فالصلاة بالليل من موجبات الجنة كما سبق ذكره في غير حديث، وقد دل عليه قول الله ﷿: (إنَّ المتقين في جناتٍ وعُيونٍ " آخذين مآ آتاهم ربُّهم إنهم كانوا قبلَ ذلك مُحسنين " كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون " وبالأسحارِ هم يستغفرون " وفي أموالِهم حقٌ للسائلِ والمحرومِ)، فوصفهم بالتيقظ بالليل، والاستغفار بالأسحار، وبالإنفاق من أموالهم.
وكان بعض السلف نائمًا فأتاه آتٍ في منامه فقال له: قم فصلِّ، أما علمت أن مفاتيح الجنة مع أصحاب الليل، هم خزانها هم خزّانها.
[ ٨٦ ]
وقيام الليل يوجب علوّ الدرجات في الجنة، قال الله تعالى لنبيه (: (ومن الليل فتهجَّدْ به نافلةً لك عسى أنْ يبعَثك ربُّك مقامًا محمودًا)، فجعل جزاءه على التهجد بالقرآن بالليل أن يبعثه المقام المحمود، وهو أعلى درجاته (.
قال عون بن عبد الله: " إن الله يدخل الجنة أقوامًا فيعطيهم حتى يملّوا، وفوقهم ناس في الدرجات العُلى، فلما نظروا إليهم عرفوهم، فقالوا: ربنا إخواننا كنا معهم، فبم فضلتهم علينا؟ فيقول: هيهات هيهات! إنهم كانوا يجوعون حين تشبعون، ويظمئون حين تروون، ويقومون حين تنامون، ويشخصون حين تخفضون ".
ويوجب أيضًا نعيم الجنة ما لم يطلع عليه العباد في الدنيا، قال الله ﷿: (تَتَجافى جُنُوبُهُم عن المضاجع يدعون ربَّهم خوفًا وطمعًا ومما رزقناهم يُنفقون " فلا تعلم نفسٌ مآ أُخفِيَ لهم من قُرَّة أَعْيُنٍ جزآءً بما كانوا يعملون) . وفي الصحيح عن النبي (قال: " يقول الله ﷿: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. اقرءوا إن شئتم: (فلا تعلمُ نفسٌ ما أُخفِي لهم من قُرَّةِ أعيُنٍ جزاءً بما كانوا يعملون) ". قال بعض السلف: أخفوا لله العمل فأخفى الله لهم الجزاء، فلو قدموا عليه لأقرّ تلك الأعين عنده.
ومما يجزي به المتهجدين في الليل: كثرة الأزواج من الحور العين في الجنة، فإن المتهجد قد ترك لذة النوم ولذة التمتع بأزواجه طلبًا لما عند الله ﷿، فعوضه الله تعالى خيرًا مما تركه وهو الحور العين في الجنة، ومن هنا قال بعض السلف: طول التهجد مهور الحور العين في الجنة. وكان بعض السلف يحيي الليل بالصلاة ففتر عن ذلك، فأتاه آتٍ في منامه فقال له: قد
[ ٨٧ ]
كنت يا فلان تدأب في الخطبة، فما الذي قصر بك عن ذلك؟. قال: وما ذلك؟. قال: كنت تقوم من الليل، أوَ ما علمت أن المتهجد إذا قام إلى التهجد قالت الملائكة: قد قام الخاطب إلى خطبته؟! ورأى بعضهم في منامه امرأة لا تشبه نساء الدنيا فقال لها: من أنت؟ قالت: حوراء أمة الله. فقال لها: زوجيني نفسك. قالت: اخطبني إلى سيدي وامهرني. قال: وما مهرك؟ قالت: طول التهجد.
نام بعض المتهجدين ذات ليلة فرأى في منامه حوراء تنشد:
أتخطبُ مثلي وعنِّي تنام ونومُ المحبين عنَّا حرام
لأنّا خُلِقنا لكلِ امرئٍ كثير الصلاة براه الصيام
وكان لبعض السلف ورد من الليل فنام عنه ليلة، فرأى في منامه جارية كأن وجهها القمر ومعها رقٌ فيه كتاب، فقالت: أتقرأ؟.قال: نعم. فأعطته إياه ففتحه فإذا فيه مكتوب:
أألهتك لذةُ نَومةٍ عن خير عيشٍ مع الخيرات في غُرَفِ الجنان
تعيش مخلّدًا لا موتَ فيه وتنعُمُ في الجنان مع الحِسان
تيَقّظ من منامك إن خيرًا من النوم التهجُّدُ بالقرآن
[ ٨٨ ]
فاستيقظ، قال: فوالله ما ذكرتها إلا ذهب عني النوم.
كان بعض الصالحين له ورد فنام عنه، فوقف عليه فتى في منامه فقال له بصوت محزون:
تيقّظ لساعاتٍ من الليل يا فتى لعلك تحظى في الجِنان بحورها
فتنعُمَ في دارٍ يدومُ نعيمُها محمدٌ فيها والخليلُ يزورها
فقمْ فتيقظْ ساعةً بعد ساعةٍ عساك تُوفِّي ما بقى من مهورها
كان بعض السلف الصالحين كثير التعبد، وبكى شوقًا إلى الله ستين سنة، فرأى في منامه كأنه على ضفة نهر يجري بالمسك، حافتاه شجر لؤلؤ ونبت من قضبان الذهب، فإذا بجوارٍ مزينات يقلن بصوتٍ واحد:
ذرانا إلهُ الناس ربُّ محمدٍ لقومٍ على الأقدام بالليل قُوَّمُ
يناجُون ربَّ العالمين إلهم وتسري همومُ القومِ والناسُ نُوَّمُ
فقال: بخ بخ لهؤلاء! من هم؟! لقد أقرّ الله أعينهم بكُن. فقلن: أوما تعرفهم؟! قال: لا. فقلن: بلا هؤلاء المتهجدون أصحاب القرآن والسهر.
وكان بعض الصالحين ربما نام في تهجده فتوقظه الحوراء في منامه فيستيقظ بإيقاظها، وروي عن أبي سليمان الداراني أنه قال: ذهب بي النوم ذات ليلة في صلاتي، فإذا بها يعني: الحوراء تنبهني وتقول: يا أبا سليمان! أترقد وأنا أربي لك في الخدر منذ خمسمائة سنة؟!. وفي رواية عنه أنه نام ليلة في سجوده قال: فإذا بها ركضتني برجلها وقالت: حبيبي أترقد عيناك والملك يقظان ينظر إلى المتهجدين في تهجدهم؟ بؤسًا لعين آثرت لذة نومٍ على مناجاة العزيز، قم فقد دنا الفراغ، ولقي المحبون بعضهم بعضًا، فما هذا الرقاد يا حبيبي وقرة عيني؟
[ ٨٩ ]
أترقد عيناك وأنا أربي لك في الخدور منذ خمسمائة عام؟ فوثب فزعًا من توبيخها له، قال: وإن حلاوة منطقها لفي سمعي وقلبي.
وكان أبو سليمان يقول: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا. وقال يزيد الرقاشي لحبيب العجمي: ما أعلم شيئًا أقر لعيون العابدين في الدنيا من التهجد في ظلمة الليل، وما أعلم شيئًا من نعيم الجنان وسرورها ألذّ عند العابدين ولا أقرّ لعيونهم من النظر إلى ذي الكبرياء العظيم إذا رفعت تلك الحجب وتجلى لهم الكريم. فصاح حبيب عند ذلك وخرّ مغشيًا عليه.
وكان السري يقول: رأيت الفوائد ترد في ظلام الليل. وقال أبو سليمان: إذا جن الليل وخلا كل جبيب بحبيبه، افترش أهل المحبة أقدامهم، وجرت دموعهم على خدودهم، أشرف الجليل ﷻ فنادى؛ يا جبريل! بعيني من تلذذ بكلامي، واستروح إلى مناجاتي، ناد فيهم يا جبريل: ما هذا البكاء؟! عل رأيتم حبيبًا يعذب أحباءه؟ أم كيف يجمُل بي أن أعذب قومًا إذا جنّهم الليل تملقوني؟ فبي حلفت إذا قدموا عليّ يوم القيامة لأكشفنّ لهم عن وجهي ينظرون إليّ وأنظر إليهم.
وسئل الحسن: لم كان المتهجدون أحسن الناس وجوهًا؟ قال: لإنهم خلوا بالرحمن فألبسهم نورًا من نوره. رأت امرأة من الصالحات في منامها كأن حُللًا قد فُرقت على أهل مسجد محمد بن جُحادة، فلما انتهى الذي يفرقها إليه دعا بسفطٍ مختوم فأخرج منه حُلةً صفراء، قالت: فلم يقم لها بصري،
[ ٩٠ ]
فكساه إياها، وقال: هذه لك بطول السهر. قالت: فوالله لقد كنت أراهتعني: محمد بن جحادة بعد ذلك فأتخايلها عليه. تعني تلك الحلة.
قال كرز بن وبرة: بلغني أن كعبًا قال: إن الملائكة ينظرون من السماء إلى الذين يتهجدون بالليل كما تنظرون أنتم إلى نجوم السماء.
يا نفسُ فازَ الصالحون بالتُّقى وأبصرُوا الحقَّ وقلبي قد عُمي
يا حسنهُم والليل قد جنَّهم ونورهم يفوقُ نورَ الأنجُمِ
ترنّموا بالذكر في ليلهم فعيشهم قد طاب بالترنُّمِ
قلوبهم للذكر قد تفرّغت دموعهم كلؤلؤٍ مُنظَّمِ
أسحارهم بهم لهم قد أشرقت وخِلعُ الغفران خيرُ القِسَمِ
في بعض الآثار يقول الله ﷿ كل ليلة: يا جبريل أقم فلانًا وأنم فلانًا. قام بعض الصالحين في ليلة باردة، وكان عليه خلقان رثّة فضربه البرد فبكى، فسمع هاتفًا يقول: أقمناك وأنمناهم، ثم تبكي!.
تنبّهوا يا أهلَ وادي المنحنى كم ذا الكرى، هبّ نسيمُ وجدي
كم بين خالٍ وجَوّ وساهرٍ وراقدٍ وكاتمٍ ومُبدي
قيل لابن مسعود: ما نستطيع قيام الليل. قال: أبعدتكم ذنوبكم.
وقيل للحسن: أعجزنا قيام الليل. قال: قيدتكم خطاياكم. إنما يؤهل الملوك للخلوة ومخاطبتهم من يخلص في ودادهم ومعاملتهم، فأما من كان من أهل مخالفتهم فلا يرضونه لذلك:
الليلُ لي ولأحبابي أُحادِثُهم قد اصطفيتهم كي يسمعوا ويَعُوا
لهم قلوبٌ بإسرارٍ لها مُلئت على وِدادي وإرشادي لهم طُبِعوا
قد أثمرت شجراتُ الفهمِ عندَهم فما جَنوا إذ جَنَوا مما به ارتفعوا
سُرُّوا فما وهِنوا عجزًا وما ضَعُفُوا وواصَلُوا حبلَ تقريبي فما انقطعوا
[ ٩١ ]