هذا الحديث قطعة من وصية وصى بها رسول الله ﷺ معاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن سنة عشر قاضيا عليها. أو واليا قال له: «إنك ستأتي قوما أهل كتاب فإذا جئتهم فادعهم إلي أن يشهدوا ألاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة. فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم.
نفائسها. واتق دعوة المظلوم » . إلخ.
دعوة المظلوم على ظالمه دعوة حقة، وإنها لانتصار من ظلمه: وَلَمَنِ انْتَصَرَ
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٠٣.
(٢) سورة الأنفال، الآية: ٤٦.
(٣) رواه البخاري في كتاب: المظالم، باب: الاتقاء والحذر من دعوة المظلوم (٢٤٤٨) . ورواه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام (١٢٢) .
[ ٦١ ]
بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ «١»، وهي دعوة حارة سخنت من نار الغضب صادرة من أعمال النفس، فكانت في السماء متصعدة، شأن الهواء إذا سخن بعيدة المدى، شأن القنبلة إذا أطلقت من مدفع بعيد الغور، فما تزال تشق أجواء الفضاء لا يحجبها حاجب ولا يردها صادر حتى تصل إلى السماء، فتخترق طبقاتها، وتنفذ من بنائها، فيتقبلها ربها بردا وسلاما لمن دعا، ونارا وجحيما لمن ظلمه، وكأن الرسول ﷺ استنبط هذا المعنى من قوله تعالى: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا «٢»، فالدعوة مشروعة بقوله: إِلَّا مَنْ ظُلِمَ، ومقبولة مسموعة بتعقيب الاستثناء بقوله: وَكانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا، وقد جاء في حديث رواه أحمد بسند حسن: قبول دعوة المظلوم وإن كان فاجرا، وأن فجوره على نفسه لا يقف دون دعوته. وجاء في الحديث أن إجابة الدعاء على ثلاث مراتب إما أن يجاب الداعي إلى ما طلب، وإما أن يدخر له أفضل منه، وإما أن يدفع عنه من السوء مثله، فلا تعجب إذا لم تجب إلى عين ما طلبت وقد ظلمت، فإن الله عليم حكيم قد تقتضي حكمته عدم الإجابة إلى ما سألت وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ «٣» .
وقد حذّر الرسول ﷺ واليه وعامله، وبعيثه وقاضيه من دعوة المظلوم، وأمره أن يتخذ من دونها وقاية، وما اتقاؤها إلا بتجنب أسبابها، فلا يظلم أحدا ممن تحت ولايته في نفسه إيذاء، أو في ماله بانتقاص كأن يأخذ في الزكاة كرائم أمواله، ونجائب «٤» حيوانه، دون الوسط من ذلك، فيوغر صدره ويسن لسانه؛ ويبعث بدعوة المظلوم من قلبه، ولا يحابي في عمله الأغنياء، ويعرض عن الفقراء، ولا يعفو عن ظالم لمكانة أو وجاهة، ولا يقبل رشوة أو شفاعة أو باطل، وإن كان قاضيا تجنب المحاباة ووزع المساواة، وأخذ للضعيف من القوي وتحرى الحق في قضائه، والعدل في أحكامه. إلى غير ذلك من آداب الولاة والقضاة، فليكن قاضي الجنة، والإمام العادل الذي يظله الله في يوم لا ظل إلا ظله.
_________________
(١) سورة الشورى، الآية: ٤١.
(٢) سورة النساء، الآية: ١٤٨.
(٣) سورة آل عمران، الآية: ٦٦.
(٤) أي أفضلها.
[ ٦٢ ]
فيا أيها القضاة والولاة، ويا أيها الحكام والرعاة، خوّلكم الله رعية وجعل تحت أيديكم حقوقا وأمانات، فاتقوا الله فيها؛ وأدوا الأمانات لأهلها، ولا تنقصوا أحدا حقه، ولا تبخسوا عاملا عمله؛ ولا تسلبوا مجدا أمله إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا «١» واعلموا أن من ظلمتم أو خذلتم فالله ناصره ومعينه؛ ووليه وكفيله؛ وإنه لمتقبل دعوته، ومستمع شكايته؛ ومنتقم ممن ظلمه؛ وآخذ له منه حقه، فاتقوا الدّيان؛ واحذروا النكال: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ «٢» .