١١٦ - عن أبي قتادة ــ الحارث (٣) بن ربعي ــ الأنصاري - ﵄ - قال: قال رسول - ﷺ -: «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» (٤).
١١٧ - عن زيد بن أرقم قال: «كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلاةِ، يُكَلِّمُ الرَّجُلُ
_________________
(١) رواه البخاري، برقم ٥٠٩، ومسلم، برقم ٥٠٥، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم ١١٣.
(٢) أخرج الإمام أحمد، ١١/ ٤٣٩، برقم ٦٨٥٢، والبزار في مسنده البحر الزخار، ٦/ ٤٥٣، برقم ٢٤٩٤، والطبراني في مسند الشاميين، ٢/ ٣٨٠، برقم ١٥٤٠، ولفظ أحمد: عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: «أَنَّهُ [- ﷺ -] حِينَ هَبَطَ بِهِمْ مِنْ ثَنِيَّةِ أَذَاخِرَ إِلَى جَدْرٍ اتَّخَذَهُ قِبْلَةً، فَأَقْبَلَتْ بَهْمَةٌ تَمُرُّ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَمَا زَالَ يُدَارِئُهَا، وَيَدْنُو مِنَ الْجَدْرِ، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى بَطْنِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَدْ لَصِقَ بِالْجِدَارِ، وَمَرَّتْ مِنْ خَلْفِهِ»، وصحح إسناده محققو المسند، ١١/ ٤٤٠.
(٣) «الحارث»: ليست في نسخة الزهيري.
(٤) رواه البخاري، كتاب الصلاة، باب إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين، برقم ٤٤٤، وفي أبواب التهجد، باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى، واللفظ له، برقم ١١٦٣، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب تحية المسجد بركعتين، وكراهة الجلوس قبل صلاتهما وأنها مشروعة في جميع الأوقات، برقم ٧١٤.
[ ٢٤١ ]
منا (١) صَاحِبَهُ، وَهُوَ إلَى جَنْبِهِ فِي الصَّلاةِ، حَتَّى نَزَلَتْ ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَاةِ الْوُسْطَى (٢) وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٣)، فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنِ الْكَلامِ» (٤).
١١٨ - عن عبد اللَّه بن عمر، وأبي هريرة - ﵃ - عن رسول اللَّه - ﷺ - (٥) أنه قال: «إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلاةِ. فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنِ فَيْحِ جَهَنَّمَ» (٦).
٢٦ - قال الشارح - ﵀ -:
هذه الأحاديث الثلاثة: الأول منها يتعلق بتحية المسجد، والثاني يتعلق بالكلام في الصلاة، والثالث يتعلق بتأخير صلاة الظهر عند شدة الحر.
يقول النبي - ﷺ -: «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» (٧)، وقد جاء في عدة أحاديث تدل على شرعية وتأكد صلاة ركعتين لمن دخل المسجد، وهو على وضوء، وهو طاهر، وهذا محل وفاق بين أهل العلم إذا كان الوقت ليس وقت نهي، كالضحى، والظهر، والليل، أما إذا كان الوقت وقت نهي كبعد صلاة الفجر، وبعد صلاة العصر، اختلف العلماء في ذلك على قولين: أصحهما، وأصوبهما أنه يفعلها، ولو في وقت النهي؛ لأنها من ذوات الأسباب: كصلاة الطواف بعد العصر والصبح، وصلاة الكسوف، وقضاء الفوائت، تُفعل في كل وقت؛ لعموم قوله - ﷺ -: «فَلا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ
_________________
(١) «منا»: ليست في نسخة الزهيري.
(٢) «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى»: ليست في نسخة الزهيري، وهي في البخاري، برقم ٤٥٣٤.
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٣٨.
(٤) رواه البخاري، كتاب العمل في الصلاة، باب ما ينهى من الكلام في الصلاة، برقم ١٢٠٠، وكتاب التفسير، باب وقوموا للَّه قانتين، برقم ٤٥٣٤، وجملة: «ونهينا عن الكلام» ليست في البخاري، وإنما هي لمسلم فقط، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة، ونسخ ما كان من إباحة، برقم ٣٥ - (٥٣٨).
(٥) في نسخة الزهيري: «عن النبي - ﷺ -».
(٦) رواه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب الإبراد بالظهر في شدة الحر، برقم ٥٣٣، واللفظ له، و٥٣٦، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب الإبراد بالظهر في شدة الحر لمن يمضي إلى جماعة، ويناله الحر في طريقه، برقم ٦١٥.
(٧) رواه البخاري، برقم ١١٦٣،ومسلم، برقم ٧١٤،وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم ١١٦.
[ ٢٤٢ ]
رَكْعَتَيْنِ»، هذا يعم جميع الأوقات، وهكذا ثبت عنه - ﷺ - لما رأى رجلًا دخل وهو يخطب يوم الجمعة، قال: «قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ» (١). وهو يخطب - ﵊ - مع أنهم مشغولون بسماع الخطبة، ومع ذلك أمره النبي - ﷺ - أن يصلي ركعتين، وقال: «إِذَا دَخَل أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» (٢).
وهذا كله إذا كان الداخل للمسجد على وضوء، أما إذا كان ليس على وضوء فإنه يجلس، ولا يجوز أن يصلي وهو على غير وضوء؛ لأن شرط الصلاة الطهارة.
_________________
(١) البخاري، كتاب الجمعة، باب من جاء والإمام يخطب، برقم ٩٣٠، و٩٣١، ومسلم، كتاب الجمعة، باب التحية والإمام يخطب، برقم ٨٧٥.
(٢) أخرجه مسلم، كتاب الجمعة، باب التحية والإمام يخطب، برقم ٥٩ - (٨٧٥)، وأخرجه البخاري، في جزء القراءة، برقم ١٦١، وفي صحيحه، برقم ١١٦٦ بنحوه.
[ ٢٤٣ ]
الحديث الثاني: حديث زيد بن أرقم الأنصاري - ﵁ - قال: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - في الصَّلَاةِ، يُكَلِّمُ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ، لحاجته حَتَّى نَزَلَ قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (١) فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ، ونُهينا عن الكلام» (٢)، وهكذا جاء عن ابن مسعود، وكانوا يتكلمون والنبي - ﷺ - في الصلاة، ثم إنه قال: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أحْدث مِنْ أَمْرِهِ مَا شَاءَ (٣)، وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ» (٤)، وكانوا يسلمون عليه فيرد عليهم [] (٥).
ولهذا قال - ﵊ -: «إِذَا نَابَ أحدكُمْ شيْءٌ فِي (٦) صَلَاتِهِ، فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ، وَلْتُصَفِّقِ النِّسَاءُ» (٧).
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٣٨.
(٢) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة، ونسخ ما كان من إباحة، برقم ٥٣٩، وأخرجه البخاري، كتاب العمل في الصلاة، باب ما ينهى من الكلام في الصلاة، برقم ١٢٠٠، ورقم ٤٥٣٤ مختصرًا،
(٣) آخر الوجه الأول من الشريط الخامس.
(٤) البخاري معلقًا، كتاب التوحيد، باب قول اللَّه تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَانٍ﴾، قبل الحديث رقم ٧٥٢٢، وأحمد، ٧/ ٢١٠، برقم ٤١٤٥، وابن حبان، ٦/ ١٥، برقم ٢٢٤٣، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب رد السلام في الصلاة، برقم ٩٢٥، وصححه محققو المسند، ٧/ ٢١٠، والشيخ الألباني في صحيح أبي داود، ٤/ ٧٩.
(٥) ما بين المعقوفين في الكلام سقط يسير: قال الشيخ: يقول: سبحان اللَّه، سبحان اللَّه حتى ينتبه من يريد كلامه، والذي يظهر أن الشيخ قال: أما بعد النهي عن الكلام في الصلاة فإن من أراد تنبيه المصلَّي يقول: سبحان اللَّه، سبحان اللَّه حتى ينتبه من يريد كلامه، وقد راجعته في أشرطة المؤسسة، وفي غيرها فلم أجده.
(٦) أول الوجه الثاني من الشريط الخامس.
(٧) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب من دخل ليؤم الناس فجاء الإمام الأول فتأخر الآخر أو لم يتأخر جازت صلاته، برقم ٦٨٤، ١٢٠٤، ٢٦٩٠، ٧١٩٠، ومسلم، كتاب الصلاة، باب تقديم الجماعة من يصلي بهم إذا تأخر الإمام ولم يخافوا مفسدة بالتقديم، برقم ٤٢١، وغيرهما عن سهل بن سعد بنحوه.
[ ٢٤٤ ]
أما الكلام فممنوع في الصلاة حتى يُسلم، وهذا مما استقرت عليه الشريعة، وكان ناسخًا لما قبله من إباحة الكلام في الحاجة.
والحديث الثالث حديث ابن عمر وأبي هريرة في شدة الحر، يقول - ﷺ -: «إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» (١)، وكان في بعض أسفاره يأمرهم بالإبراد، حتى يرى فيء التلول وهم في السفر، ثم يصلون صلاة الظهر، هذا هو السنة في شدة الحر في المدن والقرى وللمسافر أيضًا، فالسنة للجميع أن يؤخروا الصلاة بعض الشيء، حتى ينكسر الحر، وحتى يخف الحر بعض الشيء، معلوم أنه يتأخر إلى ما بعد العصر شدة الحر، لكن المقصود أنه يؤخرها بعض الشيء، حتى يكثر الظل في الأسواق، وحتى يتسهل للناس المشي إلى المساجد في الظل في ظل الحيطان، بعدما تميل الشمس إلى جهة الغرب كثيرًا، ليتيسر لهم الظل وينكسر الحر والشدة؛ ولهذا قال أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ - ﵁ -: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبيِّ - ﷺ - فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، حتى إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أحدُنا أَنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ مِنَ الأَرْضِ بَسَطَ ثَوْبَهُ وَسَجَدَ عَلَيْهِ» (٢) فدل على أن هناك حرًّا شديدًا، ولكن
_________________
(١) صحيح البخاري، برقم ٥٣٦، ومسلم، برقم ٦١٥، وتقدم تخريجه في شرح حديث المتن رقم ٥٢.
(٢) رواه البخاري، كتاب العمل في الصلاة، باب بسط الثوب في الصلاة للسجود، برقم ١٢٠٨، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب تقديم الظهر في أول الوقت في غير شدة الحر، برقم ٦٢٠.
[ ٢٤٥ ]
بعدما ينكسر بعض الشيء، ويؤخر بعض الوقت، مثل نصف ساعة أو ساعة، وما يقارب ذلك، حتى ينكسر الحر بعد الزوال في شدة الحر، سواء كان في مدينة أو قرية أو في سفر.
١١٩ - عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول اللَّه - ﷺ - (١): «مَنْ نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرهَا، لا كَفَّارَةَ لَهَا إلَاّ ذَلِكَ، وتَلَا قوله تعالى (٢): ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٣)» (٤).
ولمسلمٍ «مَنْ نَسِيَ صَلاةً، أَوْ نَامَ عَنْهَا، فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إذَا ذَكَرَهَا» (٥).
١٢٠ - عن جابر بن عبد اللَّه - ﵄ -: «أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ - ﵁ - كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - العِشَاءَ (٦) الآخِرَةِ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى قَوْمِهِ، فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلاةَ» (٧).
_________________
(١) في نسخة الزهيري: «عن أنس بن مالك - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال».
(٢) «وتلا قوله تعالى»: ليست في نسخة الزهيري.
(٣) سورةطه، الآية: ١٤.
(٤) رواه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، ولا يعيد إلا تلك الصلاة، برقم ٥٩٧، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة، واستحباب تعجيل قضائها، واللفظ له، برقم ٦٨٤.
(٥) رواه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة، واستحباب تعجيل قضائها، برقم ٣١٥ - (٦٨٤).
(٦) في نسخة الزهيري: «عشاء الآخرة»، وهي في مسلم، برقم ١٨٠ - (٤٦٥).
(٧) رواه البخاري، كتاب الأدب، باب من لم يرَ إكفار من قال ذلك متأولًا أو جاهلًا، برقم ٦١٠٦، ومختصرًا في كتاب الأذان، باب إذا طول الإمام، وكان للرجل حاجة فخرج فصلى، برقم ٧٠٠، ومسلم، كتاب الصلاة، باب القراءة في العشاء، برقم ٨٠ - (٤٦٥)، واللفظ له.
[ ٢٤٦ ]
١٢١ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ مِنَ (١) الأَرْضِ، بَسَطَ ثَوْبَهُ، فَسَجَدَ عَلَيْهِ» (٢).
٢٧ - قال الشارح - ﵀ -:
هذه الأحاديث الثلاثة عن النبي - ﷺ - تدل على أنه ينبغي للمؤمن إذا فاتته الصلاة، أو نام عنها، أو نسيها أن يبادر بالقضاء؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٣).
ولهذا لما سُئل - ﵊ - عن ذلك أجاب: «من نام عن الصلاة، أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك» (٤)، فإذا عرض للمسلم نسيان أو نوم عن أي صلاة، فليبادر إلى قضائها من حين يتذكر أو من حين يستيقظ: فجرًا، أو ظهرًا، أو عصرًا، أو
_________________
(١) في نسخة الزهيري: «في الأرض»، و» «من الأرض» في البخاري، برقم ١٢٠٨، ومسلم، برقم ٦٢٠.
(٢) رواه البخاري، كتاب العمل في الصلاة، باب إذا بسط الثوب في الصلاة للسجود، برقم ١٢٠٨، ومسلم، كتاب المساجد، باب استحباب تقديم الظهر في أول الوقت، برقم ٦٢٠، واللفظ له.
(٣) سورة طه، الآية: ١٤.
(٤) البخاري، برقم ٥٩٧، ومسلم، برقم ٦٨٤، ولفظه: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا، لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤].
[ ٢٤٧ ]
مغربًا، أو عشاءً، والواجب عليه عند النوم أن يتثبت في الأمر، وأن يعمل ما يلزم مما يعينه على الاستيقاظ في الوقت: كالساعة، أو تكليف أهله بأن يوقظوه، حتى لا ينام عنها، سواء كانت الفجر، أو غيرها، وليس له التساهل في هذا، بل يجب عليه أن يعمل ما يلزم حتى يتيسر له اليقظة وقت الصلاة.
وقد يسّر اللَّه السّاعات الآن، ففيها إعانة على هذا الأمر إذا ركبها (١) في الوقت بأن ينبه على الوقت؛ فإن هذا مما يعينه، وكذلك البكرة وعدم السهر، لأنه إذا سهر قد لا يسمع صوت الساعة من شدة النوم، ولكن ينبغي له أن يبكر ولا يسهر، حتى يعينه ذلك على اليقظة وأداء الصلاة في وقتها مع المسلمين.
وفي الحديث الثاني حديث صلاة معاذ بأصحابه: كان يصلي بأصحابه العشاء، وبعد ما صلى مع النبي - ﷺ -، وهذا يدل على أنه لا بأس أن يصلي الإنسان الفريضة مع إمام، ثم يصلي بجماعته نافلة له، وهي لهم فريضة، لا حرج في ذلك.
وكان معاذ يصلي مع النبي - ﷺ - ليتعلم وليستفيد، ثم يرجع فيصلي بأصحابه صلاة العشاء، والنبي - ﵊ - أقره على هذا، فدل ذلك على أنه لا بأس أن يكون الإمام متنفلًا والجماعة مفترضين، ولا حرج في ذلك.
_________________
(١) ركبها: أي وقّتها على الوقت الذي يريد.
[ ٢٤٨ ]
ومن هذا أيضًا في صلاة الخوف أن النبي - ﷺ - صلى بطائفة ركعتين في بعض أسفاره وبعض غزواته، ثم صلى بآخرين ركعتين، وكانت الأولى له فريضة، والثانية له نافلة، ولأصحابه فريضة - ﵃ - وأرضاهم.
هذا كله يدل على جواز مثل هذا، ولا حرج، وفي ذلك أن يكون الإمام متنفلًا ويكون الجماعة مفترضين، لا حرج في ذلك، النية هي العمدة، فـ «الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (١).
وكذلك كان الصحابة - ﵃ -، ربما صلوا في شدة الحر والأرض حارة، فيبسط أحدهم ثوبه ليسجد عليه، لا حرج في ذلك إذا كانت الأرض باردة أو حارة، وبسط رداءه، أو سجادة، أو أطراف أكمامه عن الحرارة والبرودة، أو عمامته، لا حرج في ذلك.
١٢٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - (٢): «لا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» (٣).
١٢٣ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - ﵄ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ (٤): «مَنْ أَكَلَ ثُومًا
_________________
(١) رواه البخاري، برقم ١، ومسلم، برقم ١٩٠٧، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم ١.
(٢) في نسخة الزهيري: «قال: قال النبي - ﷺ -».
(٣) رواه البخاري، كتاب الصلاة، باب إذا صلى في الثوب الواحد فليجعل على عاتقيه، برقم ٣٥٩، بلفظ: «ليس على عاتقيه منه شيء»، ومسلم، كتاب الصلاة، باب الصلاة في ثوب واحد، وصفة لبسه، برقم ٥١٦ بلفظ: «عاتقيه»، وأما لفظ: «عاتقه» فرواه الشافعي في مسنده، ص ٢٣، وأحمد، ١٦/ ٥١، برقم ٩٩٨٠، والنسائي، كتاب القبلة، صلاة الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء، برقم ٧٦٩، وصحح إسناده محققو مسند أحمد، والألباني في إرواء الغليل، ١/ ٣٠٤.
(٤) في نسخة الزهيري: «أنه قال»:.
[ ٢٤٩ ]
أَوْ بَصَلًا، فَلْيَعْتَزِلْنَا ــ أَوْ (١) لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا ــ وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ»، وَأُتِيَ بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ مِن بُقُولٍ، فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا. فَسَأَلَ عنها (٢)؟ فَأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْبُقُولِ، فَقَالَ: «قَرِّبُوهَا» ــ إلَى بَعْضِ أَصْحَابِه كان معه (٣) ــ فَلَمَّا رَأَىهُ كَرِهَ أَكْلَهَا، قَالَ: «كُلْ، فَإِنِّي أُنَاجِي مَن لا تُنَاجِي» (٤).
١٢٤ - عَنْ جَابِرٍ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - (٥) قَالَ: «مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ أو الثُّومَ أو الْكُرَّاثَ (٦)، فَلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بنو آدمَ» (٧).
٢٨ - قال الشارح - ﵀ -:
هذه الأحاديث الثلاثة كلها تتعلق بالصلاة.
الحديث الأول يقول الرسول - ﷺ -: «لا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ
_________________
(١) في نسخة الزهيري: «وليعتزل مسجدنا» بواو، بدون الألف، ولفظ المتن في مسلم، برقم ٧٣ - (٥٦٤).
(٢) «عنها»: ليست في نسخة الزهيري.
(٣) «كان معه»: ليست في نسخة الزهيري، وهي في البخاري، برقم ٨٥٥.
(٤) رواه البخاري، كتاب الأذان، باب ما جاء في الثوم النيئ والبصل والكراث، برقم، ٨٥٥، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب نهي من أكل ثومًا وبصلًا أو كراثًا أو نحوها، برقم ٧٣ - (٥٦٤).
(٥) في نسخة الزهيري: «عن جابر أن النبي - ﷺ -».
(٦) في نسخة الزهيري: «من أكل البصل، والثوم، والكراث»، وهي رواية لمسلم، برقم ٧٤ - (٥٦٤).
(٧) رواه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب نهي من أكل ثومًا وبصلًا أو كراثًا أو نحوها، برقم ٧٤ - (٥٦٤)، وراه البخاري، كتاب الأذان، باب ما جاء في الثوم النيئ والبصل والكراث، برقم ٨٥٤، وباب ما يكره من الثوم والبقول، برقم ٥٤٥٢، بنحوه دون ذكر الملائكة.
[ ٢٥٠ ]
الْوَاحِدِ، لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» (١)، وفي الرواية الأخرى: «لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ» (٢)، هذا يدل على وجوب ستر العاتقين، أو أحدهما في الصلاة، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن ذلك واجب في الفرض والنفل، وذهب آخرون إلى أنه واجبٌ في الفرض فقط، وذهب الأكثرون إلى أنه سنة، ويجزئه أن يصلي في الإزار فقط أو السراويل فقط؛ لأنه ستر العورة المغلظة ما بين السرة والركبة.
والصواب ما دل عليه الحديث، وأنه لا يجوز أن يصلي في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء: إن كان واسعًا يلتحف به، وإن كان ضيقًا يأتزر به، فيجعل على عاتقه رداءً مستقلًا مع القدرة، أو يلبس قميصًا، أو ما أشبه ذلك مما يستر العاتقين أو أحدهما، عملًا بهذا الحديث الصحيح، الذي رواه الشيخان في الصحيح.
ولا فرق بين الفرض والنفل؛ لعموم الحديث؛ لأن «لا يصلي» عام يعم الفرض والنفل، وهذا القول هو الصواب من الأقوال الثلاثة، يجب ستر العاتقين أو أحدهما في الفرض والنفل؛ لهذا الحديث الصحيح، وما جاء في معناه من الأحاديث الدالة على أنه كان - ﷺ - يصلي في ثوب واحد يشتمله، قال لجابر: «إِنْ كَانَ وَاسِعًا
_________________
(١) البخاري، برقم ٣٥٩، ومسلم، برقم ٥١٦، والشافعي في مسنده، ص ٢٣ بلفظه، وتقدم تخريجه في حديث المتن رقم ١٢٢.
(٢) رواه البخاري، برقم ٣٥٩، ومسلم، برقم ٥١٦، وتقدم تخريجه في حديث المتن رقم ١٢٢.
[ ٢٥١ ]
فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ» (١)، فهذا كله دليل على أنه مع القدرة يصلي يستر العاتقين أو أحدهما، ومع العجز يكفي المئزر أو السراويل؛ لأن اللَّه لا يكلف نفسًا إلا وسعها.
والحديث الثاني والثالث فيما يتعلق بالثوم والبصل والكراث، وأن من أكل شيئًا منها فإن عليه أن يعتزل المساجد، ويعتزل المسلمين، ولا يصلي معهم، لأنه يؤذيهم بذلك، ولهذا قال: «وَلْيَعْتَزِلْنَا وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ» (٢)، هذا يدل على أنه لا يجوز له حضور المساجد؛ لأنه يؤذي المسلمين، ويؤذي الملائكة؛ ولهذا قال: «فإنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الإِنْسَانُ» (٣)، فلا ينبغي له أن يحضر في المساجد حتى ولو في غير الجماعة، ولو لمجرد القراءة في المسجد، أو نحو ذلك؛ لأنه يؤذي الملائكة؛ ولهذا قال: «فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بنو آدمَ» (٤).
ولا ينبغي له أن يأكله ما دام يعوقه عن الصلاة في الجماعة، إلا من حاجة إذا أكله لحاجة من جوع، ومن دواء فلا بأس، وإذا تيسر
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الصلاة، باب إذا كان الثوب ضيقًا، برقم ٣٦١، وبنحوه مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب حديث جابر الطويل، وقصة أبي اليسر، برقم ٣٠١٠.
(٢) رواه البخاري، برقم، ٨٥٥، ومسلم، برقم ٥٦٤، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم ١٢٣.
(٣) سنن ابن ماجه، كتاب الأطعمة، باب أكل الثوم والبصل والكراث، برقم ٣٣٦٥، وابن خزيمة، ٣/ ٨٥، برقم ١٦٦٨، وصحيح ابن حبان، ٤/ ٥٢٤، برقم ١٦٤٦، والسنن الكبرى للبيهقي، ٣/ ٧٦، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، برقم ٢٧١٣.
(٤) مسلم، برقم ٥٦٤، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم ١٢٣ ..
[ ٢٥٢ ]
أن يتعاطى ما يزيل الرائحة من الأدوية التي تزيل الرائحة، فذلك كافٍ، وإذا أماته طبخًا فإنه يزيل الرائحة، إذا أماته طبخًا جيدًا فإنه يزيل الرائحة، وإذا بقي شيء فيتعاطى ما يزيل الباقي من أنواع المزيلات التي يعرفها الأطباء، ونحوهم ممن جرب هذه الأمور.
وفيه أنه عُرض عليه طبق من خضرات: قدر فيه خضرات، فوجد لها ريحًا، فقال لبعض أصحابه: قدموها لبعض أصحابه، فلما رآه لم يأكل منها ذلك الصحابي كره أن يتعاطاها، فقال: «كُلْ، فَإِنِّي أُنَاجِي مَن لا تُنَاجِي» (١)، يعني جبرائيل - ﵊ -.
فهذه البقول غير الثوم والبصل بقول وجد فيها ريحًا ما ناسبته - ﵊ - فتركها؛ لئلا يتأذى بها جبرائيل - ﵊ -، وأذن لأصحابه في أكلها، فالبقول التي ليس فيها رائحة كالثوم والبصل والكراث، لا بأس أن يأكلها الإنسان، لا حرج في ذلك: كأنواع البقول: الجرجير، والخس، وأشباه ذلك مما ليس له رائحة كريهة، فلا حرج في أكله، وإن كرهه بعض الناس لبعض رائحته، لكن ليس مثل الثوم والبصل والكراث، فهذه ينبغي تركها إلا من حاجة، وإذا أكلها فلا يحضر إلى المساجد، ولا يصلي مع الناس، لئلا يؤذيهم بها، وفي معنى ذلك كل رائحة كريهة: كالصنان (٢) الذي يبتلى به بعض الناس،
_________________
(١) رواه البخاري، برقم، ٨٥٥، ومسلم، برقم ٥٦٤، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم ١٢٣.
(٢) الصنان: الذفر تحت الإبط وغيره، وأَصَنَّ الشيء بالألف صار له: صُنَانٌ. المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، ١/ ٣٤٩، مادة: (صن).
[ ٢٥٣ ]
إن كان له رائحة شديدة يؤذي بها الناس، فلا يحضر حتى يغتسل ويتنظف، ويجاهد، لعله يزول ما عليه من هذه الرائحة الكريهة.
وهكذا التدخين، يجب عليه أن يجتهد حتى لا يؤذي الناس برائحة الدخان، فإذا كان يتعاطاه فليستر على نفسه، ويتباعد عن إظهار هذا المنكر؛ لأن هذا منكر، التدخين منكر، فيجمع بين إظهار المنكر، وإيذاء الناس بالرائحة، فالواجب عليه يستتر بستر اللَّه، وأن يحرص على أن لا تظهر الرائحة لأحد من الناس، حتى يستتر عن ظهور هذا المنكر، وحتى لا يؤذي به المسلمين، الذين لم يعتادوه، ولم يشربوه، لا في الصلاة، ولا في غيرها.