ذَكَرَ فِيهِ مالك ثلاثة أحاديث مسندة أحدها ٢٧٧ عن بن شِهَابٍ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ السَّهْمِيِّ عَنْ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى فِي سُبْحَتِهِ قَاعِدًا قَطُّ حَتَّى كَانَ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِعَامٍّ فَكَانَ يُصَلِّي فِي سُبْحَتِهِ قَاعِدًا وَيَقْرَأُ بِالسُّورَةِ فَيُرَتِّلُهَا حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا
فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان يتكلف في علم النَّافِلَةِ مَا كَانَ أَعْظَمَ أَجْرًا فَلَمَّا شَقَّ عَلَيْهِ الْقِيَامُ الطَّوِيلُ دَخَلَ فِيمَا أَبَاحَ اللَّهُ لَهُ
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السُّبْحَةَ اسْمٌ لِصَلَاةِ النَّافِلَةِ وَإِنْ كَانَ فِي اللُّغَةِ جَائِزًا أَنْ تُسَمَّى كُلُّ صَلَاةٍ سُبْحَةً بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ ﷿ (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ) الصَّافَّاتِ ١٤٣
قَالُوا مِنَ الْمُصَلِّينَ
وَلَكِنَّ اسْمَ السُّبْحَةِ بِالسُّنَّةِ وَقَوْلِ الصَّحَابَةِ لَزِمَ النَّافِلَةَ دُونَ غَيْرِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَقَدْ أَوْضَحْنَا ذَلِكَ بِالشَّوَاهِدِ فِي التَّمْهِيدِ
وَقَوْلُهُ فِيهِ فَيُرَتِّلُهَا حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا يَعْنِي إِذَا لَمْ تُرَتَّلِ الْأُخْرَى وَهَزَّ فِيهَا
وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَتْ تَرْتِيلًا لَا هَزًّا
وَبِذَلِكَ أَمَرَهُ اللَّهُ (﷿) فَقَالَ (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا) الْمُزَّمِّلِ ٤
وَالتَّرْتِيلُ التَّمَهُّلُ وَالتَّرَسُّلُ الَّذِي يَقَعُ منه التدبر
[ ٢ / ١٨١ ]
٢٧٨ - وَالثَّانِي حَدِيثُهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا لَمْ تَرَ رسول الله ﷺ يصلي صَلَاةَ اللَّيْلِ قَاعِدًا قَطُّ حَتَّى أَسَنَّ فَكَانَ يَقْرَأُ قَاعِدًا حَتَّى إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَقَرَأَ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً ثُمَّ رَكَعَ
وَالْمَعْنَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ نَحْوُ الْمَعْنَى فِي الَّذِي قَبْلَهُ إِلَّا أَنَّ فِي هَذَا رَدَّ قَوْلِ مَنْ قَالَ لَا يَكُونُ الْمُصَلِّي فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ قَاعِدًا وَفِي بَعْضِهَا قَائِمًا
وَالَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ فِيمَنِ افْتَتَحَ صَلَاةَ النَّافِلَةِ قَاعِدًا أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَقُومَ فِيهَا وَيَقْرَأَ بِمَا أَحَبَّ عَلَى مَا فِي الْحَدِيثِ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ
وَاخْتَلَفُوا فِيمَنِ افْتَتَحَهَا قَائِمًا ثُمَّ قَعَدَ فَقَالَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَيَجُوزُ أَنْ يَقْعُدَ فِيهَا كَمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَفْتَتِحَهَا قَاعِدًا
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ يُصَلِّي قَائِمًا وَلَا يَجْلِسُ إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ لأنه افتتحها قائما
وقال بن جُرَيْجٍ قُلْتُ لِعَطَاءٍ افْتَتَحْتُ الصَّلَاةَ قَائِمًا فَرَكَعْتُ رَكْعَةً وَسَجَدْتُ ثُمَّ قُمْتُ أَفَأَجْلِسُ إِنْ شِئْتُ بِغَيْرِ رُكُوعٍ وَلَا سُجُودٍ قَالَ لَا
وَهَذَا يَدُلُّ مِنْ قَوْلِ عَطَاءٍ أَنَّهُ مَنْ صَلَّى رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا قَائِمًا كَانَ لَهُ أَنْ يَقْعُدَ فِي الثَّانِيَةِ مَا لَمْ يَقِفْ فِيهَا فَإِنْ قَامَ فِيهَا لَمْ يَجْلِسْ كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ
فَأَمَّا الْمَرِيضُ فَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ فِي الْمَرِيضِ يُصَلِّي مُضْطَجِعًا أَوْ قَاعِدًا ثُمَّ يُخَفِّفُ عَنْهُ الْمَرَضُ وَيَجِدُ الْقُوَّةَ أَنَّهُ يَقُومُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ وَيَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْهَا
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَزُفَرَ وَالطَّبَرِيِّ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ فِيمَنْ صَلَّى مُضْطَجِعًا رَكْعَةً ثُمَّ إِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ الصَّلَاةَ مِنْ أَوَّلِهَا وَلَوْ كَانَ قَاعِدًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ
[ ٢ / ١٨٢ ]
ثم صح بنا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَمْ يَبْنِ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَائِمًا ثُمَّ صَارَ إِلَى حَالِ الْإِيمَاءِ يَبْنِي
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَسْتَقْبِلُ
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَرِيضِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الرُّكُوعَ وَلَا السُّجُودَ وَهُوَ يَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ وَالْجُلُوسَ أَنَّهُ يُصَلِّي قَائِمًا وَيُومِئُ إِلَى الرُّكُوعِ فَإِذَا أَرَادَ السُّجُودَ جَلَسَ فَأَوْمَأَ إِلَى السُّجُودِ
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَقِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ يُصَلِّي قَاعِدًا
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا إِذَا صَلَّى مُضْطَجِعًا تَكُونُ رِجْلَاهُ مَا يَلِي الْقِبْلَةَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ يُصَلِّي عَلَى جَنْبِهِ وَوَجْهُهُ إِلَى الْقِبْلَةِ
وَجَائِزٌ ذَلِكَ أَيْضًا عِنْدَ مَالِكٍ
وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي كَيْفِيَّةِ صَلَاةِ الْقَاعِدِ في النافلة وصلاة المريض
فذكر بن عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَرِيضِ أَنَّهُ يَتَرَبَّعُ فِي قِيَامِهِ وَرُكُوعِهِ فَإِذَا أَرَادَ السُّجُودَ تَهَيَّأَ لِلسُّجُودِ فَيَسْجُدُ عَلَى قَدْرِ مَا يُطِيقُ وَكَذَلِكَ الْمُتَنَفِّلُ قَاعِدًا
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ يَتَرَبَّعُ فِي حَالِ الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَيَثْنِي رِجْلَيْهِ فِي حَالِ السُّجُودِ فَيَسْجُدُ
وَهَذَا نَحْوُ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَيْضًا وَكَذَلِكَ قَالَ اللَّيْثُ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجْلِسُ الْمُتَنَفِّلُ فِي صَلَاتِهِ كُلِّهَا كَجُلُوسِ التَّشَهُّدِ
هَذِهِ رِوَايَةُ الْمُزَنِيِّ عَنْهُ
وَقَالَ الْبُوَيْطِيُّ عَنْهُ يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا فِي مَوْضِعِ الْقِيَامِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ يَجْلِسُ كَجُلُوسِ الصَّلَاةِ فِي التَّشَهُّدِ وَكَذَلِكَ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ يَكُونُ مُتَرَبِّعًا فِي حَالِ الْقِيَامِ وَحَالِ الرُّكُوعِ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَتَرَبَّعُ فِي حَالِ الْقِيَامِ وَيَكُونُ فِي حَالِ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ كَجُلُوسِ التشهد
[ ٢ / ١٨٣ ]
وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ قَدْ رُوِيَتْ عَنِ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ وَالتَّابِعِينَ ﵏ وَذَكَرْتُهَا فِي التَّمْهِيدِ
٢٧٩ - وَالثَّالِثُ حَدِيثُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمَدَنِيِّ وَعَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي جَالِسًا فَيَقْرَأُ وَهُوَ جَالِسٌ فَإِذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ قَدْرُ مَا يَكُونُ ثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً قَامَ فَقَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ ثُمَّ صَنَعَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ
وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعْنًى غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثَيْنِ اللَّذَيْنِ قَبْلَهُ إِلَّا أَنَّ قَوْلَ عَائِشَةَ فِيهِ كَانَ يُصَلِّي جَالِسًا تَعْنِي فِي النَّافِلَةِ لَوْلَا مَا تَقَدَّمَ عَنْهَا فِي الْحَدِيثَيْنِ اللَّذَيْنِ قَبْلَهُ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ حَتَّى أَسَنَّ وَضَعُفَ عَنِ الْقِيَامِ وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِعَامٍ لَكَانَ ظَاهِرُهُ يَقْضِي بِصَلَاةِ النَّافِلَةِ جَالِسًا عَلَى كُلِّ حَالٍ
٢٨٠ - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ كَانَا يُصَلِّيَانِ النَّافِلَةَ وَهُمَا مُحْتَبِيَانِ
فَقَدْ رَوَى مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يَحْتَبِي فِي آخِرِ صَلَاتِهِ
ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ معمر
وذكر عن الثوري عن بن أبي ذئب عن الزهري عن بن الْمُسَيَّبِ مِثْلَهُ قَالَ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ ثَنَى رِجْلَهُ وَسَجَدَ
قَالَ مَعْمَرٌ وَرَأَيْتُ عَطَاءً الخرساني يَحْتَبِي فِي الصَّلَاةِ التَّطَوُّعِ
وَقَالَ مَا أَرَانِي أَخَذْتُهُ إِلَّا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ
وَمَعْمَرٌ عن أيوب عن بن سِيرِينَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي التَّطَوُّعِ مُحْتَبِيًا
[ ٢ / ١٨٤ ]
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يُصَلِّي جَالِسًا مُحْتَبِيًا فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَمُتْ حَتَّى كَانَ أَكْثَرُ صَلَاتِهِ وَهُوَ جَالِسٌ
نُجِزَ الْجُزْءُ الثَّانِي بِحَمْدِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِهِ وَعَبْدِهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَذُرِّيَّتِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا وَذَلِكَ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ شَعْبَانَ الْمُكَرَّمِ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّمِائَةٍ فَرَحِمَ اللَّهُ كَاتِبَهُ وَكَاسِبَهُ وَالْقَارِئَ فِيهِ وَمَنْ دَعَا لَهُمْ بِالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ آمِينَ آمِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا