١١٠ - عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة - ﵁ - قال: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إحْدَى صَلاتَيِ الْعَشِيِّ ــ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: وَسَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا ــ قَالَ: فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ إلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى (٤)، وَخَرَجَتِ السَّرَعَانُ مِنِ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالُوا: قُصِرَتِ الصَّلاةُ؟ وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ ــ فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ ــ وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ طُولٌ، يُقَالُ لَهُ: ذُو الْيَدَيْنِ ــ قَالَ (٥): يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَسِيتَ أَمْ قُصِرَتِ الصَّلاةُ؟ قَالَ: «لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ». فَقَالَ: «أَكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟» قَالُوا (٦): نَعَمْ، فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى مَا تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ
_________________
(١) «الصلاة»: ليست في نسخة الزهيري.
(٢) «في»: ليست في نسخة الزهيري، وهي في مسلم، برقم ٥٢ - (٣٩٩).
(٣) رواه مسلم، كتاب الصلاة، باب حجة من قال لا يجهر بالبسملة، برقم ٥٢ - (٣٩٩).
(٤) «ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى»: ليست في نسخة الزهيري، وهي في البخاري، برقم ٤٨٢.
(٥) : في نسخة الزهيري: «فقال».
(٦) في نسخة الزهيري: «فقالوا»، وهو في البخاري، برقم ٤٨٢.
[ ٢٢٩ ]
كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَاسَهُ فَكَبَّرَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَاسَهُ وَكَبَّرَ، فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ، ثُمَّ سَلَّمَ؟ قَالَ (١):
فَنُبِّئْتُ: أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ» (٢).
العشي (٣): ما بين زوال الشمس إلى غروبها، قال اللَّه تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ (٤).
١١١ - عن عبد اللَّه بن بحينة ــ وكان من أصحاب النبي - ﷺ - ــ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، وَلَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إذَا قَضَى الصَّلاةَ، وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ ــ وَهُوَ جَالِسٌ ــ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ سَلَّمَ» (٥).
٢٤ - قال الشارح - ﵀ -:
هذه الأحاديث الثلاثة: الأوَّلُ منها يتعلق بقراءة البسملة في أول
_________________
(١) «قال»: ليست في نسخة الزهيري ..
(٢) رواه البخاري، كتاب الصلاة، باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، بلفظه، برقم ٤٨٢، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له، برقم ٥٧٣، وفيه: « إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ، إِمَّا الظُّهْرَ، وَإِمَّا الْعَصْرَ»، وفي رواية لمسلم، برقم ٩٩ - (٥٧٣): «صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهُ - ﷺ - صَلَاةَ الْعَصْرِ » الحديث، وفي رواية لمسلم أيضًا برقم ١٠٠ - (٥٧٣): «بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - صَلَاةَ الظُّهْرِ »، واللَّه أعلم.
(٣) من كلمة العشي إلى كلمة الإبكار: ليست في نسخة الزهيري.
(٤) سورة غافر، الآية: ٥٥.
(٥) رواه البخاري، كتاب الأذان، باب من لم ير التشهد الأول واجبًا، برقم ٨٢٩، واللفظ له، وكتاب السهو، باب ما جاء في السهو إذا قام من ركعتي الفريضة، برقم ١٢٢٤، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له، برقم ٥٧٠.
[ ٢٣٠ ]
القراءة، والثاني والثالث يتعلقان بما يفعله في سجود السهو.
في حديث أنس المتقدم: الروايات كلها تدل على أنه لا يشرع للإمام الجهر بالتسمية عند القراءة؛ فإذا كبر بالصلاة واستفتح يتعوذ ويسمي سرًا، ثم يجهر بالفاتحة في المغرب والعشاء والفجر والجمعة والعيد لا يجهر بالبسملة، هذا هو الأفضل؛ ولهذا قال أنس: إن الرسول - ﷺ - كان ما يجهر بـ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) في أول الصلاة، وهكذا أبو بكر وعمر وعثمان بعده - ﵊ -، كانوا يسرون، فالسنة الإسرار بها، إذا كبر واستفتح، يقول: أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم بسم اللَّه الرحمن الرحيم سرًا، ثم يجهر، ويقول: الحمد للَّه رب العالمين، ويقرأ الفاتحة، هذا هو السنة، ولو جهر بعض الأحيان للتعليم، حتى يُعلِّم من خلفه أنه يقرأها فلا بأس، كما روى أبو هريرة وآخرون (١)
من باب التعليم إذا جهر بها بعض الأحيان جهرًا
_________________
(١) «عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، فَقَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ حَتَّى إِذَا بَلَغَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فَقَالَ: آمِينَ، فَقَالَ النَّاسُ: آمِينَ، وَيَقُولُ: كُلَّمَا سَجَدَ اللَّهُ أَكْبَرُ، وَإِذَا قَامَ مِنْ الْجُلُوسِ فِي الِاثْنَتَيْنِ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَإِذَا سَلَّمَ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -»، أخرجه النسائي، الافتتاح، باب قراءة بسم اللَّه الرحمن الرحيم، برقم ٩٠٦، وابن خزيمة في صحيحه، برقم ٤٩٩، وابن حبان، ٥/ ١٠٠، برقم ١٧٩٧، وضعفه الشيخ الألباني، في تعليقه على صحيح ابن خزيمة. وسمعت شيخنا ابن باز - ﵀ - يقول أثناء تعليقه على بلوغ المرام لابن حجر، الحديث رقم ٣٠١: الجمع بين حديث أبي هريرة، وما قبله في البسملة أنه ربما قرأ بالبسملة بعض الأحيان، حتى يُسمع من حوله، حتى يعلم أنه يقرؤها كما جاء في حديث أبي قتادة أنه - ﷺ - كان يسمعهم الآية أحيانًا ليعلموا قراءته، ثم فعل أبي هريرة - ﵁ - ليس بصريح، أما حديث أنس فهو صريح.
[ ٢٣١ ]
خفيفًا ليسمعها من خلفه أنه يقرؤها من باب التعليم فلا بأس، لكن السنة الإسرار بالتعوذ والتسمية، والجهر يكون في أول الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فيما يُجهر فيه، كالمغرب، والعشاء، والفجر، والجمعة، هذا المقصود من رواية أنس، ليس المعنى أنهم يتركونها، لا، لكن لا يجهرون بها، ولهذا في اللفظ الآخر: «كَانُوا لَا يَجْهَرُونَ بِـ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾» (١) وهذا هو السنة.
وأما حديث أبي هريرة من طريق ابن سيرين هو يدل على أن الإمام إذا سها، وهكذا المنفرد إذا سها في الصلاة، وسلم من ثنتين [في]: الظهر، أو العصر، أو العشاء، أو المغرب، إذا سلم من ثنتين ثم نبه أو تذكر، فإنه يكمّل صلاته، فإذا كملها، وقرأ التحيات يسلم، ثم يسجد للسهو سجدتين بعد السلام، هذا هو الأفضل، يكون سجوده بعد السلام إذا سلم عن ركعة أو ركعتين، يكون سجوده بعد السلام يكمل إذا نُبه أو تنبه، يكمل صلاته، ثم بعدما يكملها يسجد سجدتين للسهو بعد السلام، ثم يسلم تسليمة ثانية بعد السجدتين، هذا إذا كان عن نقص ركعة أو ركعتين، ويقول في السجود مثل ما يقول في الصلاة (سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى) ويدعو
_________________
(١) مسند أحمد، ٢٠/ ٢١٩، برقم ١٢٨٤٥، وابن حبان، ٥/ ١٠٥، برقم ١٨٠٢، وصحح إسناده محققو المسند، ٢٠/ ٢١٩، والشيخ الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان، ٣/ ٣٠٦، برقم ١٧٩٥.
[ ٢٣٢ ]
مثل سجود الصلاة سواء.
وفي هذا من الفوائد: أن الرسل يجري عليهم السهو مثل ما يجري على غيرهم، مثل ما قال - ﷺ -: «إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ» (١)، فالرسل عليهم الصلاة والسلام يصيبهم النسيان كما يصيب غيرهم، لكنهم معصومون فيما يبلغون عن اللَّه أن يقع خطأ فكل ما يبلغ عن اللَّه فهو محفوظ: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٢)، فليس فيه خطأ، بل هم معصومون أن ينقلوا عن اللَّه من الشريعة ما هو خطأ، بل هم معصومون في ذلك، كل ما يبلغونه عن اللَّه فهو حق، لكن يقع منهم السهو، ولا يُقرون عليه فينبهون، إما أن يتنبه، وإلا أن يُنَبَّه مثل ما جرى في قصة (ذي اليدين) أنه سلّم من ثنتين - ﵊ - في صلاة العصر، كما في الرواية الثانية، ثم قام وجلس في مقدم المسجد، فقال له ذو اليدين: أقصُرت الصلاة أم نسيت؟ فقال: «لم أنس ولم تقصر». وكان قد نسي - ﵊ -، فسأل الناس، فصوَّبوا ذا اليدين، فقام وكمَّل - ﵊ -، ثم بعدما كمل وسلم من التشهد، ثم سجد سجدتي السهو، ثم سلم منها - ﵊ -، هذا هو السنة، وإن سجد قبل السلام أجزأه، لكن الأفضل بعد السلام في مثل هذا إذا كان النقص عن ركعة أو
_________________
(١) البخاري، كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حيث كان، برقم ٤٠١، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له، برقم ٥٧٢.
(٢) سورة النجم، الآية: ٤.
[ ٢٣٣ ]
ركعتين يكون سجوده بعد السلام، هذا هو الأفضل، أما إذا كان سهوه عن غير ذلك، فمثلًا ترك التشهد الأول ناسيًا، وقام للثالثة، هذا يسجد قبل السلام، وهكذا جميع أنواع السهو كله قبل السلام، كله يسجد قبل السلام ثم يسلم، إذا نسي التشهد الأول، نسي التكبير عند الركوع أو عند السجود، أو نسي: رب اغفر لي بين السجدتين، أو نسي أن يقول: سمع اللَّه لمن حمده، هذه كلها يسجد لها قبل السلام سجدتين للسهو، وهكذا المنفرد مثله سواء بسواء.
أما المأموم ما عليه شيء، فهو تبع لإمامه، لو سها المأموم الذي دخل من أول الصلاة ليس عليه شيء، فهو تابع لإمامه، إلا إذا كان مسبوقًا بشيء؛ فإنه يسجد للسهو، إذا كان مسبوقًا بركعة أو أكثر؛ فإنه إذا سها يسجد للسهو، بعدما يقضي ما عليه، إذا قضى ما عليه يسجد للسهو قبل السلام، إلا إذا كان سلم عن ركعة أو ركعتين نقصًا، يكون سجوده بعد السلام، كما تقدم في حديث ابن سيرين، وبهذا تعلم أن السهو له حالان:
أحدهما: أن يكون ساهيًا في ترك ركعتين أو ركعة، وسلم منها ثم نبه وكمل، هذا يكون سجوده بعد السلام، هذا هو الأفضل، وإن سجد قبل السلام أجزأه.
والثاني: إذا غلب على ظنه أنه سها: غلب على ظنه الصواب، هذا يسجد للسهو بعد السلام، أيضًا يتحرّى الصواب، ويتم عليه، ويسجد بعد السلام.
[ ٢٣٤ ]
هاتان الحالتان: سجودهما بعد السلام أفضل، وإن سجد قبل السلام فلا بأس.
النوع الثاني: يكون سهوه غير ذلك، مثل ترك التشهد الأول، يترك التسبيح بين السجود، أو في الركوع، يشك هل صلى ثنتين أو ثلاثًا، يجعلها ثنتين ويسجد للسهو قبل السلام، أو شك في ثلاث أو أربع يجعلها ثلاثًا، ثم يكمل، ثم يسجد للسهو قبل السلام، هذا هو الأفضل، وإن سجد بعد السلام أجزأه.