١١١ - مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي لَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنَّمَا ذَلِكَ (٣) عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي الدَّمَ عَنْكِ وَصَلِّي»
وَلَمْ يَخْتَلِفْ رُوَاةُ مَالِكٍ فِي إِسْنَادِهِ وَلَفْظِهِ وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ كُنَاسَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ
قَالَ سُفْيَانُ وَتَفْسِيرُهُ إِذَا رَأَتِ الدَّمَ بَعْدَ مَا تَغْسِلُ الدَّمَ فَقَطْ
وَقَدْ رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ هِشَامٍ بِإِسْنَادِهِ فَجَوَّدَ لَفْظَهُ قَالَ فَإِذَا أَدْبَرَتِ الْحَيْضَةُ فَاغْسِلِي عَنْكِ أَثَرَ الدَّمِ وَتَوَضَّئِي فَقِيلَ لِحَمَّادٍ فَالْغُسْلُ قَالَ وَمَنْ يَشُكُّ أَنَّ فِي ذَلِكَ غُسْلًا وَاحِدًا بَعْدَ الْحَيْضَةِ
وَقَالَ حَمَّادٌ قَالَ أَيُّوبُ أَرَأَيْتَ لَوْ خَرَجَ مَنْ جَنْبِهَا دَمٌ أَتَغْتَسِلُ
وَقَالَ فِيهِ أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ هِشَامٍ بِإِسْنَادِهِ فَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي لِطُهْرِكِ
وَقَالَ فِيهِ أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامٍ بِإِسْنَادِهِ وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي
قَالَ هِشَامٌ قَالَ أَبِي ثُمَّ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ
وكان بن عُيَيْنَةَ يَقُولُ فِيهِ عَنْ هِشَامٍ مَرَّةً فَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي وَمَرَّةً قَالَ اغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي وَمَرَّةً قَالَ كَذَا أَوْ كَذَا
وَقَالَ فِيهِ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ هِشَامٍ بِإِسْنَادِهِ فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وتطهري وصلي
[ ١ / ٣٣٧ ]
قَالَ حَمَّادٌ قَالَ هِشَامٌ كَانَ عُرْوَةُ يَقُولُ الْغُسْلُ الْأَوَّلُ ثُمَّ الطُّهْرُ لِكُلِّ صَلَاةٍ
وَقَالَ فِيهِ يَحْيَى بْنُ هَاشِمٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بِإِسْنَادِهِ فَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ وَصَلِّي
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَسَانِيدَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَمُتُونَهَا فِي التَّمْهِيدِ وَذَكَرْنَا الِاخْتِلَافَ عَلَى الزُّهْرِيِّ فِيهِ فِي قِصَّةِ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ جَحْشٍ وَاسْتِحَاضَتِهَا
وَكُلُّهُمْ يَقُولُ فِي حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عائشة إِنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - قَالَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ
وَهَذَا نَصٌّ ثَابِتٌ عَنْهُ - ﵇ - فِي أَنَّ الْحَيْضَ يَمْنَعُ مِنَ الصَّلَاةِ
وَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ نَقَلَتْهُ الْكَافَّةُ كَمَا نَقَلَتْهُ الْآحَادُ الْعُدُولُ وَلَا مُخَالِفَ فِيهِ إِلَّا طَوَائِفُ مِنَ الْخَوَارِجِ يَرَوْنَ عَلَى الْحَائِضِ الصَّلَاةَ
وَأَمَّا عُلَمَاءُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَأَهْلُ الْفَتْوَى بِالْأَمْصَارِ فَكُلُّهُمْ عَلَى أَنَّ الْحَائِضَ لَا تُصَلِّي وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ حَيْضِهَا إِلَّا أَنَّ مِنَ السَّلَفِ مَنْ كَانَ يَرَى لِلْحَائِضِ وَيَأْمُرُهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ عِنْدَ وَقْتِ الصَّلَاةِ وَتَذْكُرَ اللَّهَ وَتَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ ذَاكِرَةً لِلَّهِ جَالِسَةً
وَرَوَى خَالِدٌ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَمَكْحُولٍ قَالَ مَكْحُولٌ كَانَ ذَلِكَ مِنْ هَدْيِ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَيَّامِ حَيْضِهِنَّ
ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ قَالَ مَعْمَرٌ بَلَغَنِي أَنَّ الْحَائِضَ كَانَتْ تُؤْمَرُ بِذَلِكَ عِنْدَ وَقْتِ كل صلاة
وبن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ لَمْ يَبْلُغْنِي ذَلِكَ وَإِنَّهُ لَحَسَنٌ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هُوَ أَمْرٌ مَتْرُوكٌ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ بَلْ يَكْرَهُونَهُ
ذَكَرَ دُحَيْمٌ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ قَالَ سُئِلَ أَبُو قِلَابَةَ عَنِ الْحَائِضِ إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ أَتَتَوَضَّأُ وَتَذْكُرُ اللَّهَ فَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ قَدْ سَأَلْنَا عَنْهُ فَلَمْ نَجِدْ لَهُ أَصْلًا
قَالَ دُحَيْمٌ وَحَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنِ الْحَائِضِ أَنَّهَا إِذَا كَانَ وَقْتُ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ تَوَضَّأَتْ وَاسْتَقْبَلَتِ الْقِبْلَةَ فَذَكَرَتِ اللَّهَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ وَلَا رُكُوعٍ وَلَا سُجُودٍ قَالَ مَا نَعْرِفُ هَذَا وَلَكِنَّا نَكْرَهُهُ
وَقَالَ مَعْمَرٌ قُلْتُ لِابْنِ طَاوُسٍ أَكَانَ أَبُوكَ يَأْمُرُ الْحَائِضَ عِنْدَ وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ بِطُهْرٍ وَذِكْرٍ قَالَ لَا
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ الْيَوْمَ فِي الْأَمْصَارِ
قَالَ دُحَيْمٌ وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ يَزِيدَ
[ ١ / ٣٣٨ ]
الرِّشْكِ عَنْ مُعَاذَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْهَا أَتَقْضِي الْمَرْأَةُ صَلَاةَ أَيَّامِ حَيْضَتِهَا قَالَتْ أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ كَانَتْ إِحْدَانَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ تَحِيضُ فَلَا تُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ
وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةِ قَالَتْ سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ فَقَالَتْ أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ قُلْتُ لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ وَلَكِنِّي أَسْأَلُ قَالَتْ قَدْ كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ
وَرَوَى قَتَادَةُ وَأَبُو قِلَابَةَ عَنْ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةِ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ
رَوَاهُ شُعْبَةُ وَسَعِيدٌ وَغَيْرُهُمَا عَنْ قَتَادَةَ وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ
وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ معاذة عن عائشة مثله
وذكر بن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ قُلْتُ أَتَقْضِي الْحَائِضُ الصَّلَاةَ قَالَ لَا ذَلِكَ بِدْعَةٌ
وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ سَوَاءٌ
وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ الْحَائِضُ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ قُلْتُ عَمَّنْ قَالَ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَلَيْسَ فِي كُلِّ شَيْءٍ تَجِدُ الْإِسْنَادَ
وَعَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ رَجُلٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ فَلَمْ يَأْمُرِ امْرَأَةً مِنَّا أَنْ تَقْضِيَ الصَّلَاةَ
وَقَالَ دُحَيْمٌ وَحَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ عُبَيْدَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كُنَّا نَحِيضُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﵇ - فَمَا يَأْمُرُ امْرَأَةً مِنَّا بِرَدِّ الصَّلَاةِ
وَقَالَ عَجْلَانُ أَبُو غَالِبٍ سألت بن عَبَّاسٍ عَنِ النُّفَسَاءِ وَالْحَائِضِ هَلْ تَقْضِيَانِ
[ ١ / ٣٣٩ ]
الصَّلَاةَ إِذَا طَهُرَتَا قَالَ هَؤُلَاءِ نِسَاءُ النَّبِيِّ - ﵇ - لَوْ فَعَلْنَ ذَلِكَ أَمَرْنَا نِسَاءَنَا بِهِ
وَرُوِّينَا عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ قَالَ لَيَكُونَنَّ قَوْمٌ فِي آخِرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ يُكَذِّبُونَ أُولَاهُمْ وَيَلْعَنُونَهُمْ وَيَقُولُونَ جَلَدُوا فِي الْخَمْرِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَرَجَمُوا وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَمَنَعُوا الْحَائِضَ الصَّلَاةَ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ
وَهَذَا كُلُّهُ قَدْ قَالَ بِهِ قَوْمٌ مِنْ غَالِيَةِ الْخَوَارِجِ عَلَى أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ أَيْضًا وَكُلُّهُمْ أَهْلُ زَيْغٍ وَضَلَالٍ أَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْحَقِّ فَلَا يَخْتَلِفُونَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فِي هَذَا الْبَابِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ لَا يَلْزَمُهَا غَيْرُ ذَلِكَ الْغُسْلِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يَأْمُرْهَا بِغَيْرِهِ وَلَوْ لَزِمَهَا غَيْرُهُ لَأَمَرَهَا بِهِ
وَفِي ذَلِكَ رَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ رَأَى عَلَيْهَا الْغُسْلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَلِقَوْلِ مَنْ رَأَى عَلَيْهَا أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ صَلَاتَيِ النَّهَارِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ وَصَلَاتَيِ اللَّيْلِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ وَتَغْتَسِلُ لِلصُّبْحِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لم يَأْمُرْهَا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي حَدِيثِ هِشَامٍ هَذَا وَلَا صَحَّ ذَلِكَ عَنْهُ فِي غَيْرِهِ
وَحَدِيثُ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ هَذَا أَصَحُّ مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ وَهُوَ يَدْفَعُ الْغُسْلَ الَّذِي وَصَفْنَا
وَفِيهِ رَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ بِالِاسْتِطْهَارِ يَوْمًا وَيَوْمَيْنِ وَثَلَاثَةً وَأَقَلَّ وَأَكْثَرَ لِأَنَّهُ أَمَرَهَا إِذَا عَلِمَتْ أَنَّ حَيْضَتَهَا قَدْ أَدْبَرَتْ وَذَهَبَتْ أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ وَلَمْ يَأْمُرْهَا أَنْ تَتْرُكَ الصَّلَاةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِانْتِظَارِ حَيْضٍ يَجِيءُ أَوْ لَا يَجِيءُ
وَالِاحْتِيَاطُ إِنَّمَا يَجِبُ فِي عَمَلِ الصَّلَاةِ لَا فِي تَرْكِهَا
وَلَا يَخْلُو قَوْلُهُ ﵇ فِي الْحَيْضَةِ إِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ انْقِضَاءَ أَيَّامِ حَيْضَتِهَا لِمَنْ تَعْرِفُ الْحَيْضَةَ وَأَيَّامَهَا أَوْ يَكُونَ أَرَادَ انْفِصَالَ دَمِ الْحَيْضِ مِنْ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ لِمَنْ تُمَيِّزُهُ فَأَيُّ ذَلِكَ كَانَ فَقَدْ أَمَرَهَا عِنْدَ ذَهَابِ حَيْضَتِهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ وَلَمْ يَأْمُرْهَا بِاسْتِطْهَارٍ
وَقَالَ أَيْضًا مَنْ نَفَى الْاسْتِطْهَارِ السُّنَّةُ تَنْفِي الْاسْتِطْهَارَ لِأَنَّ أَيَّامَ دَمِهَا جَائِزٌ أَنْ تَكُونَ اسْتِحَاضَةً وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ حَيْضًا وَالصَّلَاةُ فَرْضٌ بِيَقِينٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَدَعَهَا حَتَّى تَسْتَيْقِنَ أَنَّهَا حَائِضٌ
وَذَكَرُوا أَنَّ مَالِكًا وَغَيْرَهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ قَالُوا لَأَنْ تُصَلِّيَ الْمُسْتَحَاضَةُ وَلَيْسَ عَلَيْهَا ذَلِكَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَ الصَّلَاةَ وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهَا لِأَنَّ الْوَاجِبَ الِاحْتِيَاطُ لِلصَّلَاةِ فَلَا تُتْرَكُ إِلَّا بِيَقِينٍ لَا بِالشَّكِّ فِيهِ
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الْاسْتِطْهَارِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ
[ ١ / ٣٤٠ ]
السَّلَامُ - لِلْمُسْتَحَاضَةِ فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا - يَعْنِي الْحَيْضَ - لِأَنَّ قَدْرَ الْحَيْضِ قَدْ يَزِيدُ مَرَّةً وَيَنْقُصُ أُخْرَى فَلِهَذَا رَأَى مَالِكٌ الِاسْتِطْهَارَ لِأَنَّ الْحَائِضَ يَجِبُ أَلَّا تُصَلِّيَ حَتَّى تَسْتَيْقِنَ زَوَالَهُ وَالْأَصْلُ فِي الدَّمِ الظَّاهِرِ مِنَ الرَّحِمِ أَنَّهُ حَيْضٌ
وَلِهَذَا أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنْ يَأْمُرُوا الْمُبْتَدَأَةَ بِالدَّمِ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ مَا تَرَى الدَّمَ
وَكَانَ أَقْصَى الْحَيْضِ عِنْدَ مَالِكٍ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَكَانَ يَقُولُ فِي الْمُبْتَدَأَةِ وَفِي الَّتِي أَيَّامُهَا مَعْرُوفَةٌ فَيَزِيدُ حَيْضُهَا إِنَّهُمَا تَقْعُدَانِ إِلَى كَمَالِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَإِذَا زَادَ فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ ثُمَّ رَجَعَ فِي الَّتِي لَهَا أَيَّامٌ مَعْرُوفَةٌ - أَنْ تَسْتَطْهِرَ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ عَلَى عَادَتِهَا مَا لَمْ تُجَاوِزْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا احْتِيَاطِيًّا لِلصَّلَاةِ ثُمَّ تَغْتَسِلَ بَعْدَ ذَلِكَ وَتُصَلِّيَ
وَكَذَلِكَ تَسْتَطْهِرُ الْمُبْتَدَأَةُ عَلَى أَيَّامِ لَدَاتِهَا بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مَا لَمْ تُجَاوِزْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ثُمَّ تَغْتَسِلُ أَيْضًا وَتُصَلِّي لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ دَمُ اسْتِحَاضَةِ وَهُوَ عِرْقٌ - كَمَا قَالَ ﵇ - لَا يَمْنَعُ مِنَ الصَّلَاةِ
وَلَا اسْتِطْهَارَ عِنْدَ مَالِكٍ إِلَّا لِهَاتَيْنِ الْمَرْأَتَيْنِ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ وَجَعَلَ الْاسْتِطْهَارَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِيَسْتَبِينَ فِيهَا انْفِصَالُ دَمِ الْحَيْضِ مِنْ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ اسْتِدْلَالًا بِحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ إِذْ حَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثلاثة أَيَّامٍ فِي انْفِصَالِ اللَّبَنِ لَبَنِ التَّصْرِيَةِ مِنَ اللَّبَنِ الطَّارِئِ
وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثٍ رَوَاهُ حَرَامُ بْنُ عُثْمَانَ عَنِ ابْنَيْ جَابِرٍ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ مُرْشِدٍ الْحَارِثِيَّةَ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ - ﵇ - عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - ﵇ «اقْعُدِي أَيَّامَكِ الَّتِي كُنْتِ تَقْعُدِينَ ثُمَّ اسْتَطْهِرِي بِثَلَاثٍ ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي
وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ حَرَامِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنَيْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِمَا عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ مُرْشِدٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ فَذَكَرَ مَعْنَى مَا ذَكَرْنَا
وَهَذَا حَدِيثٌ لَا يُوجَدُ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ
وَحَرَامُ بْنُ عُثْمَانَ الْمَدَنِيُّ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ مُجْتَمَعٌ عَلَى طَرْحِهِ لِضَعْفِهِ وَنَكَارَةِ
[ ١ / ٣٤١ ]
حَدِيثِهِ حَتَّى لَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ الْحَدِيثُ عَنْ حَرَامِ بْنِ عُثْمَانَ حَرَامٌ
وَقَالَ بِشْرُ بْنُ عُمَرَ سَأَلْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ عَنْ حَرَامِ بْنِ عُثْمَانَ فَقَالَ لَيْسَ ثِقَةً
وَقَدْ مَضَى اخْتِلَافُ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي الْحَامِلِ تَرَى الدَّمَ هَلْ تَسْتَطْهِرُ أَمْ لَا فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ فَإِذَا أَدْبَرَتِ الْحَيْضَةُ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي فَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَغَيْرِهِمْ مَا يُفَسِّرُ ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ إِدْبَارِ الْحَيْضَةِ وَإِقْبَالِ اسْتِحَاضَتِهَا كَمَا تَغْتَسِلُ الْحَائِضُ عِنْدَ رُؤْيَةِ طُهْرِهَا لِأَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ طَاهِرٌ وَدَمُهَا دَمُ عِرْقٍ كَدَمِ الْجُرْحِ السَّائِلِ وَالْخُرَّاجِ وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ طَهَارَةً إِذْ لَا يَمْنَعُ مِنْ صَلَاةٍ وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي امْرَأَةٍ تَعْرِفُ دَمَ حَيْضَتِهَا مِنْ دَمِ اسْتِحَاضَتِهَا
وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ هَذَا ذِكْرُ الْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَهُ فَلِذَلِكَ كَانَ مَالِكٌ يَسْتَحِبُّهُ لَهَا وَلَا يُوجِبُهُ عَلَيْهَا كَمَا لَا يُوجِبُهُ عَلَى مَنْ سَلِسَ بَوْلُهُ فَلَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهُ
وَمِمَّنْ أَوْجَبَ الْوُضُوءَ لِكُلِّ صَلَاةٍ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ وَمَالِكٌ مَعَهُمْ لَا يَرَوْنَ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ غُسْلًا غَيْرَ مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَ إِدْبَارِ حَيْضَتِهَا وَإِقْبَالِ اسْتِحَاضَتِهَا ثُمَّ تَغْسِلُ عَنْهَا الدَّمَ وَتُصَلِّي وَلَا تَتَوَضَّأُ إِلَّا عِنْدَ الْحَدَثِ عِنْدَ مَالِكٍ وَهُوَ قَوْلُ عِكْرِمَةَ وَأَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ
وَكَذَلِكَ الَّتِي تَقْعُدُ أَيَّامَهَا الْمَعْرُوفَةَ ثُمَّ تَسْتَطْهِرُ عِنْدَ مَالِكٍ أَوْ لَا تَسْتَطْهِرُ عِنْدَ غَيْرِهِ
وَتَغْتَسِلُ أَيْضًا عِنْدَ انْقِضَاءِ أَيَّامِهَا وَاسْتِطْهَارِهَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا إِلَّا أَنْ تُحْدِثَ حَدَثًا يُوجِبُ الْغُسْلَ أَوِ الْوُضُوءَ عِنْدَ مَالِكٍ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ
وَأَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ فَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرْنَا عَنْهُمْ فِيمَا سَلَفَ مِنْ كِتَابِنَا فِي سَلَسِ الْبَوْلِ وَذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهَا عِنْدَهُمْ
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّ الْغُسْلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَاجِبٌ عَلَيْهَا لِأَحَادِيثَ رَوَوْهَا بِذَلِكَ قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي التَّمْهِيدِ
قَالُوا لِأَنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ إِلَّا وَهِيَ فِيهِ شَاكَّةٌ هَلْ هِيَ حَائِضٌ أَوْ طَاهِرٌ مُسْتَحَاضَةٌ أَوْ هَلْ طَهُرَتْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِانْقِطَاعِ دَمِ حَيْضَتِهَا أَمْ لَا فَوَاجِبٌ عَلَيْهَا الْغُسْلُ لِلصَّلَاةِ
قَالُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَابْتَلَاهَا بِأَشَدَّ مِنْ هَذَا
[ ١ / ٣٤٢ ]
ورووا هذا عن علي وبن عباس وبن الزُّبَيْرِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ عَنْهُمْ بِذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ
١١٢ - وَذَكَرَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهَا رَأَتْ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ الَّتِي كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَكَانَتْ تُسْتَحَاضُ فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي
هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ وَهُوَ وَهْمٌ مِنْ مَالِكٍ لِأَنَّهُ لَمْ تَكُنْ قَطُّ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَإِنَّمَا كَانَتْ تَحْتَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ثُمَّ كَانَتْ تَحْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّمَا الَّتِي كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ جَحْشٍ وَكُنَّ ثَلَاثَ أَخَوَاتٍ زَيْنَبَ كَمَا ذَكَرْنَا وَأُمَّ حَبِيبَةَ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَحَمْنَةَ بِنْتَ جَحْشٍ تَحْتَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُنَّ ثَلَاثَتَهُنَّ اسْتُحِضْنَ وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُنَّ لَمْ يُسْتَحَضْ مِنْهُنَّ إِلَّا أُمُّ حَبِيبَةَ وَحَمْنَةُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَرَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ كَانْتْ تُسْتَحَاضُ فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ (أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ
وَقَدْ أَسْنَدَ حَدِيثَ أُمِّ حَبِيبَةَ هَذَا - الزُّهْرِيُّ فَرَوَاهُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ اسْتُحِيضَتْ فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ
فَإِنْ قِيلَ لَمْ يَرْفَعْهُ إِلَّا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَأَمَّا سَائِرُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ فِيهِ عَنْهُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ اسْتُحِيضَتْ فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ إِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ وَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ
قِيلَ لَمَّا أَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ (فَهِمَتْ عَنْهُ فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ) عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ «تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي» يَقْتَضِي أَلَّا تُصَلِّيَ حَتَّى تَغْتَسِلَ
وَقَدْ ذَكَرْنَا طُرُقَ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ هَذَا فِي «التَّمْهِيدِ» وَاخْتِلَافَ أَصْحَابِهِ عَلَيْهِ فِيهِ
وَقَالَ آخَرُونَ يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ غُسْلًا وَاحِدًا وَلِلْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ غُسْلًا وَاحِدًا وَتُؤَخِّرُ الظُّهْرَ فَتُصَلِّيهَا فِي آخِرِ وَقْتِهَا وَتُقَدِّمُ الْعَصْرَ فِي أَوَّلِ
[ ١ / ٣٤٣ ]
وَقْتِهَا وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ بِالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَتَغْتَسِلُ لِلصُّبْحِ غُسْلًا وَاحِدًا
وَرَوَوْا بِذَلِكَ آثَارًا قَدْ ذَكَرْتُهَا في التمهيد
وروي عن علي وبن عَبَّاسٍ أَيْضًا مِثْلُ ذَلِكَ وَقَدْ ذَكَرْتُ الرِّوَايَةَ عَنْهُمَا فِي التَّمْهِيدِ وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ وَفِرْقَةٍ
وَقَالَ آخَرُونَ تَغْتَسِلُ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَتْ مِنَ النَّهَارِ
وَرَوَاهُ مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ إِذَا انْقَضَى حَيْضُهَا اغْتَسَلَتْ كُلَّ يَوْمٍ وَاتَّخَذَتْ صُوفَةً فِيهَا سَمْنٌ أَوْ زَيْتٌ
وَقَالَ آخَرُونَ تَغْتَسِلُ مِنْ طُهْرٍ إِلَى طُهْرٍ
١١٣ - رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ الْقَعْقَاعَ بْنَ حَكِيمٍ وَزَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ أَرْسَلَاهُ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ يَسْأَلُهُ كَيْفَ تَغْتَسِلُ الْمُسْتَحَاضَةُ فَقَالَ تَغْتَسِلُ مِنْ طُهْرٍ إِلَى طُهْرٍ وَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَإِنْ غَلَبَهَا الدَّمُ اسْتَثْفَرَتْ
وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ مَا أَرَى الَّذِي حَدَّثَنِي بِهِ مِنْ طُهْرٍ إِلَى طُهْرٍ إِلَّا قَدْ وَهِمَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَيْسَ ذَلِكَ بِوَهْمٍ لِأَنَّهُ صَحِيحٌ عَنْ سَعِيدٍ مَعْرُوفٌ عَنْهُ مِنْ مَذْهَبِهِ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ تَغْتَسِلُ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً مِنْ طُهْرٍ إلى طهر
وكذلك رواه بن عُيَيْنَةَ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنِ الْمُسْتَحَاضَةِ فَقَالَ تَغْتَسِلُ مِنْ طُهْرٍ إِلَى طُهْرٍ وَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَإِنْ غَلَبَهَا الدَّمُ اسْتَثْفَرَتْ بِثَوْبٍ وَصَلَّتْ
قَالَ سُمَيٌّ فَأَرْسَلُونِي عَمَّنْ يَذْكُرُ ذَلِكَ فَحَصَبَنِي
وَكَذَلِكَ الثَّوْرِيُّ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ سَعِيدٍ مِثْلَهُ مِنْ طُهْرٍ إِلَى طُهْرٍ
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ وَكِيعٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ (عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) مِثْلَهُ مِنْ طُهْرٍ إِلَى طُهْرٍ
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَسَالِمٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ
[ ١ / ٣٤٤ ]
وروي مثل ذلك عن بن عُمَرَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَرِوَايَةٌ عَنْ عَائِشَةَ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي ذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ وَسَائِرِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهَا لَا تَغْتَسِلُ إِلَّا مِنْ طُهْرٍ إِلَى طُهْرٍ (عَلَى) مَا وَصَفْنَا مِنَ انْقِضَاءِ أَيَّامِ دَمِهَا إِذَا كَانَتْ تُمَيِّزُ دَمَ اسْتِحَاضَتِهَا
وَعَلَى هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ الْكُوفِيِّ وَأَصْحَابِهِمْ
وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ قَالَ سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنِ الْمُسْتَحَاضَةِ فَقَالَ مَا بَقِيَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِهَذَا مِنِّي إذا أقبلت الحيضة فلتدع الصلاة وإذا أدبرت الحيضة فلتغتسل وتصلي
وذكره بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ قَالَ سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنِ الْمُسْتَحَاضَةِ فَقَالَ مَا أَعْلَمُ بِهَذَا مِنِّي إذا أقبلت الحيضة فلتدع الصلاة وإذا أدبرت فَلْتَغْتَسِلْ وَلْتَغْسِلْ عَنْهَا الدَّمَ وَلْتَتَوَضَّأْ لِكُلِّ صَلَاةٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ سَعِيدٍ فِي امْرَأَةٍ مَيَّزَتْ إِقْبَالَ دَمِ حَيْضَتِهَا وَإِدْبَارِهِ وَإِقْبَالَ دَمِ اسْتِحَاضَتِهَا تَكُونُ رِوَايَةُ مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ فِي امْرَأَةٍ أَطْبَقَ عَلَيْهَا الدَّمُ فَلَمْ تُمَيِّزْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَمَنْ ذَكَرَ فِي هَذَا الْخَبَرِ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ وَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ - فَقَدْ زَادَ زِيَادَةً صَحِيحَةً جَاءَتْ بِهَا الْآثَارُ الْمَرْفُوعَةُ وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي التَّمْهِيدِ
وَالْفُقَهَاءُ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ تُؤْمَرُ بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ مِنْهُمْ مَنْ رَأَى ذَلِكَ عَلَيْهَا وَاجِبًا وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَحَبَّهُ وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
وَأَمَّا الْغُسْلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ
١١٤ - مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ إِلَّا أَنْ تَغْتَسِلَ غُسْلًا وَاحِدًا ثُمَّ تَتَوَضَّأَ بَعْدَ ذَلِكَ لِكُلِّ صَلَاةٍ
قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْمُسْتَحَاضَةِ عَلَى حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ وَهُوَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ
١١٥ - وَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ
[ ١ / ٣٤٥ ]
زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهْرَاقُ الدِّمَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ «لِتَنْظُرَ إِلَى عَدَدِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ فَإِذَا خَلَّفَتْ (٢) ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ ثُمَّ لِتُصَلِّيَ
فَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ اخْتِلَافَ النَّاسِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي إِسْنَادِ أَلْفَاظِهِ
فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ رَوَاهُ عَنْ نَافِعٍ فَأَدْخَلَ بَيْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَأُمِّ سَلَمَةَ رَجُلًا لَمْ يُسَمِّهِ
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ
وَقَالَ فِيهِ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ إِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي اسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ عَنِ اسْتِحَاضَتِهَا هِيَ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ الْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عائشة عَلَى مَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ عَنْ هِشَامٍ فِي هَذَا الْبَابِ
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يُحَدِّثُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ كَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ تُسْتَحَاضُ فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ إِنَّهُ لَيْسَ بِالْحَيْضَةِ وَلَكِنَّهُ عِرْقٌ وَأَمَرَهَا أَنْ تَدَعَ الصَّلَاةَ قَدْرَ إِقْرَائِهَا أَوْ قَدْرَ حَيْضَتِهَا ثُمَّ تَغْتَسِلُ فَإِنْ غَلَبَهَا الدَّمُ اسْتَثْفَرَتْ بِثَوْبٍ وَصَلَّتْ
وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ وَنَذْكُرُهَا هُنَا مَا يُوجِبُ الْقَوْلَ فِي حَدِيثِ نَافِعٍ هَذَا لِأَنَّهُ عِنْدَنَا حَدِيثٌ آخَرُ
وَذَلِكَ أَنَّ حَدِيثَ هِشَامٍ فِي امْرَأَةٍ عَرَفَتْ إِقْبَالَ حَيْضَتِهَا مِنْ إِدْبَارِهَا فَأَجَابَهَا رَسُولُ اللَّهِ عَلَى ذَلِكَ وَحَدِيثُ نَافِعٍ فِي امْرَأَةٍ كَانَتْ لَهَا أَيَّامٌ مَعْرُوفَةٌ فَزَادَهَا الدَّمُ
[ ١ / ٣٤٦ ]
وَأَطْبَقَ عَلَيْهَا وَلَمْ تُمَيِّزْ إِقْبَالَ دَمِ الْحَيْضَةِ مِنْ إِدْبَارِهِ وَانْقِطَاعِهِ وَإِقْبَالَ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أن تَتْرُكَ الصَّلَاةَ قَدْرَ أَيَّامِهَا الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَلَمْ تَذْكُرْ لَهَا أَيْضًا اسْتِطْهَارًا
وَالْقَوْلُ فِي الِاسْتِطْهَارِ هُنَا كَالْقَوْلِ الَّذِي مَضَى فِي حَدِيثِ هِشَامٍ سَوَاءٌ
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي الْحَيْضِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ اثْنَانِ لَيْسَ فِي نَفْسِي مِنْهُمَا شَيْءٌ
أَحَدُهُمَا حَدِيثُ هِشَامٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ
وَالثَّانِي حَدِيثُ نَافِعٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ
وَأَمَّا الثَّالِثُ الَّذِي فِي قَلْبِي مِنْهُ شَيْءٌ فَحَدِيثُ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عَمِّهِ عِمْرَانَ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أُمِّهِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي التَّمْهِيدِ
فَجَعَلَ أَحْمَدُ حَدِيثَ نَافِعٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ غَيْرَ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ
وَقَالَ مَعَ أَحْمَدَ جَمَاعَةٌ غَيْرُهُ فَلِذَلِكَ قُلْنَا إِنَّهُمَا حَدِيثَانِ فِي مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ عَلَى مَا وَصَفْنَا
وَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ فَمَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهَا كَانَتِ امْرَأَةٌ لَا يَنْقَطِعُ دَمُهَا وَلَا يَنْفَصِلُ وَلَا تَرَى مِنْهُ طُهْرًا وَقَدْ زَادَهَا - عَلَى ذَلِكَ - عَلَى أَيَّامٍ كَانَتْ لَهَا مَعْرُوفَةً وَتَمَادَى بِهَا فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ لِتَعْلَمَ هَلْ حُكْمُ ذَلِكَ الدَّمِ كَحُكْمِ دَمِ الْحَيْضِ إِذَا كَانَتْ عِنْدَهَا وَعِنْدَ غَيْرِهَا عَادَةُ دَمِ الْحَيْضِ أَنَّهُ يَنْقَطِعُ فَأَجَابَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَمَرَهَا إِذَا انْقَضَتْ أَيَّامُهَا أَوْ عَدَدُ أَيَّامِهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتَسْتَثْفِرَ وَتُصَلِّيَ
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ لِلدِّمَاءِ الظَّاهِرَةِ مِنَ الْأَرْحَامِ ثَلَاثَةَ أَحْكَامٍ
أَحَدُهَا دَمُ الْحَيْضِ يَمْنَعُ الصَّلَاةَ وَتَسْقُطُ الصَّلَاةُ مَعَ وُجُودِهِ مِنْ غَيْرِ إِعَادَةٍ لَهَا عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ
وَالثَّانِي دَمُ النِّفَاسِ عِنْدَ الْوِلَادَةِ وَحُكْمُهُ فِي الصَّلَاةِ كَحُكْمِ دَمِ الْحَيْضِ بِإِجْمَاعٍ
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مِقْدَارِهِ كَمَا اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الْحَيْضِ وَسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ كُلَّهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
[ ١ / ٣٤٧ ]
وَالدَّمُ الثَّالِثُ دَمٌ لَيْسَ بِعَادَةٍ وَلَا طَبْعٍ لِلنِّسَاءِ وَلَا خِلْقَهٍ مَعْرُوفَةٍ مِنْهُنَّ وَإِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ انْقَطَعَ وَسَالَ دَمُهُ فَهَذَا حُكْمُهُ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ فِي الْأَيَّامِ الَّتِي يَنُوبُهَا فِيهَا طَاهِرَةٌ وَلَا يَمْنَعُهَا مِنْ صَلَاةٍ وَلَا صَوْمٍ وَلَا يُوقَفُ عَلَى دَمِ الْعِرْقِ مِنْ غَيْرِهِ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ مَا زَادَ عَلَى هَذَا الْحَيْضِ بِإِجْمَاعٍ أَوْ مَا نَقَصَ عَنْهُ بِاخْتِلَافٍ
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ
فَأَمَّا فُقَهَاءُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَيَقُولُونَ إِنَّ الْحَيْضَ لَا يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَجَائِزٌ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَمَا دُونَ وَمَا زَادَ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَلَا يَكُونُ حَيْضًا وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِحَاضَةٌ وَهُوَ دَمُ الْعِرْقِ الْمُنْقَطِعِ
وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي الْجُمْلَةِ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا وَقْتَ لِقَلِيلِ الْحَيْضِ وَلَا لِكَثِيرِهِ إِلَّا مَا يُوجَدُ فِي النِّسَاءِ وَأَكْثَرُ مَا بَلَغَهُ أَنَّهُ وَجَدَ فِي النِّسَاءِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا
وَالدُّفْعَةُ عِنْدَهُ مِنَ الدَّمِ حَيْضٌ تَمْنَعُ مِنَ الصَّلَاةِ وَلَكِنَّ الدُّفْعَةَ وَمَا كَانَ مِثْلُهَا لَا تُحْسَبُ قُرْءًا في العدة
(هذا مذهب) بن القاسم وأكثر المصريين والمدنيين عنه
وقال بن الْمَاجِشُونِ عَنْهُ أَقَلُّ الْحَيْضِ خَمْسَةُ أَيَّامٍ وَأَقَلُّ الطهر خمسة أيام وهو قول بن الْمَاجِشُونِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا أَقَلُّ الطُّهْرِ فَقَدِ اضْطَرَبَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ
فَرَوَى بن الْقَاسِمِ عَنْهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَرَوَى عَنْهُ أَيْضًا أقل الطهر ثمانية أيام وهو قول سجنون
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ عَبْدُ الْمَلِكِ قَالَ أَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةُ أَيَّامٍ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ وَإِلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَالَ بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ مِنَ الْمَالِكِيِّينَ
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ أَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَهُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْبَغْدَادِيِّينَ مِنَ الْمَالِكِيِّينَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِمَا وَالثَّوْرِيِّ
وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ عِدَّةَ ذَاتِ الْأَقْرَاءِ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَجَعَلَ عِدَّةَ مَنْ لَا تَحِيضُ مِنْ كِبَرٍ أَوْ صِغَرٍ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ فَكَانَ كُلُّ قُرْءٍ عِوَضًا مِنْ شَهْرٍ وَالشَّهْرُ يَجْمَعُ الطُّهْرَ وَالْحَيْضَ فَإِذَا قَلَّ الْحَيْضُ كَثُرَ الطُّهْرُ وَإِذَا كَثُرَ الْحَيْضُ قَلَّ الطُّهْرُ فَلَمَّا كَانَ أَكْثَرُ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لِيَكْمُلَ فِي الشَّهْرِ الْوَاحِدِ حَيْضٌ وَطُهْرٌ وَهُوَ الْمُتَعَارَفُ فِي الْأَغْلَبِ مِنْ كَثْرَةِ النِّسَاءِ وَجِبِلَّتِهِنَّ مَعَ دَلَائِلِ الْقُرْآنِ والسنة على ذلك كما ذكرنا
[ ١ / ٣٤٨ ]
وقال بن أَبِي عِمْرَانَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ أَقَلُّ الطُّهْرِ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا
وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الشَّهْرَ جُعِلَ عِدْلَ كُلِّ حَيْضَةٍ وَطُهْرٍ فِي الْعِدَّةِ وَالْحَيْضُ فِي الْعَادَةِ أَقَلُّ مِنَ الطُّهْرِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الْحَيْضُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ لِأَنَّ النَّاسَ فِي أَكْثَرِ الْحَيْضِ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ فَلَمَّا لَمْ تَصِحَّ الْخَمْسَةَ عَشَرَ لِأَنَّ الْعَادَةَ فِي الْحَيْضِ أَنْ يَكُونَ أَقَلَّ مِنَ الطُّهْرِ صَحَّتِ الْعَشْرَةُ الْأَيَّامِ وَإِذَا صَحَّتِ الْعَشْرَةُ حَيْضًا كَانَ مَا بَقِيَ طُهْرًا وَهُوَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا لِأَنَّ الشَّهْرَ قَدْ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ
وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ مُجْمَلًا فِي أَقَلِّ الْحَيْضِ وَأَكْثَرِهِ فَكَانَ مَالِكٌ لَا يُوَقِّتُ فِي قَلِيلِ الْحَيْضِ وَلَا فِي كَثِيرِهِ
وَقَالَ أَقَلُّهُ دَفْقَةٌ مِنْ دَمٍ غَيْرَ أَنَّهَا لَا تَعْتَدُّ بِهَا مِنْ طَلَاقٍ
ثُمَّ قَالَ أَكْثَرُهُ الْحَيْضُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فِيمَا بَلَغَنَا
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ أَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ
وَقَالَ الشافعي أقله يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يَوْمًا وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ مَرْدُودٌ إِلَى عُرْفِ النِّسَاءِ
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ أَقَلُّهُ يَوْمٌ وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَإِنْ تَمَادَى بِهَا الدَّمُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَزَادَهَا قَضَتْ صَلَاةَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا
وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ إِذَا زَادَ عَلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَقْصَى مَا سَمِعْنَا سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا
وَكَانَ نِسَاءُ الْمَاجِشُونِ يَحِضْنَ سَبْعَةَ عَشَرَ يوما
وبه قال بن نَافِعٍ صَاحِبُ مَالِكٍ
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ مِثْلَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَقَلُّهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا
وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ أَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ
قَالَ وَعِنْدَنَا امْرَأَةٌ تَحِيضُ غُدْوَةً وَتَطْهُرُ عَشِيَّةً
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَأَكْثَرُهُ عَشْرَةُ أَيَّامٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ مَا نَقَصَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ عَنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ لَا يُمْنَعُ مِنَ الصَّلَاةِ إِلَّا عِنْدَ ظُهُورِهِ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ مَبْلَغُ مُدَّتِهِ
[ ١ / ٣٤٩ ]
ثُمَّ عَلَى الْمَرْأَةِ قَضَاءُ صَلَاةِ تِلْكَ الْأَوْقَاتِ إِنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَكَذَلِكَ مَا زَادَ عَلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ وَعِنْدَ الْحِجَازِيِّينَ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَا
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ فَمَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ أَوْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ وَهُوَ قَوْلُ الطَّبَرِيِّ
وَاعْتَبَرُوا فِي أَقَلِّ الطُّهْرِ مَا ذَكَرْنَا عَنْهُمْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَجَعَلُوا مَا دُونَهَا كَدَمٍ مُتَّصِلٍ
وَعِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فِي هَذَا شَيْءٌ مِنْ خِلَافٍ لَيْسَ بِنَا حَاجَةٌ إِلَى ذِكْرِهِ
فَهَذِهِ أُصُولُهُمْ فَقِفْ عَلَيْهَا فِي مِقْدَارِ الطُّهْرِ وَالْحَيْضِ فَلَا غِنَى عَنْهَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْوَارِدَةِ فِي الْحَيْضَةِ الْمُنْقَطِعَةِ وَفِي الْعِدَّةِ فَمَنْ قَادَ أَصْلُهُ فِيهَا كَانَ أَسْعَدَ بِالصَّوَابِ
وَالْمَسْأَلَةُ امْرَأَةٌ حَاضَتْ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ ثُمَّ طَهُرَتْ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ فَتَمَادَى بِهَا الْأَمْرُ أَيَّامًا
فَأَمَّا مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ فَقَالُوا تَجْمَعُ أَيَّامَ الدَّمِ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ وَتُلْغِي أَيَّامَ الطُّهْرِ وَتَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ يَوْمٍ تَرَى فِيهِ الطُّهْرَ أَوَّلَ مَا تَرَاهُ وَتُصَلِّي مَا دَامَتْ طَاهِرَةً وَتَكُفُّ عَنِ الصَّلَاةِ فِي أَيَّامِ الدَّمِ وَتُحْصِي ذَلِكَ فَإِذَا اجْتَمَعَ لَهَا مِنَ الدَّمِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ وَعَلِمْنَا أَنَّهَا حَيْضَةٌ انْقَطَعَتْ وَإِنْ زَادَتْ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ
هَذِهِ رِوَايَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي رِوَايَةِ الرَّبِيعِ وَغَيْرِهِ عَنْهُ
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَوِ انْقَطَعَ سَاعَةً أَوْ نَحْوَهَا - أَنَّهُ كَدَمٍ مُتَّصِلٍ فَكَذَلِكَ الْيَوْمُ وَالْيَوْمَانِ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ طَلَاقٍ وَلَيْسَ الثَّلَاثُ عِنْدَهُ كَالْيَوْمَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ محمد بن مسلمة
وروى بن الْقَاسِمِ وَالْمِصْرِيُّونَ عَنْهُ أَنَّهَا تَضُمُّ أَيَّامَ الدَّمِ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ فَإِنْ دَامَ ذَلِكَ بِهَا أَيَّامَ عَادَتِهَا اسْتَطْهَرَتْ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ عَلَى أَيَّامِ حَيْضَتِهَا وَإِنْ رَأَتْ فِي أَيَّامِ الْاسْتِطْهَارِ طُهْرًا أَلْغَتْهُ أَيْضًا حَتَّى تَحْصُلَ لَهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مِنَ الدَّمِ لِلِاسْتِطْهَارِ وَتُصَلِّي وَتَصُومُ وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا وَتَكُونُ مَا جَمَعَتْهُ مِنَ الدَّمِ حَيْضَةً وَاحِدَةً وَلَا تَعْتَدُّ بِشَيْءٍ مِنْ أَيَّامِ الطُّهْرِ فِي عِدَّةٍ مِنْ طَلَاقٍ وَتَغْتَسِلُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ طُهْرِهَا عِنْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ لِأَنَّهَا لَا تَدْرِي لَعَلَّ الدَّمَ لَا يَرْجِعُ إِلَيْهَا
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ إِذَا كَانَ طُهْرُهَا يَوْمًا وَحَيْضَتُهَا يَوْمًا فَطُهْرُهَا أَقَلُّ الطُّهْرِ وَحَيْضَتُهَا أَقَلُّ الْحَيْضِ وَلَكِنَّهُ يَقْطَعُ طُهْرَهَا وَحَيْضَهَا فَكَأَنَّهَا قَدْ حاضت
[ ١ / ٣٥٠ ]
خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مُتَوَالِيَةً وَطَهُرَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مُتَوَالِيَةً فَحَالُ الْحَيْضَةِ لَا يَضُرُّهَا وَاجْتِمَاعُ الْأَيَّامِ وَافْتِرَاقُهَا سَوَاءٌ وَلَا تَكُونُ هَذِهِ مُسْتَحَاضَةً
فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِتَلْفِيقِ الطُّهْرِ إِلَى الطُّهْرِ وَلَمْ يَقُلْهُ غَيْرُهُ
وَسَائِرُ أَصْحَابِ مَالِكٍ إِنَّمَا يَقُولُونَ بِتَلْفِيقِ الدَّمِ إِلَى الدَّمِ فَقَطْ
وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ لَيْسَ بِنَكِيرٍ أَنْ تَحِيضَ يَوْمًا وَتَطْهُرَ يَوْمًا وَتَنْقَطِعَ الْحَيْضَةُ عَلَيْهَا كَمَا لَا يُنْكَرُ أَنْ يَتَأَخَّرَ حَيْضُهَا عَنْ وَقْتِهِ لِأَنَّ تَأَخُّرَ بَعْضِهِ عَنِ اتِّصَالِهِ كَتَأَخُّرِهِ كُلِّهِ فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَانَتْ عِنْدَنَا بِالْقَلِيلِ حَائِضًا وَلَمْ يَكُنِ الْقَلِيلُ حَيْضَةً لِأَنَّ الْحَيْضَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا بِأَنْ يَمْضِيَ لَهَا وَقْتُ حَيْضٍ تَامٍّ وَطُهْرٍ تَامٍّ أَقَلُّهُ فِيمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ خَمْسَةُ أَيَّامٍ
قَالَ وَلَوْ أَنَّ قِلَّةَ الدَّمِ تُخْرِجُهُ مِنْ أَنْ تَكُونَ (حَيْضًا لَأُخْرِجَتْ مِنْ أَنْ تَكُونَ دَمَ اسْتِحَاضَةٍ لِأَنَّ دَمَ الْعِرْقِ هُوَ) اسْتِحَاضَةٌ دُونَ دَمِ الْعِرْقِ الْكَثِيرِ الزَّائِدِ عَلَى مَا يُعْرَفُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ رَاعَى عَبْدُ الْمَلِكِ وَأَحْمَدُ بْنُ الْمُعَذَّلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا أَصْلَاهُ فِي أَنَّ أَقَلَّ الطُّهْرِ خَمْسَةُ أَيَّامٍ
وَرَاعَى مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا
وَجَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا يَأْتِي مِنَ الدَّمِ قَبْلَ تَمَامِ الطُّهْرِ مُضَافًا إِلَى الدَّمِ الْأَوَّلِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ تَمَامِ مُدَّةِ أَكْثَرِ الْحَيْضِ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ عِرْقًا وَلَا تُتْرَكُ فِيهِ الصَّلَاةُ
وَكَذَلِكَ يُلْزِمُ كُلَّ مَنْ أَصَّلَ فِي أَقَلِّ الطُّهْرِ وَأَقَلِّ الْحَيْضِ أَصْلًا بِعِدَّةٍ مَعْلُومَةٍ أَنْ يَكُونَ مَا خَرَجَ عَنْهَا فِي النقصان والزيادة استحاضة
وقد جعل بن مَسْلَمَةَ أَقَلَّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ فِي أَقَلِّ الْحَيْضِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَا دُونَهُ عِنْدَهُ دَمَ عِرْقٍ وَاسْتِحَاضَةٍ
وَأَمَّا مذهب بن الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمِصْرِيِّينَ عَنْ مَالِكٍ فَعَلَى مَا احْتَجَّ لَهُ أَبُو الْفَرَجِ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْيَسِيرَ حَيْضًا يَمْنَعُ مِنَ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَجْعَلْهُ حَيْضَةً يُعْتَدُّ بِهَا مِنْ طَلَاقٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ أَصْلِ قَوْلِ مَالِكٍ
وَغَيْرُهُ يَقُولُ مَا لَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ عِدَّةِ الطَّلَاقِ فَلَيْسَ بِحَيْضٍ وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِحَاضَةٌ لَا يَمْنَعُ مِنَ الصَّلَاةِ
وَقَدِ احْتَجَّ أَصْحَابُنَا عَلَيْهِمْ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَالْكَلَامُ فِي الْحَيْضِ وَالِاسْتِحَاضَةِ وَمِقْدَارِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ كَثِيرٌ جِدًّا طَوِيلٌ
وَقَدْ ذَكَرْنَا مَذَاهِبَهُمْ وَأُصُولَ أَقْوَالِهِمْ وَأَضْرَبْنَا عَنِ الِاعْتِلَالِ لَهُمْ بِمَا ذَكَرُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّطْوِيلِ وَالتَّشْغِيبِ وَلِأَنَّ الْحَيْضَ وَمِقْدَارَهُ وَالنِّفَاسَ ومدته
[ ١ / ٣٥١ ]
مَأْخُوذٌ أَصْلُهُمَا مِنَ الْعَادَةِ وَالْعُرْفِ وَالْآرَاءِ وَالِاجْتِهَادِ فَلِذَلِكَ كَثُرَ بَيْنَهُمْ فِيهِ الِاخْتِلَافُ وَالتَّشْغِيبُ وَفِيمَا لَوَّحْنَا بِهِ مَا يُبَيِّنُ لَكَ الْمُرَادَ مِنْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَقَدْ أَوْضَحْنَا الْقَوْلَ وَبَسَطْنَاهُ فِي حُكْمِ الْحَيْضِ وَالِاسْتِحَاضَةِ وَمَهَّدْنَاهُ فِي بَابِ نَافِعٍ وَبَابِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مِنَ التَّمْهِيدِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ وَأَمَّا مَسْأَلَةُ تَقَطُّعِ الطُّهْرِ وَالْحَيْضِ فَهِيَ لِمَنْ تَدَبَّرَهَا نَاقِضَةٌ لِمَا أَصَّلُوهُ فِي أَقَلِّ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ وَأَكْثَرِهِمَا فَتَدَبَّرْهَا تَجِدْهَا كَذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَأَمَّا قَوْلُهُ إِنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ إِذَا صَلَّتْ آنَ لِزَوْجِهَا أَنْ يُصِيبَهَا وَكَذَلِكَ النُّفَسَاءُ إِذَا بَلَغَتْ أَقْصَى مَا يُمْسِكُ النِّسَاءَ الدَّمُ فَإِنْ رَأَتِ الدَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُصِيبُهَا زَوْجُهَا لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ المتسحاضة
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا وَطْءُ الْمُسْتَحَاضَةِ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ بِالْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا
ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ قَالَ سُئِلَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ أَيُصِيبُ الْمُسْتَحَاضَةَ زَوْجُهَا فَقَالَ إِنَّمَا سَمِعْتُ بِالرُّخْصَةِ فِي الصَّلَاةِ
قَالَ مَعْمَرٌ وَسَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ أَيُصِيبُ الْمُسْتَحَاضَةَ زَوْجُهَا قَالَ إِنَّمَا سَمِعْنَا بِالصَّلَاةِ
وَعَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورٍ قَالَ لَا تَصُومُ وَلَا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا وَلَا تَمَسَّ الْمُصْحَفَ
وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ لَا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا وَبِهِ قال بن عُلَيَّةَ
وَذَكَرَ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ الْمُسْتَحَاضَةُ تَصُومُ وَتُصَلِّي وَلَا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا
وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ حَفْصِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنِ الْحَسَنِ مِثْلُهُ
وَعَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ حُرَيْثٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ مثله وهو قول الحكم وبن سِيرِينَ
وَحُجَّةُ مَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ سَمَّى الْحَيْضَ أَذًى وَأَمَرَ بِاعْتِزَالِ النِّسَاءِ مِنْ أَجْلِهِ وَهُوَ دَمٌ خَارِجٌ مِنَ الْفَرْجِ وَأَجْمَعُوا عَلَى نَجَاسَتِهِ وَغَسْلِ الثَّوْبِ مِنْهُ فَكُلُّ دَمٍ يَجِبُ غَسْلُهُ وَيُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ - فَحُكْمُهُ حُكْمُ دَمِ الْحَيْضِ فِي تَحْرِيمِ الْوَطْءِ إِذَا وُجِدَ فِي مَوْضِعِ الْوَطْءِ
وَذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ أَخْبَرَنَا مُصْعَبٌ قَالَ سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - وَكَانَ مِنْ أَعْلَى أَصْحَابِ مَالِكٍ - يَقُولُ قَوْلُنَا فِي الْمُسْتَحَاضَةِ - إِذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ بَعْدَ انْقِضَاءِ أَيَّامِ حَيْضَتِهَا - أَنَّا لَا نَدْرِي هَلْ ذَلِكَ انْتِقَالٌ مِنْ دَمِ حَيْضِهَا إِلَى أَيَّامٍ
[ ١ / ٣٥٢ ]
أَكْثَرَ مِنْهَا أَمْ ذَلِكَ اسْتِحَاضَةٌ فَنَأْمُرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ إِذَا مَضَتْ أَيَّامُ حَيْضِهَا وَتُصَلِّي وَتَصُومُ وَلَا يَغْشَاهَا زَوْجُهَا احْتِيَاطًا حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى مَا يَصِيرُ إِلَيْهِ حَالُهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَتْ حَيْضَتُهَا انْتَقَلَتْ مِنْ أَيَّامٍ إِلَى أَكْثَرَ مِنْهَا - عَمِلَتْ فِيمَا تَسْتَقْبِلُ عَلَى الْأَيَّامِ الَّتِي انْتَقَلَتْ إِلَيْهَا وَلَمْ يَضُرَّهَا مَا كَانَتِ احْتَاطَتْ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الدَّمُ الَّذِي اسْتَمَرَّ بِهَا اسْتِحَاضَةً كَانَتْ قَدِ احْتَاطَتْ لِلصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ
قَالَ أَبُو مُصْعَبٍ هَذَا قَوْلُنَا وَبِهِ نَقْضِي
وَقَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْمُسْتَحَاضَةُ تَصُومُ وَتُصَلِّي وَتَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا
وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ إِجَازَةُ وَطْءِ الْمُسْتَحَاضَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنُ - عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةُ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِمَا وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ
وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَقُولُ أَحَبُّ إِلَيَّ أَلَّا يَطَأَهَا إلا أن يطول ذلك
وذكر بن المبارك عن الأجلح عن عكرمة عن بن عَبَّاسٍ قَالَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ لَا بَأْسَ أَنْ يُجَامِعَهَا زَوْجُهَا
وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ شَرُوسٍ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ وَزَادَ وَإِنْ سَالَ الدَّمُ عَلَى عَقِبَيْهَا
وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ سُمَيٍّ عن بن الْمُسَيَّبِ وَعَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ يُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ تَصُومُ وَتُصَلِّي وَيُجَامِعُهَا زَوْجُهَا
وَعَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنِ الْمُسْتَحَاضَةِ أَتُجَامِعُ فقال الصلاة أعظم من الجماع
وذكر بن وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ الْمُسْتَحَاضَةُ تَصُومُ وَتُصَلِّي وَيَطَؤُهَا زَوْجُهَا
قَالَ بن وَهْبٍ وَقَالَ مَالِكٌ أَمْرُ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ دَمُهَا كَثِيرًا
وَقَالَ مَالِكٌ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ» فَإِذَا لَمْ تَكُنْ حَيْضَةً فَمَا يَمْنَعُهُ أَنْ يُصِيبَهَا وَهِيَ تُصَلِّي وَتَصُومُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى فِي دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الصَّلَاةَ وَتَعَبَّدُ فِيهِ
[ ١ / ٣٥٣ ]
بِعِبَادَةٍ غَيْرِ عِبَادَةِ الْحَيْضِ لِذَلِكَ وَجَبَ أَلَّا يُحْكَمَ لَهُ بِحُكْمِ الْحَيْضِ إِلَّا أَنْ يُجْمِعُوا عَلَى شَيْءٍ فَيَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى ذَلِكَ وَإِنَّمَا أَجْمَعُوا عَلَى غَسْلِهِ كَسَائِرِ الدِّمَاءِ
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ وَكَذَلِكَ النُّفَسَاءُ إِذَا بَلَغَتْ أَقْصَى مَا يُمْسِكُ النِّسَاءَ الدَّمُ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ قَدِ اخْتَلَفُوا قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي مُدَّةِ دَمِ النِّفَاسِ الْمُمْسِكِ لِلنِّسَاءِ عَنِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ أَقْصَى ذَلِكَ شَهْرَانِ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ يُسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ النِّسَاءُ
وَأَصْحَابُهُ عَلَى أَنَّ أَقْصَى مُدَّةِ النِّفَاسِ شَهْرَانِ سِتُّونَ يَوْمًا وَبِهِ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ تَجْلِسُ كَامْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا نِسَاءٌ كَأُمَّهَاتِهَا وَأَخَوَاتِهَا فَأَرْبَعُونَ يَوْمًا
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ وَقَتَادَةَ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْ عَطَاءٍ
وَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَقْصَى مُدَّةِ النِّفَاسِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِي وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَعَائِذِ بْنِ عُمَرَ وَالْمُزَنِيِّ وَأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﵇
وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ صَحَابَةٌ لَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِيهِ وَبِهِ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَأَبُو حنيفة وَأَصْحَابُهُ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَأَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ وَدَاوُدُ
وَقَدْ حُكِيَ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ سَبْعُونَ يَوْمًا
وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ لَا يَكَادُ النِّفَاسُ يُجَاوِزُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَإِنْ جَاوَزَ خَمْسِينَ يَوْمًا فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ
وَحَكَى الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ أَهْلِ دِمَشْقَ أَنَّ أَجَلَ النِّفَاسِ مِنَ الْغُلَامِ ثَلَاثُونَ يَوْمًا وَمِنَ الْجَارِيَةِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا
وَرُوِيَ عَنِ الضَّحَّاكِ قَوْلٌ شَاذٌّ أَيْضًا أَنَّ النُّفَسَاءَ تَنْتَظِرُ سَبْعَ لَيَالٍ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي وَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ
وَأَمَّا أَقَلُّ النِّفَاسِ فَقَالَ مَالِكٌ إِذَا وَلَدَتِ الْمَرْأَةُ وَلَمْ تَرَ دَمًا اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ
وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَأَبِي ثَوْرٍ
وَلَمْ يَحِدَّ الثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ فِي أَقَلِّ النِّفَاسِ حَدًّا
وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عِشْرِينَ يَوْمًا وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا
[ ١ / ٣٥٤ ]
قال أبو عمر التحديد في ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ وَلَيْسَ فِي مَسْأَلَةِ أَكْثَرِ النِّفَاسِ مَوْضِعٌ لِلِاتِّبَاعِ وَالتَّقْلِيدِ إِلَّا مَنْ قَالَ بِالْأَرْبَعِينَ فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنْهُمْ وَسَائِرُ الْأَقْوَالِ جَاءَتْ عَنْ غَيْرِهِمْ وَلَا يَجُوزُ عِنْدَنَا الْخِلَافُ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِهِمْ لِأَنَّ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ وَالنَّفْسُ تَسْكُنُ إِلَيْهِمْ فَأَيْنَ الْمَهْرَبُ عَنْهُمْ دُونَ سُنَّةٍ وَلَا أَصْلٍ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ