٢٢٨ - عن أنس بن مالك - ﵁ -، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ، وَعَلَى رَاسِهِ الْمِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ. فَقَالَ: «اُقْتُلُوهُ» (٤).
٢٢٩ - عن عبد اللَّه بن عُمر - ﵄ -، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ كَدَاء، مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا الَّتِي بِالْبَطْحَاءِ وَخَرَجَ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى» (٥).
٢٣٠ - عن عبد اللَّه بن عمر - ﵄ - قال: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الْبَيْتَ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَبِلالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ، فَلَمَّا
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب ما يقتل المحرم من الدواب، برقم ١٨٢٩، واللفظ له، وكتاب بدء الخلق، باب خمس من الدواب فواسق، برقم ٣٣١٤ بلفظ: «الحية والغراب الأبقع، والفأرة، والكلب العقور، والحديا»، ومسلم، كتاب الحج، باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم، برقم ٧١ - (١١٩٨).
(٢) رواه مسلم، كتاب الحج، باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم، برقم ٦٧ - (١١٩٨)، ولفظه: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ».
(٣) في نسخة الزهيري: «الحِدأة: بكسر الحاء، وفتح الدال».
(٤) رواه البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام، برقم ١٨٤٦، ومسلم، كتاب الحج، باب جواز دخول مكة بغير إحرام، برقم ١٣٥٧، واللفظ له.
(٥) رواه البخاري، كتاب الحج، باب من أين يخرج من مكة، برقم ١٥٧٦، واللفظ له ومسلم، كتاب الحج، باب استحباب دخول مكة من الثنية العليا، والخروج منها من الثنية السفلى، ودخول بلدة من طريق غير التي خرج منها، برقم ١٢٥٧.
[ ٤٦٨ ]
فَتَحُوا: الباب (١) كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ، فَلَقِيتُ بِلالًا، فَسَأَلْتُهُ: هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -؟ قَالَ: نَعَمْ، بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ» (٢).
٦١ - قال الشارح - ﵀ -:
هذه الأحاديث الأربعة تتعلق بأحكامٍ تتعلق بالحج، ودخول الكعبة، وبعضها يتعلق بالحرم.
الحديث الأول: حديث عائشة - ﵂ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: ««خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يُقْتَلْنَ فِي الحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَارَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ»، فهذه الدواب تُقتل في الحل، وفي الحرم في أي مكان؛ لأنها مؤذية: الغراب يؤذي الناس في زروعهم وفي دوابهم وينقب الدَّبر (٣) الذي في الإبل، ويأكل الزروع يفسدها، وهو من الفواسق، والحِدأة كذلك، والفأرة مؤذية كذلك، والعقرب كذلك، وهكذا الحية، كما في الحديث الثاني: وهكذا السباع العادية، والكلب العقور، كلها تُقتل في الحل والحرم؛ لدفع أذاها، ومثل ذلك البعوض، والذباب، وما أشبه ذلك مما يؤذي لا بأس بقتله: الذباب، والبعوض، والقمل، كل ذلك يُقتل
_________________
(١) «الباب»: ليست في نسخة الزهيري.
(٢) رواه البخاري، كتاب الحج، باب إغلاق البيت، ويصلِّي في أيِّ نواحي البيت شاء، برقم ١٥٩٨، ومسلم، كتاب الحج، باب استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره، والصلاة فيها، والدعاء في نواحيها كلها، برقم ٣٩٣ - (١٣٢٩).
(٣) الدَّبَر - بالتحريك -: الجرح الذي يكون في ظهر البعير، يقال: دبر، يدبر دبرًا، وقيل هو أن يقرح خف البعير. النهاية في غريب الحديث والأثر، ٢/ ٩٧، مادة (دبر).
[ ٤٦٩ ]
في الحل والحرم، لا بأس.
الحديث الثاني: حديث أنس - ﵁ - أن النبي - ﷺ - دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر، والمغفر آلة توضع على الرأس، تستره عن السلاح، يُسمى المغفر، دلّ على أنه غير محرم، فليس بمحرم، يعني ما جاء لا لحج، ولا لعمرة، وإنما جاء لقتال قريش، وفتح مكة للمسلمين، ولهذا لم يُحرم، فدلّ ذلك على أن من جاء مكة ليس بقصدِ الحج والعمرة، لا بأس أن يدخلها على غير إحرام؛ ولهذا في حديث ابن عباس لما ذكر المواقيت قال - ﷺ -: «هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ، مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ أَوِ الْعُمْرَةَ» (١)، أما الذي ما أراد الحج، ولا العمرة، لا يلزمه الإحرام، كمن يأتي مكة للتجارة، أو لزيارة الأقارب، أو لخصومة، فليس عليه إحرام، لكن إذا أراد العمرة أحرم، وإن لم يردها فلا شيء عليه.
وفيه من الفوائد: في حديث أنس أنه يجوز قتل من ألحد في الحرم، أما من يأتي من الخارج يجب أن يؤمّن: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (٢)، لكن الذي يفعل الفساد في الحرم يُقتل، فإذا زنى وهو محصن يرجم، وإذا سرق يقطع، وإذا سبّ الدين، أو سب الرسول يُقتل؛ لأنه جنى في الحرم، فيجازى في الحرم، ولهذا لما سرقت
_________________
(١) رواه البخاري، برقم ١٥٢٤، ومسلم، برقم ١١٨١، وتقدم تخريجه في تخرج حديث المتن رقم ٢١٨.
(٢) سورة آل عمران، الآية: ٩٧.
[ ٤٧٠ ]
بعض نساء بني مخزوم أمر النبي بقطع يدها (١)، وهكذا ابن خطل لما كان يسب النبي - ﷺ -، ويهجوه أمر النبي - ﷺ -، بقتله لردته.
الحديث الثالث: يدل على شرعية دخول مكة من أعلاها، ويخرج من أسفلها، وهو الأفضل أن يدخلها من أعلاها من كَداء من الفتح من الثنية العليا، ويخرج من الثنية السفلى، هذا هو الأفضل، دَاخِلُ مكة يدخل من أعلاها كما دخل النبي - ﷺ -، ويخرج من أسفلها، وإن دخلها من أي مكان، فلا بأس، وإن خرج من أي مكان، فلا بأس، لكن هذا هو الأفضل تأسِّيًا بالنبي - ﵊ -.
والحديث الرابع: حديث ابن عمر: أن النبي - ﷺ - لما فتح الله عليه مكة دخل الكعبة يوم الفتح، صلَّى فيها ركعتين، كان معه بلال بن رباح المؤذن، وأسامة بن زيد مولاه، عتيقه وابن عتيقه، وعثمان بن طلحة الحاجب من بني شيبة، كانوا معه لما دخل - ﵊ - دخلوا الكعبة، وأغلقوا عليهم الباب، وصلى ركعتين في غربي الكعبة بين العمودين اليمانيين، أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، وصلى بينهما، وكان فيها ستة أعمدة في ذلك الوقت، وجعل الجدار الغربي أمامه، بينه وبينه ثلاثة أذرع، فلما فتحوا الباب دخل ابن عمر، وسأل: أين صلّى النبي - ﷺ -؟ فدلّوه على محل النبي - ﷺ -، وصلى فيه.
_________________
(١) حديث المرأة المخزومية أخرجه البخاري، برقم ٣٤٧٥، ومسلم، برقم ١٦٨٨، وتقدم تخريجه في تخريج أحاديث شرح حديث المتن رقم ٢٢٥ - ٢٢٦.
[ ٤٧١ ]
وفي حديث ابن عباس: أنه دخل الكعبة، وكبَّر في نواحيها، ودعا، هذا يدل على استحباب دخول الكعبة، أنه يُستحب إذا تيسر دخول الكعبة يدخلها، ويصلي فيها، ويدعو اللَّه ويكبِّر، كما دخل النبي - ﷺ -، إذا تيسر له دخول الكعبة من دون مشقة، ولا زحمة، ولا أذى، فلا بأس، ولكن ليس من سنة العمرة، وليس من سنة الحج، إنما هو مستحب مستقل، من دخلها، فلا بأس، ومن تركها، فلا بأس، وإن كان دخولها يترتب عليه زحمة، أو اختلاط بالنساء، أو فتنة، فالذي ينبغي له ترك ذلك، لكن إن تيسر من دون فتنة، دخل وصلى ركعتين أو أكثر، ودعا في نواحيها، وكبَّر تأسيًا بالنبي - ﵊ -.
٢٣١ - عن عمر - ﵁ -، «أَنَّهُ جَاءَ إلَى الْحَجَرِ الأَسْوَدِ فَقَبَّلَهُ، وَقَالَ: إنِّي لأَعْلَمُ أَنَّك حَجَرٌ، لا تَضُرُّ وَلا تَنْفَعُ، وَلَوْلا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ» (١).
٢٣٢ - عن عبد اللَّه بن عباس - ﵄ - قال: «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ مَكَّةَ (٢)، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ قَوْمٌ (٣) قد (٤)
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الحج، باب ما ذُكر في الحجر الأسود، برقم ١٥٩٧، وباب الرمل في الحج والعمرة، برقم ١٦٠٥، ومسلم، كتاب الحج، باب استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف، برقم ١٢٧٠.
(٢) «مكة»: ليست في نسخة الزهيري، وهي في صحيح مسلم، برقم ١٢٦٦.
(٣) في نسخة الزهيري: «وفدٌ».
(٤) «قد»: ليست في نسخة الزهيري.
[ ٤٧٢ ]
وَهَنَتْهُمْ (١) حُمَّى يَثْرِبَ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلاثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا، إلَاّ الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ» (٢).
٢٣٣ - عن عبد اللَّه بن عمر - ﵄ - قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - ــ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ ــ إذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الأَسْوَدَ، أَوَّلَ مَا يَطُوفُ، يَخُبُّ ثَلاثَةَ أَشْوَاطٍ» (٣).
٢٣٤ - عن عبد اللَّه بن عباس - ﵄ - قال: «طَافَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ» (٤).
المِحْجَنُ: عصًا مَحْنِيَّةُ الرأس.
٢٣٥ - عن عبد اللَّه بن عمر - ﵄ - قال: «لَمْ أَرَ النَّبيَّ - ﷺ - يَسْتَلِمُ مِنَ
_________________
(١) في نسخة الزهيري: «وهنهم»، ولفظ المتن في صحيح مسلم، برقم ١٢٦٦.
(٢) رواه البخاري، كتاب الحج، باب كيف كان بدء الرمل، برقم ١٦٠٢، ومسلم، كتاب الحج، باب استحباب الرمل في الطواف والعمرة، وفي الطواف الأول من الحج، برقم ١٢٦٦.
(٣) رواه البخاري، كتاب الحج، باب استلام الحجر الأسود حين يقدم مكة أول ما يطوف ويرمل ثلاثًا، برقم ١٦٠٣، واللفظ له إلا قوله: «يخب ثلاثة أشواط» فبدل منها: «يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنَ السَّبْعِ»، ومسلم، كتاب الحج، باب استحباب الرمل في الطواف والعمرة، وفي الطواف الأول من الحج، برقم ١٢٦١، ولفظه: «كانَ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ الْأَوَّلَ، خَبَّ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، وَكَانَ يَسْعَى بِبَطْنِ الْمَسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ».
(٤) رواه البخاري، كتاب الحج، باب استلام الركن بالمحجن، برقم ١٦٠٧، ومسلم، كتاب الحج، باب جواز الطواف على بعير وغيره، واستلام الحجر بمحجن، ونحوه للراكب، برقم ١٢٧٢.
[ ٤٧٣ ]
الْبَيْتِ إلَاّ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ» (١).
٦٢ - قال الشارح - ﵀ -:
هذه الأحاديث فيها مسائل بشأن الحج والعمرة.
الأول: حديث عمر - ﵁ -، وهو عمر بن الخطاب بن نفيل العدوي، الإمام المشهور، الخليفة الراشد، أفضل الصحابة بعد الصديق رضي اللَّه عن الجميع: أنه قبّل الحجر، ثم قال: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي - ﷺ - يُقبّلك ما قبلتك. مقصوده - ﵁ - البيان أنه لم يقبله لاعتقادٍ فيه أنه ينفع ويضر: كاعتقاد الجاهلية في أصنامها: أنها تشفع لهم، أو أنها كذا، إنما قبّله تأسِّيًا بالنبي - ﵊ -؛ ولهذا قال: إني لأعلم، اللام هذه لام الابتداء، إني لأعلم يعني إني أعلم أنك حجر، لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي - ﷺ - يُقبلك ما قبلتك، يعني لولا التأسي ما فعلت هذا؛ ليعلم الناس أنه ليس لاعتقاد، كما يعتقد الكفار في أصنامهم، وإنما هو اتباع، وتأسٍّ بالنبي - ﵊ -، ولا يمنع ذلك من كونه يشهد لمن استلمه بحق، كما في الحديث الآخر: «يَاتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ولَهُ لِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ، وَعَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، يَشْهَدُ لِمَنِ
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الحج، باب من لم يستلم إلا الركنين اليمانيين، واللفظ له، برقم ١٦٠٩، ومسلم، كتاب الحج، باب استحباب استلام الركنين اليمانيين في الطواف، دون الركنين الآخرين، برقم ١٢٦٩.
[ ٤٧٤ ]
اسْتَلَمَهُ» (١) بحق، فهذه نعمة من اللَّه - ﷿ - لأهل الإيمان، يشهد لهم هذا الحجر بالحق، إذا كانوا استلموه بحق بإيمان، وهدى، وإسلام.
وفيه شرعية التقبيل، وأنه يُستحب تقبيل الحجر في طواف العمرة، وطواف الحج، وطواف التطوع، يُستحب تقبيله إذا تيسر من دون مزاحمة، أما مع المزاحمة فلا، لا يزاحم عليه، لا يشقّ على نفسه إذا تيسر من دون مشقة، وإلا فيشير إليه ويمضي إذا قابله إذا حاذاه يشير هكذا، ويقول: اللَّه أكبر، يشير بيده، ويكبّر ويمضي، كما فعل النبي - ﵊ -، كان إذا طاف بعض الأحيان أشار إليه وكبر - ﵊ - (٢).
والحديث الثاني: حديث ابن عباس في قصة طوافهم في عمرة القضاء، أخبر أن النبي - ﷺ - أمرهم أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، وذلك لأن المشركين قالوا: إنه يقدم عليكم قوم وهنتهم حمى يثرب، وقال بعضهم لبعض: إنه يَقْدَم عليكم، يعني يرد إليكم، يقال: قَدِم يَقْدَمُ يعني من السفر ونحوه، قَدِمَ يَقْدَمُ كَفَرِحَ يَفْرَحُ، تَعِبَ يَتْعَبُ، أما قَدَمَ يَقدُم: هذا تقدَّم القوم صار أمامهم،
_________________
(١) أخرجه الترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء في الحجر الأسود، برقم ٩٦١، والبيهقي في شعب الإيمان، ٣/ ٤٥٠، والفاكهي في أخبار مكة، ص ٧٨: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي الْحَجَرِ: «وَاللَّهِ لَيَبْعَثَنَّهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ يَشْهَدُ عَلَى مَنِ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ»، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير، ٢/ ١٢٠.
(٢) أخرج البخاري، كتاب الحج، باب التكبير عند الركن، برقم ١٦١٣، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: «طَافَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ كَانَ عِنْدَهُ، وَكَبَّرَ»، وأخرجه مسلم، برقم ١٢٧١ بنحوه.
[ ٤٧٥ ]
قَدَمَ يَقدُم من باب نَصَرَ ينْصُرُ، يعني صار أمام القوم، ومنه قوله تعالى في قصة فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ (١) يقدمهم يكون أمامهم قائدًا لهم، نسأل اللَّه العافية، وأما قَدُمَ يَقْدُمُ هذا معناه القِدَم، قَدُمَ هذا الشيء يَقْدُمُ أي صار قديمًا، مضى عليه دهر، من باب كَرُمَ يَكْرُمُ، قَدُمَ يَقْدُمُ، هذه ثلاث تصرفات، فَعِلَ يَفْعَلُ إذا قدم من السفر ونحوه، فَعَل يَفْعُلُ إذا تقدم القوم، فَعُلَ يَفْعُلُ يعني صار قديمًا، قد أوهنتهم، قد أضعفتهم، حمّى يثرب: حمّى المدينة، تُسمّى يثرب عندهم، فلما سمع النبي هذا الكلام أمرهم أن يرملوا حتى يُظهروا للعدو نشاطهم وقوتَهم؛ لأن نشاط المسلمين وقوتهم مما يحزن العدو، مما يغيظ العدو، ولهذا أمرهم أن يرملوا حتى يعلم العدو نشاطهم، وكَذِبَ قولهم: إن الحمى وهنتهم، وأن يمشوا بين الركنين؛ لأنهم إذا كانوا بين الركنين اختفوا عن المشركين، والمشركون كانوا من جهة قعيقعان من جهة الحجر، فإذا كان الطَّوَاف بين الركنين ما رأوهم في ذلك الوقت.
قال: ولم يمنعهم من الرمل في الأشواط كلها إلا الإبقاءَ، لعل النصب أولى مفعول لأجله، ولم يمنعهم إلا من أجل أن يبقوا، لم يمنعهم النبي - ﷺ - إلا الإبقاءَ، أي إلا من أجلهم: الإبقاءَ: النصب أولى.
والحديث الثالث: حديث ابن عباس أن النبي - ﷺ - طاف على بعير
_________________
(١) سورة هود، الآية: ٩٨.
[ ٤٧٦ ]
يستلم الركن بمحجن، هذا يدل على أنه يجوز الطواف على البعير، بالعربانة يجوز، ولكن الطواف بالمشي أولى وأفضل، فإن طاف على بعير، أو بعربانة جاز ذلك.
وقال قوم: لا يجوز إلا من علة كالمرض، والصواب أنه يجوز، كما يسعى أيضًا يجوز إن كان أرفق به، أو لثقله، أو لشدة الزحام، طاف من بعيد، لا بأس في عربانة، أو في سيارة، لو وجد ما يمكن ذلك، فالحاصل أن مثل هذا يجوز، لأن النبي طاف على بعير - ﵊ - لما كثر الناس، وهكذا سعى - ﵊ - لكن كونه يمشي مع القدرة أولى وأفضل.
وفيه أنه يستلم الركن بالمحجن، وهي عصا لها رأس محنية كالمشعاب يمدّه هكذا، ويُقبّل المحجن، وهكذا إذا استلمه بيده يُقبل يده، فإن تيسّر تقبيله قبّله، كما تقدم في حديث عمر، وإن لم يتيسر استلمه بيده، أو بمحجن وقبّله، وإن لم يتيسر ذلك أشار، فالأحوال ثلاث:
الحال الأولى: أن يُقبّل، يتمكن ويقبل بدون مشقة، فالسُّنة أن يقبل ويكبر يقول: اللَّه أكبر، ويستلمه مع ذلك.
الحال الثانية: أن لا يستطيع إلا باليد، يستلم بيده، ويقبّل يده ويكبّر.
الحال الثالثة: أن لا يستطيع بيده، ولا بفمه، ولكن بالعصا يمدها، ويستلمه بها، ويقبّل طرفها إذا تيسر ذلك، أما إذا كان في مدّها أذى للناس، أو مشقّة، فلا، لا يؤذي الناس، بل يشير من بعيد،
[ ٤٧٧ ]
وهذه الحال الرابعة، وهي الإشارة الحالة الرابعة يشير، ويكبر من دون مسّ يشير من بعيد ويكبر.
وهكذا حديث ابن عمر أن النبي - ﷺ - خبَّ ثلاثة أشواط، ومشى أربعة، السنة أنه في طواف القدوم يخبّ ثلاثة أشواط، يعني يعجِّل: يهرول، والأربعة الباقية يمشي مشيًا، هذا في طواف القدوم خاصة في العمرة، والحج، أما بقية الأطوفة: طواف الإفاضة، طواف الوداع، الأطوفة الأخرى، هذه ما يهرول، يمشي مشيًا، إلا طواف القدوم للرجال خاصة، أما النساء لا يهرولن، يمشين مشيًا لأنهن عورة، وهكذا الاضطباع، كونه يجعل وسط الرداء تحت إبطه الأيمن، وطرفه على عاتقه، هذا في طواف القدوم خاصة، أي الاضطباع، وما سواه يجعل رداءه على كتفيه، ويلفَّه على صدره، هذا السنة في الرداء دائمًا، دائمًا في حالة واحدة إلا في طواف القدوم عند الطواف؛ فإنه يجعل وسطه تحت إبطه الأيمن، ويجعل طرفه على عاتقه الأيسر، في طواف القدوم خاصة، وهكذا الرمل في طواف القدوم في الأشواط الثلاثة الأول، أما بقية الأطوفة، فليس فيها رمل، وليس فيها اضطباع.
الحديث الأخير حديث ابن عمر: أن النبي لم يستلم من الكعبة إلا الركنين اليمانيين، هذا السُّنة استلام الركنين اليمانيين، الذي فيه الحجر، واليماني فقط، أما الركنان اللذان يتصلان بالحجر، فالسنة أن لا يستلمهما، ولا يكبر عندهما، لأن الرسول ما فعل ذلك
[ ٤٧٨ ]
- ﵊ -، وإنما الاستلام للركنين اليمانيين، وهما الركن الذي فيه الحجر الأسود، والركن الثاني الذي قبله عند الطواف، فهذان يُستلمان، أما التقبيل فيختصّ بالحجر الأسود، فلا يُقبّل إلا الأسود خاصة، أما الاستلام فلهما جميعًا، والتكبير لهما جميعًا عند الاستلام، فإن لم يتيسر أشار إلى الحجر الأسود، ولم يشر إلى الركن اليماني، فإن لم يتيسر الاستلام أشار إلى الحجر الأسود خاصة، وكبّر، أما اليماني، فلا يشار إليه، لأن النبي ما كان يشير إليه، أما ما يوجد في بعض المناسك من أنه يشار إليه ليس عليه دليل، الإشارة للحجر الأسود خاصة، أما إذا تمكن من الركن اليماني فيستلمه، ويكبّر، أما الركنان الآخران اللذان على حافة الحجر، فلا يستلمان، ولا يقبّلان، ولا يشار إليهما (١).