_________________
(١) تهذيب التهذيب (١١/٢٩٨) .
(٢) يكاد يجمع النقاد على توثيقه، فلا حاجة للتوسع في نقل أقوالهم. انظر: تهذيب الكمال (٤/١٧٠)، تهذيب التهذيب (١/٤٠٨)، تقريب التهذيب (ص١٢٥)
(٣) ٤/١٥ح ١٧٣١٠) .
(٤) السلسة الصحيحة (٢/٣٩٥رقم٢٢٦) .
[ ٤٤ ]
أجنبيةٍ-عدا ما وَرَدَ في حق أُمّ سُلَيْم، وأُمّ حَرَام، وسيأتي الكلام على ما وَرَدَ في شأنهما-.
والأحاديثُ التي ذَكَرَ بعضُ العلماء أنّ فيها خلوةً، أو استدل بها عَلَى أنّ مِنْ خصائص الرسول - ﷺ - الخلوة بالمرأة الأجنبية والنظر إليها ليست صريحة، ولعلي أذكرها وأذكر الجواب عنها فأولها:
١- حَدِيثُ خَالِد بْنِ ذَكْوَانَ (١)
عَنْ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ - ﷺ - غَدَاةَ بُنِيَ عَلَيَّ فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي، وَجُوَيْرِيَاتٌ يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ، يَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِهِنَّ يَوْمَ بَدْرٍ، حَتَّى قَالَتْ جَارِيَةٌ: وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: لا تَقُولِي هَكَذَا وَقُولِي مَا كُنْتِ تَقُولِينَ (٢) .
قَالَ ابن حَجَر: «قَوْله (كَمَجْلِسِك) - بِكَسْرِ اللام - أَيْ مَكَانك، قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: هُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ وَرَاء حِجَاب، أَوْ كَانَ قَبْل نُزُول آيَة الْحِجَاب، أَوْ جَازَ النَّظَر لِلْحَاجَةِ أَوْ عِنْد الْأَمْن مِنْ الْفِتْنَة اهـ. وَالْأَخِير هُوَ الْمُعْتَمَد، وَالَّذِي وَضَحَ لَنَا بِالأَدِلَّةِ الْقَوِيَّة أَنَّ مِنْ خَصَائِص النَّبِيّ ﷺ جَوَاز الْخَلْوَة بِالأَجْنَبِيَّةِ وَالنَّظَر إِلَيْهَا، وَهُوَ الْجَوَاب الصَّحِيح عَنْ قِصَّة أُمّ حَرَام بِنْت مِلْحَان فِي دُخُوله عَلَيْهَا وَنَوْمه عِنْدهَا وَتَفْلِيَتهَا رَأْسه وَلَمْ يَكُنْ بَيْنهمَا مَحْرَمِيّة وَلا زَوْجِيَّة» (٣) .
_________________
(١) خالد بن ذكوان أبو الحسين المديني، مولده بالمدينة وسكن البصرة وعمر إلى أن مات بها، وهو ثقة، وثقه ابنُ معين وغيره. انظر: التاريخ الكبير (٣/١٤٧رقم٥٠٤)، الجرح والتعديل (٣/٣٢٩رقم١٤٧٥)، مشاهير علماء الأمصار (ص٩٨)، الكامل في ضعفاء الرجال (٣/٧)، تهذيب الكمال (٨/٦٠)، الكاشف (١/٣٦٤رقم١٣١٧)، تقريب التهذيب (ص١٨٧رقم١٦٢٩) .
(٢) أخرجه: البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب شهود الملائكة بدرا (٤/١٤٦٩رقم٣٧٧٩)،كتاب النكاح، باب ضرب الدف في النكاح والوليمة (٥/١٩٧٦رقم٤٨٥٢) .
(٣) فتح الباري (٩/٢٠٣) .
[ ٤٥ ]
واعترض القارىء في المرقاة على كلام الحافظ هذا فَقَالَ: «هذا غريبٌ فإنَّ الحَدِيثَ لا دلالة فيه على كشف وجهها، ولا على الخلوة بها، بل ينافيها مقام الزفاف، وكذا قولها: فجعلت جُوَيْرِيَاتٌ لَنَا يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ» (١) .
قلتُ: وَما قاله القاريء بينٌ واضحٌ، فأين التنصيص على الخلوة؟ وكذلك أين كشف الوجه؟.
وقولها (فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي) لا يلزم منه أنّه جلس على فراشها معها، وليس فيه بيان لمجلسها من حيث القرب والبعد، بل قولها لخالد (كَمَجْلِسِكَ مِنِّي) يُشعر بالبعد لأنَّ خَالِد بْن ذَكْوَانَ ليس محرمًا لها، فلا بدَّ أنْ يكون مجلسه منها بعيدًا، والله أعلم.
نعم الحَدِيثُ يدل على جواز إعلان النكاح بالدف وبالغناء المباح، وفيه إقبال الإمام إلى العرس وإنْ كانَ فيه لهو ما لم يخرج عن حد المباح (٢)، قَالَ العيني عند ذكره فوائد الحَدِيث: «وفي الحَدِيث فوائد..ومنها الضرب بالدف في العرس بحضرة شارع الملة ومبين الحل من الحرمة، وإعلان النكاح بالدف والغناء المباح فرقا بينه وبين ما يستتر به من السفاح» (٣) .
٢- حَدِيثُ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الأَنْصَارِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: فَخَلا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّكُمْ لأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ» ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وفي لفظ للبخاري: «مَعَهَا أَوْلادٌ لَهَا»، وفي
_________________
(١) مرقاة المفاتيح (٣/٤١٩) .
(٢) فتح الباري (٩/٢٠٣) .
(٣) عمدة القاري (٢٠/١٣٦) .
[ ٤٦ ]
لفظ للبخاري أيضًا: «وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا فَكَلَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -» (١) .
والجواب عن الحَدِيث في تبويب البخاريّ على الحَدِيث فقد ترجم له بقوله: «باب ما يجوز أن يخلو الرجل بالمرأة عند الناس» .
قَالَ المهلبُ: «لم يرد أنسٌ أنه خَلا بها بحيثُ غَابَ عَنْ أبصار من كان معه، وإنما خلا بها بحيث لا يسمع من حضر شكواها، ولا ما دار بينهما من الكلام، ولهذا سمع أنس آخر الكلام فنقله ولم ينقل ما دار بينهما لأنه لم يسمعه» (٢) .
قَالَ النَّوَوِيّ: «جاءتْ امرأةٌ إلى رسول الله - ﷺ - فخلا بها هذه المرأةُ إمَّا محرمٌ له كأُمّ سُلَيْم وأختها، وإما المراد بالخلوة أنها سألته سؤالا خفيا بحضرة ناس ولم تكن خلوة مطلقة وهي الخلوة المنهي عنها» (٣)، والجوابُ الثاني هو المتعينُ كما يدلُ على ذلكَ سياق الحديث.
ونحو هذا الحَدِيث حَدِيث ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ امْرَأَةً كَانَ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً، فَقَالَ: يَا أُمَّ فُلانٍ انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ فَخَلا مَعَهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا (٤) .
_________________
(١) أخرجه: البخاري في صحيحه في: -كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي ﷺ للأنصار أنتم أحب الناس إلي (٣/١٣٧٩رقم ٣٥٧٥) -كتاب النكاح، باب ما يجوز أن يخلو الرجل بالمرأة عند الناس (٥/٢٠٠٦رقم ٤٩٣٦) -كتاب الأيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبي ﷺ (٦/٢٤٤٩رقم٦٢٦٩)، ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة ﵃ (٤/١٩٤٨رقم٢٥٠٩) .
(٢) فتح الباري (٩/٣٣٣) .
(٣) شرح النَّوَوِيّ على صحيح مسلم (١٦/٦٨) .
(٤) أخرجه: مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل (٤/١٨١٢رقم٢٣٢٦) .
[ ٤٧ ]
قَالَ النَّوَوِيّ: «خَلا معها في بعضِ الطرق: أي وَقَفَ مَعَها في طريق مسلوك ليقضي حاجتها ويفتيها في الخلوة ولم يكن ذلك من الخلوة بالأجنبية فإنَّ هذا كان في ممر الناس ومشاهدتهم إياه وإياها، لكن لا يسمعون كلامها لأنَّ مسألتها مما لا يظهره، والله أعلم» (١) .
٣- حَدِيثُ (٢) سَالِمِ بْنِ سَرْجٍ أبي النُّعْمَانِ قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ صُبَيَّةَ الْجُهَنِيَّةِ تَقُولُ: رُبَّمَا اخْتَلَفَتْ يَدِي وَيَدُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي الْوُضُوءِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ (٣) .
قَالَ ابنُ مَاجَةَ بعد روايته الحَدِيث: «سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَقُولُ: أُمُّ صُبَيَّةَ هِيَ خَوْلَةُ بِنْتُ قَيْسٍ، فَذَكَرْتُ لأَبِي زُرْعَةَ فَقَالَ: صَدَقَ» .
_________________
(١) شرح النَّوَوِيّ على صحيح مسلم (١٦/٦٨) .
(٢) ذكره الصالحي في سبل الهدي والرشاد (١٠/٤٤٤) ضمن أدلة من يقول بالخصوصية، وسترى أنه لا حجة فيه.
(٣) أخرجه: أبو داود في سننه، كتاب الطهارة، باب الوضوء بفضل وضوء المرأة (١/٢٠رقم٧٨)، وابن ماجه في سننه، كتاب الطهارة، باب الرجل والمرأة يتوضأن من إناء واحد (١/١٣٥رقم٣٨٢)، وابن سعد في الطبقات الكبرى (٨/٢٩٥)، وإسحاق بن راهويه في المسند (٥/٢٣٦رقم٢٣٨٣)، وابن أبي شيبة في المصنف (١/٤٠)، وأحمد بن حنبل في المسند (٦/٣٦٦)، والبخاري في الأدب المفرد (ص٣٦٣)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٦/١٨٢رقم٣٤٠٩)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٤/٢٣٥رقم٥٩٥، ٢٥/١٦٨رقم٤٠٩) وغيرهم، وإسناده جيّد. مداره على سالم بن سَرْج -بفتح المهملة وسكون الراء بعدها جيم- أبو النعمان المدنيّ يقال له:ابن خربوذ بفتح المعجمة ثم راء ثقيلة ثم موحدة مضمومة- وثقه ابنُ معين وابنُ حبان، ولم يتكلم فيه أحدٌ، وهو مقل جدًا فلم يذكر له إلاّ هذا الحديث الواحد-وذكر ابن سعد حديثا آخر لكن في إسناده الواقدي-، لذا اكتفيت بتجويد الإسناد دون تصحيحه. وقد تابع سالمًا أخوه نافع بن سرج عند ابن سعد ولكن في الإسناد إليه ضعفٌ. وانظر: علل الترمذي (ص٣٩)، الجرح والتعديل (٤/١٨٧رقم٨١٢)، تهذيب الكمال (١٠/١٤٣)، الكاشف (١/٤٢٢رقم١٧٧١)، تهذيب التهذيب (٣/٣٧٧)، تقريب التهذيب (ص٢٢٦رقم٢١٧٤)، تعليقة على علل ابن أبي حاتم لابن عبد الهادي (ص٢٣٤) .
[ ٤٨ ]
قلتُ: ليسَ في الحَدِيثِ دلالة على الخلوة أو النظر أو المس، فربما يوضع إناء خاص للوضوء في مكان عام فتتوضأ منه المرأة والرجل من دون خلوة أو مسيس، وهذا بين لمن عرف طبيعة حياتهم، وحال عيشهم في ذلك الزمان، وتأمل المقدمة الثالثة من المقدمات العامة المذكورة سابقًا.
قَالَ مُغْلطاي: «وأعترض بعضهم على صحة هذا الحَدِيث بكونه ﵇ لم يمس امرأة لا تحل له، قَالَ: وخولة هذه لم يأت في خبر صحيح ولا غيره أنها كانت بهذه الصفة. وفي الذي قاله نظرٌ؛ وذلك من قولها "تختلف" لأنّ الاختلاف لا يوجب مسًا، الثاني: لا يرفع صحة الحَدِيث لتخيل معارضة إذا عُدلتْ رواته، وسَلِمَ من شائبة الانقطاع» (١) .
وَقَالَ ابن حَجَر: «ومعنى تختلف أنه كان يغترف تارة قبلها، وتغترف هي تارة قبله» (٢) .
على أنّ هناك جوابا آخر ذكره ابنُ حَجَر عند كلامه على حَدِيث ابن عمر قَالَ: كَانَ الرِّجَال وَالنِّسَاء يَتَوَضَّئُونَ فِي زَمَان رَسُول اللَّه - ﷺ - جميعا (٣) قَالَ: «قَوْله: (جَمِيعًا) ظَاهِره أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَنَاوَلُونَ الْمَاء فِي حَالَة وَاحِدَة، وَحَكَى اِبْن التِّين عَنْ قَوْم أَنَّ مَعْنَاهُ
_________________
(١) شرح سنن ابن ماجه (١/٢١٧) لمغلطاي تحقيق: كامل عويضة، الناشر: مكتبة نزار الباز. وهذا الكتاب "شرح سنن ابن ماجه" من أنفس كتب شروح الأحاديث -التي أطلعتُ عليها- غير أنَّ هذه الطبعة من أسوأ الطبعات التي مرّتْ علىّ!، فلا تكاد تخلو صفحة من تصحيف، وتحريف، وسقط، مما جعل الاستفادة من الكتاب قليلة أو متعذرة، وزاد الطين بلة عدم وجود الفهارس التي هي مفاتيح الكتب، وعندي أنّ هذا الكتاب بهذه الصورة في حكم العدم فلا بدَّ من إعادة تحقيقه تحقيقًا علميًا، والله المستعان.
(٢) فتح الباري (١/٣٧٣) .
(٣) أخرجه: البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء، باب وضوء الرجل مع امرأته وفضل وضوء المرأة (١/٨٢رقم١٩٠) وغيره.
[ ٤٩ ]