٣٩ - (٢٤) وحدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِىُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ، جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِى أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " يَا عَمِّ، قُلْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ
ــ
وقوله (١) فى حديث أبى طالب: " كلمةً أشهد لك بها عند الله "، لقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (٢).
وشهادة النبى ﷺ له بذلك لو كان لطيب قلب النبى ﷺ بعلمه بموته على الإسلام، لقوله فى شهداء أُحُدٍ: " أمَّا أنا فشهيد على هؤلاء " (٣)، وقال فى الآخَرِ: " لا أدرى ما يُحدِثُون بعدى " (٤)،
_________________
(١) لم يرد للإمام فى المعلم كلام فى هذا الحديث.
(٢) الأحزاب: ٤٥، ومعنى الآية كما ذكر الإمام ابن كثير: أى شاهدًا على الناس بأعمالهم، أو شاهدًا لله بالوحدانية. تفسير القرآن العظيم ٦/ ٤٣١.
(٣) جزء حديث على غير لفظه أخرجه البخارى، وأبو داود والترمذى والنسائى وأحمد والبيهقى فى السنن الكبرى عن جابر بن عبد الله. ولفظه عند البخارى قال: كان النبى ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد فى ثوب واحدٍ ثم يقولُ: " أيَّهُم أكثر أخذًا للقرآن؟ " فإذا أشير له إلى أحدهما قدَّمه فى اللحدِ، وقال. " أنا شهيدٌ على هؤلاء يوم القيامة " وأمر بدفنهم فى دمائهم ولَمْ يُغَسَّلُوا ولم يُصلَّ عليهم. ك الجنائز، ب الصلاه على الشهيد ٢/ ١١٤، ب اللحد والشق فى القبر ١٢/ ١١٧، أبو داود فى الجنائز، ب فى الشهيد يغسل ٢/ ١٧٤، وزاد فيقدمه إلى القبلة، النسائى فى الجنائز، ب ترك الصلاة على الشهداء ٤/ ٦٢، البيهقى ٤/ ١٠، ٥/ ٣٦٥.
(٤) هو كسابقه جزء حديث للشيخين وغيرهما، وهو على غير هذا اللفظ، وإنما هو " فيقال: لا تدرى ما أحدثوا بعدك ". البخارى، ك التفسير، ب سورة الأنبياء ٦/ ١٢٢، ك الرقاق، ب كيف الحشر، عن ابن عباس، وكذا الترمذى فى أبواب القيامة، ب ما جاء فى شأن الحساب والقصاص ٤/ ٦١٣، البخارى فى الرقاق ب فى الحوض ٨/ ١٤٨، الفتن ٧/ ٥٨ عن عبد الله، وهو لمسلم، عن أبى هريرة فى ك الطهارة، ب استحباب إطالة الغرة ١/ ٢١٧ بلفظ: " وهل تدرى ما أحدثوا بعدك "، وهو له فى الفضائل، ب إثبات حوض نبينا ﷺ وصفاته، عن أم سلمة زوج النبى ﷺ ٤/ ١٧٩٥ وعن عبد الله ٤/ ١٧٩٦، وعن أنس =
[ ١ / ٢٤٩ ]
الله ". فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنِ أَبِى أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ، وَيُعِيدُ لَهُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: هُوَ عَلَىَ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. وَأَبى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " أَمَا وَالله، لأَسْتَغْفِرِنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْك "، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (١). وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِى أَبِى طَالِبٍ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ (٢).
٤٠ - () وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيم وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِىُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - وَهُوَ ابْنُ إِبْراهِيمَ بْنِ سَعْدٍ - قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ صَالِحٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِىِّ بِهذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ صَالِحٍ انْتَهَى عِنْدَ قَوْلِهِ: فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ فِيهِ. وَلَمْ يَذكُرِ الآيَتَيْنِ. وَقَالَ فِى حَدِيثِهِ: وَيَعُودَانِ فِى تِلْكَ الْمَقَالَةِ وَفِى حَدِيثِ مَعْمَرٍ مَكَاَنَ هذِهِ الْكَلِمَةِ، فَلَمْ يَزَالَا بِهِ.
ــ
وهى أيضًا فضيلة لمن رُزِقها كما قال فى المقيم بالمدينة: " والصابر على شدتها كنت له شهيدًا أو شفيعًا يوم القيامة " (٣)، ويكون هذا أيضًا لتطييب قلب عمه إن قالها؛ لما يرجوه من الخير بشهادته له وطلبه بها له من ربه جزيل ثوابه، مع ما تقدم له من نصره والذبّ عنه، كما قال فى الرواية الأخرى: " أُحاج لك بها يوم القيامة "، وإن كانت الأعمال فى الكفر غير نافعةٍ لكن رجا له -﵇- بموته على الإسلام من تفضل الله بما شاء من ثوابه، وشفاعته له ومكانته منه، وقد نالته بركتهُ مع موته على الكفر وخُفّفَ عذابُه بذلك، فكيف لو أسعده الله باتباعه؟! وسيأتى إكمال الكلام على هذا الفصل فى حديث حكيم
_________________
(١) = ٤/ ١٨٠٠ بمثل رواية البخارى. كما أخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجه ومالك فى الموطأ، وأحمد فى المسند ١/ ٣٩، ٥٠، ٢٣٥، ٢٥٣، ٣٨٤، ٣/ ٢٨، ١٠٢، ٢٨١، ٤/ ٣٩٦، ٥/ ٤٨، ٥٠، ٣٨٨، ٣٩٣، ٤٠٠، ٤١٢، الترمذى فى أبواب القيامة ٣، والتفسير، والنسائى فى ك الافتتاح، ب ٢١ عن أنس ٢/ ١٣٤ وكذا الجنائز والحج. ولعل مقصد القاضى من جمعه بين الحديثين بيان وقت المراد بالآية وحديث الباب إذا كان معناهما الرأى الأول الذى ذكرنا.
(٢) التوبة: ١١٣.
(٣) القصص: ٥٦.
(٤) جزء حديث لأحمد، أخرجه فى المسند عن أبى هريرة ٢/ ٤٣٩.
[ ١ / ٢٥٠ ]
٤١ - (٢٥) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ عَنْ يَزِيدَ - وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ - عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعَمِّهِ عِنْدَ المَوْتِ: " قُلْ: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، أشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ " فَأَبى، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْت﴾ الآيةَ (١).
٤٢ - () حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ ابْنُ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ الأَشْجَعِى، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعَمِّه: " قُلْ: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، أشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ " قَالَ: لَوْلَا أَنْ تُعيِّرَنِى قُرَيْشٌ، يَقُولُونَ: إِنَّمَا حَمَلَهُ، عَلَى ذلِكَ، الجَزَعُ، لأَقْرَرتُ بِهَا عَيْنَكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء﴾.
ــ
وحديث الشفاعة.
وقوله: " إنما حمله على ذلك الجزع ": كذا روايتنا فى هذا الموضع فى " الأم " وغيرها من كتب الحديث والخبر عن جملة شيوخنا بالجيم والزاى، إلا فيما قرأناه على أبى الحسن سراج بن عبد الملك اللغوى الحافظ فى كتاب أبى عبيد الهروى، فإنه ذكره الخَرَعُ -بالخاء والراء- وكذا نبهنا عليه غير واحد من شيوخنا أنه الصواب، وحكى أبو سُليمان الخطابىُّ أنَّ ثعلبًا كان يقول ذلك، وفسَّره بالضعف والخور، وقال شمُر بن حَيْدُويه (٢): كل رخو ضعيفٌ خريعٌ وخرِع، قال: والخَرَع الدَهَشُ، ومنه قول أبى طالب. فذكره، وفسّرَه بالضَعْفِ والخورَ.
وقوله: " حين حضرته الوفاة ": أى قرُب حاله وظهرت دلائل موته، وذلك كله قبل المعاينة، ولو كان بعد المعاينة والحضور الحقيقى لما نفعه، لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ للَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآن﴾ (٣)، ويدلُ على أنه لم يكن يُعاين ما جرى من محاوره النبى ﷺ وكفار قريش معه ومجاوبتهم بما جاوب. وقد رأيتُ بعضَ المتكلمين على الحديث جعل الحضور على حقيقة الاحتضار وأن النبى﵇- رجا بقوله ذلك حينئذ أن تناله الرحمة ببركته -﵇- ولهذا قال: " أشهد وأُحَاجُّ لك بها " ولا يصح لما قدمناه.
_________________
(١) القصص: ٥٦.
(٢) هو شمْرُ بن حيدويه الهروىّ، أبو عمرو، أحدُ الأثبات الثقات الحفَّاظ للغريب وعلم العرب. رحل إلى العراق فى شبيبته، وأخذ عن ابن الأعرابى وعن جماعة من أصحاب أبى عمرو الشيبانى، وأبى زيد الأنصارى، وأبى عُبيدَة والفراء، منهم أبو حاتم السجستانى، ألف كتابًا كبيرًا ابتدأه بحرف الجيم وطوله بالشواهد والروايات الجمة، وأودعه تفسير القرآن وغريب الحديث، قال الصفدى: لم يسبق إلى مثله، ولما كمل الكتاب فى حياته ضَنَّ به، فلم يبارك الله له فيما فعله حتى مضى لسبيله، فأختزل بعض أقاربه ذلك الكتاب، قال الأزهرى: أدركت من ذلك الكتاب تفاريق أجزاء، فتصحفتُ أبوابها، فوجدتُها على غاية من الكمال. الوافى بالوفيات ١٦/ ١٨٠، إنباه الرواة ٢/ ٧٧.
(٣) الأنبياء: ١٨.
[ ١ / ٢٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قوله: " لأقررْتُ بها عينَك ": قال ثعلب: أقرَّ الله عينه، أى بلغه أمنيته حتى ترضى نفسه وتقر عينهُ، فلا تستشرف لشىء، ومنه قولهم لمن أدرك ثأره: وقعْتَ بِقرك، أى أدرك فؤادك (١) ما كان يتطلع إليه، وقال الأصمعى: معناه: أبرد الله دمعته؛ لأن دمعة الفرح باردة وسمعت الأستاذ أبا الحسين بن الأخضر النحوى يقول فى تفسير هذا: إنه من البرد، كما قال فى ضده من السخن بقوله: أسخن الله عينَه، وذلك أن الذى يرى ما يسوءه يبكى فتسخُن عينُه بالدموع، والذى يرى ما يسرُّه لا يبكى فتبقى عينه باردة، فيكون معنى " أقرَّ الله عينه ": أى أراه ما يسرُّه.
وقوله: " فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها ويُعيدُ له تلك المقالة " كذا فى كافة الأصول، وعند جماعة شيوخنا وفى نسخة: " ويعيدان له تلك المقالة " وهو أشبه، يعنى أبا جهل وابن أبى أميَّة المذكورين أوَّل الحديث، المناقضين للنبى -﵇- فى أمره، ويصححه قوله فى الأم فى الحديث الآخر: " ويعودان بتلك المقالة " (٢).
_________________
(١) فى جميع النسخ رسمت هكذا: فليك وما أثبتناه من اللسان.
(٢) قال الأبى: لم يقولا له: لا تفعل وعدلا إلى هذا اللفظ -أترغبُ عن مِلةِ عبد المطلب- لأنه أبعث لأبى طالب على الإيامة. إكمال الإكمال ١/ ١١٠.
[ ١ / ٢٥٢ ]