وبسندنا المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٠] (٣٥) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ").
[ ٢ / ١٦ ]
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) بن يحيى اليشكُريّ، أبو قُدَامة السَّرَخْسيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ مأمونٌ سنّيٌّ [١٠] (ت ٢٤١) (خ م س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٩.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الْكِسّيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقة حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٣ - (أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ) - بفتحتين - هو: عبد الملك بن عَمْرو الْقَيسي البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٤ أو ٢٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢١.
٤ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ القرشيّ مولاهم، أبو محمد، ويقال: أبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨].
رَوَى عن زيد بن أسلم، وعبد الله بن دينار، وصالح بن كيسان، وحميد الطويل، وشريك بن عبد الله بن أبي نَمِر، وربيعة، وابن عجلان، وموسى بن أنس، وغيرهم.
ورَوَى عنه أبو عامر الْعَقَديّ، وعبد الله بن المبارك، ومعلى بن منصور الرازيّ، وأبو سلمة الخزاعي، ويحيى بن حسان التِّنِّيسيّ، وعبد الله بن وهب، وبشر بن عمر الزهرانيّ، وخالد بن مخلد، ويحيى بن يحيى النيسابوريّ، وإسماعيل بن أبي أويس، وأخوه أبو بكر بن أبي أويس، وعبد العزيز بن عبد الله الأويسيّ، والقعنبيّ، ومحمد بن سليمان لُوَين، وغيرهم (^١).
قال أبو طالب عن أحمد: لا بأس به، ثقةٌ، وقال الدُّوريّ عن ابن معين: ثقةٌ صالحٌ، وقال عثمان الدارميّ: قلت لابن معين: سليمان أحب إليك، أو الدراورديّ؟ فقال: سليمان، وكلاهما ثقةٌ، وقال الذُّهْليّ: ما ظننت أن عند سليمان بن بلال من الحديث ما عنده، حتى نظرت في كتاب ابن أبي أويس، فإذا هو قد تبحّر حديث المدنيين، وقال أبو زرعة: سليمان بن بلال أحبّ إليّ من هشام بن سعد، وقال الخليليّ: ثقةٌ، ليس بمكثر، لقي الزهريّ، ولكنه يروي كثيرَ حديثه عن قدماء أصحابه، وأثنى عليه مالك، وآخرُ مَنْ حَدَّثَ عنه
_________________
(١) قال الحافظ رحمه الله تعالى: ورأيت رواية مالك عنه في كتاب مكة للفاكهيّ. انظر: "تهذيب التهذيب" ٢/ ٨٧.
[ ٢ / ١٧ ]
لُوَين، وقال ابن الجنيد عن ابن معين: إنما وَضَعَهُ عند أهل المدينة أنه كان على السُّوق، وكان أروى الناس عن يحيى بن سعيد، وقال عبد الرحمن بن مهديّ: نَدِمْتُ أن لا أكون أكثرت عنه، وقال ابن شاهين في "كتاب الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: لا بأس به، وليس ممن يُعْتَمَد على حديثه، وقال ابن عديّ: ثقة.
وقال ابن سعد: كان بربريًّا جميلًا عاقلًا، حسن الهيئة، وكان يُفتي بالبلد، وولي خراج المدينة، وكان ثقةً، كثير الحديث، مات بالمدينة سنة (١٧٢)، وقال البخاريّ عن هارون بن محمد المزنيّ: مات سنة سبع وسبعين ومائة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وحكى القولين في وفاته.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٧٦) حديثًا.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) العَدَويّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقة [٤].
رَوَى عن ابن عمر، وأنس، وسليمان بن يسار، ونافع مولى ابن عمر، وأبي صالح السمان، وغيرهم. وروى عنه ابنه عبد الرحمن، ومالك، وسليمان بن بلال، وشعبة، وصفوان بن سليم، وعبد العزيز بن الماجشون، وابن عجلان، وموسى بن عقبة، وسهيل بن أبي صالح، والسفيانان، وجماعة.
قال صالح بن أحمد عن أبيه: ثقة مستقيم الحديث. وقال ابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، ومحمد بن سعد، والنسائي: ثقة، زاد ابن سعد: كثير الحديث، وقال العجلي: ثقة. وقال ابن عيينة: لم يكن بذاك ثم صار. وقال الليث عن ربيعة: حدثني عبد الله بن دينار، وكان من صالحي التابعين، صدوقًا ديّنًا. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الساجي: سئل عنه أحمد، فقال: نافع أكبر منه، وهو ثبت في نفسه، ولكن نافع أقوى منه. وقال الْعُقيليّ: في رواية المشايخ عنه اضطراب. وفي "العلل" للخلال: أن أحمد سئل عن عبد الله بن دينار الذي رَوَى عنه موسى بن عُبيدة النهي عن بيع الكالئ بالكالئ، فقال: ما هو الذي رَوَى عنه الثوري، قيل: فمن هو؟ قال: لا أدري. وجزم الْعُقيليّ بأنه هو، فقال في ترجمته: رَوَى عنه موسى بن عُبيدة، ونظراؤه أحاديث مناكير، الحمل فيها عليهم، ورَوَى عنه الأثبات حديثه عن ابن عمر في
[ ٢ / ١٨ ]
النهي عن بيع الولاء وعن هبته، ومما انفرد به حديثُ شعب الإيمان، رواه عنه ابنه، وسهيل، وابن عجلان، وابن الهاد، ولم يروه شعبة، ولا الثوريّ، ولا غيرهما من الأثبات. وفي "رجال الموطأ" لابن الْحَذَّاء: قيل: لا نعلم له رواية عن أحد إلا عن ابن عمر. انتهى. وهذا قصور شديد ممن قاله، فقد سبق آنفًا أنه روى عن غيره.
قال ابن سعد، وعمرو بن علي: مات سنة سبع وعشرين ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٥) حديثًا.
٦ - (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السّمّان الزّيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمَة" ٢/ ٤.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخيه، فالأول تفرّد به هو والبخاريّ، والنسائيّ، والثاني تفرّد به هو، والترمذيّ، وعلّق له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من سليمان، وعبيد الله سَرَخْسيّ، ثم نيسابوريّ، وعبد بن حميد كِسّيّ - بكسر الكاف، وتشديد السين المهملة، ويَنطِقُ بها الناس بشين معجمة مفتوحةٍ، - نسبة إلى كِسٍّ: مدينة بما وراء النهر، وأبو عامر الْعَقَديّ بصريّ.
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، وهي من رواية الأقران، فإن وُجدت رواية أبي صالح عن عبد الله صار من المدبّج. قاله في "الفتح" (^١).
(ومنها): أن صحابيّه أحفظ من روى الحديث في دهره، فقد روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١/ ٦٩.
[ ٢ / ١٩ ]
وأما شرح الحديث، فسيأتي في الحديث التالي - إن شاء الله تعالى - وإنما أخرّته إليه؛ لكونه أتمّ سياقًا من هذا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦١] (…) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ - أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً - فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيق، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ").
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد الْحَرَشيّ، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ، أكثر عنه المصنّف [١٠] (ت ٢٣٤)، وهو ابن (٧٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٢ - (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بن عبد الحميد بن قُرط الضبّيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ، صحيح الكتاب، قيل: كان في آخره يَهِم من حفظه [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (سُهَيْل) بْنُ أَبِي صَالِحٍ، ذكوان السمّان، أبو يزيد المدنيّ، صدوقٌ تغيّر حفظه بآخره، روى له البخاريّ مقرونًا وتعليقًا [٦].
رَوَى عن أبيه، وسعيد بن المسيب، والحارث بن مخلد الأنصاري، وأبي الحباب سعيد بن يسار، وعبد الله بن دينار، وعطاء بن يزيد الليثي، وخلق كثير.
وروى عنه ربيعة، والأعمش، ويحيى بن سعيد الأنصار، وموسى بن عقبة، ويزيد بن الهاد، ومالك، وشعبة، وابن جريج، والسفيانان، وخلق كثير.
قال ابن عيينة: كنا نَعُدّ سهلًا ثبتًا في الحديث. وقال حرب عن أحمد: ما أصلح حديثه. وقال أبو طالب عن أحمد: قال يحيى بن سعيد: محمد - يعني ابن عمرو - أحب إلينا، وما صنع شيئًا، سهيل أثبت عندهم. وقال
[ ٢ / ٢٠ ]
الدُّوري عن ابن معين: سهيل بن أبي صالح، والعلاء بن عبد الرحمن حديثهما قريب من السواء، وليس حديثهما بحجة. وقال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: سهيل أشبه وأشهر - يعني من العلاء -. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به، وهو أحب إليّ من العلاء. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن عدي: لسهيل نُسَخ، وقد رَوَى عنه الأئمة، وحدّث عن أبيه، وعن جماعة عن أبيه، وهذا يدل على تمييزه، كونُهُ مَيَّزَ ما سمع من أبيه، وما سمع من غير أبيه، وهو عندي ثبت، لا بأس به، مقبول الأخبار. روى له البخاري مقرونًا بغيره. وعاب ذلك عليه النسائي، فقال السُّلَمي: سألت الدارقطني: لِمَ ترك البخاري حديث سهيل في كتاب "الصحيح"؟ فقال: لا أعرف له فيه عذرًا، فقد كان النسائي إذا مَرّ بحديث سهيل، قال: سهيل والله خير من أبي اليمان، ويحيى بن بكير، وغيرهما.
وذكر البخاري في "تاريخه" قال: كان لسهيل أخ، فمات فوَجَد عليه، فنسي كثيرًا من الحديث. وذكر ابن أبي خيثمة في "تاريخه" عن يحيى قال: لم يزل أهل الحديث يتّقون حديثه. وذكر العُقيليّ عن يحيى أنه قال: هو صويلح، وفيه لين. وقال الحاكم في باب من عِيبَ على مسلم إخراج حديثه: سهيل أحد أركان الحديث. وقد أكثر مسلم الرواية عنه في الأصول والشواهد، إلا أن غالبها في الشواهد، وقد رَوَى عنه مالك، وهو الْحَكَم في شيوخ أهل المدينة الناقد لهم، ثم قيل في حديثه بالعراق: إنه نسي الكثير منه، وساء حفظه في آخر عمره. وقال أبو الفتح الأزدي: صدوق إلا أنه أصابه بِرْسَام (^١) في آخر عمره، فذهب بعض حديثه.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطئ، مات في ولاية أبي جعفر، وكذا أرّخه ابن سعد، وقال: كان سهيل ثقة كثير الحديث. وأرّخه ابن قانع سنة (١٣٨).
أخرج له البخاريّ مقرونًا بغيره، وتعليقًا، والباقون، وله في هذا الكتاب (١١٣) حديثًا.
والباقون تقدّموا في السند الماضي، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "الْبِرْسامُ" بالكسر: علّةٌ يُهْذَى فيها. اهـ. "القاموس" ص ٩٧٤.
[ ٢ / ٢١ ]
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "الْإِيمَانُ) مبتدأ خبره (بضعٌ …) إلخ.
قال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀: الإيمان في هذا الحديث يُراد به الأعمال، بدليل أنه ذكر فيه أعلى الأعمال، وهو قول: "لا إله إلا الله"، وأدناها: أي أقربها، وهو "إماطة الأذى"، وهما عملان، فما بينهما من قبيل الأعمال، وقد قدّمنا القول في حقيقة الإيمان شرعًا ولغةً، وأن الأعمال الشرعيّة تسمّى إيمانا مجازًا، وتوسّعًا؛ لأنها عن الإيمان تكون غالبًا. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "مجازًا" فيه نظر؛ بل الحقّ أنها تسمّى إيمانًا حقيقة، لا مجازًا؛ حيث إن الشرع سمّى الكلّ إيمانًا، فلا حاجة لدعوى المجاز، فتبصّر. والله تعالى أعلم.
(بِضْعٌ) قال القاضي عياضٌ رحمه الله تعالى: "البِضع"، و"البضعة" واحدٌ، بكسر الباء، ويقال بفتحها أيضًا فيهما، وأما اللحم فالبَضْعَةُ بالفتح لا غيرُ، وهو القطعة من الشيء، والفِرْقة منه، واستَعْمَلت العرب الْبِضْعَ فيما بين الثلاث إلى العشر، وقيل: من ثلاث إلى تسع، وقال الخليل: البضعُ سبعٌ، وقيل: هو ما بين اثنين إلى عشرة، وما بين اثني عشر إلى عشرين، ولا يقال في أحد عشر، ولا اثني عشر، وقال أبو عبيدة: هو ما بين نصف العِقْد، يريد من واحد إلى أربع. انتهى (^٢).
وقال أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: "البِضع" بكسر الباء، ويقال أيضًا بفتحها، وكذا البضعة، واختَلَف في ذلك أهل اللغة، وفي بعض تفسيرهم له إشكالٌ أنا أُوَضِّحُه، فقيل: هو من ثلاث إلى تسع، وهذا هو الأشهر، وقيل: ما بين اثنين إلى عشر، والظاهر أن هذا تفسير للأول، فيكون البضع مستعملًا في الثلاث، دون ما قبله، غير مستعمل في العشر، وقيل: ما بين الثلاث إلى العشر، والظاهر أن هذا هو ما حكاه أبو عمر الزاهد اللغويّ أنه
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٢١٦.
(٢) "إكمال المعلم" ١/ ٢٦٤.
[ ٢ / ٢٢ ]
من أربع إلى تسع، وكذا قول الفرّاء: إنه ما بين الثلاث إلى ما دون العشرة، فعلى هذا لا يُستعمل في الثلاث، ولا في العشر أيضًا. انتهى (^١).
وقال العينيّ في "عمدته": ذكر البنانيّ في "الموعب" عن الأصمعيّ: البضع مثالُ عِلْمٍ: ما بين اثنين إلى عشرة، واثنتي عشرة إلى عشرين فما فوق ذلك، يقال: بضعة عشر في جمع المذكر، وبضع عشرة في جمع المؤنّث، قال تعالى: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾، ولا يقال: في أحد عشر، ولا اثني عشر، إنما البضع من الثلاث إلى العشر، وقال صاحب "العين": البِضْعُ: سبعة، وقال قطرُب: أخبرنا الثقة عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: " ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ ما بين خمس إلى سبع"، وقالوا: ما بين الثلاث إلى الخمس، وقال الفرّاء: البضع نيّفُ ما بين الثلاث إلى التسع، كذلك رأيتُ العرب تفعل، ولا يقولون: بضعٌ ومائة، ولا بضعٌ وألف، ولا يُذكر مع عشر، ومع العشرين إلى التسعين، وقال الزجّاج: معناه القطعة من العدد، تُجعَلُ لما دون العشرة من الثلاث إلى التسع، وهو الصحيح، وهو قول الأصمعيّ، وقال غيره: البضع من الثلاث إلى التسع، وقال أبو عُبيدة: هو ما بين نصف العشر، يريد ما بين الواحد إلى الأربعة، وقال يعقوب عن أبي زيد: بِضْعٌ، وبَضْعٌ، مثالُ عِلْمٍ، وصَقْرٍ، وفي "المحكم": البضع ما بين الثلاث إلى العشر، وبالهاء من الثلاثة إلى العشرة، يضاف إلى ما يُضاف إليه الآحاد، ويُبنى مع العشرة، كما يُبنى سائر الآحاد، ولم يمتنع عشرة، وفي "الجامع" للقزّاز: ﴿بِضْعِ سِنِينَ﴾: قطعة من السنين، وهو يَجري في العدد مجرى ما دون العشرة، وقال قوم: قوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ يدلّ على أن البضع سبع سنين؛ لأن يوسف ﵇ إنما لَبِثَ في السجن سبع سنين، وقال أبو عبيدة: ليس البضع العقدَ، ولا نصف العقد، يذهب إلى أنه من الواحد إلى الأربعة، وفي "الصحاح": لا تقول: بضع وعشرون، وقال الْمُطَرّزيّ في "شرحه": البضع من أربعة إلى تسعة، هذا الذي حصّلناه من العلماء البصريين والكوفيين، وفيه خلافٌ، إلا أن هذا هو الاختيار.
_________________
(١) "الصيانة" ص ١٩٥ - ١٩٧.
[ ٢ / ٢٣ ]
والنيّفُ: من واحد إلى ثلاثة، وقال ابن السيد في "المثلّث": البضع بالفتح والكسر: ما بين واحد إلى خمسة في قول أبي عبيدة، وقال غيره: ما بين واحد إلى عشرة، وهو الصحيح، وفي "الغريبين" للهَرَويّ: البضع، والبضعة واحد، ومعناهما: القطعة من العدد، زاد عياض: بكسر الباء فيهما، وبفتحها، وفي "العباب": قال أبو زيد: أقمتُ بَضْع سنين بالفتح، وجلستُ في بَقْعَة طيّبة، وأقمت بَرْهَة كلّها بالفتح (^١)، وهو ما بين الثلاث إلى التسع، وروى الأثرم عن أبي عُبيدة أن البضع ما بين الثلاث إلى الخمس، وتقول: بضع سنين، وبضعة عشر رجلًا، وبضع عشرة امرأةً، فإذا جاوزت لفظ العشر ذهب لفظ البضع، لا تقول: بضع وعشرون، وقيل: هذا غلط، بل يقال ذلك، وقال أبو زيد: يقال: له بضعة وعشرون رجلًا، وبضع وعشرون امرأةً، والبضع من العدد في الأصل غير محدود، وإنما صار مبهمًا؛ لأنه بمعنى القطعة، والقِطعةُ غير محدودة (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر من أقوال المحقّقين من أهل اللغة أن "البضع" - بكسر الباء، وفتحها - عدد مبهم، مقيدٌ بما بين الثلاث إلى التسع؛ لأن هذا هو الذي يؤيّده ما اتفق عليه المفسرون في قوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢]، وما رواه الترمذي بسند صحيح (^٣): أن قريشًا قالوا ذلك لأبي بكر، وكذا رواه الطبريّ مرفوعًا، قاله في
_________________
(١) أي بفتح كلّ من بضعة، وبَقعة، وبَرهة، لكن جوّز غيره من اللغويين، ضم الباء في بُقعة، وبُرهة، راجع: "المصباح"، و"القاموس".
(٢) راجع: "عمدة القاري" ١/ ١٢٥ - ١٢٦.
(٣) أخرج الترمذيّ بسند صحيح، عن ابن عباس - ﵄ - في قول الله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ قال: غُلِبَت، وغَلَبَت، كان المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم؛ لأنهم وإياهم أهل أوثان، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس؛ لأنهم أهل كتاب، فذكروه لأبي بكر، فذكره أبو بكر لرسول الله - ﷺ - قال: "أما إنهم سيغلبون"، فذكره أبو بكر لهم، فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلًا، فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فَجَعَل أجلًا خمس سنين، فلم يظهروا، فذكروا ذلك للنبي - ﷺ -؛ فقال: "ألا جعلته إلى =
[ ٢ / ٢٤ ]
"الفتح" (^١)، والله تعالى أعلم.
(وَسَبْعُونَ، أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ) هكذا رواية سهيل بن أبي صالح، عن عبد الله بن دينار بالشكّ، وفي رواية سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار السابقة: "بضع وسبعون شُعبة" بدون شكّ، ووقع في رواية البخاريّ: "بضع وستّون"، بدون شكّ أيضًا.
قال في "الفتح": لم تختلف الطرق عن أبي عامر، شيخ شيخ البخاريّ في ذلك، وتابعه يحيى الْحِمّاني - بكسر المهملة، وتشديد الميم - عن سليمان بن بلال، أخرجه أبو عوانة، من طريق بشر بن عُمَر، عن سليمان بن بلال، فقال: "بضع وستون، أو بضع وسبعون"، وكذا وقع التردد في رواية مسلم، من طريق سهيل بن أبي صالح، عن عبد الله بن دينار، ورواه أصحاب السنن الثلاثة (^٢)، من طريقه، فقالوا: "بضع وسبعون"، من غير شك، ولأبي عوانة في "صحيحه" من طريق: "ست وسبعون، أو سبع وسبعون"، ورجّح البيهقي رواية البخاري؛ لأن سليمان لم يَشُكّ، وفيه نظر؛ لما ذكرنا من رواية بشر بن عُمَرَ عنه، فقد تردد أيضًا، لكن يرجح بأنه الْمُتَيَقَّنُ، وما عداه مشكوك فيه، وأما رواية الترمذيّ بلفظ: "أربع وستون"، فمعلولة، وعلى صحتها لا
_________________
(١) = دون" قال: أراه العشر، قال أبو سعيد: والبضع ما دون العشر، قال: ثم ظهرت الروم بعدُ، قال: فذلك قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾ - إلى قوله -: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ قال سفيان: سمعت أنهم ظهروا عليهم يوم بدر، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب، إنما نعرفه من حديث سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي عمرة. وأخرج الترمذيّ أيضًا بسنده عن ابن عباس - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال لأبي بكر في مُنَاحَبَةِ ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾: "ألا احتطت يا أبا بكر، فإن البضع ما بين ثلاث إلى تسع"، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، من حديث الزهريّ، عن عبيد الله، عن ابن عباس. انتهى، لكن في سنده عبد الله بن عبد الرحمن الْجُمَحيّ مجهول.
(٢) "الفتح" ١/ ٦٧.
(٣) هم: أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ.
[ ٢ / ٢٥ ]
تخالف رواية البخاريّ، وترجيحُ روايةِ: "بضع وسبعون"؛ لكونها زيادةَ ثقة؛ كما ذكره الْحَلِيمِيّ، ثم عياض، لا يستقيم، إذ الذي زادها لم يستمرّ على الجزم بها، لا سيما مع اتحاد الْمَخرَج، وبهذا يتبين شفوف نظر البخاريّ، وقد رجّح ابن الصلاح الأقل؛ لكونه الْمُتَيَقَّنَ. انتهى ما ذكره في "الفتح" (^١).
وقوله: (شُعْبَةً) - بضمّ الشين المعجمة، وسكون العين المهملة - منصوب على التمييز، أي خصلةً، يعني أن الإيمان ذو خصال متعدّدة.
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: "الشُّعبة" أصلها القِطعة من الشيء، والفِرقة منه، ومنه شَعْبُ الإناء، وشُعُوب القبائل، وشُعَبُها الأربع، وواحد شُعُوب القبائل شَعْبٌ بالفتح، وقيل: بالكسر، وهم القبائل العظام، وشَعْبُ الإناء: صَدْعه بالفتح، ومنه قوله في حديث أنسّ - ﵁ - عند البخاريّ: "أن قدح النبيّ - ﷺ - انكسر، فاتّخذ مكان الشَّعْب سِلْسِلَة من فضّة"، وقال الخليل: الشَّعْبُ: الاجتماع، والشَّعْبُ: الافتراق، قال الهرويّ: هو من الأضداد، وقال ابن دُريد: ليس كذلك، ولكنّها لغة لقوم. انتهى (^٢).
ووقع عند الترمذيّ، وابن ماجه بلفظ "بَابًا" بدل "شُعْبةً"، أي نوعًا.
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: مقصود هذا الحديث أن الأعمال الشرعيّة تُسمّى إيمانًا على ما ذكرناه آنفًا، وأنها منحصرة في ذلك العدد، غير أن الشرع لم يُعيّن ذلك العدد لنا، ولا فصّله، وقد تكلّف بعض المتأخّرين تعديد ذلك، فتصفّح خصال الشريعة، وعدّدها، حتى انتهى بها في زعمه إلى ذلك العدد، ولا يصحّ له ذلك؛ لأنه يمكن الزيادة على ما ذكر، والنقصان مما ذكر ببيان التداخل، والصحيح ما صار إليه أبو سليمان الخطّابيّ وغيره: أنها منحصرة في علم الله تعالى، وعلم رسوله - ﷺ -، وموجودةٌ في الشريعة مفصّلةٌ فيها، غير أن الشرع لم يوقفنا على أشخاص تلك الأبواب، ولا عَيَّنَ لنا عَدَدَها، ولا كيفيّة انقسامها، وذلك لا يضرّنا في علمنا بتفاصيل ما كُلّفنا به من شريعتنا، ولا في عملنا، إذ كلّ ذلك مفصّلٌ مبيّنٌ في جملة الشريعة، فما أُمرنا بالعمل به عملناه، وما نُهينا عنه انتهينا، وإن لم نُحط بحصر أعداد ذلك. والله تعالى أعلم. انتهى
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١/ ٧٥.
(٢) "إكمال المعلم" ١/ ٢٦٤ - ٢٦٥.
[ ٢ / ٢٦ ]
قول القرطبيّ ﵀ (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي البحث في أقوال أهل العلم في عدد الشعب مستوفًى في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى -.
(فَأَفْضَلُهَا) أي أفضل تلك الشُّعَب قدرًا، ودرجةً عند الله تعالى، والفاء فصيحيّة، سمّيت بذلك لكونها أفصحت عن جواب شرط مقدّر، كأنه قيل: إذا كان الإيمان ذا شُعَبٍ كثيرة، يلزم منه ثبوت الفاضل والمفضول، فما أفضلها، وأدناها؟ (قَوْلُ لَا إِلَهً إِلَّا اللهُ) فيه أن كلمة التوحيد أفضل أنواع الإيمان، كما أن الإيمان أفضل أنواع العمل، كما في حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: أن رسول الله - ﷺ - سُئِل: أي العمل أفضل؟، فقال: "إيمان بالله ورسوله … " الحديث، متّفق عليه.
فـ "أفضلها" مبتدأ، خبره "قول … إلخ".
(وَأَدْنَاهَا) أي أقرب هذه الشُّعَبِ البضع والستين، أو البضع والسبعين منزلةً، وأدونها مقدارًا، من الدنوّ بمعنى القرب، يقال: فلانٌ أدنى القدر، وقريب المنزلة، كما يُعبّر بالبعيد عن ضدّ ذلك، فيقال: فلانٌ بعيد الْهِمّة، وبعيد المنزلة، بمعنى الرفيع العالي، ولذلك استعمله في مقابلة الأعلى، قاله الطيبيّ (^٢).
وفي رواية النسائيّ: "وأوضعها" وهي بمعنى "أدناها" (إِمَاطَةُ الْأَذَى) أي إزالة الأذى، و"الإماطة" - بكسر الهمزة -: مصدر أماط الشيء: إذا أزاله، وأذهبه، قال في "القاموس": ماطَ يَمِيط مَيْطًا - أي من باب باع -: جارَ، وزَجَرَ، وَمَاطَ عنّي مَيْطًا وميَطانًا: تنحّى، وبَعُدَ، ونَحّى، وأبعد، كأماط فيهما. انتهى.
فأفاد أن ماط يتعدّى ويلزم كأماط.
و"الأذى": بالفتح: مصدر أَذِيَ به، كبَقِي بالكسر، وتأذّى، والاسم الأذِيّةُ، والأَذَاةُ، وهي المكروه اليسير. قاله في "القاموس".
_________________
(١) راجع: "المفهم" ١/ ٢١٦ - ٢١٧.
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٤٣٨.
[ ٢ / ٢٧ ]
والمراد هنا: تنحيةُ ما يؤذي المسلمين، كالشوك، والحجر، والشجر، والنجاسة، ونحوها عن طريقهم؛ رفقًا بهم، وعطفًا عليهم.
(عَنِ الطَّرِيقِ) متعلّق بـ "إماطة"، وهو يُذكر في لغة نجد، وبه جاء القرآن في قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه: ٧٧]، ويؤنّث في لغة الحجاز، والجمع طُرُقٌ - بضمّتين - وجمع الطُّرُق طُرُقَات، وقد جُمع الطَّريقُ على لغة التذكير أَطْرِقَة، قاله الفيّوميّ (^١).
(وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ) مبتدأ وخبره، وقوله: (مِنَ الْإِيمَانِ) متعلّق بمحذوف، صفة لـ "شُعْبة".
ووقع في رواية ابن عمر الآتية: "الحياء من الإيمان"، وفي حديث عمران - ﵁ - الآتي: "الحياء لا يأتي إلا بخير"، وفي حديث آخر: "الحياء خيرٌ كلُّه" أو قال: "كلّهُ خيرٌ".
و"الحياء" - بالمد - في اللغة: تغير، وانكسار، يَعتَرِي الإنسانَ من خوف ما يعاب به، وقد يطلق على مجرد ترك الشيء بسبب، والترك إنما هو من لوازمه، وفي الشرع: خُلُقٌ يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، ولهذا جاء في الحديث الآخر: "الحياء خير كله". انتهى (^٢).
قيل: الحياء مأخوذ من الحياة، وكأن الحييّ صار لما يَعتريه من التغيّر والانكسار مَؤُوف (^٣) الحياة، منكسر الْقُوَى، ولذلك قيل: مات حياءً، وجَمَد في مكانه خَجَلًا (^٤).
وقال الواحديّ رحمه الله تعالى: قال أهل اللغة: الاستحياء من الحياة، واستحيا الرجل من قُوّة الحياة فيه؛ لشدّة علمه بمواقع الغيب، قال: فالحياء من قُوّة الْحِسّ ولطفِهِ وقوّة الحياة (^٥).
وقال أبو القاسم الجنيد رحمه الله تعالى: الحياء حالةٌ تتولّد من رؤية الآلاء، ورؤية التقصير (^٦).
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٣٧٢.
(٢) راجع: "الفتح" ١/ ٧٦.
(٣) بوزن رَسُول: أي أصابته الآفة.
(٤) "الكاشف" ٢/ ٤٣٨.
(٥) "شرح النووي" ٢/ ٥.
(٦) "الكاشف" ٢/ ٤٤٠.
[ ٢ / ٢٨ ]
وقال المازريّ رحمه الله تعالى: إنما كان الحياء - وهو في الأكثر غريزة - من الإيمان الذي هو اكتساب؛ لأن الحياء يمنع من المعصية كما يَمنَع الإيمان منها، والحياء هنا ممدود من الاستحياء. انتهى (^١).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: الحياء: انقباض، وحِشْمَة يجدها الإنسان من نفسه عندما يُطّلع منه على ما يُستقبح، ويُذمّ عليه، وأصله غَرِيزيّ في الفطرة، ومنه مكتسبٌ للإنسان، كما قال بعض الحكماء في العقل:
رَأَيْتُ الْعَقْلَ عَقْلَيْنِ … فَمَطْبُوعٌ وَمَصْنُوعُ
وَلَا يَنْفَعُ مَصْنُوعٌ … إِذَا لَمْ يَكُ مَطْبُوعُ
كَمَا لَا تَنْفَعُ الْعَيْنُ … وَضَوْءُ الشَّمْسِ مَمْنُوعُ
وهذا المكتسب هو الذي جعله الشرع من الإيمان، وهو الذي يُكلّف به، وأما الغريزيّ، فلا يُكلّف به، إذ ليس ذلك من كسبنا، ولا في وُسعنا، ولم يُكلّف الله نفسًا إلا وسعها، غير أن هذا الغريزيّ يَحمل على المكتسب، ويُعين عليه، ولذلك قال - ﷺ -: "الحياء لا يأتي إلا بخير"، و"الحياء خير كلّه". وأول الحياء، وأولاه: الحياء من الله تعالى، وهو أن لا يراك حيث نهاك، وذلك لا يكون إلا عن معرفة بالله تعالى كاملة، ومراقبة له حاصلة، وهي المعبّر عنها بقوله - ﷺ -: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك". وقد روى الترمذيّ من حديث ابن مسعود - ﵁ - أنه - ﷺ - قال: "استحيوا من الله حقَّ الحياء"، فقالوا: إنا نستحيي، والحمد لله، فقال: "ليس ذلك، ولكن الاستحياء من الله حقّ الحياء أن تحفظ الرأس، وما حوى، والبطن وما وعى، وتذكر الموت والبِلَى، فمن فعل ذلك، فقد استحيى من الله حقّ الحياء" (^٢).
قال: وأهل المعرفة في هذا الحياء منقسمون، كما أنهم في أحوالهم متفاوتون، وقد كان النبيّ - ﷺ - جُمع له كمال نوعي الحياء، فكان في الحياء الغريزيّ أشدّ حياء من العذراء في خِدرها، وفي حيائه الكسبيّ في ذِرْوتها.
_________________
(١) "المعلم" ١/ ٢٩٢.
(٢) حديث حسن أخرجه أحمد ١/ ٣٨٧، والترمذيّ ٢٤٦٠.
[ ٢ / ٢٩ ]
انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (^١).
[فإن قيل]: الحياء من الغرائز، فكيف جعل شعبة من الإيمان؟.
[أجيب]: بأنه قد يكون غريزة، وقد يكون تخلقًا واكتسابًا، ولكن استعماله على وفق الشرع، يحتاج إلى اكتساب، وعلم، ونية، فهو من الإيمان لهذا، ولكونه باعثًا على فعل الطاعة، وحاجزًا عن فعل المعصية، ولا يقال: رُبَّ حياء يمنع عن قول الحق، أو فعل الخير؛ لأن ذاك ليس شرعيًّا.
وقال القاضي عياض وغيره من الشُّرّاح: إنما جُعِل الحياء من الإيمان، وإن كان غَرِيزةً؛ لأنه قد يكون تخلُّقًا، واكتسابًا، كسائر أعمال البرّ، وقد يكون غريزةً، ولكن استعماله على قانون الشرع يَحتاج إلى اكتسابٍ، ونِيّة، وعِلْمٍ، فهو من الإيمان لهذا، ولكونه باعثًا على أفعال البرّ، ومانعًا من المعاصي.
وأما كون الحياء خيرًا كلّه، ولا يأتي إلا بخير، فقد يُشْكِل على بعض الناس من حيثُ إنّ صاحب الحياء قد يَستحيي أن يواجه بالحق مَن يُجِلّه، فيترك أمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر، وقد يَحمله الحياء على الإخلال ببعض الحقوق، وغير ذلك، مما هو معروف في العادة.
والجواب عن هذا ما قاله جماعة من الأئمة منهم الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: إن هذا المانع الذي ذكرناه ليس بحياء حقيقةً، بل هو عَجْزٌ وخَوَرٌ، ومَهَانَةٌ، وإنما تَسميتُهُ حياءً من إطلاق بعض أهل العرف، أطلقوه مجازًا؛ لمشابهته الحياءَ الحقيقيَّ، وإنما حقيقةُ الحياء خُلُقٌ يَبْعَث على ترك القبيح، وَيمْنَع من التقصير في حق ذي الحقّ، ونحو هذا، ويدل عليه ما سبق عن الجنيد رحمه الله تعالى (^٢).
[فإن قيل]: لِمَ أفرده بالذكر هنا؟.
[أجيب]: بأنه كالداعي والباعث إلى باقي الشُّعَب، إذ الْحَيِيُّ يخاف فضيحة الدنيا والآخرة، فيأتمر، وينزجر. ذكره في "الفتح" (^٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) راجع: "المفهم" ١/ ٢١٧ - ٢١٩.
(٢) "شرح النوويّ" ٢/ ٥.
(٣) راجع: "الفتح" ١/ ٦٨.
[ ٢ / ٣٠ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [١٤/ ١٦٠] (٣٥) عن عبيد الله بن سعيد، وعبد بن حُميد، كلاهما عن أبي عامر الْعَقَديّ، عن سليمان بن بلال، و[١٤/ ١٦١] عن زُهير بن حرب، عن جرير بن عبد الحميد، عن سُهيل، كلاهما عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عنه.
و(البخاريّ) في "الإيمان" (٩) عن عبد الله بن محمد الْجُعْفيّ، عن أبي عامر الْعَقَديّ به، وأخرجه أيضًا في "الأدب المفرد" (٥٩٨) عن محمد بن كثير، عن سفيان، عن سُهيل به.
و(أبو داود) في "السنّة" (٤٦٧٦) عن موسى بن إسماعيل، عن حمّاد، عن سُهيل به.
و(الترمذيّ) في "الإيمان" (٢٦١٤) عن أبي كُريب، عن وكيع، عن سفيان الثوريّ، عن سُهيل به، وقال: حسنٌ صحيح.
و(النسائيّ) في "الإيمان" (٨/ ١١٠) عن محمد بن عبد الله الْمُخَرِّميّ، عن أبي عامر الْعَقَديّ به، وعن أحمد بن سليمان، عن أبي داود الْحَفَريّ، وأبي نُعيم، كلاهما عن سفيان به، وعن يحيى بن حبيب بن عربيّ، عن خالد بن الحارث، عن ابن عَجْلان، عن عبد الله بن دينار ببعضه: "الحياء من الإيمان".
و(ابن ماجه) في "السنّة" (٥٧) عن عليّ بن محمد الطَّنَافسيّ، عن وكيع به، وعن عَمْرو بن رافع، عن جَرِير به، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر، عن ابن عجلان نحوه.
و(أحمد) في "مسنده" ٢/ ٣٧٩ و٢/ ٤٤٢ و٤٤٥، و(أبو نعيم) في "المستخرج" (١٤٦) و١٤٧، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٦٧) و(١٩٠)، و(ابن منده) في "الإيمان" (١٤٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن الإيمان له شعب كثيرة.
٢ - (ومنها): أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وهو الحقّ الذي
[ ٢ / ٣١ ]
عليه أهل السنة والجماعة، وخالف فيه بعضهم، ولا اعتداد به، كما تقدّم بيانه مفصّلًا أول كتاب الإيمان.
٣ - (ومنها): بيان عظم شأن الحياء، وأنه من أفضل الشعب إذ يدعو إلى بقية الشعب، فمن كان حييًّا فإن حياءه يدعوه إلى أن يعمل بمقتضى إيمانه، ويتجنب ما يناقضه.
٤ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: في قوله: "أعلاها قول لا إله إلا الله": ما يَستدلّ به من يقول: إن هذه الكلمة أفضل الكلام مطلقًا، وإنها أفضل من كلمة الحمد، وفي ذلك اختلاف، ذكره ابن عبد البرّ، وغيره. انتهى.
٥ - (ومنها): أن في قوله: "أعلاها لا إله الا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق": إشارةً إلى أن مراتبها متفاوتة.
٦ - (ومنها): أن تعريف المسند إليه - أعني "الإيمان" - إنما يُقصد لإتمام الفائدة للسامع؛ لأن فائدته من الخبر إمّا الحكم، أو لازمه، كما بُيّن في موضعه، وفيه الفصل بين الجملتين بالواو؛ لأنه قُصد التشريك، وتعيين الواو؛ لدلالتها على الجمع، وفيه تشبيه الإيمان بشجرة ذات أغصان وشُعَب، كما شُبّه في حديث "بُني الإسلام على خمس" بخباء ذات أعمدة وأَطْناب.
٧ - (ومنها): ما قيل في وجه الحكمة في تخصيص الستين في رواية البخاريّ، والسبعين في رواية المصنّف، وأصحاب "السنن".
فأما الحكمة في تعيين الستيّن وتخصيصها، فهي أنّ العدد إما زائد، وهو ما أجزاؤه أكثر منه، كالاثني عشر، فإن لها نصفًا، وثلثًا، وربعًا، وسدسًا، ونصف سدس (^١)، ومجموع هذه الأجزاء أكثر من اثني عشر، فإنه ستة عشر، وإما ناقص، وهو ما أجزاؤه أقلّ منه، كالأربعة، فإن لها الربع، والنصف فقط، وإمّا تامّ، وهو ما أجزاؤه مثله، كالستّة، فإن أجزاءها النصف، والثلث،
_________________
(١) الظاهر أنه لا حاجة إليه؛ لأن أجزاءه الحقيقيّة هي السابقة، وإلا فيلزمنا أن نذكر أيضًا نصف النصف، ونصف الربع، وهكذا، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.
[ ٢ / ٣٢ ]
والسدس، وهي مساوية للستّة، والفضل من بين الأنواع الثلاثة للتامّ، فلما أُريد المبالغة فيه جُعلت آحادها أعشارًا، وهي الستّون.
وأما الحكمة في تعيين السبعين فهي أن السبعة تشتمل على جملة أقسام العدد، فإنه ينقسم إلى فرد وزوج، وكلّ منهما إلى أول ومركّب، والفرد الأول ثلاثةٌ، والمركّب خمسة، والزوج الأول اثنان، والمركّب أربعةٌ، وينقسم أيضًا إلى مُنطق، كالأربعة، وأصمّ، كالستّة، والسبعة تشتمل على جميع هذه الأقسام، فلما أريد المبالغة فيه جُعلت آحادها أعشارًا، وهي السبعون.
وأما زيادة البِضْع على النوعين، فقد عُلم أنه يُطلق على الستّ، وعلى السبع؛ لأنه ما بين اثنين إلى عشرة وما فوقها، كما نصّ عليه صاحب "الموعب"، ففي الأول الستة أصل الستين، وفي الثاني السبعة أصل السبعين، كما ذكرناه، فهذا وجه تعيين أحد هذين العددين (^١).
٨ - (ومنها): أن المراد من هذين العددين، هل هو حقيقة أم ذُكرا على سبيل المبالغة؟ فقال بعضهم: أريد به التكثير دون التعديد، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠] الآية، قال الطيبيّ: الأظهر معنى التكثير، ويكون ذكر البضع للترقّي، يعني أن شُعَب الإيمان أعداد مبهمة، ولا نهاية لكثرتها؛ إذ لو أريد التحديد لم يُبهَم، وقال بعضهم: العرب تستعمل السبعين كثيرًا في باب المبالغة، وزيادةُ السبع عليها التي عبّر عنها بالبضع لأجل أن السبعة أكمل الأعداد؛ لأن الستة أول عدد تامّ، وهي مع الواحد سبعة، فكانت كاملة؛ إذ ليس بعد التمام سوى الكمال، وسُمّي الأسد سبعًا؛ لكمال قوّته، والسبعون غاية الغاية؛ إذ الآحاد غايتها العشرات.
٩ - (ومنها): ما وقع من الاختلاف في الترجيح بين الروايتين، فقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: الصواب ما وقع في سائر الأحاديث، ولسائر الرواة: "بضع وسبعون"، ومنهم من رجّح رواية: "بضع وستّين"؛ لأنها الْمُتيَقَّن.
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: الصواب ترجيح: "بضع وسبعين"؛ لأنها
_________________
(١) "عمدة القاري" ١/ ١٢٧.
[ ٢ / ٣٣ ]
زيادة من ثقات، وزيادة الثقات مقبولة مقدّمة، وليس في رواية: "بضع وستين" ما يمنع الزيادة (^١).
قال الكرمانيّ رحمه الله تعالى: ويحتمل أن تكون رواية الستين مقدّمة على رواية السبعين، وكان شُعَب الإيمان عند صدوره من النبيّ - ﷺ - هذا القدر، ثم قال مرّة أخرى عند زيادة الشُّعَب بلفظ: "سبعون"، فيكون كلاهما صوابًا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاحتمال سيأتي تعقّب الحافظ ابن رجب له، فتنبّه.
وقال الخطابيّ رحمه الله تعالى: الإيمان اسم يتشعّب إلى أمور ذوات عدد، جِمَاعها الطاعة، ولذا صار من صار من العلماء إلى أن الناس متفاضلون في درج الإيمان، وإن كانوا متساوين في اسمه، وكان بدء الإيمان كلمة الشهادة، وأقام رسول الله - ﷺ - بقيّة عمره يدعو الناس إليها، وسَمَّى من أجابه إلى ذلك مؤمنًا إلى أن نزلت الفرائض، وبهذا الاسم خوطبوا عند إيجابها عليهم، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] الآية، وهذا الحكم مستمرّ في كلّ اسم يقع على أمر ذي شُعَب؛ كالصلاة، فإن رجلًا لو مرّ على مسجد، وفيه قومٌ، منهم من يستفتح الصلاة، ومنهم من هو راكع، أو ساجد، فقال: رأيتهم يصلّون كان صادقًا، مع اختلاف أحوالهم في الصلاة، وتفاضل أفعالهم فيها.
[فإن قيل]: إذا كان الإيمان بضعًا وسبعين شُعبةً، فهل يمكنكم أن تسمّوها بأسمائها، وإن عجزتم عن تفصيلها، فهل يصحّ إيمانكم بما هو مجهول عندكم؟.
[قلنا]: إيماننا بما كُلّفناه صحيحٌ، والعلم به حاصل، وذلك من وجهين:
الأول: أنه قد نَصَّ على أعلى الإيمان وأدناه باسم أعلى الطاعات وأدناها، فدخل فيه جميع ما يقع بينهما، من جنس الطاعات كلّها، وجنس الطاعات معلوم.
_________________
(١) هكذا عزا الكرمانيّ هذا الترجيح للنوويّ، ولم أجده بهذا النصّ في شرح مسلم، فالله أعلم.
[ ٢ / ٣٤ ]
والثاني: أنه لم يوجِبْ علينا معرفة هذه الأشياء بخواصّ أسمائها حتى يلزمنا تسميتها في عقد الإيمان، وإنما كَلّفَنا التصديق بجملتها، كما كَلّفنا الإيمان بملائكته، وإن كنّا لا نعرف أسماء أكثرهم، ولا أعيانهم.
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: بيّن النبيّ - ﷺ - أعلى شُعَب الإيمان وأدناها، كما ثبت في "الصحيح" من قوله - ﷺ -: "أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق"، فبيّن أن أعلاها التوحيد المتعيّن على كلّ مكلّف، والذي لا يصحّ غيره من الشعب إلا بعد صحّته، وأن أدناها دفع ما يُتوقّع به ضرر المسلمين من إماطة الأذى عن طريقهم، وبقي بينهما إتمام العدد، فيجب علينا الإيمان به، وإن لم نعرف أعيان جميع أفراده، كما نؤمن بالملائكة، وإن لم نعرف أعيانهم وأسماءهم. ذكره الكرمانيّ (^١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف الحفّاظ في إسناد هذا الحديث:
(اعلم): أن هذا الحديث وقع عند المصنّف بلفظ: "الإيمان بضع وسبعون شعبة"، هكذا رواه أبو عامر الْعَقَديّ، عن سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ -، وفي رواية زُهير بن حرب، عن جرير بن عبد الحميد، عن سهيل بن أبي صالح، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ -: "بضع وسبعون - أو بضع وستون -" على الشكّ، ورواه البخاري في أول الكتاب من رواية الْعَقَديّ: "بضع وستون"، بلا شكّ، ورواه أبو داود، والترمذيّ، وغيرهما من رواية سهيل: "بضع وسبعون" بلا شك، ورواه الترمذيّ من طريق آخر، وقال فيه: "أربعة وستون بابًا".
وقد اختَلَفَ العلماء في الترجيح بين الروايتين، فقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: الصواب ما وقع في سائر الأحاديث، ولسائر الرواة: "بضع وستون" (^٢)، وقال ابن الصلاح رحمه الله تعالى: هذا الشك الواقع في رواية
_________________
(١) "شرح الكرمانيّ" ١/ ٨٢ - ٨٣.
(٢) هكذا في شرح النووي: "ستون"، والذي في "الإكمال": "سبعون"، والظاهر أنه الصواب، والله تعالى أعلم.
[ ٢ / ٣٥ ]
سهيل هو من سهيل، كذا قاله الحافظ أبو بكر البيهقيّ رحمه الله تعالى، وقد رُوي عن سهيل: "بضع وسبعون" من غير شكّ، وأما سليمان بن بلال، فإنه رواه عن عمرو بن دينار على القطع، من غير شكّ، وهي الرواية الصحيحة، أخرجاها في "الصحيحين"، غير أنها فيما عندنا من كتاب مسلم: "بضع وسبعون"، قطعًا بالأكثر، وفيما عندنا من كتاب البخاريّ: "بضع وستون"، قطعًا بالأقلّ، وقد نقلت كل واحدة عن كل واحد من الكتابين، ولا إشكال في أن كل واحدة منهما رواية معروفة في طُرُق روايات هذا الحديث، واختلفوا في الترجيح بينهما، والأشبه بالإتقان، والاحتياط ترجيح رواية الأقلّ، ومنهم من رَجَّح رواية الأكثر، وإياها اختار أبو عبد الله الْحَلِيميّ، فإن الحكم لمن حَفِظَ الزيادة، جازمًا بها.
قال: ثم إن الكلام في تعيين هذه الشُّعَب المطلوب، وقد صُنِّفَت في ذلك مصنفات، ومن أغزرها فوائد كتاب "المنهاج" لأبي عبد الله الْحَلِيميّ (^١) إمام الشافعيين ببخارى، وكان من رُفَعاء أئمة المسلمين، وحَذَا حَذْوه الحافظ أبو بكر البيهقيّ رحمه الله تعالى في كتابه الجليل الحفيل، كتاب "شُعَب الإيمان". انتهى كلام ابن الصلاح (^٢).
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى بعد أن أورد رواية البخاريّ بلفظ: "الإيمان بضع وستون شعبة" ما نصّه: وخرّجه مسلم من هذا الوجه، ولفظه: "بضع وسبعون". وخرّجه مسلم أيضًا من رواية جرير، عن سُهيل، عن عبد الله بن دينار به، وقال في حديثه: "بضع وسبعون - أو بضع وستون - " بالشكّ، وهذا الشكّ من سُهيل، كذا جاء مصرّحًا به في "صحيح ابن حبّان"، وغيره.
وخرّجه مسلم أيضًا من حديث ابن الهاد، عن عبد الله بن دينار به، وقال في حديثه: "الإيمان سبعون - أو اثنان وسبعون - بابًا" (^٣).
_________________
(١) هو أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاريّ الشافعيّ، المولود سنة (٣٣٨ هـ) في شهر ربيع الأول، والمتوفّى سنة (٤٠٣ هـ).
(٢) "الصيانة" ص ١٩٦ - ١٩٧.
(٣) هكذا عزا ابن رجب، هذه الرواية إلى "صحيح مسلم"، والظاهر أنه وَهَمٌ منه، فإن =
[ ٢ / ٣٦ ]
ورواه ابن عجلان، عن عبد الله بن دينار، وقال: "ستّون، - أو سبعون - ". ورُوي عنه أنه قال في حديثه: "ستون"، أو "سبعون"، أو "بضع" وأحد من العددين، أخرجه ابن أبي شيبة في "الإيمان" (٦٧) ومن طريقه ابن ماجه "٥٧".
ورُوي عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه بهذا اللفظ أيضًا. أخرجه ابن منده في "الإيمان" ١/ ٢٩٦.
وروي عنه بلفظ آخر، وهو: "الإيمان تسعة - أو سبعة - وسبعون شعبة".
وخرّجه الترمذيّ من رواية عُمارة بن غَزِيّة، وقال فيه: "الإيمان أربعة وسبعون بابًا".
وقد رُوي عن عمارة بن غزيّة، عن سُهيل، عن أبيه، وسهيل لم يسمعه من أبيه، إنما رواه عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح. فمدار الحديث على عبد الله بن دينار، لا يصحّ عن غيره.
وقد ذكر العُقيليّ أن أصحاب عبد الله بن دينار على ثلاث طبقات: أثبات؛ كمالك، وشعبة، وسفيان بن عيينة. ومشايخ: كسهيل، ويزيد بن الهاد، وابن عجلان. قال: وفي رواياتهم عن عبد الله بن دينار اضطراب، وقال: إن هذا الحديث لم يُتابع هؤلاء المشايخ عليه أحد من الأثبات عن عبد الله بن دينار، ولا تابع عبد الله بن دينار، عن أبي صالح عليه أحد. والطبقة الثالثة: الضعفاء، فيروون عن عبد الله بن دينار المناكير، إلا أن الحمل فيها عليهم.
قال ابن رجب: قد رواه عن عبد الله بن دينار سليمان بن بلال، وهو ثقة ثبتٌ، قد خُرّج حديثه في "الصحيحين". انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في الاختلاف الواقع في لفظ الحديث، واختلاف أهل العلم في تعداد شُعب الإيمان:
_________________
(١) = هذه الرواية لا توجد فيه، كما هو واضح، وإنما أخرجها بهذا الطريق الحافظ ابن منده رحمه الله تعالى في كتاب "الإيمان" ١/ ٢٩٦، ولفظه: "الإيمان بضعٌ وسبعون - أو بضعٌ وستّون - شعبة"، فراجعه تستفد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(٢) "شرح البخاري" ١/ ٣٠ - ٣٢.
[ ٢ / ٣٧ ]
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وأما الاختلاف في لفظ الحديث فالأظهر أنه من الرواة، كما جاء التصريح في بعضه بأنه شكّ من سُهيل بن أبي صالح، وزعم بعض الناس أن النبيّ - ﷺ - كان يذكر هذا العدد بحسب ما ينزل من خصال الإيمان، فكلما نزلت خصلة منها ضمّها إلى ما تقدّم، وزادها عليها، وفي ذلك نظر، وقد ورد في بعض روايات "صحيح مسلم" عدد بعض هذه الخصال، ولفظه: "أفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان".
فأشار إلى أن خصال الإيمان منها ما هو قولٌ باللسان، ومنها ما هو عملٌ بالجوارح، ومنها ما هو قائم بالقلب، ولم يزد في شيء من هذه الروايات على هذه الخصال.
وقد انتدب لعدّها طائفة من العلماء (^١)؛ كالْحَلِيميّ، والبيهقيّ، وابن شاهين، وغيرهم، فذكروا كلّ ما ورد تسميته إيمانًا في الكتاب والسنّة من الأقوال والأعمال، وبلغ بها بعضهم سبعًا وسبعين، وبعضهم تسعًا وسبعين.
وفي القطع على أن ذلك هو مراد الرسول - ﷺ - من هذه الخصال عسر، كذا قاله ابن الصلاح، وهو كما قال. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى (^٢).
وقال الإمام أبو حاتم بن حِبّان البستيّ رحمه الله تعالى في "كتاب وصف الإيمان وشُعَبه":
تتبّعتُ معنى هذا الحديث مدّةً، وعددت الطاعات، فإذا هي تزيد على هذا العدد شيئًا كثيرًا، فرجحت إلى السنن، فعددتُ كلّ طاعة عدّها رسول الله - ﷺ - من الإيمان، فإذا هي تنقص عن البضع والسبعين، فرجعت إلى كتاب الله تعالى،
_________________
(١) منهم أبو عبد الله الحليميّ، صنّف فيها كتابًا سمّاه "فوائد المنهاج"، والحافظ أبو بكر البيهقيّ، وسمّاه "شُعب الإيمان"، والشيخ عبد الجليل أيضًا سمّاه "شُعَب الإيمان"، وإسحاق ابن القرطبيّ، وسمّاه "كتاب النصائح"، وأبو حاتم البستيّ، وسمّاه "وصف الإيمان، وشعبه"، ذكره في "عمدة القاري" ١/ ١٢٨.
(٢) "شرح البخاريّ" ١/ ٣٢ - ٣٤.
[ ٢ / ٣٨ ]
فعددت كلّ طاعة عدّها الله من الإيمان، فإذا هي تنقص عن البضع والسبعين، فضممتُ إلى الكتاب السننَ، وأسقطتُ المعاد، فإذا كلّ شيء عدّه الله ورسوله - ﷺ - من الإيمان بضع وسبعون، لا يزيد عليها، ولا ينقص، فعلمتُ أن مراد النبيّ - ﷺ - أن هذا العدد في الكتاب والسنّة. انتهى.
وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: قوله: "بضع وسبعون" يحتمل أن يكون المراد بقوله: "بضع وسبعون" التكثيرَ، دون التعديد، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ الآية [التوبة: ٨٠].
واستعمال لفظة السبعة والسبعين للتكثير كثير، وذلك لاشتمال السبعة على جملة أقسام العدد، فإنه ينقسم إلى فرد وزوج، وكلّ منهما إلى أول، ومركّب، والفرد الأول ثلاثة، والمركّب خمسة، والزوج الأول اثنان، والمركّب أربعةٌ، وينقسم أيضًا إلى مُنْطَقٍ؛ كالأربعة، وأصمّ؛ كالستة، والسبعة تشتمل على جميع هذه الأقسام، ثم إن أريد مبالغة جُعلت آحادها أعشارًا.
ويحتمل أن يكون المراد تعداد الخصال وحصرها، فيقال: إن شُعَب الإيمان، وإن كانت متعدّدةً متبدّدةً إلا أن حاصلها يرجع إلى أصل واحد، وهو تكميل النفس على وجه به يصلح معاشه، ويحسُن معاده.
وذلك بأن يعتقد الحقّ، ويستقيم في العمل، وإليه أشار النبيّ - ﷺ - حيث قال لسفيان بن عبد الله الثقفيّ - ﵁ - حين سأله في الإسلام قولًا جامعًا: "قُل: آمنت بالله، ثم استقم"، رواه مسلم.
قال: وفنون اعتقاد الحقّ يتشعب ست عشرة شُعبةً:
طلب العلم، ومعرفة الصانع، وتنزيهه عن النقائص، وما يتداعى إليها، والإيمان بصفات الإكرام، مثل الحياة، والعلم، والقدرة، والإقرار بالوحدانيّة، والاعتراف بأن ما عداه صنعه لا يوجد، ولا يُعدم إلا بقضائه وقدره، والإيمان بالملائكة المتطهّرة عن الرجس، وتصديق رسله المؤيّدين بالآيات في دعوى النبوّة، وحسن الاعتقاد فيهم، والعلم بحدوث العالم، واعتقاد فنائه على ما ورد به التنزيل، والجزم بالنشأة الثانية، وإعادة الأرواح إلى الأجساد، والإقرار باليوم الآخر، أعني بما فيه من الصراط والحساب، وموازنة الأعمال، وسائر ما تواتر عن الرسول - ﷺ -، والوثوق على وعد الجنّة وثوابها، واليقين بوعيد النار وعقابها.
[ ٢ / ٣٩ ]
وفنّ العمل ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
[أحدها]: يتعلّق بالمرء نفسه، وهو ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: ما يتعلّق بالباطن، وحاصله تزكية النفس عن الرذائل، وأمهاتها عشرة: شَرَهُ الطعام، وشَرَهُ الكلام، والبخل، والكبر، وحبّ المال، وحبّ الجاه، وحبّ الدنيا، والحقد، والْحَسَدُ، والرياء، والْعُجب.
وتحليةُ النفس بالكمالات، وأمهاتها ثلاث عشرة: التوبة، والخوف، والرجاء، والزهد، والحياءُ، والشكر، والوفاء، والصبر، والإخلاص، والصدق، والمحبّةُ، والتوكّلُ، والرضا بالقضاء.
وثانيهما: ما يتعلّق بالظاهر، وتسمّى بالعبادات، وشُعبها ثلاث عشرة: طهارة البدن عن الحدث والخبَث، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والقيام بأمر الجنائز، وصيام رمضان، والاعتكاف، وقراءة القرآن، وحجّ البيت والعمرة، وذبح الضحايا، والوفاء بالنذر، وتعظيم الأيمان، وأداء الكفّارات.
[وثانيها]: ما يتعلّق به وبخواصّه، وأهل منزلته، وشُعبها ثمان: التعفّف عن الزنا، والنكاح، والقيام بحقوقه، والبرّ بالوالدين، وصلة الرحم، وطاعة السادة، والإحسان إلى المماليك، والعتق.
[وثالثها]: ما يعمّ الناس، وينوط به إصلاح العباد، وشُعَبها سبع عشرة: القيام بإمارة المسلمين، واتباع الجماعة، ومطاوعة أولي الأمر، ومعاونتهم على البرّ، وإحياء معالم الدين ونشرها، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وحفظ الدين بالزجر عن الكفر، ومجاهدة الكفّار، والمرابطة في سبيل الله، وحفظ النفس بالكفّ عن الجنايات، وإقامة حقوقها من القصاص والديات، وحفظ أموال الناس بطلب الحلال، وأداء الحقوق، والتجافي عن المظالم، وحفظ الأنساب، وأعراض الناس بإقامة حدود الزنا والقذف، وصيانة العقل بالمنع عن تناول المسكرات، والمخبثات بالتهديد، والتأديب عليه، ودفع الضرر عن المسلمين، ومن هذا القبيل إماطة الأذى.
وأقول - والعلم عند الله -: الأظهر أن يُذهَب إلى معنى التكثير، ويكون ذكر البضع للترقي، يعني أن شُعب الإيمان أعداد مبهمة، ولا نهاية لكثرتها؛ إذ لو أريد التحديد لم يُبهمه، ولعمري إنه كذلك، وبيانه أن رسول الله - ﷺ - بَيّن
[ ٢ / ٤٠ ]
ابتداءها، وانتهاءها، ووسطها، فلو أُخذت من الابتداء إلى الانتهاء كان على وزان قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ الآية [فصّلت: ٣٠]، معناه من رضي بالله ربًّا، وعَمِل بمقتضاه، لم يَدَعْ ما يجب عليه أن يأتي ويذر، فإنك إن تنزّلت من حديث خالق الموجودات إلى حديث الشوكة وإماطتها، هل تجد شيئًا مما يُحَسِّنه الشرع والعقل من الأخلاق، ومراضي الأعمال خارجًا من ذلك؟، وكذا لو عكست، وترقّيت من إماطة الشوكة إلى الأعلى، ولو شرعت في معنى الحياء، وفسّرته بما ورد عن رسول الله - ﷺ -: "استحيوا من الله حقَّ الحياء"، قال: قلنا: يا رسول الله، إنا نستحيي، والحمد لله، قال: "ليس ذاك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء، أن تحفظ الرأس، وما وَعَى، والبطن وما حَوَى، ولتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك، فقد استحيا من الله حق الحياء" (^١).
لقد حاولتَ أمرًا عظيمًا، وفيه إشارة إلى منازل السائرين إلى الله، والسالكين لطريق الآخرة.
وقال الشيخ العارف أبو القاسم الجنيد ﵀: الحياء حالة تتولّد من رؤية الآلاء، ورؤية التقصير، ثم ليذق من مُنِح الفضل الإلهي، ورُزق الطبع السليم معنى إفراد الحياء بالذكر بعد دخوله في الشعب، كأنه يقول: هذه شعبةٌ واحدةٌ من شُعَبه، فهل تُحصى وتُعَدّ شُعبها؟ هيهات، إن البحر لا ينزف.
وكفى بهذا الحديث شاهدًا على أن الإيمان جامع للتصديق، والإقرار، والأعمال، ومن ردّه كابر عقله، وظهر من هذا معنى التكثير في سبعين.
ولخّص بعض المفسّرين قول عليّ بن عيسى النحويّ في ذلك، وقال: السبعة أكمل الأعداد؛ لجمعها معاني الأعداد؛ لأن الستّة أوّل عدد تامّ؛ لأنها تعادل أجزاءها، فإن نصفها ثلاثة، وثلثها اثنان، وسدسها واحد، وجملتها ستة سواء، وهي مع الواحد سبعة، وكانت كاملة؛ إذ ليست بعد التمام سوى الكمال، ولعلّ واضع اللغة يسمّي الأسد سبعًا؛ لكمال قوّته، كما أنه أسدٌ
_________________
(١) ضعيف أخرجه الترمذيّ رقم (٢٣٨٢)، وفي سنده الصبّاح بن محمد البجليّ الأحمسيّ ضعيف.
[ ٢ / ٤١ ]
لإساده في السير، ثم السبعون غاية الغاية؛ إذ الآحاد غايتها العشرات، انظر أيها المتأمل في هذه الألفاظ القليلة المستقلّة بالمعاني الجمّة الجليلة، واشهد له أنه - ﷺ - أوتي كنوز الحكمة، وفصل الخطاب. انتهى كلام الطيبيّ (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأولى عدم الخوض في تفاصيل معنى الشعب المذكورة في هذا الحديث؛ لعدم ورود نصّ مفصّل لها، قال القاضي عياض: تَكَلَّف جماعة حصر هذه الشُّعَب بطريق الاجتهاد، وفي الحكم بكون ذلك هو المرادَ صعوبة، ولا يَقْدَح عدم معرفة حصر ذلك على التفصيل في الإيمان. انتهى.
والحاصل أن التصدّي لبيان تفاصيلها، تكلّف ظاهرٌ، فلا ينبغي التعويل عليه، والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى:
[فإن قيل]: فأهل الحديث والسنة عندهم أن كلّ طاعة، فهي داخلة في الإيمان، سواء كانت من أعمال الجوارح، أو القلوب، أو من الأقوال، وسواء في ذلك الفرائض، والنوافل، هذا قول الجمهور الأعظم منهم، وحينئذ، فهذا لا ينحصر في بضع وسبعين، بل يزيد على ذلك زيادة كثيرةً، بل هي غير منحصرة.
[قيل]: يمكن أن يجاب عن هذا بأجوبة:
[أحدها]: أن يقال: إن عدد خصال الإيمان عند قول النبيّ - ﷺ - كان منحصرًا في هذا العدد، ثم حدثت الزيادة فيه بعد ذلك، حتى كملت خصال الإيمان في آخر حياة النبيّ - ﷺ -. وفي هذا نظر.
[والثاني]: أن تكون خصال الإيمان كلّها تنحصر في بضع وسبعين نوعًا، وإن كانت أفراد كل نوع تتعدّد تعدّدًا كثيرًا، وربّما كان بعضها لا ينحصر، وهذا أشبه، وإن كان الوقوف على ذلك يعسر، أو يتعذّر.
[والثالث]: أن ذكر السبعين على وجه التكثير للعدد، لا على وجه الحصر، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]،
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٤٣٩ - ٤٤١.
[ ٢ / ٤٢ ]
والمراد تكثير التعداد من غير حصوله هذا في العدد (^١)، ويكون ذكره للبضع يُشعر بذلك، كأنه يقول: هو يزيد على السبعين المقتضية لتكثير العدد، وتضعيفه، وهذا ذكره بعض أهل الحديث من المتقدّمين، وفيه نظر.
[والرابع]: أن هذه البضع وسبعين هي أشرف خصال الإيمان وأعلاها، وهو الذي تدعو إليه الحاجة منها، قاله ابن حامد من الحنابلة. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول الثاني أظهر الأقوال، وأقربها إلى الفهم، كما سبق ميل ابن رجب رحمه الله تعالى إليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٢] (٣٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ الزُّهْرِيّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيه، سَمِعَ النَّبِيُّ - ﷺ - رَجُلًا، يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاء، فَقَالَ: "الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَاَنِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفيّ الحافظ تقدّم قريبًا.
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو عمرو بن محمد بن بُكير، أبو بكر البغداديّ، نزيل الرَّقَّة، ثقة حافظ، وَهِمَ في حديث [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة الحافظ المذكور قريبًا.
٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عِمران ميمون الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقة حافظ فقيهٌ حجة، من رؤوس [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
_________________
(١) هكذا النسخة، ولعل الصواب: من غير حصره في هذا العدد، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.
(٢) "شرح صحيح البخاريّ" لابن رجب ١/ ٣٤ - ٣٥.
[ ٢ / ٤٣ ]
٥ - (الزُّهْرِيُّ) هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب القرشيّ، أبو بكر المدنيّ الفقيه الحافظ المتّفق على جلالته وإتقانه، من رؤوس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ١ ص ٣٤٨.
٦ - (سَالِمُ) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب القرشيّ العدويّ، أبو عمر، ويقال: أبو عبد الله المدنيّ، أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، ثقة ثبت عابد فاضلٌ، كان يُشبّه بأبيه في الهدي والسَّمْت، من كبار [٣].
رَوَى عن أبيه، وأبي هريرة، وأبي رافع، وأبي أيوب، وعن زيد بن الخطاب (^١)، وأبي لبابة على خلاف فيه، وغيرهم.
وروى عنه ابنه أبو بكر، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، والزهري، وصالح بن كيسان، وحنظلة بن أبي سفيان، وعبيد الله بن عمر بن حفص، وغيرهم.
قال ابن المسيب: كان عبد الله أشبه ولد عمر به، وكان سالم أشبه ولد عبد الله به. وقال مالك: لم يكن أحد في زمان سالم بن عبد الله أشبه من مضى من الصالحين في الزهد والفضل والعيش منه. وقال الأصمعي عن ابن أبي الزناد: كان أهل المدينة يَكرهون اتخاذ أمهات الأولاد، حتى نشأ فيهم القراء السادة: علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، ففاقوا أهل المدينة علمًا وتُقًى وعبادةً وورعًا، فَرَغِبَ الناس حينئذ في السراري. وقال علي بن الحسن العسقلاني عن ابن المبارك: كان فقهاء أهل المدينة سبعة، فذكره فيهم، قال: وكانوا إذا جاءتهم المسألة دخلوا فيها جميعًا، فنظروا فيها، ولا يقضي القاضي حتى يُرفع إليهم، فينظرون فيها، فيَصْدُرون. وقال مالك: كان ابن عمر يخرج إلى السوق فيشتري، وكان سالم دهره يشتري في الأسواق، وكان من أفضل زمانه. وقال أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه: أصح الأسانيد: الزهري، عن سالم، عن أبيه.
وقال الدُّوري عن ابن معين: سالم، والقاسم، حديثهما قريب من السواء، وسعيد بن المسيب قريب منهما، وإبراهيم أعجب إلي مرسلًا منهم. وقال البخاري:
_________________
(١) قال الحافظ: رواية سالم عن عم أبيه زيد بن الخطاب منقطعة قطعًا. والله أعلم. انتهى. "تهذيب التهذيب" ١/ ٦٧٧.
[ ٢ / ٤٤ ]
لم يسمع من عائشة. وقال العجلي: مدني تابعي ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، عاليًا من الرجال. وقال ابن حبان في "الثقات": كان يشبه أباه في السَّمْت والْهَدْي. وقال البخاري في "التاريخ الصغير": لا أدري سالم عن أبي رافع صحيح أم لا؟. وقال غيره: لَمّا قَدِمَ سبي فارس على عمر، كان فيه بنات يَزْدَجْردَ، فَقُوِّمن، فأخذهن علي، فأعطى واحدة لابن عمر، فولدت له سالمًا، وأعطى أختها لولده الحسين، فولدت له عليًّا، وأعطى أختها لمحمد بن أبي بكر، فولدت له القاسم. وقال أبو نعيم وجماعة: مات سنة ست ومائة، في ذي القعدة، أو ذي الحجة. وقال خليفة: سنة (٧)، وقال الهيثم بن عدي: سنة (٨)، وقال الأصمعي: سنة (٥)، والأول أصح. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١٢) حديثًا.
٧ - (أَبُوهُ) عبد الله بن عمر بن الخطاب - ﵄ - تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيات المصنف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة إلا مشايخه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، والثالث ما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من ابن شهاب، وابن عيينة كوفيّ، فمكيّ، وأبو بكر كوفي، وعمرو بغداديّ، وزهير نسائيّ، ثم بغداديّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن فيه سالمًا أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال.
٦ - (ومنها): أن فيه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا، وأحد المشهورين بالفتوى من الصحابة - ﵁ -، وقد تقدّم هذا كلّه، وإنما أعدته تذكيرًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر - ﵄ - (سَمِعَ النَّبِيُّ - ﷺ - رَجُلًا، يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاء، فَقَالَ: "الْحَيَاءُ مِنَ الْإيمَانِ").
[ ٢ / ٤٥ ]
(عَنْ سَالِمٍ) بن عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر - ﵄ -، أنه قَالَ: (سَمِعَ النَّبِيُّ - ﷺ - رَجُلًا) وفي الرواية التالية: "مر برجل"، وفي رواية البخاريّ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، مَرَّ عَلَى رَجُلٍ".
و"مرَّ" بمعنى: اجتاز يُعَدى بـ "على"، وبالباء، قال الحافظ: ولم أعرف اسم هذين الرجلين: الواعظ، وأخيه (يَعِظُ أَخَاهُ) من الوعظ: وهو النُّصح، والتذكير بالعواقب، وقال ابن فارس: هو التخويف، والإنذار. وقال الخليل بن أحمد: هو التذكير بالخير فيما يُرِقّ القلب. ذكره العينيّ (^١).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: أي ينهاه عنه، ويُقبّح له فعله، ويزجره عن كثرته (^٢).
وقال في "الفتح": أي يَنصح، أو يُخَوِّف، أو يُذَكِّر، كذا شرحوه، والأولى أن يُشرَح بما جاء عند البخاريّ في "الأدب" من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة، عن ابن شهاب، ولفظه: "يُعاتِب أخاه في الحياء، يقول: إنك لتستحي، حتى كأنه يقول: قد أضَرّ بك". انتهى.
ويحتمل أن يكون جمع له العِتاب، والوعظ، فذكر بعض الرواة ما لم يذكره الآخر، لكن الْمَخْرَجُ مُتَّحِد، فالظاهر أنه من تصرف الراوي، بحسب ما اعتقد أن كل لفظ منهما يقوم مقام الآخر. انتهى (^٣).
وجملة "يعظ أخاه" في محلّ جرّ صفة لـ "رجل".
وقوله: (فِي الْحَيَاءِ) متعلّق بـ "يعِظ"، و"في" سببية، فكأن الرجل كان كثير الحياء، فكان ذلك يمنعه من استيفاء حقوقه، فعاتبه أخوه على ذلك.
(فَقَالَ) أي النبيّ - ﷺ - للرجل الواعظ ("الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ") أي جزء من أجزاء الإيمان، ولفظ البخاريّ: "دَعْهُ، فإن الحياء من الإيمان": أي اتركه على هذا الخلق السَّنِيّ، ثم علّل أمره بالترك بما ذكره بالفاء التعليليّة، فقال: "فإن الحياء … إلخ". أي وإذا كان الحياء، يمنع صاحبه من استيفاء حق نفسه، جَرّ له ذلك تحصيلَ أجر ذلك الحقّ، لا سيما إذا كان المتروك له مستحقًا.
_________________
(١) "عمدة القاري" ١/ ٢٠٠ - ٢٠١.
(٢) "شرح مسلم" ٢/ ٦.
(٣) "الفتح" ١/ ١٠٥.
[ ٢ / ٤٦ ]
وقال ابن قتيبة: معناه إن الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي، كما يمنع الإيمان، فسُمّي إيمانًا، كما يُسَمَّى الشيءُ باسم ما قام مقامه.
وحاصله أن إطلاق كونه من الإيمان مجاز (^١)، والظاهر أن الناهي ما كان يعرف أن الحياء من مكملات الإيمان، فلهذا وقع التأكيد، وقد يكون التأكيد من جهة أن القضية في نفسها مما يهتم به، وإن لم يكن هناك منكر.
قال الراغب: الحياء انقباض النفس عن القبيح، وهو من خصائص الإنسان؛ ليرتدع عن ارتكاب كل ما يَشتهي، فلا يكون كالبهيمة، وهو مركب من جُبن وعفة، فلذلك لا يكون المستحي فاسقًا، وقَلَّما يكون الشجاع مُسْتَحِيًا، وقد يكون لمطلق الانقباض، كما في بعض الصبيان. انتهى ملخصًا.
وقال غيره: هو انقباض النفس، خشية ارتكاب ما يُكرَه، أعم من أن يكون شرعيًّا، أو عقليًّا، أو عرفيًّا، ومقابل الأول فاسق، والثاني مجنون، والثالث أَبْلَهُ، قال: وقوله - ﷺ -: "الحياء شعبة من الإيمان": أي أثر من آثار الإيمان.
وقال الْحَلِيميّ: حقيقة الحياء: خوف الذم بنسبة الشر إليه. وقال غيره: إن كان في مُحَرَّم فهو واجب، وإن كان في مكروه، فهو مندوب، وإن كان في مباح، فهو العرفي، وهو المراد بقوله: "الحياء لا يأتي إلا بخير"، ويجمع كل ذلك أن المباح إنما هو ما يقع على وفق الشرع، إثباتًا ونفيًا. وحُكِي عن بعض السلف: رأيت المعاصي مَذَلَّةً، فتركتها مروءة، فصارت ديانةً. وقد يتولد الحياء من الله تعالى من التقلب في نعمه، فيستحي العاقل أن يستعين بها على معصيته.
وقد قال بعض السلف: خَفِ اللهَ على قَدْرِ قُدْرَته عليك، واستحي منه على قَدْر قُرْبه منك. قاله في "الفتح" (^٢).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) كونه مجازًا فيه نظر؛ لأنه جزء من أجزاء الإيمان، وجزء الشيء لا يسمى مجازًا، وإنما هو جزء حقيقة، فتنبّه.
(٢) راجع: "الفتح" ١٠٥ - ١٠٦.
[ ٢ / ٤٧ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف ﵀ هنا في "الإيمان" [١٤/ ١٦٢] (٣٦) عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب، ثلاثتهم، عن ابن عيينة، عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، و[١٤/ ١٦٣] عن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ به، و(البخاريّ) ١/ ١٢ عن عبد الله بن يوسف عن مالك، عن الزهريّ به، و٨/ ٣٥ عن أحمد بن يونس، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، عن الزهريّ به، و(أبو داود) (٤٧٩٥) عن القعنبيّ، عن مالك به، و(الترمذيّ) في "الإيمان" (٢٦١٥) عن ابن أبي عمر، وأحمد بن منيع، كلاهما عن ابن عيينة به، و(النسائيّ) ٨/ ١٢١ عن هارون بن عبد الله، عن معن بن عيسى (ح) والحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك به، و(ابن ماجه) (٥٨) عن سهل بن أبي سهل، ومحمد بن عبد الله بن يزيد، كلاهما عن ابن عيينة به، و(مالك) في "الموطأ" (٥٦٥)، و(أحمد) ٢/ ٩ و٢/ ٥٦ و٢/ ١٤٧، و(البخاريّ) في "الأدب المفرد" (٦٠٢)، و(عبد الرزاق) (٢٠١٤٦)، و(ابن منده) في "الإيمان" (١٧٤)، و(عبد بن حميد) (٧٢٥)، و(ابن حبّان) (٦١٠)، و(أبو نعيم) في "المستخرج" (١٤٨ و١٤٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كون الحياء شعبة من شعب الإيمان.
٢ - (ومنها): أن فيه بيان عظم شأن الحياء، وأنه من أعلى الصفات الحميدة التي يتحلّى بها المؤمن، وقد ورد في مدحه أحاديث كثيرة، منها هذا الحديث، وحديث أبي هريرة - ﵁ - الماضي: "والحياء شعبة من الإيمان"، وحديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما، عن النبيّ - ﷺ - الآتي: "الحياء لا يأتي إلا بخير"، وفي رواية عنه: "الحياء خير كلّه".
٣ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في شرح هذا الحديث: والحياء نوعان:
[ ٢ / ٤٨ ]
[أحدهما]: غريزيّ، وهو خُلُقٌ يمنحه الله تعالى العبد، ويَجبُلُهُ عليه، فيكُفّه عن ارتكاب القبائح، والرذائل، ويحثّه على فعل الجميل، وهو من أعلى مواهب الله تعالى للعبد، فهذا من الإيمان باعتبار أنه يؤثّر ما يؤثّره الإيمان من فعل الجميل، والكفّ عن القبيح، وربما ارتقى صاحبه بعده إلى درجة الإيمان، فهو وسيلة إليه، كما قال عمر - ﵁ -: من استحيى اختفَى، ومن اختفى اتّقَى، ومن اتّقى وُقي. وقال بعض التابعين: تركت الذنوب حياءً أربعين سنةً، ثم أدركني الورع. وقال ابن سَمْعُون: رأيت المعاصي نَذَالةً، فتركتها مروءة، فاستحالت ديانةً.
[والنوع الثاني]: أن يكون مُكتسبًا، إما من مقام الإيمان؛ كحياء العبد من مقامه بين يدي الله تعالى يوم القيامة، فيوجب له ذلك الاستعداد للقائه، أو من مقام الإحسان؛ كحياء العبد من اطّلاع الله تعالى عليه، وقربه منه، فهذا من أعلى خصال الإيمان. وفي حديث مرسل: "استحي من الله، كما تستحيي من رجلين من صالحي عشيرتك، لا يفارقانك"، ورُوي موصولًا (^١).
وسُئل النبيّ - ﷺ - عن كشف العورة خاليًا؟ فقال: "الله أحقّ أن يُستحيى منه من الناس" (^٢).
وفي حديث ابن مسعود - ﵁ - المرفوع: "الاستحياء من الله: أن تحفظ الرأس، وما وعَى، والبطن، وما حوى، وأن تذكر الموت، والبِلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيى من الله حقّ الحياء". رواه الترمذيّ، وغيره (^٣).
_________________
(١) رواه الطبرانيّ في "الكبير" ٨/ ٢٢٩ من طريق أبي عبد الملك علي بن يزيد الألهانيّ، عن القاسم، عن أبي أمامة - ﵁ - مرفوعًا، وفيه عليّ بن يزيد ضعيف.
(٢) علّقه البخاريّ في "كتاب الغسل" (٢٧٨)، وأخرجه أحمد ٥/ ٤، وأبو داود (٤٠١٧)، والترمذيّ (٢٧٩٤)، والحاكم ٤/ ١٧٩.
(٣) رواه الترمذي (٢٤٥٨)، وأحمد ١/ ٣٨٧ من طريق الصباح بن محمد، عن مرة الهمدانيّ، عن ابن مسعود - ﵁ -، والصباح ضعيف، واستنكروا عليه هذا الحديث، وصوّبوا وقفه على ابن مسعود - ﵁ -، ولكن الشيخ الألباني رحمه الله تعالى حسّنه، انظر: "صحيح الجامع الصغير" ١/ ٢٢٢ رقم (٩٣٥).
[ ٢ / ٤٩ ]
وأخرج البخاريّ في "التفسير" عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ الآية [هود: ٥]: إنها نزلت في قوم كانوا يُجامعون نساءهم، ويتخلّون، فيستحيون من الله، فنزلت الآية.
وكان الصّدّيق - ﵁ - يقول: استحيوا من الله، فإني أذهب إلى الغائط، فأظلّ متقنّعًا بثوبي حياء من ربّي ﷿.
وكان موسى ﵇ إذا اغتسل في بيت مظلم لا يُقيم صلبه حياء من الله ﷿.
قال بعض السلف: خَفِ الله على قدر قدرته عليك، واستحي منه على قدر قُربه منك.
وقد يتولّد الحياء من الله من مطالعة النِّعَم، فيستحيي العبد من الله أن يستعين بنعمته على معاصيه، فهذا كله من أعلى خصال الإيمان. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى في "شرح البخاري" (^١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٣] (…) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَقَالَ: مَرَّ بِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يَعِظُ أَخَاهُ …).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الْكِسّيّ، أبو محمد، ثقة حافظ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام بن نافع الْحميريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقة حافظ مصنّفٌ يتشيّع، وتغير في آخره [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٣ - (مَعْمَرٌ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
والزهريّ ذُكر في السند الماضي.
_________________
(١) راجع: "شرح البخاريّ" للحافظ ابن رجب ١/ ١٠٢ - ١٠٤.
[ ٢ / ٥٠ ]
وقوله: "بهذا الإسناد" أي بإسناد الزهري عن سالم، عن أبيه.
وقوله: "وقال" الضمير لشيخه "عبد بن حميد".
[تنبيه]: رواية عبد بن حميد هذه أخرجها في "مسنده"، فقال: أخبرنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهريّ، عن سالم، عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - مَرَّ برجل من الأنصار، وهو يَعِظُ أخاه في الحياء، فقال رسول الله - ﷺ -: "دَعْهُ فإنّ الحياء من الإيمان" (^١).
وأخرجها أيضًا أبو نعيم في "المستخرج" فقال: حدثناه أبو أحمد الغطريفيّ، ثنا عبد الله بن شيرويه، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، أن رسول الله - ﷺ - مرّ برجل من الأنصار، وهو يَعِظ أخاه في الحياء، فقال رسول الله - ﷺ -: "دَعْهُ فإن الحياء من الإيمان" (^٢).
وبسندنا المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٤] (٣٧) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا السَّوَّار، يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ، يُحَدِّثُ عَن النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: "الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ"، فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ: أَنَّ مِنْهُ وَقَارًا، وَمِنْهُ سَكِينَةً، فَقَالَ عِمْرَانُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صُحُفِكَ؟).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى العنزيّ البصريّ الحافظ تقدّم قريبًا.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُنْدار، أبو بكر البصريّ الحافظ تقدّم قريبًا أيضًا.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُندر أبو عبد الله البصريّ تقدّم قريبًا أيضًا.
_________________
(١) راجع: "المنتخب من مسند عبد بن حُميد" ٢/ ٧.
(٢) راجع: "المسند المستخرج" ١/ ١٢٨ رقم (١٤٩).
[ ٢ / ٥١ ]
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور، تقدّم قريبًا.
٥ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة السدوسيّ البصريّ تقدّم قريبًا أيضًا.
٦ - (أَبُو السَّوَّارِ) الْعَدَويّ البصريّ، قيل: اسمه حَسّان بن حُرَيث، وقيل: حُرَيث بن حسان، وقيل: حُرَيف - آخره فاء - وقيل: مُنْقِذ، وقيل: هو حُجَير بن الرَّبيع الْعَدَويُّ، ثقة [٣].
رَوَى عن علي بن أبي طالب، والحسن بن عليّ، وعِمران بن حُصَين، وجندب بن عبد الله.
ورَوى عنه قتادة، وأبو التَّيّاح، والحضرميّ بن لاحِق، وقُرّة بن خالد، والأعمش، والْجُرَيريّ، وأبو نَعَامة العدويّ، وابن عون، وأشعث الْحُدّانيّ، وأبو خَلْدة خالد بن دينار.
قال ابن سعد: أبو السَّوّار العدويّ، من بني عَدِيّ بن عبد مناة، وكان ثقةً، وقال الآجريّ، عن أبي داود: من ثقات الناس، وقال النسائي في "الكنى": أبو السّوّار حَسّان بن حريث العدويّ ثقة.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ (^١)، وله عند الشيخين هذا الحديث فقط.
٧ - (عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ) بن عُبيد بن خَلَف الْخُزَاعيّ، أبو نُجَيد أسلم عام خيبر، وصَحِب، وكان فاضلًا، وقضى بالكوفة، وأبوه صحابيّ - ﵄ -، ومات - ﵁ - سنة (٥٢) بالبصرة (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٧٩، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى أبي السوّار، فتفرّد به الشيخان، والنسائيّ على ما قيل.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين؛ كالإسناد التالي، قال النوويّ
_________________
(١) هكذا رمز له في "التهذيبين"، و"التقريب" للنسائيّ، ولكن أصحاب برنامج الحديث لم يدخلوه في رجال النسائيّ، ولينظر، والله تعالى أعلم.
[ ٢ / ٥٢ ]
رحمه الله تعالى: وهذا من النفائس، اجتماع الإسنادين في الكتاب متلاصقين، جميعهم بصريّون، وشعبة، وإن كان واسطيًّا فهو بصريّ أيضًا، فكان واسطيًّا بصريًّا، فإنه انتقل من واسط إلى البصرة، واستوطنها.
٤ - (ومنها): أن شيخيه كانا فَرَسي رِهَان في الحفظ، وماتا في سنة واحدة سنة (٢٥٢)، وهما من المشايخ الذين يروي عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة، وهم تسعة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: قتادة، عن أبي السوّار.
٦ - (ومنها): أن أبا السوّار هذا أول محلّ ذكره في الكتاب، وهو من المقلّين من الرواية، فليس له عند الشيخين إلا هذا الحديث، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ قَتَادَةَ) قال في "الفتح": كذا قال أكثر أصحاب شعبة، وخالفهم شَبَابة بن سَوّار، فقال: "عن شعبة، عن خالد بن رَبَاح"، بدل قتادة، أخرجه ابن منده، ووقع نظير هذه القصّة، عن عمران بن حُصين أيضًا للعلاء بن زياد، أخرجه ابن المبارك في "كتاب البرّ والصلة". انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رواية شبابة بن سَوّار التي عزاها في "الفتح" إلى ابن منده لم أهتد إليها في "كتاب الإيمان" له، فإنه أخرج الحديث (١/ ٣٣٦ - ٣٣٤) من عدّة طرق، ومن جملتها طريق شبابة بن سَوّار، ولكنها كلها عن شعبة، عن قتادة، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) قتادة (سَمِعْتُ أَبَا السَّوَّارِ) بفتح السين المهملة، وتشديد الواو، وبعد الألف راء (يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ) - ﵄ - (يُحَدِّثُ عَن النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: "الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ") وفي الرواية التالية: "الحياء خيرٌ كله"، وللطبراني من حديث قُرّة بن إياس: قيل لرسول الله - ﷺ -: الحياء من الدين؟ فقال: "بل هو الدين كُلُّه"، وللطبراني من وجه آخر عن عمران بن حصين: "الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة".
_________________
(١) "فتح" ١٠/ ٦٤٠ "كتاب الأدب" الحديث (٦١١٧).
[ ٢ / ٥٣ ]
[تنبيه]: قال في "الفتح": وقع لابن دقيق العيد في "شرح العمدة": أن أصل الحياء الامتناع، ثم استعمل في الانقباض، قال: والحقّ أن الامتناع من لوازم الحياء، ولازم الشيء لا يكون أصله، ولَمّا كان الامتناع لازم الحياء، كان في التحريض على ملازمة الحياء حَضٌّ على الامتناع عن فعل ما يعاب، قال: والحيا - بالقصر -: المطر. انتهى (^١).
(فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ) بالموحّدة، والمعجمة، مصغّرًا، تابعيّ جليلٌ، تقدّمت ترجمته في "المقدّمة" ٤/ ١٩.
[فائدة]: ليس في الكتب الستة من يُسمّى بُشيرًا مصغّرًا إلا ابن كعب هذا، وابن يسار الأنصاريّ الحارثيّ المدنيّ الفقيه، وقلت في هذا:
ابْنَ يَسَارٍ وَابْنَ كَعْبٍ قُلْ بُشَيْرْ … مُصَغِّرَا سِوَاهُ كَبِّرْ دُونَ ضَيْرْ
والله تعالى أعلم.
(إِنَّهُ) الضمير للشأن، أي إن الشأن والأمر (مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ) قال الراغب الأصبهانيّ رحمه الله تعالى: الحكمة إصابة الحقّ بالعلم والعقل، فالحكمة من الله تعالى معرفة الأشياء، وإيجادها على غاية الإحكام، ومن الإنسان معرفة الموجودات، وفعل الخيرات، وهذا هو الذي وُصف به لقمان في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢]، ونَبّه على جملتها بما وصفه بها، فإذا قيل في الله تعالى: هو حكيم، فمعناه بخلاف معناه إذا وُصف غيره، ومن هذا الوجه قال الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ [التين: ٨]، وإذا وُصف به القرآن فلتضمّنه الحكمة، نحو: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [يونس: ١]، وعلى ذلك قال: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ [القمر: ٤ - ٥]، وقيل: معنى الحكيم: الْمُحْكَم، نحو ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١]، وكلاهما صحيح، فإنه مُحْكَمٌ، ومُفيدٌ للحكم، ففيه المعنيان جميعًا، والْحُكْمُ أعمّ من الحكمة، فكلُّ حكمة حُكْمٌ، وليس كلّ حُكْم حِكْمةً، فإن الْحُكْم أن يُقضى بشيء على شيء، فيقول: هو كذا، أو ليس كذا، قال - ﷺ -: "إن من الشعر لحكمةً"، رواه البخاريّ: أي قضيّةً صادقةً، وذلك نحو قول لبيد:
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ٦٤٠.
[ ٢ / ٥٤ ]
إِنَّ تَقْوَى رَبِّنَا خَيْرُ نَفَلْ … وَبِإِذْنِ اللهِ رَيْثِي وَعَجَلْ
انتهى كلام الراغب (^١).
(أَنَّ مِنْهُ) أي بعض الحياء (وَقَارًا، وَمِنْهُ سَكِينَةً) ولفظ البخاريّ: "إن من الحياء وقارًا، وإن من الحياء سكينةً"، وفي رواية الكشميهنيّ: "السكينة" بزيادة ألف ولام، وفي رواية أبي قتادة الْعَدَويّ الآتية: "أنّ منه سكينةً، ووقارًا لله، ومنه ضعف"، وهذه الزيادة متعينة، ومن أجلها غَضِبَ عمران - ﵁ -، وإلا فليس في ذكر السكينة والوقار ما ينافي كونه خيرًا، أشار إلى ذلك ابن بطال، لكن يَحتَمِل أن يكون غَضِبَ من قوله: "منه"؛ لأن التبعيض يُفْهَمُ أن منه ما يُضَادّ ذلك، وهو قد رَوَى: "أنه كُلَّهُ خيرٌ".
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: معنى كلام بُشَيْر: أن من الحياء ما يَحْمِل صاحبه على الوقار، بأن يُوَقِّر غيره، ويتوقّر هو في نفسه، ومنه ما يَحْمِله على أن يَسْكُن عن كثير مما يتحرك الناس فيه، من الأمور التي لا تليق بذي المروءة، ولم يُنْكِر عمران - ﵁ - عليه هذا القدر، من حيث معناه، وإنما أنكره عليه من حيث إنه ساقه في مَعْرِض من يُعَارض كلام الرسول - ﷺ - بكلام غيره، وقيل: إنما أنكر عليه؛ لكونه خاف أن يَخْلِط السنة بغيرها (^٢).
قال الحافظ رحمه الله تعالى: ولا يخفى حسن التوجيه السابق. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما وجّه به القرطبيّ رحمه الله تعالى هو الأقرب مما استحسنه الحافظ، فتأمله، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ عِمْرَانُ) - ﵁ - (أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صُحُفِكَ؟)، وفي رواية أبي قتادة الآتية: "فغَضِب عمران حتى احمرّت عيناه، وقال: ألا أراني أُحَدِّثك عن رسول الله - ﷺ -، وتعارض فيه"، وفي رواية أحمد: "وتعرض فيه بحديث الكتب"، وقد تقدّم في "مقدمة الصحيح" لبُشَير بن كعب هذا قصةٌ مع ابن عباس - ﵄ - تُشْعِرُ بأنه كان يتساهل في الأخذ عن كل مَنْ لقيه، والله
_________________
(١) "مفردات ألفاظ القرآن" ص ٢٤٩ - ٢٥٠.
(٢) "المفهم" ١/ ٢٢٠.
(٣) "فتح" ١٠/ ٦٤١.
[ ٢ / ٥٥ ]
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمران بن حُصين - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [١٤/ ١٦٤] (٣٧) عن محمد بن المثنّى، ومحمد بن بشّار، كلاهما عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن قتادة، عن أبي السّوّار، عنه - ﵁ -، و[١٤/ ١٦٥] عن يحيى بن حبيب الحارثيّ، عن حمّاد بن زيد، عن إسحاق بن سُويد، عن أبي قتادة العدويّ، عنه - ﵁ -، و[١٤/ ١٦٦] عن إسحاق بن إبراهيم، عن النضر بن شُميل، عن أبي نَعَامة السعديّ، عن حُجَير بن الربيع العدويّ، عنه - ﵁ - نحو حديث حماد بن زيد.
و(البخاريّ) في "كتاب الأدب" ٨/ ٣٥ (٦١١٧) عن آدم بن أبي إياس، عن شعبة به، وفي "الأدب المفرد" (١٣١٢).
و(أبو داود) في "الأدب" (٤٧٩٦) عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد به.
و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٤٢٦ و٤٢٧ و٤٣٦ و٤٤٢ و٤٤٥ و٤٤٦).
و(أبو نعيم) في "المستخرج" ١/ ١٢٨ (١٥٠ و١٥١ و١٥٢ و١٥٣).
و(ابن منده) في "الإيمان" (١٧٧ و١٧٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ساقه من أجله المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان كون الحياء من شُعَب الإيمان.
٢ - (ومنها): أن الحياء كلّه خير، فلا يستثنى من الحياء شيء، وما يُظنّ من أن بعض أنواعه يظهر فيه الضعف، وأنه يمنع صاحبه من أن يواجه من يرتكب المنكرات بالإنكار عليه، ويحمله على الإخلال ببعض الحقوق، فليس حياءً شرعيًّا، والمراد في هذه الأحاديث هو ما يكون شرعيًّا، وأما الحياء الذي ينشأ منه الإخلال بالحقوق، فليس مقصودًا؛ إذ هو عجزٌ، ومَهَانةٌ، وإنما يُطلق عليه اسم الحياء لمشابهته للحياء الشرعيّ، وهو خُلُقٌ يبعث على ترك القبيح،
[ ٢ / ٥٦ ]
وقال الراغب: هو انقباض النفس عن القبائح، وتركه (^١).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀: الحياء المكتسب هو الذي جعله الشارع من الإيمان، وهو المكلّف به، دون الغريزيّ، غير أن من كان فيه غريزة منه، فإنها تُعينه على المكتسب، وقد ينطبع بالمكتسب حتى يصير غريزيًّا، قال: وقد كان النبيّ - ﷺ - قد جُمع له النوعان، فكان في الغريزيّ أشدّ حياءً من العذراء في خدرها، وكان في الحياء المكتسب في الذروة العليا - ﷺ -. انتهى (^٢).
٣ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة - ﵃ - من شدّة الإنكار على من عارض السنّة بغيرها، أيًّا كان نوعه، وهكذا ينبغي أن يكون المسلم شديد الغيرة عليها، فيعادي كلّ من يعارضها برأي رآه، أو مذهب قلّده، فإن السنّة حاكمة على كلّ رأي ومذهب، كما قال ﷿: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] الآية، وقال ﷿: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] الآية، وقد صحّ عنه - ﷺ - أنه قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده وولده، والناس أجمعين"، متّفقٌ عليه، وروي عنه - ﷺ - أنه قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به"، وهو متكلّم في صحّته، لكن يشهد له الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٥] (…) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ إِسْحَاقَ - وَهُوَ ابْنُ سُوَيْدٍ - أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ، حَدَّثَ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، فِي رَهْطٍ مِنَّا، وَفِينَا بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ، فَحَدَّثَنَا عِمْرَانُ يَوْمَئِذٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ"، قَالَ: أَوْ قَالَ: "الْحَيَاءُ كُلّهُ خَيْرٌ"، فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّا لَنَجِدُ فِي بَعْضِ الْكُتُب، أَوْ الْحِكْمَةِ: أَنَّ مِنْهُ سَكِينَةً، وَوَقَارًا لله، وَمِنْهُ ضَعْفٌ، قَالَ: فَغَضِبَ عِمْرَانُ، حَتَّى احْمَرَّتَا عَيْنَاهُ، وَقَالَ: أَلَا
_________________
(١) "المفردات" ص ٢٧٠.
(٢) "المفهم" ١/ ٢١٨ - ٢١٩.
[ ٢ / ٥٧ ]
أَرَانِي أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَتُعَارِضُ فِيهِ؟ قَالَ: فَأَعَادَ عِمْرَانُ الْحَدِيثَ، قَالَ: فَأَعَادَ بُشَيْرٌ، فَغَضِبَ عِمْرَانُ، قَالَ: فَمَا زِلْنَا نَقُولُ فِيهِ: إِنَّهُ مِنَّا يَا أَبَا نُجَيْدٍ، إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ) وقيل: الشيبانيّ، أبو زكريّا البصريّ، ثقة [١٠].
رَوَى عن يزيد بن زُريع، وحماد بن زيد، وخالد بن الحارث، وعبد الوهاب الثقفي، ومعتمر بن سليمان وموسى بن إبراهيم بن كثير، وجماعة.
ورَوَى عنه الجماعة، سوى البخاري، وأبو بكر بن أبي عاصم، وأبو بكر البزار، وزكرياء الساجي، ويوسف بن يعقوب القاضي، ومحمد بن إسحاق بن خُزيمة، وغيرهم.
قال أبو حاتم الرازي: صدوق. وقال النسائي: ثقة مأمون، قَلَّ شيخ رأيتُ بالبصرة مثلَه، وقال مسلمة بن قاسم ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال هو والسراج: مات سنة ثمان وأربعين ومائتين، زاد ابن حبان: وقد قيل: مات بعد سنة خمسين.
وله في هذا الكتاب (٨٣) حديثًا.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهم الأزديّ الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبتٌ فقيه، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ سُوَيْدٍ) بن هُبيرة الْعَدويّ التّميميّ البصريّ، صدوقٌ تُكُلّم فيه للنَّصْب [٣].
رَوَى عن ابن عمر، وابن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر، والعلاء بن زياد العَدَويّ، ومعاذة صاحبة عائشة، وغيرهم.
وروى عنه شعبة، والحمادان، وابن علية، ومعتمر بن سليمان، وعلي بن عاصم، وجماعة.
قال أحمد: شيخ ثقة، وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة - إن شاء الله - وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره العجليّ،
[ ٢ / ٥٨ ]
فقال: ثقة، وكان يحمل على عليّ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو العرب الصقليّ في "الضعفاء": كان يَحْمِل على عليّ تحاملًا شديدًا، وقال: لا أُحبّ عليًّا، وليس بكثير الحديث، ومن لم يُحِبّ الصحابة فليس بثقة، ولا كرامةَ.
وتُوُفِّي في الطاعون، في أول خلافة أبي العباس، سنة (١٣١).
رَوَى له البخاري مقرونًا حديثًا واحدًا في "كتاب الصوم"، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا الحديث (٣٧)، و(١٠٨٩) حديث: "شهرا عيد لا ينقصان … "، و(١٩٩٥) حديث: "نهى رسول الله - ﷺ - عن الدبّاء، والحنتم، والنقير، والْمُزَفَّت".
٤ - (أَبُو قَتَادَةَ) الْعَدَوِيّ البصريّ، مختلف في صحبته، رَوَى عن عمر بن الخطاب، وهشام بن عامر الأنصاريّ، وعمران بن حُصين، ورجل من أهل البادية، له صحبة، وأُسَير بن جابر.
ورَوى عنه حُمَيد بن هلال، وإسحاق بن سُويد، وعباس بن عبد الله، وأبو قِلابة الْجَرْميّ.
قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة، وقال ابن منده: له صحبة، وقال خليفة: اسمه نُذَير (^١) بن قُنْفُذ، ويقال: تميم بن نُذَير، وقال ابن معين: اسمه تميم بن نذير، وقال غيره: ابن الزبير، ويقال: ابن يزيد بالزاي، ذكره الحاكم أبو أحمد، وذكره ابن حبان في "الثقات" في تميم، وبذلك جزم أبو نعيم في "المستخرج".
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (٣٧)، و(٢٨٩٩) حديث: "إني لأعرف أسماءهم، وأسماء آبائهم … " الحديث الطويل.
٥ - (عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنِ) - ﵄ - تقدم في السند الماضي، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) بضمّ النون، وفتح الذال المعجمة.
[ ٢ / ٥٩ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، فهو أعلى من السند الماضي.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين.
٣ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ عن تابعيّ: إسحاق بن سُويد، عن أبي قتادة العدويّ.
٤ - (ومنها): أن إسحاق، وأبا قتادة هذا أول محلّ ذكرهما من الكتاب، وجملة ما رواه المصنّف لإسحاق، ثلاثة أحاديث، ولأبي قتادة حديثان فقط، كما بيّنته آنفًا.
٥ - (ومنها): أن فيه قوله: "وَهُوَ ابْنُ سُوَيْدٍ"، ولم يقل: إسحاق بن سُويد؛ إشارة إلى أن شيخه (^١) لم ينسب إسحاق إلى أبيه، بل ذكره باسمه فقط، فلما أراد المصنّف أن يبيّنه من يُحدّثه، بنسبته إلى أبيه، فصل زيادته عما قاله شيخه، بكلمة "وهو"؛ لئلا يقول على شيخه ما لم يقله، وهذا من ورع المحدّثين، ومحافظتهم على ألفاظ شيوخهم، وإليه أشار السيوطيّ في ألفيّة الحديث بقوله:
وَلَا تَزِدْ فِي نَسَبٍ أَوْ وَصْفِ مَنْ … فَوْقَ شُيُوخ عَنْهُمُ مَا لَمْ يُبَنْ
بنَحْوِ "يَعْنِي" أَوْ بِـ "إِنَّ" أَوْ بِـ "هُو" … أَمَّا إِذَا أَتَمَّهُ أَوَّلَه
أَجِزْهُ فِي الْبَاقِي لَدَى الْجُمْهُورِ … وَالْفَصْلُ أَوْلَى قَاصِرَ الْمَذْكُورِ
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ إِسْحَاقَ - وَهُوَ ابْنُ سُوَيْدٍ) تقدّم توجيه زيادة "وهو" آنفًا (أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ) تميم بن نُذير، أو غيره العدويّ (حَدَّثَ، قَالَ) تفسير و"حدّث" (كُنَّا عِنْدَ عِمْرَانَ بْنِ
_________________
(١) إنما قلت: شيخه، ولم أقل: حماد؛ لأن حمّادًا نسبه إلى أبيه، فقد رواه عنه سليمان بن حرب عند أبي داود، فقال: عن إسحاق بن سُويد، فدلّ على أن الذي ترك نسبته هو شيخ المصنّف يحيى بن حبيب، ويحتمل أن يكون حماد حينما رواه ليحيى تركه، والله تعالى أعلم.
[ ٢ / ٦٠ ]
حُصَيْنٍ) - ﵄ -، كان من فضلاء الصحابة - ﵃ - وفقهائهم، قال محمد بن سيرين: أفضل من نزل البصرة من أصحاب رسول الله - ﷺ - عمران بن حُصين، وأبو بكرة، أسلم عمران، وأبو هريرة عام خيبر، وتُوُفّي بالبصرة - ﵁ - سنة (٥٢ هـ) (^١).
(في رَهْط) هو ما دون عشرة من الرجال ليس فيهم امرأة، وسكون الهاء أفصح من فتحها، وهو جمع لا واحد له من لفظه، وقيل: الرهط من سبعة إلى عشرة، وما دون السبعة إلى الثلاثة نَفَرٌ، وقال أبو زيد: الرهطُ، والنفَرُ: ما دون العشرة من الرجال، وقال ثعلبٌ أيضًا: الرهطُ، والنفَرُ، والقومُ، والْمَعْشَرُ، والْعَشِيرةُ معناهم الجمع، لا واحد لهم من لفظهم، وهو للرجال دون النساء، وقال ابن السِّكِّيت: الرهطُ، والعَشِيرة: بمعنًى، ويقال: الرهطُ: ما فوق العشرة إلى الأربعين، قاله الأصمعيّ في "كتاب الضاد والظاء"، ونقله ابن فارس أيضًا، ورهطُ الرجلِ قومه، وقبيلته الأقربون، ذكره الفيّوميّ (^٢).
وقال المجد: الرَّهْط، ويُحرَّك: قوم الرجل، وقبيلته، ومن ثلاثة، أو سبعة إلى عشرة، أو ما دون العشرة، وما فيهم امرأة، ولا واحد له من لفظه، جمعه: أَرْهُطٌ، وأَرَاهِطُ، وأَرْهاطٌ، وأَرَاهِيطُ. انتهى (^٣).
وقوله: (مِنَّا) أي من عشيرتنا (وَفِينَا بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ) تقدّم أنه بضم الباء، وفتح الشين، والجملة في محل نصب على الحال، والرابط الواو والضمير، كما قال في "الخلاصة":
وَجُمْلَةُ الْحَالِ سِوَى مَا قُدِّمَا … بِوَاوٍ اوْ بِمُضْمَرٍ أَوْ بِهِمَا
(فَحَدَّثَنَا عِمْرَانُ) - ﵁ - (يَوْمَئِذٍ، قَالَ) تفسير لـ"حدّثنا"، كما مرّ قريبًا (قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "الْحَيَاءُ خَيْر كُلُّهُ"، قَالَ) الظاهر أن القائل هو عمران - ﵁ -، ويحتمل أن يكون من دونه (أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ) - ﷺ -، أو عمران - ﵁ - ("الْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ") قد تقدّم أن الحديث على ظاهره، وأن المراد منه الحياء الشرعيّ، فالحياء كلّه خير، ولا يُستثنى منه شيء، وما ذكره بُشير من بعض الكتب إنما هو الحياء اللغويّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) راجع: "الاستيعاب" ٣/ ١٢٠٨.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٢٤١ - ٢٤٢.
(٣) "القاموس المحيط " ص ٦٠١.
[ ٢ / ٦١ ]
(فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّا لَنَجِدُ فِي بَعْضِ الْكُتُب، أَوْ) للشكّ من الراوي (الْحِكْمَةِ) تقدّم أن الحكمة هي إصابة الحقّ بالعلم (أَنَّ مِنْهُ) أي بعض أنواع الحياء (سَكِينَةً) بفتح، فكسر، قال أبو نُعيم: فَعِيلة من السكون، وهو الوقار، والسكون الهدوء. انتهى (^١). وقال ابن الأثير: "السكينة": الوقار، والتأني. انتهى (^٢). وقال الفيّوميّ: "السكينة" بالتخفيف: الْمَهَابةُ، والرَّزَانةُ، والوَقَار، وحَكَى في "النوادر": تشديد الكاف، قال: ولا يُعرَفُ في كلام العرب فَعّيلةٌ مثقّل العين إلا هذا الحرف شاذًّا. انتهى (^٣).
فتبيّن بما ذُكر أن قوله: (وَوَقَارًا للهِ) عطف تفسير لـ "السكينة"، وفسّروا الوقار بأنه الحلم والرَّزانة، فقال الفيّوميّ: الوقار: الحِلْم والرَّزَانةُ، وهو مصدرُ وَقُرَ بالضمّ، مثلُ جَمُل جَمَالًا، ويقال أيضًا: وَقَرَ يَقِرُ، من باب وَعَدَ، فهو وَقُورٌ، مثلُ رسُول، والمرأةُ وَقُورٌ أيضًا، فَعُول بمعنى فاعل، مثلُ صَبُور، وشَكُور، والوقارُ أيضًا الْعَظَمةُ. انتهى (^٤).
(وَمِنْهُ) أي بعض أنواعه (ضَعْفٌ) بفتح الضاد، وضمّها لغتان مشهورتان، قرئ بهما في السبع، قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤]، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قرأ عاصم، وحمزة بفتح الضاد فيهنّ، والباقون بالضمّ، والضمّ لغة النبيّ - ﷺ -، وقرأ الْجَحْدريّ: "من ضعف، ثم جعل من بعد ضَعف" بالفتح فيهما، و"ضُعفًا" بالضمّ خاصّة، أراد أن يجمع بين اللغتين، قال الفرّاء: الضمّ لغة قريش، والفتح لغة تميم. انتهى (^٥).
وقال الفيّوميّ: "الضَعْفُ" بفتح الضاد في لغة تميم، وبضمّها في لغة قريش: خلافُ القوّة، والصحّة، فالمضموم مصدر ضَعُفَ، مثالُ قَرُبَ قُرْبًا، والمفتوح مصدر ضَعَفَ ضَعْفًا، من باب قتل، ومنهم من يجعل المفتوح في الرأي، والمضموم في الجسد، وهو ضَعِيفٌ، والجمع ضُعَفاءُ، وضِعَافٌ أيضًا،
_________________
(١) "المسند المستخرج" ١/ ١٢٩.
(٢) "النهاية" ٢/ ٣٨٥.
(٣) "المصباح" ١/ ٢٨٣.
(٤) "المصباح" ٢/ ٦٦٨.
(٥) "تفسير القرطبيّ" ١٤/ ٤٦.
[ ٢ / ٦٢ ]
وجاء ضَعَفَة، وضُعفى؛ لأن فعيلًا إذا كان صفةً، وهو بمعنى مفعولِ جُمِعَ على فَعْلَى، مثلُ قَتِيل وقَتْلَى، وجَرِيح وجَرْحَى، قال الخليل: قالوا: هَلْكَى، ومَوْتَى، ذَهَابًا إلى أن المعنى معنى مفعول، وقالوا: أحمق، وحَمْقَى، وأنوكُ ونَوْكَى (^١)؛ لأنه عيبٌ أُصيبوا به، فكان بمعنى مفعول، وشذّ من ذلك سَقِيمٌ، فجُمِعَ على سِقَامٍ بالكسر، لا على سَقْمَى؛ ذَهَابًا إلى أن المعنى معنى فاعل، ولُوحظ في ضَعيف معنى فاعل، فجُمع على ضِعَاف، وضَعَفَة، مثلُ كافر، وكَفَرَة. انتهى (^٢).
[تنبيه]: أخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذيّ من طريق فُضيل بن مرزوق، عن عطيّة الْعَوفيّ قال: قرأت على عبد الله بن عمر: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ (^٣) فقال: ﴿مِنْ ضَعْفٍ﴾ (^٤)، قرأتها على رسول الله - ﷺ - كما قرأتها عليّ، فأخذ عليّ كما أخذت عليك (^٥).
هذا الحديث ضعيف؛ لأن في سنده عطية العوفي، وهو ضعيف، وأخرجه أيضًا أبو داود من حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -، وفيه أيضًا عطية المذكور، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) أبو قتادة (فَغَضِبَ) بكسر الضاد، من باب تَعِبَ (عِمْرَانُ) - ﵁ - وسبب غضبه - ﵁ - وإنكاره عليه؛ لكونه قال: "ومنه ضعف" بعد سماعه قول النبيّ - ﵁ -: "إنه خير كلّه"، وقيل: إنما أنكر عليه من حيث إنه ساقه في معرض من يُعارض كلام الرسول - ﷺ - بكلام غيره، والله تعالى أعلم.
(حَتَّى احْمَرَّتَا عَيْنَاهُ) أي من شدّة غضبه عليه، قال ابن الصلاح رحمه الله تعالى: كذا وقع، وكذا رويناه، وهو على لغة من قال: "أكلوني البراغيث" (^٦)، أو على البدل، كما قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣].
_________________
(١) "الأنوك" كالأحمق وزنًا ومعنًى.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٣٦٢.
(٣) أي بفتح الضاد.
(٤) أي بضمّ الضاد.
(٥) رواه أحمد في "مسنده" ٢/ ٥٨، وأبو داود في "سننه" رقم (٣٩٧٨)، والترمذيّ في "جامعه" رقم (٢٩٣٦).
(٦) وسمّاها ابن مالك في كتبه بلغة "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار" أخذًا من هذا الحديث.
[ ٢ / ٦٣ ]
قال الجامع عفا الله تعالى: لغة "أكلوني البراغيث" هي التي أشار إليها ابن مالك في "الخلاصة" حيث قال:
وَقَدْ يَقَالُ سَعِدَا وَسَعِدُوا … وَالْفِعْلُ لِلظَّاهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ
وحملوا عليها قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ لكن هذا وجه ضعيف؛ لأن فيه حملَ الآية على لغة ضعيفة، والصحيح أن ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بدل من الضمير الفاعل، وهو الواو، أو "الذين" مبتدأ مؤخَّر، خبره جملة: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾، فتنبّه، ومثله حديث: "يتعاقبون فيكم ملائكة … " الحديث، على بعض الروايات، وأشباه هذا كثيرة معروفة.
ووقع في رواية أبي داود في "سننه": "واحمرّت عيناه" من غير ألف، وهو ظاهر، والله تعالى أعلم.
(وَقَالَ) عمران - ﵁ - (أَلا) أداة استفتاح، وتنبيه (أَرَاني) أي أرى نفسي.
[فائدة]: من خواصّ أفعال القلوب جواز كون فاعلها ومفعولها ضميرين متّصلين لمسمّى واحد، كـ"ظَننتني قائمًا"، وقوله تعالى: ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٧]، وأُلْحِقَ بها في ذلك "رأى" الْحُلميّة والبصريّة بكثرة، نحو ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]، وقول الشاعر [من الكامل]:
وَلَقَدْ أَرَانِي لِلرِّمَاحِ دَرِيئَةً … مِنْ عَنْ يَمِينِي تَارَةً وَأَمَامِي
و"عَدِمَ"، و"فَقَدَ"، و"وَجَدَ" بمعنى لَقِي بقلّة، دون باقي الأفعال، فلا يقال: "ضربتني" اتفاقًا؛ لئلا يكون الفاعل مفعولًا، بل ضربت نفسي، وظلمت نفسي؛ ليتغاير اللفظان، فإن ورد ما يوهمه قُدّر فيه النفس، نحو ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ﴾ [مريم: ٢٥]، ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ [طه: ٢٢]، و﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، أي إلى نفسك، وعلى نفسك، بخلاف أفعال القلوب، فإن مفعولها في الحقيقة مضمون الجملة، لا المنصوب بها، فلا ضرر في اتحاده مع الفاعل، ولا توضع النفس مكانه عند الجمهور، فلا يقال: ظننت نفسي عالمة، وجوّزه ابن كيسان، فإن كان أحد الضميرين منفصلًا جاز في كلّ فعل، نحو ما ضربتُ إلا إياي (^١)، فافهمه، فإنه نفيس، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) راجع: "حاشية الخضري على شرح ابن عَقِيل على الخلاصة" ١/ ٢٢١ - ٢٢٢.
[ ٢ / ٦٤ ]
(أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَتُعَارِضُ فِيهِ) أي تقابله، وتأتي بما يناقضه (قَالَ) أبو قتادة (فَأَعَادَ عِمْرَانُ الْحَدِيثَ) أي تأكيدًا له (قَالَ: فَأَعَادَ بُشَيْرٌ) أي كلامه السابق (فَغَضِبَ عِمْرَانُ) - ﵁ - (قَالَ) أبو قتادة (فَمَا زِلْنَا نَقُولُ فِيهِ) أي شأن بُشير (إِنَّهُ مِنَّا) أي إن بُشيرًا من جماعتنا (يَا أَبَا نُجَيْدٍ) بضمّ النون، وفتح الجيم، مصغرًا كنية عمران - ﵁ -، كُني بابنه نُجَيد (إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ) أي ليس ممن يُتّهَم بنفاق، أو زندقة، أو بدعة، أو غيرها، مما يُخالف به أهل الاستقامة.
وفي رواية أبي داود: "إنه إنه"، أي إنه صادق، وفي بعض النسخ: "إيه إيه"، قال في "القاموس": "إِيهْ" بكسر الهمزة، وإسكان الهاء: زجر بمعنى حسبك، و"إيهِ" مبنيّة على الكسر، فإذا وُصِلت نُوِّنت، و"أَيْهًا" بالفتح، والنصب: أمرٌ بالسكوت، والمعنى - والله أعلم - يا أبا نُجيد حسبك ما صدر منك من الغضب، والإنكار على بُشير، فإنه منّا، لا بأس به، فاسكت، ولا تزدد غضبًا (^١).
والمسائل المتعلّقة به تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى الامام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٦] (…) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، حَدَّثَنَا أَبُو نَعَامَةَ الْعَدَوِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ حُجَيْرَ بْنَ الرَّبِيعِ الْعَدَوِيَّ، يَقُولُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ -، نَحْوَ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زيدٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، أبو محمد المروزيّ، نزيل نيسابور، ثقة حافظ إمام حجة [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٢ - (النَّضْرُ) بن شُميل المازنيّ، أبو الحسن البصريّ، نزيل مرو، ثقة ثبت، من كبار [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٩.
_________________
(١) "عون المعبود" ١٣/ ١٥٢.
[ ٢ / ٦٥ ]
٣ - (أَبُو نَعَامَةَ الْعَدَوِيُّ) - بفتح النون - هو: عمرو بن عيسى بن سُويد بن هُبيرة البصريّ، صدوقٌ، اختلط [٧].
رَوَى عن خالد بن عُمير، وشُوَيس أبي الرَّقَّاد، وعبد العزيز بن بُشَير بن كعب، وحُجَير بن الرَّبِيع الْعَدَويّ، وحُمَيد بن هلال، وأبي السَّوّار الْعَدَويّ، وحفصة بنت سيرين، وغيرهم.
وروى عنه يزيد بن زُريع، ويحيى القطان، ووكيع، والنضر بن شُمَيل، وزُهير بن هُنَيد، وصفوان بن عيسى، وأبو عاصم، ومكي بن إبراهيم، وغيرهم.
قال الأثرم عن أحمد: ثقة، إلا أنه اختَلَطَ قبل موته، وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ووثقه العجليّ، وقال ابن سعد في الطبقة الرابعة من البصريين: كان ضعيفًا.
قال الجامع عفا الله تعاهى عنه: لعلّ ابن سعد أراد ضعفه بسبب الاختلاط، وإلا فقد وثّقه الأئمة، كما سمعت، والله تعالى أعلم.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، في "القَدَر"، والترمذيّ، وابن ماجه، وله عند المصنّف هذا الحديث فقط، أخرجه متابعة، فلا يضرّ الكلام فيه بالاختلاط، فتنبّه.
٤ - (حُجَيْرَ بْنَ الرَّبِيعِ الْعَدَوِيَّ) البصريّ، يقال: إنه أبو السَوّار الْعَدَويّ، ثقة [٣].
روى عن عمران بن حصين حديث الباب فقط، وروى عن عمر بن الخطاب أيضًا، وعنه أبو نَعَامة العَدَويّ، وإسحاق بن سُوَيد، وأَوْفَى بن دَلْهَم، وحُمَيد بن هلال.
قال ابن إسحاق: كان قليل الحديث، روى له المصنّف حديثه عن عمران - ﵁ - هذا، قال العجليّ: بصريّ، تابعيّ ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقد اختُلِف فيه على أبي نَعَامة فرواه النضر بن شُميل، ويزيد بن زُريع عنه، عن حُجَير، ورواه رَوْح بن عُبَادة، ويوسف بن يعقوب الضُّبَعيّ، عن أبي السَّوّار الْعَدَويّ، ورواه أبو عاصم النَّبِيل، عن أبي نَعَامة، قال: حدثنا أبو
[ ٢ / ٦٦ ]
السَّوّار، واسمه حُجَير بن الرَّبِيع، كذلك رواه أبو عوانة في "صحيحه"، عن أبي أُمية الطَّرَسَوسِيّ عنه، وقد رواه قتادة، وقُرّة بن خالد، وخالد بن رَبَاح، عن أبي السوّار، فلم يسموه، وقد اختُلِف في اسم أبي السّوّار، فقيل: حسان بن حُرَيث، وقيل غير ذلك، والظاهر أنهما واحد، هكذا قال الحافظ المزّيّ رحمه الله تعالى في "تهذيب الكمال" (^١).
تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
وقوله: (نحو حديث حمّاد بن زيد) يعني أن حديث إسحاق بن إبراهيم، عن النضر بن شُميل، نحو حديث يحيى بن حبيب، عن حماد بن زيد.
[تنبيه]: رواية النضر هذه أخرجها أبو نعيم في "المسند المستخرج" ١/ ١٢٨ فقال: حدثنا أبو عبد الله، محمد بن أحمد بن عليّ، وأبو بكر بن خَلاد، قالا: ثنا الحارث بن أبي أسامة، ثنا رَوْح بن عبادة …
وحدثنا أبو أحمد الغطريفيّ، ثنا عبد الله بن شيرويه، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأنا النضر بن شميل، قالا: ثنا أبو نعامة العَدَويّ، سمعت حُجَير بن الرَّبِيع العدوي، أبا السَّوّار العدويّ، يحدث عن عمران بن حصين: سمعت النبيّ - ﷺ - يقول: "الحياء خيرٌ كله".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فيه تصريح بأن حُجير بن الربيع هو أبو السّوّار العدويّ المتقدّم، وهو يؤيّد ما رجحه الحافظ المزيّ من كونهما واحدًا، كما سبق في كلامه، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.