مما شرعه الإسلام أداء الصلوات جماعة في المساجد لحكم بالغة، ومزايا جمة. ذلك أن القيام بها تأليف بين المسلمين وجمع لقلوبهم في أكبر عباده مهذبة للنفوس، مرقية للشعور، مذكرة بالواجب، معلقة الآمال بالكبير المتعال.
وفيها يقف الأمير بجانب الصغير، والغني بجانب الفقير. فتتساوى الرؤوس كما تساوت الأقدام في الصفوف. وإذ ذاك تنسى مظاهر الترف التي كثيرا ما فتنت الناس.
وفيها يتعلمون من الإمام الدّين بطريق عملي أو نظري بما يزودهم به من النصائح عقب الصلوات. وفيها معنى الوحدة. والتمرين على الأعمال المشتركة. والتدريب على مواقف الحرب تحت إمرة قائد واحد. وفي صلاة الجماعة أيضا حركة بالسعي إلى المساجد. فيزول الكسل ويحلو العمل. وفيها سهولة إعلام الناس بالأمور العامة- والحوادث المهمة- إلى غير ذلك من مزاياها.
فلما كانت بهذه المثابة أكد الرسول ﷺ طلبها، وحتم على الرجال حضورها.
فالرسول ﷺ يقسم بمن نفسه بيده، وروحه بقدرته، يتصرف فيها كما يشاء أنه قد همّ وعزم، وقدّر وصمم أن يأمر بعض الناس بإحضار حطب يحطم ويكسر ليسهل اشتعال النار فيه. ثم يؤمر بعض الناس بإحضار حطب يحطم ويكسر ليسهل اشتعال النار فيه. ثم يأمر بالصلاة يؤذن بها المؤذن. ثم يتخير من بين الحاضرين رجلا يؤم الناس في الصلاة نيابة عنه. ويتخلف هو إلى رجال في منازلهم قعدوا عن صلاة الجماعة. وتركوها بلا عزر. فيحرق عليهم بيوتهم بالحطب الذي يحطب. فيذهب الحريق بنفوسهم وأموالهم عقابا لهم على ترك هذه الشعيرة.
ثم أعاد الرسول ﷺ القسم تأكيدا وتثبيتا، وقال: لو يعلم أحد هؤلاء المتخلفين أن في الذهاب إلى المسجد شيئا حقيرا من متاع هذه الحياة يأكله أو ينتفع به لحضر
[ ٥٢ ]
صلاة العشاء التي هي من أثقل الصلوات على ضعفاء النفوس لظلام الطريق. واقتراب موعد النوم. والميل فيه إلى الراحة من عناء الأعمال طوال النهار. وقد مثل الشيء الحقير بظلف الشاة- نعلها الطبيعي- أو بعظم به بقايا لحم أو بلحيمة. وبسهمين دقيقين حسنين، يتعلم بهما الصبيان الرماية. وقيمتها ضئيلة. يعني بذلك الرسول أن هذا المتخلف لو وجد في الحضور إلى المساجد منفعة دنيوية يسيرة لهرول «١» إليها، فهو ضعيف الإيمان. غافل عن مزايا الجماعة. مؤثر لعرض هذه الحياة على ما عند الله.
والحديث كما ترى فيه وعيد شديد لتاركي صلاة الجماعة؛ وأنه همّ بقتلهم، وتحريق بيوتهم ولعله منعه من التنفيذ أن غرضه مجرد التهديد، أو نساء وصبيان يسكنون بيوتهم لا ذنب لهم ولا جريرة.
ومن أجل هذا الوعيد ذهب عطاء والأوزاعي، وأحمد وجماعة من محدثي الشافعية، كأبي ثور، وابن خزيمة، وابن المنذر، وابن حبان إلى أن صلاة الجماعة فرض عين.
بل بالغ داود بن علي وأتباعه من الظاهرية، فاشترطوا الجماعة لصحة الصلاة بناء على أن ما وجب في العبادة كان شرطا فيها، وظاهر نص الشافعي أنها فرض كفاية إذا قام بها جماعة سقطت عن الباقين، وعليه جمهور المتقدمين من أصحابه وكثير من الحنفية والمالكية، والمشهور عند الباقين أنها سنة مؤكدة.
وأجابوا عن حديثنا بجملة أجوبة لا تسلم من قدح «٢»، وأمثلها أن المراد بالصلاة الجمعة. واستدلوا لذلك بالتصريح بها في رواية لمسلم، ولكن جاء التصريح بالعشاء في روايات كثيرة صحيحة، ومن الأجوبة الأحاديث المفصلة لصلاة الجماعة على صلاة الفرد كحديث «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة»، وفي رواية: «بخمس وعشرين» - رواه البخاري «٣» عن أبي هريرة. فقالوا: إن الأفضلية
_________________
(١) هرول: أسرع.
(٢) القدح: الطعن.
(٣) رواه البخاري في كتاب: الأذان، باب: فضل صلاة الجماعة (٦٤٥) عن ابن عمر ﵁. منها ما روى مسلم في كتاب: المساجد، باب: ما روي في التخلف عن الجماعة (١٤٨٠) . -
[ ٥٣ ]
تقتضي الإشتراك في أصل الفضل، ومن لازم ذلك الجواز.
والحديث يدل على جواز أخذ مقتر في الجرائم على غرة لأنه ﷺ همّ بذلك في الوقت الذي عهد منه فيه الاشتغال بصلاة الجماعة، فأراد أن يبغتهم «١» في الوقت الذي يتحققون أنه لا يطرقهم فيه أحد.
ويدل أيضا على تقديم الوعيد والتهديد على العقوبة، وسر ذلك أن المفسدة إذا ارتفعت بالأهون من الزجر اكتفى به عن الأغلظ من العقوبة.
فاحرص أخي على صلاة الجماعة؛ ولا تدعها إلا لعذر قوي، ولا يشغلنك عنها لعبة، أو أكلة، ولا تتساهل في حق الله كما لا تقصر في حق نفسك، وكن لبيت الله معمرا، ولمصلحة إخوانك راعيا. كما راعى رسول الله ﷺ مصلحة صحبه وحملهم على القيام بالواجب. ولو ناداك عظيم لبيت نداءه. وهرولت نحوه لتنفذ إشاراته. فالله يناديك: حي على الصلاة: حي على الفلاح ويثني لك النداء فلا تجيب نداءه؟ ألا تهرول إلى الجماعة؟ ألا تعدو إلى التشرف بلقائه. والتلذذ بمناجاته في ذلك الجمع العظيم. من أولي النفوس الطاهرة؟ أكبر ظني أنك مجيب وكيف؟ وأنت الفطن اللبيب.