكذلك قالا في مثل (هذا أبوك)، من (هويت): هذا (هايك). ثم قال الكسائي في التثنية: هذان هوياك [١١٠/آ]؛ وقال الفراء: هذان هاياك، وألزمه ما ذكرت لك، وقول الفراء أقيس.
فإذا جمعت قلت في مذهبيهما: هؤلاء (آيوك)، و(هايوك). وسبيله أن يقول: هؤلاء (أويوك) و(هويوك)؛ فلزم قلب الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فيصير (آيوك) و(هايوك)؛ وتصح الياء لوقوعها بين ساكنين غير زائدة، وهي لام الفعل، والواو واو الجمع.
فإذا بنيت من (وأى) مثل (هذا أبوك) على أن تعربه من مكانين قلت: (هذا وأوك)، تقديره: وعوك. وذلك أن الهمزة تجري مجرى الصحيح في الإعراب، فلما أعربته من مكانين ضممت الهمزة، وهي عين الفعل، وأسكنت الياء التي هي لام الفعل؛ لأنها في موضع الرفع كـ (ياء) هذا قاضيك؛ فلما سكنت الياء التي
[ ٢ / ٥٤١ ]
هي لام الفعل من (وأى)، قبلها ضمة، انقلبت واوا كما انقلبت في (موقن) و(موسر). وتقول في الخفض: (وئيك)، مثل (حميك)، وفي النصب: (وآك) مثل (حماك)؛ لما انفتحت العين، وهي الهمزة، انقلبت الياء ألفا؛ ولما انكسرت الهمزة صحت الياء.
فإذا ثنيت قلت: هذان (وآياك)، صحت الياء لمجيء ألف التثنية كما تصح في (رحيان). والفراء يوافق الكسائي ههنا، ولا يخالفه كما خالفه في تثنية المسألة الأولى؛ لأنه يخاف ههنا التباس الواحد بالاثنين.
فإذا جمعت قلت: هؤلاء (وأوك) لفظه لفظ الواحد [١١٠/ب] والتقدير مختلف. وذلك أنك ههنا أسقطت لام الفعل لاجتماعها ساكنة مع واو الجمع: كان (وأيوك)، فلزم إسكان الياء لأنها في موضع رفع، ثم حذفت لاجتماع الساكنين وبقي ما قبلها مضموما على حاله. وقولك في الواحد: (هذا وأوك) لم تحذف شيئا، إنما قلبت لام الفعل واوا، كما ذكرت لك. وتقول في النصب والخفض في الجمع: (وئيك) تسقط لام الفعل
[ ٢ / ٥٤٢ ]
أيضًا؛ لسكونها وسكون ياء الجمع.
فهذا مذهب الكسائي والفراء في هاتين المسألتين، وهو نوع من التصريف فيه غموض وإشكال، وقياسه صحيح ولكنه ليس من كلام العرب، وإنما هي أوضاع وضعوها وعلى أن قولهم: أخوك وأبوك وما أشبههما معرب من مكانين يعنون أن الضمة والواو إعرابان؛ لأن الرفع في الكلام بالضمة وبالواو. وليس يقول البصريون: إن هذه الأسماء معربة من مكانين، وإنما هي أشياء خرجت عن القياس فسبيلها أن تحكى، ولا يقاس عليها؛ لأن الشاذ لا يجعل أصلا يقاس عليه.
وللبصريين في هذه الأسماء أقوال:
كان المازني يقول: ضمة الباء إعراب، والواو إشباع يؤكد الإعراب. وإذا [١١١/آ] قلت: (أباك) فالفتحة إعراب والألف إشباع. وكذلك (أبيك): الكسرة إعراب والياء إشباع، قال: ونظيره في الأفعال: هو (يضربو) فالباء حرف الإعراب، والضمة
[ ٢ / ٥٤٣ ]
الإعراب، والواو للإطلاق والإشباع؛ ومثله: ﴿أضلونا السبيلا﴾. قال أبو عثمان: فإن قال قائل: (لم تذهبي)، في خطاب الواحد في لغة من أشبع إذا كان في قافية فاحتيج إلى تحريكه للوصل، أي شيء أكدت بالياء؟ فالجواب أن الجزم في الأفعال نظير الجر في الأسماء، فكما تكون الياء مؤكدة للجر في الأسماء كذلك تكون مؤكدة للجزم؛ لأنه نظير الجر.
وقال الأخفش، في قولهم (أخوك)، وما أشبهه، أقوالا مختلفة:
قال في موضع: الواو دليل على الإعراب، كما قال ذلك في الواو من (مسلمون) والياء من (مسلمين).
وقال في موضع آخر: قولهم (أبوك) عينه تابعة لأمه، وقال هذا لا يؤخذ بقياس. فهذان قولان مختلفان، لأن القول الأول ذكر فيه أن الواو دليل الإعراب ولم يجعلها لام الفعل، وقد جعلها في القول الثاني لام الفعل وجعل العين تابعة لها؛ وهذا قول سيبويه؛ لأنه يرى أن الواو من هذه الأسماء هي حرف
[ ٢ / ٥٤٤ ]
الإعراب. وأن العين تبعت اللام، بمنزلة: هذا (امرؤ)، حين تبعت الراء [١١١/ب] الهمزة فضممتها بانضمامها، وفتحت بانفتاحها، وكسرت بكسرها.
وأما قول الكوفيين (إنه معرب من مكانين) فلو تخلو الباء من قولك: (أبوك)، أن تكون حرف الإعراب أو الواو. فإن كانت الباء حرف الإعراب فالواو زائدة وقد سقطت لام الفعل؛ فهذا مذهب المازني. وإن كانت الواو حرف الإعراب فهي لام الفعل والباء تابعة للام، وهذا أحد قولي الأخفش وهو مذهب سيبويه. وإن زعموا أن الضمة والواو مزيدان جميعا للإعراب، فهذا ما لا يعقل ولا نظير له: أن يجتمع في كلمة واحدة إعرابان مختلفان.
والذي ذهب الكوفيون إليه أن الواو من قولك (أبوك) لام الفعل ولكنها معربة، وإعرابها عندهم سكونها في موضع الرفع، والباء معربة لأنها مضمومة؛ فلما صاروا إلى النصب انقلبت الواو ألفا لانفتاحها وانفتاح ما قبلها. ويلزم من قال بقول سيبويه: (إن الواو لام الفعل والعين تابعة للام) إذا قيل له: كيف تبني على
[ ٢ / ٥٤٥ ]
هذا القياس مثله من (وأيت) و(أويت) وتجعل العين تابعة للام أن يبني كما ذكرنا من قول الكوفيين قياسا وإن لم يكن مسموعا.
وأما مسألة الكسائي: (كنت أظن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو هي) فالرفع، لا يجوز غيره؛ كما تقول: خرجت فإذا عبد الله [١١٢/آ] قائم، و(إذا) هذه للمفاجأة، وهي ظرف مكان.
قال أبو بكر بن الخياط: تقدير قولك: خرجت فإذا عبد الله قائم: خرجت فبحضرتي عبد الله؛ فتكون (إذا) بمنزلة قولك (بحضرتي) ظرفا من مكان. وجائز أن تجيء معها الحال، تقول: خرجت فإذا عبد الله قائما، كما تقول: خرجت فبحضرتي عبد الله قائما. فإن أدخلت الألف واللام فقلت: خرجت فإذا عبد الله القائم، رفعت القائم، برفع عبد الله بالابتداء، والقائم خبره، ولا يجوز نصبه لأنه معرفة، والحال لا تكون معرفة، فلما بطلت الحال رجع إلى الرفع لأنه لا ناصب له.
[ ٢ / ٥٤٦ ]
وأهل الكوفة يجيزون نصبه، يقولون: خرجت فإذا عبد الله القائم، يرفعون عبد الله بـ (إذا) لأنها ظرف كما يرفعون الأسماء بالظروف ثم يعملونها في الخبر عمل (وجدت) و(رأيت). وعندي أن هذا القول ظاهر الإحالة؛ لأنه إن كانت (إذا) وحدها بمنزلة (وجدت) وتعمل عمله فالسبيل أن ينصب بها اسمان، ويرفع اسم، كما تقول: وجدت عبد الله عالما فترفع الفاعل وتنصب مفعولين. إن كان قولك: فإذا عبد الله (إذا) مع (عبد الله) بمنزلة (وجدت) فقد وجب أن ينتصب بعد عبد الله اسمان؛ لأن (وجدت) ههنا ليس من وجدان الضالة وإنما هي عندهم التي بمنزلة (عملت) الناصب مفعولين فكيف صرفوها فلا سبيل لرفع عبد الله ونصب القائم.
وإن قالوا: إن (إذا) إنما هي بمعنى (وجدت) ولا تعمل عمل (وجدت) [١١٢/ب] كما أن قولك: (حسبك) بمعنى الأمر وهو اسم ليس بمجزوم، كما ان (صه) و(مه) بمنزلة اسكت واكفف، وليسا على بناء الفعل ولا مثاله؛ وكما أن قولك: (أحسن بزيد) لفظه لفظ الأمر وهو تعجب في المعنى؛ وكما أن قولنا: (غفر الله
[ ٢ / ٥٤٧ ]
لزيد) لفظه لفظ الخبر وتأويله الدعاء، وكما أن قوله ﷿: ﴿لا تضار والدة بولدها﴾، في قراءة من رفع، لفظه لفظ الخبر وتأويله النهي، ومثله كثير؛ فالشيء قد يكون له لفظ وتأويله على خلاف ذلك فنعطيه ما يستحقه لفظا ونتأول معناه على ما وضع له فكذلك نقول نحن: إن قولنا: خرجت فإذا عبد الله قائم، تأويل (إذا) ههنا تأويل (وجدت) في المعنى وهي في اللفظ ظرف، وليس لها عمل (وجدت)، فنعملها في اللفظ عمل الظروف من المكان لأنها ظرف، ونتناول معناها على ما أدت عنه. فإذا صح ذلك فقد وجب الرفع في الاسمين المذكورين بعدها إذا كانا معرفتين، وبطل النصب، وجاز في القياس نصب الثاني على الحال إذا كان نكرة. فقد تبين لك ووضح أن قولك: (فإذا هو هي) لا يجوز النصب في (هي) لأنه لا ناصب لها؛ لأنهما ابتداء وخبر، وبطل أن تعمل (إذا) بلفظها عملين مختلفين: عمل الفعل، وعمل الظرف، كما زعموا، فترفع [١١٣/آ] الأول على أنها ظرف، وتنصب الثاني على أنها فعل ينصب مفعولين، فينصب
[ ٢ / ٥٤٨ ]
بها واحد ولم يؤت بالفعل. وهذا كمثل العامة: (إذا قيل للنعامة: احملي، قالت: أنا طائر، وإذا قيل لها: طيري، قالت: أنا جمل)، وهذا من المحال لأنهم إذا أعملوها عمل (وجدت) طالبناهم بفاعل ومفعولين، ولا سبيل لهم إلى إيجاد ذلك؛ وإن أعملوها عمل الظروف لزمهم رفع اسم واحد، وبقي المنصوب بلا ناصب؛ إلا أن يرجعوا إلى الحق، وقد مضى ذكره.
وإن كان قولهم (فإذا هو إياها) محفوظا عن العرب فهو من الشاذ الذي لا يعرج عليه، وقد حكى أبو زيد الأنصاري: (قد كنت أظن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو إياها). فإما أن يكون سيبويه قد بلغته هذه اللغة فلم يقبلها ولا عرج عليها؛ لأنه ليس كل من سمع منه أهلا عنده للقبول منه والحمل عنه. ألا ترى أنهم قد حكوا أن من العرب من ينصب بـ (لم) ويجزم بـ (لن) و(كي)؛ حكى ذلك اللحياني، وليس ذلك مما يلتفت إليه.
[ ٢ / ٥٤٩ ]
ومثل ذلك، في الشذوذ، خفض بعض العرب بـ (لعل) وحكوا:
لعل أبي المغوار منك قريب
فلم يلتفت سيبويه إلى مثل هذا ولا حكاه؛ والكوفيون حكوه وقاسوا عليه، وتكلموا على الخبر بأي شيء يرتفع، وبنوا عليه مسائل.
ومثله، مما قبله الكوفيون ولم يقبله سيبويه، قولهم: جاء القوم إلا زيد، بالرفع، ولم يقبله [١١٣/ب] البصريون.
ومن ذلك قولهم: (يا اللهم) فجمعوا بين الميم في آخر الاسم و(يا) في أوله، وهذان الحرفان عند البصريين يتعاقبان.
[ ٢ / ٥٥٠ ]
ومثله من رواية الكوفيين: بعبد الله زيد مأخوذا. وفيك زيد راغبا؛ فنصبوا الخبر مع الظرف الناقص وأجازوا ذلك. وقال الفراء؛ شبهت العرب الصفة الناقصة بالتامة. وقال الكسائي: أرادوا المصدر، كأنهم قالوا: فيك رغبة زيد.
ومثل ذلك إجازة الكوفيين: يا عبد الله وزيدا، بنصب زيد عطفا على عبد الله، وهو عند البصريين لحن.
ومثل إجازتهم عطف الظاهر على المضمر المخفوض. فأجازوا: مررت بك وزيد، وأجمع البصريون على أن هذا لحن. ومثل هذا، مما لم يجزه البصريون، كثير، وإنما ذكرت لك بعضه لتعلم أن قولهم (فإذا هو إياها) من هذا الجنس فلا تستوحش من رد سيبويه إياه؛ إذ كان فاسدا في القياس.
وإما أن يكون (فإذا هو إياها) لغة لم تبلغ سيبويه فأنكرها، كما أنكر أبو عمرو بن العلاء على ابن خيرة البصري (حفرت
[ ٢ / ٥٥١ ]
له إراتك) جمع إرة، وهي حفرة، و(استأصل الله عرقاتهم) بنصب التاء؛ لأن أبا عمرو لم يسمع هذه اللغة فاتبع القياس لأنها تاء الجميع فسبيلها أن تكسر في موضع النصب، وهو مذهب أكثر العرب، إلا أن قوما ربما شبهوها في مثل هذا المنقوص بلام الفعل فنصبوها في موضع النصب، وهو من الغلط والتوهم، كما يقول بعضهم: حلأت السويق فيهمز وكما قالوا: هذا جحر ضب خرب، وأنكر سيبويه ما لم يره مطابقا للقياس ولا رأى له وجها يقارب الصواب، ولم ير وجه الصواب فيه فيلزمه ويقطع بحجة.
وكان قصاراهم الالتجاء إلى السماع، والفزع إلى أعراب أحضروا فسئلوا عن ذلك، وسيبويه [١١٤/آ] إذ ذاك غريب طارئ عليهم، وهم مع القوم قاطنون.
وقال أصحابنا: قد كانوا أعطوا جعلا على متابعة الكسائي. وقالوا أيضا: إنما قصد الكسائي والفراء بالسؤال عنها حين علموا أنه غير جائز عنده؛ ليخالفوه ويرجعوا إلى السماع، فينقطع
[ ٢ / ٥٥٢ ]
المجلس عن النظر والقياس، لأن خبره قد كان عندهم.
ومع هذا فإن الكسائي، والفراء، وأصحابهما لا يدفعون أن قوله (فإذا هو هي) صواب جيد، وأنه الوجه؛ فلا معنى لقولهم: (أخطأت) إذا جاء بما هو صواب عندهم.
وأما قول ثعلب: (إنه إنما أدخل العماد في قوله: فإذا هو إياها، لأن إذا مفاجأة، وهو بمعنى رأيت ووجدت، فلذلك جاز معه العماد) فهو خطأ؛ لأن العماد عند البصريين والكوفيين لا يكون إلا فضلة يجوز إسقاطها، ثم يسميه البصريون الفصل، وذلك مثل قولك: كان زيد هو القائم، إذا جعلت (هو) عمادا نصبت القائم، ألا ترى أنك لو حذفت (هو) كان الكلام سديدا، ولو حذفت (هو) من قولك (فإذا هو إياها) لبطل الكلام؛ لأن (فإذا إياها) لا معنى له؟!. فقد تبين لك أن (هو) ههنا، لا يكون عمادا، ولو كان عمادا، كما زعم، لكانت مستغنى عنها؛ وهذا كاف فيما قصدنا له، وبالله التوفيق.
وأقول: إني لم أسمع، في هذه المسألة، أحسن من قول الكندي﵀-: المعاني لا تنصب المفاعيل الصريحة، ولا أبلغ.
[ ٢ / ٥٥٣ ]
وسيبويه هو عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي، من الحارث بن كعب، مولى لهم.
[ ٢ / ٥٥٤ ]
مسألة
سأل عنها علي بن أبي زيد الفصحي
أبا محمد القاسم بن علي الحريري
قال: ما يقول سيدنا- أدام الله توفيقه- في انتصاب لفظي بعض الشعراء، وهو قوله: