٥٩- "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري؛ تركته وشركه". رواه مسلم، وابن ماجه عن أبي هريرة
ش- الغني-بكسر الغين المعجمة مقصورًا- يُقال على أضرب، أحدها: عدم الحاجات، والفاعل منه: هو الذي لا يحتاج إلى أحد في شيء، وكل أحد يحتاج إليه هو الغني المطلق، ولا يشارك الله فيه غيره، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥] والثاني: قلة الحاجات، وهو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا
[ ٨٣ ]
فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٨] وذلك هو المذكور في قوله ﵊: "الغنى غنى النفس" والثالث كثرة القينات بحسب ضروب الناس، كقوله جل ذكره:
﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء:٦] وعلى هذا قوله ﷺ لمعاذ لما أرسله إلى اليمن في شأن الصدقة، "تُؤخذ من أغنيائهم وتُرد في فقرائهم"١، ولفظ "أغنى": أفعل تفضيل؛ أي: أكثر غنىً من غيره، وليس على بابه؛ إذ لا غنى في الحقيقة بل الكل محتاج إليه.
والشركاء: جمع شريك، ومن هذه المادة الشركة، والمشاركة، وهو: خلط الملكين، وقيل: هو أن يوجد شيء لاثنين فصاعدًا عينًا كان ذلك الشيء، أو معنى كمشاركة الإنسان والفرس في الحيوانية، ومشاركة فرس وفرس في الكمتة، والدهمة.
قال الراغب: وشرك الإنسان في الدين ضربان؛ أحدهما: الشرك العظيم، وهو إثبات شريك لله تعالى، يُقال: أشرك فلان بالله، وذلك أعظم كفر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ١١٦] وقال تعالى: ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢] وقال تعالى: ﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] وقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] .
والثاني: الشرك الصغير، وهو مراعاة غير الله معه في بعض الأمور، وهو الرياء، والنفاق المشار إليه بقوله: ﴿شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٠] وقوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦] .
وقوله: "برئ" اسم فاعل؛ أي: خالص، ومفارق، وسالم منه، يقال: برئت من الشيء، أبرأ، براءة، وأنا منه بريء: إذا أزلته عن نفسك، وقطعت سبب ما بينك وبينه، قال ابن الأعرابي٢: البريء: المتفصي من القبائح، المتنحي عن الباطل
_________________
(١) ١ رواه أحمد في المسند "١/ ٢٣٢"والبخاري رقم "٤٣٤٧"ومسلم رقم "١٩". وأبو داود رقم "١٥٨٤"من حديث ابن عباس ﵁. ٢ ابن الأعرابي: هو أحمد بن محمد بن زياد بن بشر بن درهم، الإمام، المحدث، والقدوة، الصدوق، الحافظ، شيخ الإسلام أبو سعيد بن الأعرابي الصوفي، نزيل مكة، شيخ الحرم، كان كبير الشأن بعيد الصيت عالي الإسناد، توفي ﵀ بمكة سنة" ٣٤٠"هـ.
[ ٨٤ ]
والكذب، البعيد من التهم، التقي القلب من الشرك، والبريء: الصحيح الجسم، والعقل.
والمعنى والله أعلم: أن هذا الفعل الذي اتَّصف به العبد، وصدر منه، لا يرضى به الله ﵎، بل يسخطه.
وقوله في الحديث الثاني: "تركته وشركه" الشرك هنا بمعنى العمل، والواو عاطفة بمعنى مع؛ أي: أجعله وعمله مردودًا من حضرتي.
والمعنى: أن الله ﷾ أخبر: أنه أغنى الشركاء عن الشرك؛ أي: لا يصح أن يكون له شريك، فإذا كان بغض الشركاء غني عن الشركاء، فالله أغنى عن ذلك، وأبعد فإذا عمل العبد عملًا فواجب عليه أن يخلص فيه لله جلَّ ذكره، ولا يشرك فيه غيره جل، وعز، فإذا أشرك العبد بعمله. غير الله تعالى؛ فهو مردود عليه ذلك العمل، والله تعالى بريء من عمله ذلك. وعمل العبد الذي أشرك فيه غير الله فليطلب جزاءه من الشريك الذي أشركه مع الله تعالى في عمله، وأنى له ذلك!
ففيه حثُّ العباد أن يخلصوا في أعمالهم؛ ليكون العمل مقبولًا، ويثاب عليه، ويكون ذخرًا له في يوم هو أحوج ما يكون إليه. وفيه أيضًا: بيان غنى الله تعالى، وأنه أغنى الأغنياء، بل جميع الأغنياء محتاجون إليه، فهو الغني المطلق، وغيره فقير إليه، فلا ينبغي للعبد أن يطلب، أو يعمل شيئًا إلا لله جل اسمه، وتعالت صفاته، والله أعلم.
وقوله: رواه مسلم، هو الإمام الحافظ الحجة صاحب الصحيح -الذي هو أصح دواوين الإسلام في الحديث بعد صحيح البخاري- وانظر الكلام على صحيحه في كتاب -نموذج من الأعال الخيرية في إدارة الطباعة المنيرية -صفحة ٥٧٢- أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري المتوفى سنة ٢٦١هـ.
وابن ماجه هو الحافظ الكبير، والمؤلف القدير، الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني ابن ماجه الربعي، صاحب السنن، والتفسير، والتاريخ، المتوفى لثمان بقين من رمضان سنة ثلاث وسبعين ومئتين.
[ ٨٥ ]