أَنَّ الرِّجَال وَالنِّسَاء كَانُوا يَتَوَضَّئُونَ جَمِيعًا فِي مَوْضِع وَاحِد، هَؤُلاءِ عَلَى حِدَة وَهَؤُلاءِ عَلَى حِدَة، وَالزِّيَادَة الْمُتَقَدِّمَة فِي قَوْله " مِنْ إِنَاء وَاحِد " تَرِد عَلَيْهِ، وَكَأَنَّ هَذَا الْقَائِل اِسْتَبْعَدَ اِجْتِمَاع الرِّجَال وَالنِّسَاء الأَجَانِب، وَقَدْ أَجَابَ اِبْن التِّين عَنْهُ بِمَا حَكَاهُ عَنْ سَحْنُون أَنَّ مَعْنَاهُ كَانَ الرِّجَال يَتَوَضَّئُونَ وَيَذْهَبُونَ ثُمَّ تَأْتِي النِّسَاء فَيَتَوَضَّأْنَ، وَهُوَ خِلَاف الظَّاهِر مِنْ قَوْله " جَمِيعًا "، قَالَ أَهْل اللُّغَة: الْجَمِيع ضِدّ الْمُفْتَرِق، وَقَدْ وَقَعَ مُصَرَّحًا بِوَحْدَةِ الْإِنَاء فِي صَحِيح اِبْن خُزَيْمَة فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق مُعْتَمِر عَنْ عُبَيْد اللَّه عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ أَبْصَرَ النَّبِيّ ﷺ وَأَصْحَابه يَتَطَهَّرُونَ وَالنِّسَاء مَعَهُمْ مِنْ إِنَاء وَاحِد كُلّهمْ يَتَطَهَّر مِنْهُ، وَالْأَوْلَى فِي الْجَوَاب أَنْ يُقَال: لَا مَانِع مِنْ الِاجْتِمَاع قَبْل نُزُول الْحِجَاب، وَأَمَّا بَعْده فَيَخْتَصّ بِالزَّوْجَاتِ وَالْمَحَارِم» (١) .
٥- المقدمة الخامسة: لم أقف إلى الآن على حَدِيث صحيحٍ صريحٍ في مس النَّبِيّ - ﷺ - امرأةً أجنبية (٢)، أو مس امرأة أجنبية النَّبِيّ - ﷺ - عدا ما ورد في حَدِيث أُمّ حَرَام وسيأتي الكلام على ذلك- بل قالت عائشة: «وما مست كف رسول الله - ﷺ - كف امرأة قط» (٣) .
وقد يشكل على هذا حَدِيث هُشَيْم بن بَشير قَالَ: أخبرنا حُمَيْدٌ الطوِيل قَالَ: حدثنا أنسُ بنُ مَالِك قَالَ: كانَتِ الأمَةُ مِنْ إماءِ أهْلِ المَدِينَةِ لِتَأْخُذُ بِيَدِ رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) فتح الباري (١/٢٩٩) .
(٢) وردت أحاديث ضعيفة ومنكرة فيها الأخذ بيد الرسول من لدن النساء الأجنبيات وقد أضربتُ عن ذكرها لنكارتها وشدة ضعفها وليس المقام مقام استيعاب وحصر، وإنما ذكرتُ ما صح مما قد يفهم منه المس.
(٣) تقدم تخريجه.
[ ٥٠ ]
فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شاءَتْ (١) .
والجوابُ: مِنْ وجهين:
الأوّل: أن دلالة " لتأخذ بيد رسول الله" على المس غير بينة إذ ربما يراد بذلك الإشارة إلى غاية التصرف واللين، قَالَ ابن حَجَر: «والمقصود من الأخذ باليد لازمه وهو الرفق والانقياد، وقد اشتمل على أنواع من المبالغة في التواضع لذكره المرأة دون الرجل والأمة دون الحرة وحيث عمم بلفظ الإماء أي أمة كانت وبقوله حيث شاءت أي من الأمكنة والتعبير بالأخذ باليد إشارة إلى غاية التصرف حتى لو كانت حاجتها خارج المدينة» (٢)، وعلى كل حال هذه الدلالة معارضة بما هو أقوى وأصرح مما تقدم ذكره في المقدمة الثالثة.
الثاني: أنّ الحَدِيث نصّ على الإماء، ولا يخفى أنّ الإماء يفارقن الحرائر بأحكام كثيرة -فلا يخلو باب من أبواب الفقه - في الغالب - من ذكر الفروق بين الحرائر والإماء-، فملامسة الأمة أخف من ملامسة الحرائر، وكذلك النظر إليها وغير ذلك من الأحكام، وتبقى الحرائر على الأصل في تحريم المس.
قَالَ ابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب الصلوات، في الأمة تصلي بغير خمار (٢/٤١) حدثنا وكيعُ بنُ الجراح، قَالَ: حدثنا شعبةُ، عن قتادةَ، عن أنس قَالَ: رأى عُمرُ أمةً لنا متقنعة فضربها وَقَالَ: لا تشبهي بالحرائر، وهذا إسنادٌ صحيح (٣) .
_________________
(١) أخرجه: البخاريُّ في صحيحهِ، كتاب الأدب، باب الكبر (٥/٢٢٥٥رقم٥٧٢٤) معلقًا، قَالَ: وَقَالَ مُحَمَّد بن عيسى حدثنا هشيم-به-. وأحمد بن حنبل في مسند (٣/٩٨) قَالَ: حدثنا هشيم-به-.
(٢) فتح الباري (١٠/٤٩٠) .
(٣) وانظر للفائدة: نصب الراية (١/٣٠٠) .
[ ٥١ ]
قَالَ شيخُ الإسلامِ: «غناءُ الإماءِ الذي يسمعه الرجلُ قد كَانَ الصحابة يسمعونه في العرسات كما كانوا ينظرونَ إلى الإماء لعدم الفتنة في رؤيتهن وسماع أصواتهن» (١) .
تنبيه:
أخرج:
-ابن ماجه في سننه، كتاب الزهد، باب البراءة من الكبر والتواضع (٢/١٣٩٨رقم٤١٧٧) .
-وأحمد بن حنبل في مسنده (٣/١٧٤) .
-وابن أبي الدنيا في التواضع والخمول (ص١٥٨ رقم ١٢٢) .
-وأبو يعلى في مسنده (٧/٦١رقم٣٩٨٢) .
-وأبو الشيخ في أخلاق النَّبِيّ - ﷺ -، ما ذُكِرَ مِنْ حُسن خُلُق رسولِ الله - ﷺ - (١/١٣٨، ١٤٠رقم٢٦،٢٧) .
-وأبو نُعَيم في الحلية (٧/٢٠٢) .
جميعهم من طرق عن شعبة بن الحجاج عن علي بن زيد عن أنس بنِ مَالِك قَالَ: إنْ كانت الأمة من أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله - ﷺ - فما ينزع يده من يدها حتى تذهب به حيث شاءت من المدينة في حاجتها.
قَالَ البوصيريُّ: «هذا إسناد ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان» (٢)،
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٩/٥٥٢) .
(٢) مصباح الزجاجة (٤/٢٣٠) .
[ ٥٢ ]
قلتُ: لو قيل إنّ لفظة " فما ينزع يده من يدها" ضعيفة جدًا، لضعف علي، ومخالفته حميدًا الطويل لكان أدق في الحكم.
ومما قد يفهم منه المسيس حَدِيث أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالَتْ: تَزَوَّجَنِي الزُّبَيْرُ ومالُه في الأرْضِ مِنْ مالٍ ولاَ مَمْلُوكٍ ولا شيْءٍ غَيْرَ ناضِجٍ وغيْرَ فَرَسِهِ فَكنْت أعْلِفُ فَرَسَهُ وأسْتَقِي المَاءَ وأخْرِزُ غَرْبَهُ وأعْجِنُ ولَمْ أكُنْ أُحْسِنُ أخْبِزُ وكانَ يخْبِزُ جارَاتٌ لِي مِنَ الأنْصَارِ وكُنَّ نِسْوَةَ صِدْقٍ وكُنْتُ أنْقُلُ النَّوى مِنْ أرْضِ الزُّبَيْرِ الّتي أقْطَعَهُ رسولُ الله - ﷺ - على رأسِي وهْيَ مِنِّي علَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ فَجِئْتُ يَوْما والنَّوَى علَى رَأسِي فَلَقِيتُ رسولَ الله - ﷺ - ومَعَهُ نَفَرٌ مِنَ الأنْصَارِ فَدَعانِي ثُمَّ قَالَ: إخْ إخْ لِيَحْمِلَنِي خَلْفَهُ، فاسْتَحْيَيْتُ أنْ أسِيرَ مَعَ الرِّجالِ، وذَكَرْتُ الزُّبَيْر وغَيْرَتَهُ - وكانَ أغْيَرَ النَّاسِ - فَعَرَفَ رسولُ الله - ﷺ - أنِّي قَدِ اسْتَحْيَيْتُ فَمَضَى فَجِئْتُ الزبَيْرَ فَقْلُتُ: لَقِيَنِي رسول الله - ﷺ - وعلَى رأسِي النَّوَى ومَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أصْحابِهِ فأناحَ لأرْكَبَ فاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ وعَرَفْتُ غَيْرَتَكَ، فَقَالَ: والله لَحَمْلُكِ النَّوَى كانَ أشَدَّ عَليَّ مِنْ ركُوبِكِ مَعَهُ قالَتْ: حتَّى أرسَلَ إلَيَّ أبُو بَكْرٍ بَعْدَ ذالِكَ بِخادِمٍ يَكْفِيني سِياسَةَ الفَرَسِ فكأنما أعْتَقَنِي (١) .
والشاهد من الحَدِيث قوله: «فَدَعانِي ثُمَّ قَالَ: إخْ إخْ لِيَحْمِلَنِي خَلْفَهُ» ربما يقول قائل: كيف يحملها خلفه، هي ليست محرمًا له، وربما يحصل نوع مسيس؟.
والجواب:
١- أنّ في دلالة مفهوم الحَدِيث احتمالا؛ قَالَ ابن حَجَر: «قوله:" ليحملني خلفه" كأنها فهمت ذلك من قرينة الحال، وإلا فيحتمل أنْ يكونَ - ﷺ - أراد أنْ يركبها
_________________
(١) أخرجه: البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب الغيرة (٥/٢٠٠٢رقم ٤٩٢٦)، ومسلم في صحيحه، كتاب السلام (٤/١٧١٦رقم٢١٨٢) .
[ ٥٣ ]
وما معها، ويركب هو شيئا آخر غير ذلك» (١)، قلتُ: وإذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال.
٢-على أنّ الإرداف أحيانًا لا يستلزم المماسة قَالَ العظيم آبادي - تعليقًا على حَدِيثِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ قَالَتْ: جئتُ رسولَ الله - ﷺ - في نسوةْ من بني غفار وفيه " وكنت جارية حديثا سني فأردفني رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى حَقِيبَةِ رَحْلِهِ فنزل إِلَى الصُّبْحِ فَأَنَاخَ، وإذا أنا بالحقيبة عليها أثر دَمٌ مِنِّي فَكَانَتْ أَوَّلُ حَيْضَةٍ حِضْتُهَا " (٢) -: «قَالَ ابن الأثير: الحقيبةُ هي الزيادة التي تجعل في مؤخر القتب انتهى، فالإرداف على حقيبة الرّحل لا يستلزم المماسة فلا إشكال في إردافه - ﷺ - إياها» (٣) .
قالَ النَّوَوِيّ: «وَفِيهِ جَوَاز إِرْدَاف الْمَرْأَة الَّتِي لَيْسَتْ مَحْرَمًا إِذَا وُجِدَتْ فِي طَرِيق قَدْ أَعْيَتْ، لا سِيَّمَا مَعَ جَمَاعَة رِجَال صَالِحِينَ، وَلا شَكّ فِي جَوَاز مِثْل هَذَا.
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض: هَذَا خَاصّ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِخِلافِ غَيْره، فَقَدْ أَمَرَنَا بِالْمُبَاعَدَةِ مِنْ أَنْفَاس الرِّجَال وَالنِّسَاء، وَكَانَتْ عَادَته ﷺ مُبَاعَدَتهنَّ لِتَقْتَدِي بِهِ أُمَّته، قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ خُصُوصِيَّة لَه لِكَوْنِهَا بِنْت أَبِي بَكْر، وَأُخْت عَائِشَة، وَامْرَأَة
_________________
(١) فتح الباري (٩/٣٢٣) .
(٢) أخرجه: أبو داود في سننه، كتاب الطهارة، باب الاغتسال من الحيض (١/٨٤رقم٣١٣)، وأحمد بن حنبل في مسنده (٦/٣٨٠)،وابن منده في معرفة أسامي أرداف النَّبِيّ (ص٨١)، والبيهقي الكبرى، جماع أبواب الصلاة بالنجاسة وموضع الصلاة من مسجد وغيره، باب ما يستحب من استعمال ما يزيل الأثر مع الماء في غسل الدم (٢/٤٠٧) جميعهم من طريق مُحَمَّد بن إسحاق عن سليمان بن سحيم عن أمية بنت أبي الصلت عن امرأة من بني غفار-به- وفيه قصة. وإسناده ضعيف فأمية لا تعرف، ووقع في إسناده اختلاف ليس هذا موضع بيانه، وإنما ذكرته لأبين أنّ الإردافَ -عمومًا- لا يستلزم المماسة أحيانًا. قلتُ: وتوجيه العظيم آبادي لهذا الحديث بناءً على ثبوته ولكن تقدم أنه ضعيف.
(٣) عون المعبود (١/٣٤٧) .
[ ٥٤ ]
الزُّبَيْر، فَكَانَتْ كَإِحْدَى أَهْله وَنِسَائِهِ، مَعَ مَا خُصَّ بِهِ ﷺ أَنَّهُ أَمْلَك لِإِرْبِهِ. وَأَمَّا إِرْدَاف الْمَحَارِم فَجَائِز بِلا خِلَاف بِكُلِّ حَال» (١) .
قلتُ: دعوى الخُصُوصِيَّة فيها نظرٌ فالحَدِيثُ ليس فيه خلوة، ولا نظر، ودلالة المماسة محتملة كما تقدم، فلا يصح الاستدلال به على الخُصُوصِيَّة، واللهُ أعلم.
_________________
(١) شرح صحيح مسلم (١٤/١٦٦) .
[ ٥٥ ]