سؤال الناس مذلة وضعة، والمؤمن عزيز غير ذليل: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ «٢» فإن أعطي السائل فالمنة عليه ثقيلة، والجميل أسر له واستعباد، وإن منع خزي وخجل وتأفف من المسؤول أو أبغضه، واضطغن عليه «٣» وإن كان السائل قادرا على الكسب فهو كافر بنعمة الله إذا لم يشكر له نعمة الجوارح، فإن شكرها بالانتفاع بها فيما خلقت له، وما خلقت إلا للكدح بها في سبيل الرزق فلما كان السؤال بكل ذلك، وهو ما لا يلائم أخلاق المؤمن بين الرسول ﷺ أن الاكتساب خير منه، بل الاكتساب هو الخير، والسؤال هو الشر ولو كان الاكتساب من أدنى الحرف، فالذي يأخذ حبله ويخرج إلى المراعي والمزارع، أو الأجران والغابات، فيجمع حزمة حطب مما رغب عنه الناس، أو من كلأ مباح؛ ويحملها على ظهره ويبيعها بقرش أو مليمات يأكل به ويشرب فيحفظ بذلك على نفسه كرامتها وعزتها؛ ويقي وجهه ذلة المسألة خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه.
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب: البيوع، باب: كسب الرجل وعمله بيده (٢٠٧٥) .
(٢) سورة المنافقون، الآية: ٨.
(٣) اضطغن عليه: انطوى على الحقد.
[ ٣٣ ]
وبذلك عرفت أن أولئك الرجال أو النساء الذين يتّجرون في الفجل أو الكراث أو البصل أو في الخضروات أو البقول أو غيرها من الأشياء الرخيصة يحضرونها من المزارع وعلى ظهورهم أو رؤوسهم خير من أولئك الذين يجوبون الشوارع ليلا ونهارا يتكففون «١» الناس؛ وأكثرهم قادر على الكسب؛ صالح للعمل، بل أولئك المتجرون هم الأخيار، وأولئك الشحاذون هم الأشرار، فلا تعنهم على الشر ورغبهم في الخير، فالحديث يحضنا على اكتساب الرزق ولو من المهن الصغيرة، ويبغضنا في السؤال، ويحفظ علينا العزة والكرامة، ويمنعنا الذلة والمهانة.