٣٢ - (٢٠) حدثنا قتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِى عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّىَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لأَبِى بَكْرٍ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إلهَ إِلَّا اللهِ، فَمَنْ قَالَ: لَا إله إِلَّا الله فَقَدْ عَصَمَ مِنِّى مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ "؟!. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللهِ، لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكاة. فَإنَّ الزَّكاةَ حَقُّ الْمالِ. وَاللهِ، لَوْ مَنَعُونِى عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلى رَسُول اللهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: فَوَاللهِ، مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رأَيْتُ اللهَ ﷿ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِى بَكْرٍ لِلْقِتَالِ. فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ.
ــ
وقوله: فى حديث أبى بكر مع عمر -﵄- فى الردَّة: " والله لأقاتلنَّ من فرَّق بين الصلاة والزكاة "، قال الإمام: فيه دليل على القول بالقياس، وكذلك فى قوله: " أرأيت لو لم يُصلوا " فكأنه إذا سلَّم له القتال على الصلاة قاسَ الزكاة عليها لما وردا فى القرآن موردًا واحدًا.
قال القاضى [﵁] (١): قد ورد فى الحديث نفسه وخرَّجه فى الكتاب من رواية عبد الله بن عُمَرَ: " أُمرْتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويُقيموا الصلاة، ويُؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم
_________________
(١) سقط من ق.
[ ١ / ٢٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأموالهم " الحديث، فعلى هذا هو نص فى قتال من لم يصَلّ ولم يؤت الزكاة، وإن لم يفعل ذلك لم يَعْصم دمه وماله، كمن لم يشهد بالشهادتين، لكن يَدُلَّ من احتجاج عمر على أبى بكر بالحديث - وليس فيه غير ذكر الشهادتين دون غيرهما، أنهما لم يسمعاهُ وأن ابن عُمَر سَمعَ ذلك من موْطنٍ آخر، والله أعلم، ولو سمع ذلك عُمر لما احتج بالحديث دونها؛ إذ تلك الزيادة عليه حجةٌ، ولو سَمِعها أبو بكر لاحتجَّ بها على عُمَرَ ولم يُحوج إلى الحجة [بالقياس ولا] (١) بعموم قوله: " إلا بحقها ".
وفيه الحجةُ للقول بالعموم لاحتجاج أبى بكر بقوله: " إلا بحقها ".
وقوله لعُمَر: " فإن الزكاة حقُّ المال "، وقد أجمع المسلمون على قتل الممتنع عن أداء الصلاة والزكاة مكذبًا بهما، وجمهورهم على قتل الممتنع من الصلاة أو المتهاون بها مع اعترافه بوجوبها، وأجمعوا على قتال الممتنع عن أداء الزكاة [قال ﵊]: (٢) " بنى الإسلام على خمس "، فهى دعائم الإسلام، فمن جحد واحدة منها كفر، ومن ترك واحدة منها لغير عذر وامتنع من فعلها مع إقراره بوجوبها قُتل عندنا وعند الكافة، وأخذت الزكاة من الممتنع كرهًا وقوتل إن امتنع، إلا الحج لكونه على التراخى.
واختلف العلماء فى قتل تارك (٣) غير الشهادتين، فأكثرهم على أن ذلك حدٌ لا كفرٌ، [وهو الصحيح، وقيل: كفر] (٤) والقول بهذا فى تارك الصلاة أكثر، وعليه تأولوا سبي أبى بكر لنساء مانعى الزكاة وأموالهم لاعتقاده كفرهم، ولقوله: ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ الآية (٥)، وللحديث المتقدم، وحَكَم فيهم حكم الناقض للعهد، فلما توفى ووَلى عمر ردَّ عليهم ذريَّتِهم وحكم فيهم حكم المرتدين.
وكان أهل الردة ثلاثة أصناف: صنف كفر بعد إسلامه ولم يلتزم شيئًا وعاد لجاهليته أو (٦) اتبع مسيلمة أو العنسىَّ وصدَّق بهما، وصنف أقرَّ بالإسلام إلا الزكاة فجحدها وأقر بالإيمان والصلاة، وتأول بعضهم أن ذلك كان خاصًا للنبى ﷺ لقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَة ﴾ الآية (٧)، وصنف اعترف بوجوبها ولكن امتنع من دفعها إلى أبى بكر وقال: إنما كان قبضُها للنبى ﷺ خاصةً لا لغيره ممن يقوم مقامه بعده، وفرقوا صدقاتهم بأيديهم،
_________________
(١) من ق. والقياس فى اللغة: التقدير والمساواة، وفى الاصطلاح: مساواة فرع الأصل فى علة حكمه. والمراد بالفرع: صورة أريد إلحاقها بالأخرى فى الحكم لوجود العلة الموجبة للحكم فيها. وبالأصل: الصورة الملحق بها. والفقهاء يسمون الأصل محل الوفاق، والفرع محل الخلاف. شرح مختصر ابن الحاجب ١/ ٦٣.
(٢) من ق.
(٣) فى الأصل: تاركها، والمثبت من ت، وهو الأليق بالسياق.
(٤) سقط من ق، وعلى أنه كفر فلا يصلى عليه ولا يدفن فى مقابر المسلمين.
(٥) التوبة: ٥.
(٦) فى ق: ومنهم.
(٧) التوبة: ١٠٣.
[ ١ / ٢٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فرأى أبو بكر والصحابة -﵃- قتال جميعهم، الصنفان الأوَّلان لكفرهم والثالث لامتناعه بزكاته، شمل جميعهم اسم الردة؛ إذ كانوا الأكثر، حتى لم يكن صُلى لله إلا فى المدينة ومكة وجُوَاثا (١).
وفيمن كفر منهم اختلف فى سبى ذراريه لا فى مانعى الزكاة، قاله الخطابى. ثم لم ينقرض العصرُ حتى أجمعوا على أنه لا يسبى المرتد، وإنما اختلف العلماء فى سبى أولاد المرتدين. وإلى مذهب أبى بكر فيهم وتأويله ذهب أصبُغ بنُ الفرج من أصحابنا (٢)، وبرأى عمر قال جمهور العلماء، ولا يصح أن يكون خلافًا بين الصحابة فى قتال الصنف الأول إذ هم كفار بغير خلاف، وإنما وقع النزاع أولًا فى هذين الصنفين الآخرين إذ هم [متأولون] (٣)، ولعذرهم بجهلهم بحقيقة أركان الشريعة لقرب عهد كثير منهم بالإسلام، وقِصَر مُدتهم فيه، وأما الآن فقد وقع الإجماع أنه من جحد فريضةً من الفرائض فهو كافر (٤).
وقول عمر: " فوالله ما هو إلا أن رأيتُ الله قد شرح صدر أبى بكر للقتال فعلمت أنه الحق " يعنى بما ظهر له من حجته عليه وبينه له من ذلك، لا أنَّ عمر قَلَّده واعتقد عصمته كما يذهب إليه الروافض من عصمة الإمام ويحتج بمثل هذا. وفيه حجة بإجماع الصحابة على قتال أهل البغى (٥) والتأويل، وتميز قتالهم خاصة من زمان على -﵁.
قال الإمام: [قوله] (٦): " لو منعونى عقالًا ": قيل: المراد به صدقةُ عام، يقال: أُخذ منه عِقال هذا العام إذا أخذ صدقته. قال الكسائى: قال الشاعر:
_________________
(١) البداية والنهاية ٦/ ٣٢٧، الكامل ٢/ ٢٣١.
(٢) هو أصبغ بن فارس الطائى، أحد أكابر علماء قرطبة، وزعمائها ومفتيها، كان فقيهًا، جليلًا فى الدولة العامرية، بصيرًا برأى مالك وأصحابه، توفى سنة ٣٩٩، أو أربعمائة. ترتيب المدارك ٧/ ١٥٩.
(٣) فى ت: متأولين، وهو خطأ. وقد نقل الأصوليون الاتفاق على أن الصحابة إذا اختلفوا ثم أجمعوا على أحد القولين قبل أن يستقر الخلاف كان ذلك إجماعًا. المجموع ٥/ ٣٣٤.
(٤) وكذلك من اعتقد حِلَّ شىء أجمع على تحريمه، وظهر حكمه بين المسلمين، وزالت الشبهة فيه للنصوص الواردة فيه، كلحم الخنزير، والزنا، وأشباه هذا، مما لا خلاف فيه، وإن استحلَّ قتل المعصومين، وأخذ أموالهم بغير شبهة ولا تأويل، فكذلك. المغنى ١٢/ ٢٧٦.
(٥) البغى: هو الخروج على الإمام الحق بغير الحق، والبغاة قسمان: أهل عناد، وأهل تأويل. وسيرد إن شاء الله مزيد تفصيل لأحكامهما فى بابه.
(٦) فى المعلم: وأما قوله.
[ ١ / ٢٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سعى (١) عقالًا فلم يترك لنا سبَدًا فكيف لو قد سعى (٢) عمرو عِقالين
قال أبو عُبيد: والعقال أيضًا اسم لما يُعقل به البعيرُ، قال: وقد بَعثَ -﵇- محمد بن مسلمة (٣) على الصدقة فكان يأخذ مع كل فريضتين عقالهما وقِرانَهُما، وكان [أيضًا] (٤) عمر [﵁] (٥) يأخذ مع كل فريضة عقالًا [ورواء] (٦)، [فيحتمل أن يكون هذا هو المراد بالحديث، وقاله على جهة المبالغة فى التقليل] (٧).
قال القاضى: قال الواقدى عن مالك وابن أبى ذئب: العقالُ هنا عِقال الناقة، وروى ابن وهب (٨) [قيل] (٩): [إنه الفريضة من الإبل، ونحوه عن النضر بن شُميل] (١٠)، وقال أبو سعيد الضرير (١١): العقال كل شىء يؤخذ للزكاة من أنعام وثمار لأنه عن مالكه (١٢). وقال المُبَردُ: العِقَالُ ما أُخذ لمُصَدِق من الصدقةِ بعينها فإن أخذ عِوضًا عنها
_________________
(١) فى نسخ الإكمال: سقى -بالقاف- والمثبت من المعلم.
(٢) فى نسخ الإكمال: سقى -بالقاف- والمثبت الصحيح من المعلم. واللسان، وهو من شعر عمرو بن العداء الكلبى لما اعتدى عمرو بن عتبة بن أبى سفيان -وهو ابن أخى معاوية- على صدقات كلب. قال ابن الأثير: نصب عقالًا على الطرف، أراد مدة عقالين والسّبَدُ الوبَرُ، قال الأصمعى: ماله سبَدُ ولا وَبَرُ، أى ما له قليل ولا كثير. وقال غير الأصمعى: السبدُ من الشعرِ، واللبدُ من الصوف.
(٣) هو محمد بن سلمة بن مسلمة الأنصارى الأوسى من نجباء الصحابة شهد بدرًا والمشاهد، كان -﵁- ممن اعتزل الفتنة، واتخذ سيفًا من خشب، وتحول إلى الرَّبْذَة، قام بها مديدة، استعمله عمر على زكاة جهينة، وقد كان عمر إذا شكى إليه عامل نفدَ محمدًا إليهم ليكشف أمره. شهد فتح مصر، وكان فيمن طلع الحِصنَ مع الزبير. مات سنة ثلاث وأربعين. سير ٢/ ٣٦٩.
(٤) و(٥) من المعلم.
(٥) فى الإكمال رسمت هكذا: ورواهم. والرواء الحبل.
(٦) من المعلم، ق.
(٧) هو العالم الحافظ، البارع، الرحال، عبد الله بن محمد بن وهب الدينورى، سمع أبا عُمَير بن النَّحاس الرملى، ويعقوب بن إبراهيم الدورقى، وأبا سعيد الأشج، ويونس بن عبد الأعلى، وطبقتهم بمصر والشام، والعراق، والحجاز، وصنف، وخرَّج. حدث عنه الفريابى وهو أكبر منه، والحافظ أبو على النيسابورى، والقاضى يوسف الميانجبى، والقاضى أبو بكر الأبهرى. قال الحافظ أبو على: بلغنى أن أبا زرعة الرازى كان يعجز عن مذاكرة ابن وهب الدينورى قال الذهبى بعد أن استعرض أقوال من قدح فيه من العلماء: وما عرفت له متنًا يتهم به فأذكره، أما فى تركيب الإسناد فلعله. مات سنة ثمان وثلاثمائة. سير ١٤/ ٤٠٠، ٤٠١.
(٨) من ق.
(٩) سقط من ق. والنضر بن شُميل هو العلامة الحافظ، أبو الحسن المازنىُّ، البصرى، النَّحوى، نزيل مروٍ وعالمها ولد فى حدود سنة اثنين وعشرين ومائة. حدث عن هشام بن عروة، وبهز بن حكيم، وحميد الطويل، وكهمس، وشعبة، وحماد بن سلمة، وخلق كثير. وعنه: يحيى بن معين، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن سعيد الدارمى وأمم سواهم. قال فيه أبو حاتم: ثقة صاحب سنة، وسئل عنه ابن المبارك فقال: ذاك أحدُ الأحدين، لم يكن أحد من أصحاب الخليل بن أحمد يدانيه، كان إمامًا فى العربية والحديث. مات أول سنة أربع ومائتين. الطبقات الكبرى ٧/ ٣٧٣، الجرح والتعديل ٨/ ٤٧٧، سير ٩/ ٣٢٨.
(١٠) لم أقف عليه.
(١١) ومعنى عقل عن مالكه: أى حبس. لسان العرب.
[ ١ / ٢٤٥ ]
٣٣ - (٢١) وحدّثنا أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى سَعِيِدُ بْنُ الْمُسَيّبِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إله إِلَّا الله، فَمَنْ قَالَ: لَا إلهَ إِلَّا الله عَصَمَ مِنِّى مَالَهُ وَنَفسَهُ إِلَّا بِحَقّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ ".
ــ
قيل: أخذ نقدًا.
ومنه قول الشاعر:
ولم يأخذ عقالًا ولا نقدا (١)
وقد روى فى هذا الحديث: " لو منعونى عناقًا " وروى: " جَدْيًا " وهو تفسير عناق وقد احتج من يرى أخذ العناق فى الزكاة من الغنم إذا كانت سخالًا (٢) كُلَّها بهذا وهو [أحد الأقوال عندنا ولا حجة فيه؛ لأنه إنما ورد على ضرب المثل للتقليل على الصحيح، واحتج بعضهم فى الزكاة فى العروض إذا كانت للتجارة بقوله: " لو منعونى عقالًا "، وفيه حجة] (٣) [أن الردة لا تسقط الزكاة عن مال المرتد] (٤) وفيه حجه على أن حول الأولاد حول الأمهات إذ لم يأت للعناق حول.
ومعنى " عصموا ": منعوا، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (٥) و﴿لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٦) [و﴿يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾] (٧)، وقد فسَّره بعدُ فى الحديث الآخر بقوله: " حَرُم مالُه ودمه "، واختصاصه ذلك بمن قال: لا إله إلا الله، تعبير عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد بهذا (٨) مشركو العرب، وأهل الأوثان، ومن لا يُقِرُّ بالصانع ولا يُوحده، وهم كانوا أول من دُعى إلى الإسلام وقوتل عليه، فأما غيره ممن يُقر بالتوحيد والصانع فلا يُكتَفى فى عصمة دَمِه بقوله ذلك، إذ كان يقولها فى كفره، وهى من اعتقاده، فلذلك جاء فى الحديث الآخر: " وأنى رسول الله، ويقيم الصلاة، ويؤتى الزكاة ".
وفيه من الفقة اجتهاد الأئمة فى النوازل، وردها إلى الأصول والمناظرة فيها، ورجوع
_________________
(١) جاء بعدها فى ق: وقيل: المراد ما نتج فى العقال إذا كان من عروض التجارة، فبلغ مع غير ما فيه الزكاة. ولا وجه له عندى.
(٢) السخلة: ولد الشاة من المعز والضأن، ذكرًا كان أو أنثى، والجمع سخل وسخال وسِخُلة، وقيل: هو ولد الغنم ساعة تضعُه أمه.
(٣) سقط من ق.
(٤) سقط من الأصل، ق، واستدرك بهامش الأصل وسقوط الزكاة عن مال المرتد هو قول أبى حنيفة والثورى؛ لأن ردّته أحبطت عمله، فأسقطت ما عليه من حقوق الله تعالى. وما ذكره القاضى هو مذهب الشافعى وأحمد أيضًا؛ لأنه حق عليه، فلم يسقط بردته كحقوق الآدميين. قلت: وهذا النزاع فى المرتد الذى لم يشهر سيفًا. راجع: المغنى ١٢/ ٢٩٧.
(٥) المائدة: ٦٧.
(٦) هود: ٤٣.
(٧) سقط من ق. وهى الآية ٤٣ من سورة هود.
(٨) فى ت: بها.
[ ١ / ٢٤٦ ]
٣٤ - () حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّىُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ العَزِيزِ - يَعْنِى الدَّرَاوَرْدىَّ - عَنِ الْعَلَاءِ. ح وَحَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ عَنِ الْعلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَيُؤمِنُوا بِى وَبِمَا جئْتُ بِهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذلِكَ عَصَمُوا مِنِّى دِمَاءهُمْ وأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّها، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ ".
٣٥ - () وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبىِ شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى سُفْيَانَ، عَنُ جَابِرٍ، وَعَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ " بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِى هُرَيرَةَ. ح وَحَدَّثَنِى أَبُو بَكْرِ ابْنُ أَبِى شَيْبَة، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْن الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - يَعْنِى ابْنَ مَهْدِىٍّ - قَالَا جَمِيعًا: حَدَثَنَا سُفْيانُ عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ؛ قَال: قَالَ رسُولُ اللهِ
ــ
من ظهر له الحق وتركه رأيه الأول، كما فعل عُمَرُ وغيرهُ. وترك تخطئة المتناظرين المجتهدين المختلفين فى الفروع بعضهم لبعضٍ، أو إنكار بعضهم لبعضِ ذلك، إذ كل واحد منهم مجتهد، فإن عمر لم يُخَطّئ أولًا أبا بكر، وإنما احتج عليه، ثم إن أبا بكر لم يُخَطّئ عمر ولا أنكر خلافه إذ خالفه، لكنه احتج عليه حتى بان له الحق ورجع إلى قوله.
وفيه الحجة لمن ذهب أن فعل الإمام إذا لم يُعرَف له مخالف إجماع (١)، لشهرة فعله، وأنهم كانوا ممن لا يُقرون على باطل، ويقومون بما عندهم من حق، ولا يكتمون ما عندهم من علم، ولا يداهنون فى دين الله، فإذا ظهر فعل إمام بحضرتهم، ولم يُسمع من أحد منهم له نكير، دلَّ على موافقتهم له، وإجماعهم على صواب فعله. وأكثر الأصوليين لا يرون هذا إجماعًا (٢).
_________________
(١) الإجماع هو: اتفاق مجتهدى الأمة بعد وفاة محمد ﷺ فى عصر على أى أمر كان. الغيث الهامع: باب الإجماع والقياس: ٣، وعنى بقوله: " على أى أمر كان " ما يعم الإثبات، والنفى، والأحكام الشرعية، واللغوية، والعقلية، والدنيوية. وقد جزم الأصوليون بحجية الإجماع فى الشرعيات واللغويات، ورجحوا حجيته فى العقليات والدنيويات لقبولهما احتمال تجدد النظر فى قضاياهما.
(٢) وهو ما يطلق عليه الأصوليون الإجماع السكوتى، وفيه مذاهب: الأول: أنه ليس بإجماع ولا حجة، لاحتمال توقف الساكت فى ذلك أو ذهابه إلى تصويب كل مجتهد وهذا اختيار القاضى أبى بكر، ونقله عن الشافعى، وقال: إنه آخر أقواله، وإمام الحرمين، وقال: إنه ظاهر مذهبه، ولهذا قال: لا ينسب إلى ساكت قول، وقال الغزالى فى المنخول: نص عليه فى الجديد، واختاره الإمام فخر الدين وأتباعه. الثانى: أنه إجماع وحجة، ويوافقة استدلال الشافعى بالإجماع السكوتى فى مواضع. راجع: الإجماع والقياس تحقيق وتعليق الدكتور محمود فرج: ٢٨.
[ ١ / ٢٤٧ ]
ﷺ: " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إلهَ إِلَّا اللهُ، فإِذَا قَالُوا: لَا إلهَ إِلَّا اللهُ، عَصَمُوا مِنِّى دِمَاءهُمْ وأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّها. وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ " ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّر. لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِر﴾ (١).
٣٦ - (٢٢) حدّثنا أَبُو غَسَّانَ المِسْمَعِىُّ، مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِك ابْنُ الصَّبَّاحِ، عَن شُعْبَةَ، عَنْ وَاقِدِ [[بن]] مُحَمَّدِ بْنِ زَيدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا ان لَا إلهَ إِلًاّ الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَيُقيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤْتوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا عَصَمُوا مِنِّى دِمَاءهُمْ وأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّها، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ ".
٣٧ - (٢٣) وحدّثنا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ - يَعْنِيَانِ الْفَزَارِىَّ - عَنْ أَبِى مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ قَالَ: لَا إلهَ إِلَّا الله، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبدُ مِنْ دُونِ اللهِ، حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ ".
٣٨ - () وحدّثنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ. ح وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِى مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: " مِنْ وَحَّدَ اللهَ " ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِهِ.
ــ
وفيه أن الواحد إذا خالف الجماعة فخلافه معتبر، ولا ينعقد به إجماع، خلافًا لمن رأى غير ذلك من الأصوليين (٢).
وفيه أن الخلاف إذا وقع ثم انعقد الإجماع قبل انقراض العصر أن الخلاف غير معتبر (٣).
وقوله: " وحسابهم على الله ": أى حساب سرائرهم إن أظَهروا ما يحقن دماءهم ويعصمهم وأبطنوا خلافه كما فعله المنافقون، فذلك إلى المطلع على السرائر، وأن حكم النبى -﵇- والأئمة بعده إنما كان على الظاهر.
_________________
(١) الغاشية: ٢١، ٢٢.
(٢) لأنه لابد فيه من الكل -كما ذكر ابن الحاجب- وقال: وعليه الجمهور. وفى المسألة قول: إن كان المخالف اثنين قدح فى الإجماع، السابق. والأصوليون المعنيون هنا هم أبو بكر الرازى، ومحمد بن جرير الطبرى، وأبو الحسين الخياط من المعتزلة. السابق: ٩.
(٣) ومثلوا له برجوع ابن عباس عن قوله بعدم تحريم ربا الفضل، وعدم نسخ نكاح المتعة واتفاقه مع الجمهور على تحريمهما، وكذا بحديث الباب حيث رجع الصحابة عن امتناع قتال مانعى الزكاة إلى قول الصديق بوجوب قتالهم. السابق: ٢١.
[ ١ / ٢٤٨ ]