٣٣٧ - عن ابن عباس - ﵄ - قال: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي بِنْتِ حَمْزَةَ: «لاتَحِلُّ لِي، يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ، وَهِيَ ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ» (١).
٣٣٨ - عن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسولُ اللَّه - ﷺ -: «إنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلادَةِ» (٢).
٣٣٩ - وعنها قالت: «إنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ، اسْتَاذَنَ عَلَيَّ بَعْدَمَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ، فَقُلْت: وَاَللَّهِ لا آذَنُ لَهُ، حَتَّى أَسْتَاذِنَ النَّبِيَّ - ﷺ - (٣)، فَإِنَّ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي الْقُعَيْسِ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَتُهُ، فَقَالَ: «ائْذَنِي لَهُ، فَإِنَّهُ عَمُّك، تَرِبَتْ يَمِينُك».
قَال عروة بن الزبير (٤): فَبِذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: حَرِّمُوا مِنَ الرَّضَاع (٥)
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الشهادات، باب الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض، برقم ٢٦٤٥، واللفظ له، ومسلم، كتاب الرضاع، باب تحريم ابنة الأخ من الرضاعة، برقم ١٤٤٧.
(٢) رواه البخاري، كتاب الشهادات، باب الشهادة على الأنساب، برقم ٢٦٤٦، واللفظ له، ومسلم، كتاب الرضاع، باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة، برقم ١٤٤٤.
(٣) في نسخة الزهيري: «حتى استأذن رسول اللَّه - ﷺ -»، ولفظ المتن للبخاري، برقم ٤٧٩٦.
(٤) في نسخة الزهيري: «قال عروة» ولم يذكر ابن الزبير.
(٥) في نسخة الزهيري: «حرموا من الرضاعة»، وهو لفظ البخاري، برقم ٤٧٩٦.
[ ٦٦١ ]
مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ (١).
وفي لفظٍ، اسْتَاذَنَ عَلَيَّ أَفْلَحُ، فَلَمْ آذَنْ لَهُ، فَقَالَ: أَتَحْتَجِبِينَ مِنِّي، وَأَنَا عَمُّك؟ فَقُلْت: كَيْفَ (٢) ذَلِكَ؟ قَالَ: أَرْضَعَتْك امْرَأَةُ أَخِي بِلَبَنِ أَخِي، قَالَتْ: فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -؟ فَقَالَ: «صَدَقَ أَفْلَحُ، ائْذَنِي لَهُ، تَرِبَتْ (٣) يَمِينُك» (٤). (٥)
٩٧ - قال الشارح - ﵀ -:
هذه الأحاديث فيما يتعلق بالرضاع، والرضاعة: هي مصُّ الطفل للثدي، أو ما يقوم مقام ذلك في حال الحولين، قبل أن يُفطَم، هذه يقال لها رضاعة، حكمها حكم النسب في التحريم والخلوة، لما ثبت عن النبي - ﵊ - أنه قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب التفسير، بَابُ قَوْلِهِ: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا * لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [الأحزاب: ٥٥]، برقم ٤٧٩٦، بلفظه، ومسلم، كتاب الرضاع، باب تحريم الرضاعة من ماء الفحل، برقم ٤ - (١٤٤٥)، بنحوه.
(٢) في نسخة الزهيري: «وكيف ذلك» بالواو، وهو لفظ البخاري، برقم ٢٦٤٤.
(٣) «تربت يمينك»: ليست في نسخة الزهيري، وهي في صحيح البخاري، برقم ٤٧٩٦، ومسلم، برقم ٤ - (١٤٤٥).
(٤) رواه البخاري، كتاب الشهادات، باب الشهادة على الأنساب، برقم ٢٦٤٤، بلفظه، إلا أنه لم يذكر في آخره: «تربت يمينك»، وهي في البخاري، برقم ٤٧٩٦ وأخرجه مسلم دون الجملة الأخيرة «صدق أفلح»، كتاب الرضاع، باب تحريم الرضاعة من ماء الفحل، برقم ١٤٤٥.
(٥) في نسخة الزهيري زيادة: «تربت يمينك: أي افتقرت، والعربُ تدعو على الرجل، ولا تريد وقوعَ الأمر به». وأشار المحقق الزهيري بأن هذه الجملة التفسيرية فقط في نسخة ابن الملقن.
[ ٦٦٢ ]
النسب» (١)، وأصله في كتاب اللَّه - ﷿ -، قال اللَّه سبحانه في المحرمات: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (٢)، فذكر سبحانه صنفين من الأمهات والأخوات، وجاءت السنة بالأصناف الأخرى: « يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (٣)، فيدخل في ذلك: البنات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأخت، وزوجة الأب، وزوجة الجد، وزوجة الابن، وزوجة أبناء البنين، وزوجة أبناء البنات، كلهم داخلون في الرضاع كالنسب؛ ولهذا لما قيل له - ﷺ -: ألا تنكح ابنة حمزة بنت عمه حمزة بن عبدالمطلب؟ قال: «إنها ابنة أخي من الرضاعة» (٤)، يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، عمه حمزة كان أخًا له من الرضاعة وبيّن الرسول - ﷺ - أن ابنته لا تحل له، لأنها ابنة أخيه من الرضاعة.
وهكذا حديث عائشة في قصة أفلح أخي أبي القعيس كانت عائشة ارتضعت من زوجة أبي القعيس، فاستأذن عليها أخوه: عمها وهو أفلح فلم تأذن له؛ لأنها تظن أن هذا الرضاع لا يؤثر، قالت:
_________________
(١) رواه البخاري، برقم ٢٦٤٥، ومسلم، برقم ١٤٤٧، وتقدم تخريجه في تخريج أحاديث شرح حديث المتن رقم ٣١٠.
(٢) سورة النساء، الآية: ٢٣ ..
(٣) البخاري، برقم ٢٦٤٥، ومسلم، برقم ١٤٤٧، وتقدم تخريجه في تخريج أحاديث شرح حديث المتن رقم ٣١٠.
(٤) رواه البخاري، برقم ٢٦٤٥، ومسلم، برقم ١٤٤٧، وتقدم تخريجه في تخريج أحاديث شرح حديث المتن رقم ٣١٠.
[ ٦٦٣ ]
إنما أرضعتني امرأة أبي القعيس: ولم يرضعني الرجل، فبيّن الرسول - ﷺ - أن الرضاعة كالنسب، وأن أبا القعيس يكون أبًا لها من الرضاع، وأن أخاه عم لها من الرضاع كالنسب، فدل ذلك على أن الرضاع يحرم من جهة الفحل، ومن جهة الأنثى، فالفحل وهو الزوج، يكون أبًا، وآباؤه أجدادًا، وإخوته أعمامًا، وأخواته عمات، وأمه جدة، وأخواتها خالاتها، وهكذا كالنسب، وهكذا المرأة تكون أُمًّا للرضيع، وإخوتها الذكور والإناث: أخوال وخالات الرضيع إلى آخره من النسب، ولهذا قال: «ائذني له؛ فإنه عمك تربت يمينك» (١)، وبذلك يظهر معنى يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وإذا سُقِيَ اللبن بالرضاعة لبن المرأة فهو كالرضاع: كالذي ارتضعه، سُقي منه خمس مرات، كل مرة تصل إلى جوفه كالرضاع، وهكذا إذا حلبت في فمه ولم يمصَّه، لِعلِّةٍ من العلل، حتى كمَّل خمس رضعات أو أكثر، فالمقصود أنه إذا وصله اللبن إليه من المرأة في حال الحولين، خمس مرات فأكثر، كل مرة مستقلة، يصل فيها اللبن إلى جوفه، يكون له حكم الرضاع إذا بلغ خمسًا فأكثر في حال الحولين، تكون أُمًا له، وصاحب اللبن الزوج أو السيد أبًا له، والفروع: معروف: من الأخوة وغيرهم كالنسب سواء.
_________________
(١) رواه البخاري، برقم ٤٧٩٦، ومسلم، برقم ١٤٤٥، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم ٣٣٩.
[ ٦٦٤ ]
٣٤٠ - وعنها - ﵂ - قالت: «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - (١): وَعِنْدِي رَجُلٌ، فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ، مَنْ هَذَا»؟ قُلْت: أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ، اُنْظُرْنَ مَنْ إخْوَانُكُنَّ؟ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ» (٢).
٣٤١ - عن عقبة بن الحارث - ﵁ -، «أَنَّهُ تَزَوَّجَ (٣) أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إهَابٍ، فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ (٤): فَأَعْرَضَ عَنِّي، قَالَ (٥): فَتَنَحَّيْتُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فقَالَ (٦): «وكَيْفَ؟ وَقَدْ زَعَمَتْ أَنْ قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا فنهاه عنها (٧)» (٨).
٣٤٢ - عن البَراء بن عازِب - ﵄ - قال: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ــ
_________________
(١) في نسخة الزهيري: «دخل علي النبي - ﷺ -».
(٢) رواه البخاري، كتاب الشهادات، باب الشهادة على الأنساب، والرضاع المستفيض والموت القديم، برقم ٢٦٤٧، بلفظه، ومسلم، كتاب الرضاعة، باب إنما الرضاعة من المجاعة، برقم ١٤٥٥، ولفظه: «دخل عليّ رسول اللَّه وعندي رجل قاعد، فاشتد ذلك عليه، ورأيت الغضبَ في وجهه، فقلت: يا رسول اللَّه: إنه أخي من الرضاعة » الحديث.
(٣) في نسخة الزهيري: «قال: تزوجت».
(٤) «قال»: ليست في نسخة الزهيري.
(٥) «قال»: ليست في نسخة الزهيري.
(٦) في نسخة الزهيري: «قال».
(٧) «فنهاه عنها»: ليست في نسخة الزهيري، وهي في البخاري، برقم ٢٦٥٩.
(٨) رواه البخاري، كتاب العلم، باب الرحلة في المسألة النازلة، وتعليم أهله، برقم ٨٨، وفيه في آخره: «فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «كيف وقد قيل؟»، ففارقها عقبة ونكحت زوجًا غيره»،وأخرجه بلفظه في كتاب الشهادات، باب شهادة الإماء والعبيد، برقم ٢٦٥٩، والحديث لم يخرجه مسلم.
[ ٦٦٥ ]
يَعْنِي مِنْ مَكَّةَ ــ فَتَبِعَتْهُمُ ابْنَةُ حَمْزَةَ، تُنَادِي: يَا عَمُّ، يا عم (١)، فَتَنَاوَلَهَا عَلِيٌّ، فَأَخَذَ بِيَدِهَا، وَقَالَ لِفَاطِمَةَ: دُونَكِ ابْنَةَ عَمِّك، فَاحْتَمَلَتْهَا (٢)، فَاخْتَصَمَ فِيهَا عَلِيٌّ، وَزَيْدٌ، وَجَعْفَرٌ فَقَالَ عَلِيٌّ: أَنَا أَحَقُّ بِهَا، وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّي، وَقَالَ جَعْفَرٌ: ابْنَةُ عَمِّي، وَخَالَتُهَا تَحْتِي، وَقَالَ زَيْدٌ: بْنَتُ (٣) أَخِي، فَقَضَى بِهَا النبي - ﷺ - لِخَالَتِهَا، وَقَالَ: «الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ» وَقَالَ لِعَلِيٍّ: «أَنْتَ مِنِّي، وَأَنَا مِنْك» وَقَالَ لِجَعْفَرٍ: «أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي» وَقَالَ لِزَيْدٍ: «أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلانَا» (٤).
٩٨ - قال الشارح - ﵀ -:
هذه الأحاديث الثلاثة كلها تتعلق بالرضاع، وتقدم أن الرضاع كالنسب فيما يتعلق بالمحرمية، والخلوة بالمرأة، والسفر بها، ونحو ذلك. كالنسب، تحرم كما قال - ﷺ -: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (٥)، في حق الرجل والمرأة جميعًا، من جهة الرجل، ومن
_________________
(١) «يا عم» الثانية: ليست في نسخة الزهيري، وهي في البخاري، برقم ٢٦٩٩.
(٢) في نسخة الزهيري: «فاحتملها»، وفي البخاري، برقم ٢٦٩٩: «دونك ابنة عمك احمليها »
(٣) في نسخة الزهيري: «ابنة»، وهي هكذا في البخاري، برقم ٢٦٩٩.
(٤) رواه البخاري، كتاب الصلح، باب كيف يكتب: هذا ما صالح فلان بن فلان، برقم ٢٦٩٩، بلفظه، وكتاب المغازي، باب غزوة زيد بن حارثة، برقم ٤٢٥١، وزاد في آخره: «.. وقال علي: ألا تتزوج بنت حمزة؟ قال - ﷺ -: «إنها ابنة أخي من الرضاعة»، وليس الحديث عند مسلم.
(٥) رواه البخاري رقم (٢٦٤٥)، ومسلم رقم (١٤٤٧)، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم ٣٣٧.
[ ٦٦٦ ]
جهة المرأة.
في هذا الحديث: حديث عائشة أن الرسول - ﷺ - رأى عندها رجلًا، فقال: «من هذا يا عائشة؟» قالت: أخي من الرضاعة. قال: «يا عائشة انظرن من إخوانكن، فإنما الرضاعة من المجاعة»، أي إنما الرضاعة تعتبر من المجاعة في حال حاجة الطفل إلى الرضاعة، وذلك في الحولين، فإذا جاوز الحولين، فقد استغنى عن الرضاعة، وصار في الغالب يأكل، ويعيش بغير الرضاعة، ولهذا في الحديث الآخر يقول - ﷺ -: «لا رضاع إلا في الحولين» (١)،
وفي اللفظ الآخر: «لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء، وكان قبل الفَطَام» (٢).
_________________
(١) أخرج مالك في موطأ، ٤/ ٨٧٦، برقم ٢٢٤٩: عَنْ «يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ فَقَالَ: إِنِّي مَصِصْتُ عَنْ امْرَأَتِي مِنْ ثَدْيِهَا لَبَنًا فَذَهَبَ فِي بَطْنِي فَقَالَ أَبُو مُوسَى: لَا أُرَاهَا إِلَّا قَدْ حَرُمَتْ عَلَيْكَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: انْظُرْ مَاذَا تُفْتِي بِهِ الرَّجُلَ! فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَمَاذَا تَقُولُ أَنْتَ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: لَا رَضَاعَةَ إِلَّا مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ مَا كَانَ هَذَا الْحَبْرُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ»، والسنن الكبرى للبيهقي، ٧/ ٤٦٢، وقال البيهقي في معرفة السنن والآثار، ١١/ ٢٦٧: «وَالصَّحِيحُ مَوْقُوفٌ»، وفي رواية أخرى عند مالك، ٤/ ٨٧١، برقم ٢٢٤٢: «عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ أَنَّهُ سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنْ الرَّضَاعَةِ، فَقَالَ سَعِيدٌ: كُلُّ مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ قَطْرَةً وَاحِدَةً فَهُوَ يُحَرِّمُ، وَمَا كَانَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ فَإِنَّمَا هُوَ طَعَامٌ يَاكُلُهُ» .. وفي مصنف ٧/ ٤٦٥، برقم ١٣٩٠٣ موقوفًا: «عن عمرو بن دينار، قال: كان ابن العباس يقول: «لا رضاع إلا ما كان في الحولين»، وفي مصنف ابن أبي شيبة موقوفًا عن عدد من الصحابة بالأرقام التالية: ١٧٠٥١، ١٧٠٥٢، ١٧٠٥٣، ١٧٠٥٤، ١٧٠٥٥، ١٧٠٥٦، ومن هذه الروايات: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «لَا رَضَاعَ إلَاّ مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ»، ورواه الدارقطني مرفوعًا، ٤/ ١٧٤، كتاب الرضاع، برقم ١٠، ووثّقها.
(٢) أخرجه الترمذي، كتاب الرضاع، باب ما جاء أن الرضاعة لا تحرم إلا في الصغر دون الحولين، برقم ١١٥٢، وقال: «حسن صحيح»، وسنن النسائي الكبرى، كتاب النكاح، الرضاعة بعد الفطام قبل الحولين، برقم ٥٤٦٥، وابن حبان، ١٠/ ٣٧، برقم ٤٢٢٤، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٧/ ٢٢١، برقم ٢١٥٠.
[ ٦٦٧ ]
والرضاع الشرعي الذي يحصل به التحريم هو ما كان في الحولين، قبل أن يُفطم؛ لهذا الحديث الصحيح: «إنما الرضاعة من المجاعة»، والأحاديث: «لا رضاع إلا في الحولين»، «لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء وكان قبل الفطام»، والواجب التثبت في الرضاع، وأن لا يتساهل الرجل والمرأة في ذلك إلا بعد ثبوت الرضاعة، والتأكد من وجود الرضاع الشرعي، الذي يحصل به التحريم، وذلك بأمرين:
أحدهما: أن يكون في الحولين.
الأمر الثاني: أن يكون خمس رضعات فأكثر، فلا يتم الرضاع، ولا يحصل به التحريم، ولا تثبت به الأحكام الشرعية، إلا بالأمرين:
أحدهما: كونه في الحولين.
والأمر الثاني أو الشرط الثاني: أن يكون الرضاع خمس رضعات فأكثر، كل رضعة يحصل بها وصول اللبن إلى الجوف جوف الطفل، لقوله - ﷺ - لامرأة أبي حذيفة [] (١): «أرضعيه خمس رضعات تحرمي عليه» (٢).
ويقول - ﷺ - في حديث عائشة: «كَانَ فِيمَا
_________________
(١) ما بين المعقوفين كلمات غير واضحة حذفتها، ولا يؤثر ذلك في المعنى.
(٢) أخرجه ابن حبان، ١٠/ ٢٩، برقم ٤٢١٥، ولفظه: «أَرْضِعِيهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ فَيَحْرُمُ بِلَبَنِكِ. فَفَعَلَتْ، وَكَانَتْ تَرَاهُ ابْنًا مِنَ الرَّضَاعَةِ»، والقصة موجودة في أكثر كتب الحديث بألفاظ مختلفة، وقد أشار لها الإمام البخاري دون ذكر لحادثة الرضاع، في كتاب المغازي، باب حدثني خليفة، برقم ٤٠٠٠، وفي كتاب النكاح، باب الأكفاء في الدين، برقم ٥٠٨٨، ومسلم مع قصة الإرضاع، كتاب الرضاع، باب رضاعة الكبير، برقم ١٤٥٣، ولكنه زاد في الرواية برقم ١٤٥٤: « أَخْبَرَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ، أَنَّ أُمَّهُ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أُمَّهَا أُمَّ سَلَمَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ -، كَانَتْ تَقُولُ: " أَبَى سَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنْ يُدْخِلْنَ عَلَيْهِنَّ أَحَدًا بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ، وَقُلْنَ لِعَائِشَةَ: وَاللَّهِ مَا نَرَى هَذَا إِلَّا رُخْصَةً أَرْخَصَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِسَالِمٍ خَاصَّةً، فَمَا هُوَ بِدَاخِلٍ عَلَيْنَا أَحَدٌ بِهَذِهِ الرَّضَاعَةِ، وَلَا رَائِينَا». [وقلت: وهذا يدل دلالة واضحة أن هذه الرضاعة في حال الكبر بعد الحولين خاصة بسالم مولى أبي حذيفة].
[ ٦٦٨ ]
أُنْزِلَ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ»، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ (١)، فلابد من خمس رضعات. وقال لامرأة أبي حذيفة في قصة سالم: «أرضعيه خمس رضعات تحرمي عليه». وقال: «لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ ولا الرَّضْعَتَانِ» (٢)، فلا بد من خمس معلومة مؤكدة أو أكثر.
حديث عقبة بن الحارث أبي سِروعة أنه تزوج امرأة يقال لها ابنة أبي إهاب، فجاءت امرأة سوداء فقالت: قد أرضعتكما، فسأل النبي - ﷺ - عن ذلك، فقال: «كيف أرضعتيه» (٣)، وفي اللفظ الآخر: «دعها عنك» (٤). هذا يدل (٥) [على أن الرضاع يثبت ولو بشهادة امرأة واحدة؛ ولهذا: امرأة سوداء جاءت إلى عقبة وزوجته] (٦)،
_________________
(١) مسلم، كتاب الرضاع، باب التحريم بخمس رضعات، برقم ١٤٥٢، ولفظه: «عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: «كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ، بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ».
(٢) مسلم، كتاب الرضاع، باب في المصة والمصتان، برقم ١٤٥١، ولفظه: أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ، حَدَّثَتْ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ أَوِ الرَّضْعَتَانِ، أَوِ الْمَصَّةُ أَوِ الْمَصَّتَانِ».
(٣) رواه البخاري، برقم ٨٨، وتقدم تخريجه.
(٤) رواه البخاري، كتاب الشهادات، باب شهادة المرضعة، برقم ٢٦٦٠، ولفظه: عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ، قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: «وَكَيْفَ وَقَدْ قِيلَ، دَعْهَا عَنْكَ» أَوْ نَحْوَهُ.
(٥) آخر الوجه الأول من الشريط السادس عشر.
(٦) ما بين المعقوفين سقط من الشريط، فأثبت هذه الكلمات؛ ليتم المعنى.
[ ٦٦٩ ]
وزعمت (١) أنها أرضعتهما، فأمره النبي بفراقها، يدل على أنه رضاع ثابت، والأحاديث المجملة في الرضاعة تُفسَّر بالأحاديث المفصلة، لأن السنة يفسر بعضها بعضًا، كالقرآن يفسر بعضه بعضًا.
والحديث الثالث: حديث البراء بن عازب في قصة حمزة لما خرج من مكة عام عمرة القضاء في سنة سبع للهجرة: تبعته ابنة حمزة بمكة: حمزة بن عبدالمطلب عم النبي - ﵊ -: تنادي: «يا عم يا عم» تريد أن يأخذوها، فأخذها علي وسلمها لفاطمة، وقال: دونك ابنة عمِّك، ثم اختصموا في حضانتها: من يتولاها. فقال عليٌّ: «أنا أحق بها، وهي ابنة عمي»، وقال جعفر: «أنا أحق بها، وخالتها تحتي»، وقال زيد بن حارثة: «هي ابنة أخي»، فقضى بها النبي - ﷺ - عند خالتها، قال: «الخالة بمنزلة الأم»، وقال لعلي: «أنت مني، وأنا منك»، وقال لجعفر: «أشبهت خلقي وخلقي»، وقال لزيد: «أنت أخونا ومولانا»، فطيب نفوسهم بكلمات طيبة - ﵊ -، وحكم بها لخالتها، فدلّ على أن الخالة في الحضانة مقدمة على أولاد العم، وأنها بمنزلة الأم، هي أولى بحضانة البنت الصغيرة حتى تبلغ، هي أولى بها، وأرفق بها، وأعطف عليها من بني عمها، وأضمن عليها أيضًا؛ لأنه قال: «الخالة بمنزلة الأم»، وفي هذا فضل علي، وجعفر، وزيد - ﵃ -، فالنبي قال لعلي: «أنت مني، وأنا منك»، هو ابن عمه، وأخوه في الإسلام، وقال لجعفر: «أشبهت خلقي وخلقي»،
_________________
(١) أول الوجه الثاني من الشريط السادس عشر.
[ ٦٧٠ ]
وهو ابن عمه أيضًا، وهم من خيرة الناس في الإسلام، وهو أخو علي، وأكبر من علي، وقال لزيد بن الحارثة مولى النبي - ﷺ - وعتيقه: «أنت أخونا ومولانا»، فخاطبهم بكلمات طيبة؛ لترفع من شأنهم، وتطيب نفوسهم، وأعطى الحكم الحق لأهله.
[ ٦٧١ ]