وبسندنا المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٨] (٣٩) - (حَدَّثنَا قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثنَا لَيْثٌ …
(ح) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَجُلًا سَأَل رَسُولَ اللهِ - ﷺ -: أَيُّ الاسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: "تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغْلانيّ، ثقة ثبت [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
_________________
(١) أخرجه أحمد في "مسنده" بإسناد صحيح.
(٢) "جامع العلوم والحكم" ١/ ٥٠٦ - ٥١٢.
[ ٢ / ٨٠ ]
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ) بن الْمُحَرّر بن سالم التُّجِيبيّ مولاهم، أبو عبد الله المصري الحافظ، ثقة ثبت [١٠].
رَوَى عن مسلمة بن علي الْخُشَنِيّ، وابن لَهِيعة، والليث، ومفضل بن فضالة، ونعيم بن حماد، وجماعة.
ورَوَى عنه مسلم، وابن ماجهْ، وعبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وأبو الربيع سليمان بن داود الْمَهْري، وغيرهم.
قال ابن الجنيد: كان أوثق من ابن زُغْبَة. وقال أبو داود: ثقة ولم أكتب عنه شيئًا، وقال النسائي: ما أخطأ في حديث واحد، ولو كان كتب عن مالك لأثبته في الطبقة الأولى من أصحابه. وقال ابن ماكولا: كان ثقة مأمونًا، وقال ابن يونس: ثقة ثبت في الحديث، وكان أعلم الناس بأخبار البلد وَوَقْفِه، وكان إذا شهد في دار عَلِمَ أهلُ البلد أنها طيبة الأصل. وذكر ابن السمعاني في "الأنساب" أن البخاري روى عنه. وقال محمد بن وَضّاح: لقيته بمصر، وكان نِعْمَ الشيخُ. وقال مسلمة: أنا عنه غير واحد، وهو ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين، وكذا أرّخه ابن أبي عاصم. وقال البخاري وابن قُدَيد: مات في شوال سنة (٤٢). تفرّد به المصنّف، وابن ماجه.
وفي "الزهرة": روى عنه مسلم مائة حديث، وإحدى وستين حديثًا. انتهى (^١).
٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت فقيهٌ إمام مشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ص ٢ ص ٤١٢.
٤ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ) واسمه سُوَيد الأزدي مولاهم، وقيل غير ذلك في ولائه، أبو رَجَاء المصريّ، ثقة فقيه، يُرسل [٥].
رَوَى عن عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزُّبيدي، وأبي الطفيل، وأسلم بن يزيد أبي عمران، وإبراهيم بن عبد الله بن حُنين، وخَيْر بن نُعيم الحضرمي، وسويد بن قيس التجيبي، وعطاء بن أبي رباح، وعِراك بن مالك، وغيرهم.
_________________
(١) هكذا في "تهذيب التهذيب"، والذي في برنامج الحديث أن مسلمًا له عنه (١٥٠) حديثًا، والظاهر أن الاختلاف بالتكرار وعدمه، والله تعالى أعلم.
[ ٢ / ٨١ ]
ورَوَى عنه سليمانُ التيميّ، ومحمد بن إسحاق، وعمرو بن الحارث، وابنُ لَهيعة، والليث بن سعد، ويحيى بن أيوب، وآخرون.
قال ابن سعد: كان مفتي أهل مصر في زمانه، وكان حليمًا عاقلًا، وكان أول من أظهر العلم بمصر، والكلام في الحلال والحرام، وكانوا قبل ذلك إنما يتحدّثون بالفتن والملاحم، وهو أحد الثلاثة الذين جعل إليهم عمر بن عبد العزيز - ﵀ - الفتيا بمصر، وقال الليث: يزيد بن أبي حبيب سيدنا وعالمنا، وقال الآجري عن أبي داود: لم يَسمع من الزهري، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن يزيد بن أبي حبيب وموسى الْجُهَنِيّ أيهما أحب إليك؟ فقال: يزيد، قال: وسئل أبو زرعة عن يزيد؟ فقال: مصريّ ثقة، وقال العجلي: مصري تابعي ثقة، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: يزيد بن أبي حبيب، عن عقبة بن عامر مرسل، وقال الليث: ثنا يزيد بن أبي حبيب وعبيد الله بن أبي جعفر، وهما جَوْهَرِيّا البلد، وقال ابن وهب: لو جُعلا في ميزان ما رَجَحَ أحدهما على الآخر، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن يونس: كان يزيد نُوبيًّا من أهل دنقلة، فابتاعه شريك بن الطفيل العامريّ، فأعتقه، وُلد سنة ثلاث وخمسين.
وقال ابن سعد: كان ثقةً، كثير الحديث، مات سنة ثمان وعشرين ومائة، وقال غيره: بَلَغَ زيادةً على خمس وسبعين سنة، وفيها أَرّخه ابن يونس، وقال: رَوَى عنه الأكابر من أهل مصر، ثم رَوَى عن ابن لَهيعة أنه وُلد سنة ثلاث وخمسين. وقال البخاري: قال يحيى بن بكير: هو ابن قيس، ويقال: سُوَيد، وله أخ اسمه خَليفة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٨) حديثًا.
٥ - (أَبُو الْخَيْرِ) هو: مرثد بن عبد الله الْيَزَنيّ - بفتح التحتانيّة، والزاي، بعدها نون - (^١) المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣].
_________________
(١) نسبة إلى ذي يزن، وهو عامر بن أسلم بن الحارث بن مالك بن زيد بن الغوث بن سعد بن عوف بن عديّ بن مالك بن زيد بن سرد بن زرعة بن سبأ الأصغر، وإليه تُنسب الأسنّة اليَزَنيّة، وهو أول من عمل سنان حديد، وإنما كانت أسنتهم صياصي البقر، وقيل: يزن موضع، راجع: "عمدة القاري" ١/ ١٣٧ - ١٣٨.
[ ٢ / ٨٢ ]
رَوَى عن عقبة بن عامر الْجُهَنيّ، وكان لا يفارقه، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي أيوب الأنصاريّ، وأبي بَصْرَة الغفاري، وزيد بن ثابت، وغيرهم.
ورَوَى عنه يزيد بن أبي حبيب، وجعفر بن ربيعة، وكعب بن علقمة، وعبد الرحمن بن شِمَاسة، وعبيد الله بن أبي جعفر، وغيرهم.
قال ابنُ يونس: كان مُفتي أهل مصر في زمانه، وكان عبد العزيز بن مروان يُحضِره، فيُجْلِسه للفتيا، وقال العجليّ: مصريّ تابعيّ ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله فضل وعبادةٌ، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال ابن معين: كان عند أهل مصر مثل علقمة عند أهل الكوفة، وكان رجلَ صدقٍ، ووَثَّقَهُ يعقوب بن سفيان، وذكره ابنُ حبّان في "الثقات".
قال سعيد بن عُفَير؛ تُوُفّي سنة تسعين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٥) حديثًا.
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو) بن العاص بن وائل السهميّ، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن، الصَّحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ - تقدّم في "المقدمة" ٤/ ١٨، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه محمد بن رُمح، فانفرد به هو وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات المصريين، وقتيبة، وإن كان بغلانيًّا، إلا أنه دخل مصر طالِبًا للعلم، قال الكرمانيّ رحمه الله تعالى: وفي هذا الإسناد لطيفة، وهو أن رواته كلهم مصريّون، وهذا من الغرائب؛ لأنه في غاية القلّة، ويزداد قلّةً باعتبار جلالتهم؛ لأنهم كانوا كلّهم أئمة جلّة. انتهى (^١).
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالفقهاء.
_________________
(١) "شرح الكرمانيّ على البخاريّ" ١/ ٩٢.
[ ٢ / ٨٣ ]
٥ - (ومنها): أن فيه الإمامَ الفقيه المجتهد المشهور الليث بن سعد، كان الإمام الشافعي يراه أفقه من مالك رحمهم الله تعالى.
٦ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: يزيد، عن أبي الخير.
٧ - (ومنها): أن فيه كتابة (ح) وقد تقدّم تمام البحث فيها غير مرّة.
٨ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العبادلة الأربعة، ومن المشهورين بالفتوى، وهو صحابيّ ابن صحابيّ، وروى كثيرًا من الأحاديث (٧٢٢) حديثًا.
(فائدة): "عمرو" يُكتب بالواو في الرفع والجرّ؛ تمييزًا بينه وبين "عُمَر"، ولم يُعكس؛ لخفّة "عمرو" بثلاثة أشياء: فتح أوله، وسكون ثانيه، وصرفه، وأما في حالة النصب فالتمييز بالألف، قاله الكرمانيّ (^١)، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) - ﵄ - (أَنَّ رَجُلًا) قال في "الفتح": لم أعرف اسمه، وقيل: إنه أبو ذرّ - ﵁ -، وفي رواية ابن حبّان أن هانئ بن يزيد، والد شُريح سأل عن معنى ذلك، فأُجيب بنحو ذلك. انتهى (^٢). (سَأَل رَسُولَ اللهِ - ﷺ -) ولفظ البخاريّ: سأل النبيّ - ﷺ - (أَفُي الاسْلَام خَيْرٌ؟) مبتدأ وخبره، أي: أيّ خصال الإسلام خير؟ بدليل جوابه بقوله: "تطعم الطعام، وتقرأ السلام … إلخ"، وأنه - ﷺ - فَهِمَ من هذا السائل أنه يسأل عن أفضل خصال الإسلام المتعدّية النفع إلى الغير، فأجابه بأعمّ ذلك، وأنفعه في حقّه، فإنه - ﷺ - كان يُجيب كلّ سائل على حسب ما يَفْهَمُ منه، وبما هو الأهمّ في حقّه، والأنفع له، قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى (^٣).
وقال في "الفتح": التقدير: أي خصال الإسلام؟ قال: وإنما لم أَخْتَرْ تقدير "خصال" في الأول - يعني حديث "أي المسلمين أفضل؟ " -؛ فرارًا من كثرة الحذف، وأيضًا فتنويع التقدير، يتضمن جواب من سأل، فقال: السؤالان بمعنى واحد، والجواب مختلف؟، فيقال له: إذا لاحظت هذين التقديرين، بَانَ الفرقُ.
_________________
(١) "شرح البخاريّ" ١/ ٩٢.
(٢) "الفتح" ١/ ٧٢.
(٣) "المفهم" ١/ ٢٢٢.
[ ٢ / ٨٤ ]
ويمكن التوفيق بأنهما متلازمان، إذ الإطعام مستلزم لسلامة اليد، والسلامُ لسلامة اللسان، قاله الكرماني، وكأنه أراد في الغالب.
ويحتمل أن يكون الجواب اختَلَفَ لاختلاف السؤال عن الأفضلية، إن لُوحظ بين لفظ "أفضل"، ولفظ "خير" فرق.
وقال الكرماني: الفضل بمعنى كثرة الثواب في مقابلة القلّة، والخير بمعنى النفع في مقابلة الشرّ، فالأول من الكميّة، والثاني من الكيفيّة، فافترقا.
واعتُرِض بأن الفرق لا يتمّ، إلا إذا اختَصّ كلّ منهما بتلك المقولة، أما إذا كان كل منهما يُعقَل تأتيه في الأخرى فلا، وكأنه بَنَى على أن لفظ "خير" اسم، لا أفعلُ تفضيل، وعلى تقدير اتّحاد السؤالين جواب مشهور، وهو الحمل على اختلاف حال السائلين، أو السامعين، فيمكن أن يراد في الجواب الأول، تحذيرُ من خَشِيَ منه الايذاء بيد، أو لسان، فأَرشد إلى الكفّ، وفي الثاني ترغيبُ مَن رَجَى فيه النفع العام بالفعل والقول، فأَرشد إلى ذلك، وخَصّ هاتين الخصلتين بالذكر؛ لمسيس الحاجة إليهما في ذلك الوقت، لما كانوا فيه من الْجَهْد، ولمصلحة التأليف، ويدل على ذلك أنه - ﷺ - حَثّ عليهما أوّل ما دخل المدينة، كما رواه الترمذي وغيره، مُصَحّحًا من حديث عبد الله بن سلام - ﵁ - (^١).
(قَالَ) - ﷺ - ("تُطْعِمُ الطعَامَ) خبر لمحذوف بتقدير "أن" المصدريّة، أي هو أن تُطعم، أي إطعامك الطعام، فهو نظير قولهم: "تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه"، أي أن تسمع، أي سماعك، غير أن في هذا المؤوّلُ مبتدأ، وفي الحديث خبرٌ، وحَذْفُ "أن" ورفعُ الفعل جائز على الصحيح في سعة الكلام،
_________________
(١) أراد به ما أخرجه الترمذيّ بإسناد صحيح عن عبد الله بن سلام - ﵁ - قال: لَمّا قَدِمَ رسول الله - ﷺ - المدينة انَجَفل الناس، إليه: وقيل: قَدِمَ رسول الله - ﷺ -، قَدِم رسول الله - ﷺ -، قدم رسول الله - ﷺ -، فجئت في الناس لأنظر إليه، فلما استثبَتُّ وجهَ رسول الله - ﷺ - عَرَفْتُ أن وجهه ليس بوجه كذّاب، وكان أوّلُ شيء تكلم به أن قال: "أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصَلّوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام"، قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح.
[ ٢ / ٨٥ ]
وهو مذهب الأخفش من النحاة، وقوّاه ابن مالك في "التسهيل"، فقد جاء به في التنزيل العزيز قولُهُ تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤] الآية، والتقدير: أن يُريكم، وأما نصب الفعل مع حذفها، فضرورة لا يقع في سعة الكلام، كما في قول الشاعر [من الطويل]:
أَلَا أَيُّهَا الزَّاجِرِي أَحْضُرَ الْوَغَى … وَأَنْ أَشْهَدَ اللَّذَاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي
وإليه أشار ابن مالك في "الخلاصة"، حيث قال:
وَشَذَّ حَذْفُ "أَنْ" وَنَصْبٌ فِي سِوَى … مَا مَرَّ فَاقْبَلْ مِنْهُ مَا عَدْلٌ رَوَى
(وَتَقْرَأُ) بفتح التاء، وضمّ الهمزة؛ لأنه مضارع قرأ، بمعنى: تقول، قال أبو زيد: أقرئني خَبَرًا: أخبرني به، وقال أبو حاتم السِّجِسَتاني: يقال: اقْرَأ ﵇، وأَقْرِئْهُ الكتابَ، ولا يقال: أَقْرِئْهُ السلامَ، إلا أن يكون مكتوبًا في كتاب، ويقال: أقرئه إياه، ولا يقال: أقرئه السلام، إلا في لغة شنوءة، نقله ابنُ بَطّال في "شرح البخاريّ" ١/ ٦٤.
وقال الفيّوميّ: وقرأت على زيد السلامَ أقرؤه عليه قراءةً، وإذا أمرت منه قلت: اقْرَأ ﵇، قال الأصمعيّ: وتعديته بنفسه خطأ، فلا يُقال: اقْرَاهُ السلامَ؛ لأنه بمعنى اتْلُ عليه، وحَكَى ابن القطّاع أنه يتعدّى بنفسه رُباعيًّا، فيقال: فلانٌ يُقْرِئك السلامَ. انتهى (^١).
وقوله: (السَّلَامَ) بالنصب على المفعوليّة (عَلَى مَنْ عَرَفْتَ) متعلّقٌ بـ "تقرأ"، و"مَنْ" موصولة، وعائد الموصول محذوف، أي عرفته (وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ") أي لا تَخُصَّ به أحدًا تكبّرًا، أو تصنّعًا، بل تعظيمًا لشِعَار الإسلام، ومراعاة لأُخُوّة المسلم، فهذا أفضل أنواع إفشاء السلام، ويخرج من عموم ذلك من لا يجوز ابتداؤه بالسلام، كأهل الكتاب، عند جمهور العلماء، قاله ابن رجب رحمه الله تعالى (^٢).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى في "شرحه": معنى: "تقرأ السلام على مَن عَرَفت ومن لم تعرف" أي تُسَلِّم على كل مَن لَقِيته عرفته أم لم تعرفه، ولا
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٥٠٢.
(٢) انظر: "شرح البخاري" للحافظ ابن رجب ١/ ٤٤.
[ ٢ / ٨٦ ]
تَخُصَّ به من تعرفه كما يفعله كثيرون من الناس، ثم إن هذا العموم مخصوص بالمسلمين، فلا يُسَلَّم ابتداءً على كافر. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: جَمَعَ له النبيّ - ﷺ - بين الإطعام وإفشاء السلام؛ لاجتماعهما في استلزام المحبّة الدينيّة، والأُلفة الإسلاميّة، كما قال - ﷺ -: "ألا أدلّكم على شيء إذا فَعَلتموه تحاببتم؟ أفشُوا السلام بينكم"، رواه مسلم (^٢)، وفيه دليلٌ على أن السلام لا يُقْصَرُ على من يُعرف، بل على المسلمين كافّةً؛ لأنه كما قال - ﷺ -: "السلام شعارٌ لملّتنا، وأمانٌ لذمّتنا" (^٣)، وردّ السلام أوكد من ابتدائه. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (^٤).
وقال أيضًا: جَعَلَ النبيّ - ﷺ - في هذا الحديث خير الإسلام إطعام الطعام، وإفشاء السلام، وفي "المسند" ٤/ ٣٨٥ عن عمرو بن عَبَسَة - ﵁ - أنه سأل النبيّ - ﷺ -: ما الإسلام؟ قال: "لِينُ الكلام، وإطعام الطعام"، ومراده الإسلام التامّ الكامل، وهذه الدرجة في الإسلام فضلٌ، وليست واجبةً، وإنما هي إحسان، وأما سلامة المسلمين من اللسان واليد، فواجبة، إذا كانت من غير حقّ، فإن كانت السلامة من حقّ كان أيضًا فضلًا.
وقد جمع الله تعالى بين الأَفْضَال بالنَّدَى (^٥)، وترك الأذى في وصف المتّقين في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ
_________________
(١) "شرح مسلم" ٢/ ١٠.
(٢) رواه أحمد ٢/ ٣٩١، ومسلم (٥٤)، والترمذيّ (٢٥١٢).
(٣) هكذا احتجّ القرطبيّ بهذا الحديث، وهو غير صالح للاحتجاج به، فقد رواه الطبرانيّ في "الصغير" ١/ ٧٥ بلفظ "السلام تحيّة … "، وفي "الكبير" (٧٥١٨)، والخطيب في "تاريخه" ٤/ ٣٩٦، والشهاب في "مسنده" (١٨٤)، وفي إسناده طلحة بن زيد، وهو متهم، قال ابن عديّ: روى بهذا الإسناد ستة أحاديث موضوعة، وأورده صاحب "الدرّ الملتقط" برقم (١٧)، وابن الجوزيّ في "الموضوعات" ٣/ ٧٩، لأن في سنده عصمة، وهو كذّاب.
(٤) "المفهم" ١/ ٢٢٢ - ٢٢٣.
(٥) وقع في النسخة بلفظ "بالنداء" والظاهر أنه "بالندى" بالفتح مقصورًا، وهو العطاء، وعليه يدلّ آخر كلامه. والله أعلم.
[ ٢ / ٨٧ ]
وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٤]، فهذا إحسان وفضل، وهو بذل النَّدَى، واحتمال الأذى. وجمع في الحديث بين إطعام الطعام، وإفشاء السلام؛ لأنه به يجتمع الإحسان بالقول والفعل، وهو أكمل الإحسان، وإنما كان هذا خير الإسلام بعد الإتيان بفرائض الإسلام، وواجباته، فمن أتى بفرائض الإسلام، ثم ارتقى إلى درجة الإحسان إلى الناس، كان خيرًا ممن لم يرتق إلى هذه الدرجة، وأفضل أيضًا، وليس المراد أن من اقتصر على هذه الدرجة، فهو خير من غيره مطلقًا، ولا أن إطعام الطعام، ولين الكلام خير من أركان الإسلام، ومبانيه الخمس، فإن إطعام الطعام، والسلام لا يكونان من الإسلام إلا بالنسبة إلى من آمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر.
وقد زعم الحكيميّ (^١) وغيره أنه قال: خير الأشياء كذا، والمراد تفضيله من وجه دون وجه، وفي وقت دون وقت، أو لشخص دون شخص، ولا يراد تفضيله على الأشياء كلها، أو أن يكون المراد أنه من خير الأشياء، لا خيرها مطلقًا.
وهذا فيه نظرٌ، وهو مخالف للظاهر، ولو كان هذا حقًّا لما احتيج إلى تأويل قول النبيّ - ﷺ - من قال له: يا خير البريّة، فقال: "ذاك إبراهيم - ﵇ -"، وقد تأوله الأئمة، فقال الإمام أحمد: هو على وجه التواضع. ولكن هذا يقرب من قول من تأول "أفضل" بمعنى "فاضل"، وقال: إن "أفعل" لا تقتضي المشاركة، وهذا غير مطّرد عند البصريين، ويُتَأَوَّلُ ما ورد منه، وحكي عن الكوفيين أنه مطّردٌ، لا يحتاج إلى تأويل. انتهى كلام ابن رجب (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه.
_________________
(١) هكذا النسخة "الحكيميّ"، ولعله مصحّف من "الْحَلِيميّ"، والله أعلم.
(٢) "شرح البخاري" ١/ ٤٢ - ٤٤.
[ ٢ / ٨٨ ]
(المسألة الثانية): في بيان تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [١٦/ ١٦٨] (٣٩) عن قتيبة بن سعيد، ومحمد بن رُمْح بن المهاجر، كلاهما عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عنه.
و(البخاريّ) في "الإيمان" ١/ ١٠ (١٢) عن عمرو بن خالد، وقتيبة، فرّقهما، وفي "الاستئذان " ٨/ ٦٥ (٦٢٣٦) عن عبد الله بن يوسف، ثلاثتهم عن الليث به، وفي "الأدب المفرد" (١٠١٣) عن قتيبة به.
و(أبو داود) في "الأدب" (٥١٩٤) عن قتيبة به.
و(النسائيّ) في "الإيمان" ١٢/ ٥٠٠٢، وفي "الكبرى" ١٢/ ١١٧٣١ عن قتيبة به.
و(ابن ماجه) في "الأطعمة" (٣٢٥٣) عن محمد بن رُمح به.
و(ابن أبي شيبة) ٩/ ٦٤ - ٦٥، و(أحمد) في "مسند المكثرين" (٦٥٤٥ و٦٨٠٩)، و(أبو نعيم) في "المستخرج" ١/ ١٣٠ (١٥٥)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٠٠ و٥٠٥)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٣١٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تفاضل الإسلام في خصاله.
٢ - (ومنها): بيان خير خصال الإسلام.
٣ - (ومنها): أن فيه حثًّا على إطعام الطعام، ومواساة المحتاجين، واستجلاب قلوب الناس به، وببذل السلام؛ لأنه ليس شيء أجلب للمحبة، وأثبت للمودّة منهما، وقد مَدَحَ الله - ﷿ - المطعم للطعام، فقال: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨]، ثم ذكر الله تعالى جزيل ما أثابهم عليه، فقال: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١)﴾ [الإنسان: ١١]، ووصف - ﷾ - من لم يُطعم بقوله في وصف أهل النار: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)﴾ الآية [المدّثّر: ٤٢ - ٤٤]، وعاب من أراد أن يَحْرِم طعامه أهل الحاجة إليه، فذكر أهل الجنة: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ وإلى ﴿كَالصَّرِيمِ﴾ - يعني المقطوع - فأذهب الله تعالى ثمارهم،
[ ٢ / ٨٩ ]
وحَرَمَهُم إياها، حين قصدوا الاستئثار بها دون المساكين، أفاده ابن بطال (^١).
٤ - (ومنها): أن فيه الحثّ على إفشاء السلام الذي هو دليل على خفض الجناح للمسلمين، والتواضع، والحثّ على تألّف قلوبهم، واجتماع كلمتهم، وتوادّهم، ومحبّتهم.
٥ - (ومنها): الإشارة إلى تعميم السلام، وهو أن لا يخصّ به أحدًا دون أحد، كما يفعله الجبابرة؛ لأن المؤمنين كلهم إخوة، وهم متساوون في رعاية الأخوة.
ثم إن هذا التعميم مخصوص بالمسلمين، فلا يسلّم ابتداء على كافر؛ لقوله - ﷺ -: "لا تبدءوا اليهود، ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتموهم في الطريق، فاضطرّوهم إلى أضيقه"، رواه البخاريّ، وكذلك خُصّ منه الفاسق بدليل آخر، وأما من شُكّ فيه، فالأصل فيه البقاء على العموم، حتى يثبت الخصوص.
ويمكن أن يقال: إن الحديث كان في ابتداء الإسلام لمصلحة التأليف، ثم وَرَدَ النهي (^٢).
وقال النوويّ في "شرحه": وفي هذه الأحاديث جُمَلٌ من العلم، ففيها الحثّ على إطعام الطعام، والجود، والاعتناء بنفع المسلمين، والكفّ عما يؤذيهم بقول، أو فعل بمباشرة أو سبب، والإمساك عن احتقارهم، وفيها الحثّ على تألُّف قلوب المسلمين، واجتماع كلمتهم، وتوادّهم، واستجلاب ما يُحَصّل ذلك، قال القاضي رحمه الله تعالى: والأُلْفَة إحدى فرائض الدين، وأركان الشريعة، ونظَام شَمْلِ الإسلام، قال: وفيه بذل السلام من عَرَفت ولمن لم تعرف، وإخلاص العمل فيه لله تعالى، لا مصانعة، ولا مَلَقًا، وفيه مع ذلك استعمال خُلُق التواضع، وإفشاء شعار هذه الأمة. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في الأسئلة والأجوبة التي ذكروها في هذا الحديث:
_________________
(١) راجع: "شرح البخاريّ لابن بطال" ١/ ٦٤.
(٢) راجع: "عمدة القاري" ١/ ١٥٦ - ١٥٧.
[ ٢ / ٩٠ ]
فـ (منها): ما قيل: لم قال: "تطعم الطعام"، ولم يقل: تؤكل، ونحوه من الألفاظ الدالة عليه؟.
[أجيب]: بأن لفظ الإطعام عامّ يتناول الأكل، والشرب، والذوق، قال الشاعر:
وَإِنْ شِئتِ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ … وَإِنْ شِئْتِ لَمْ أَطْعَمْ نُقَاخًا وَلَا بَرْدَا
فإنه عطف البرد الذي هو النوم، والنُّقاخ - بضم النون، وبالقاف، والخاء المعجمة -: الذي هو الماء العذب، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩]: أي ومن لم يذقه، من طَعِم الشيءَ: إذا ذاقه، وبعمومه يتناول الضيافة، وسائر الولائم، وإطعام الفقراء، وغيرهم.
(ومنها): ما قيل: إن باب أطعم يقتضي مفعولين، يقال: أطعمته الطعام، فما هو المفعول الثاني هنا، ولم حذف؛.
[أجيب]: بأن المفعول الثاني مقدّر: أي تطعم الخلق الطعام، وإنما حُذف للإشارة إلى أن إطعام الطعام غير مختصّ بأحد، سواء كان المطعَم مسلمًا، أو كافرًا، أو حيوانًا آخر، وسواء كان الإطعام، فرضًا، أو سنةً، أو مستحبًّا.
(ومنها): ما قيل: لم قال: "وتقرأ السلام"، ولم يقل: وتسلّم؟.
[وأجيب]: بأنه يتناول سلام الباعث بالكتاب المتضمّن للسلام. وفيه إشارة أيضًا إلى أن تحيّة المسلمين بلفظ السلام، وزيدت لفظة القراءة تنبيهًا على تخصيص هذه اللفظة في التحيّات، مخالفة لتحايا أهل الجاهليّة بألفاظ وضعوها لذلك.
(ومنها): ما قيل: اللفظ عام، فيدخل الكافر، والمنافق، والفاسق.
[وأجيب]: بأنه خص بأدلة أخرى، أو أن النهي متأخّر، وكان هذا عامًا لمصلحة التأليف، وأما من شك فيه فالأصل البقاء على العموم، حتى يثبت الخصوص.
(ومنها): ما قيل: لم خصّ هاتين الخصلتين في هذا الحديث؟.
[وأجيب]: بأن المكارم لها نوعان:
[أحدهما]: ماليّة، أشار إليها بقوله: "تُطعم الطعام".
[ ٢ / ٩١ ]
[والآخر]: بدنيّةٌ أشار إليها بقوله: "وتقرأ السلام". ويقال: وجه تخصيص هاتين الخصلتين هو مساس الحاجة إليهما في ذلك الوقت؛ لما كانوا فيه من الجهد، ولمصلحة التأليف، ويدلّ على ذلك أنه - ﷺ - حثّ عليهما أول ما دخل المدينة، كما رواه الترمذيّ، مُصَحِّحًا، من حديث عبد الله بن سلام - ﵁ -، قال: أوّلُ ما قدِم رسول الله - ﷺ - المدينة، انجفل الناس إليه، فكنت ممن جاءه، فلما تأمّلت وجهه، واشتبهته، عرفت أن وجهه ليس بوجه كذّاب، قال: وكان أول ما سمعت من كلامه أن قال: "أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصَلُّوا بالليل، والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام".
وقال الخطّابيّ رحمه الله تعالى: جعل - ﷺ - أفضلها إطعام الطعام الذي هو قوام الأبدان، ثم جعل خير الأقوال في البرّ والإكرام إفشاءَ السلام الذي يعمّ، ولا يخصّ من عرف، ومن لم يعرف، حتى يكون خالصًا لله تعالى، بريئًا من حظّ النفس، والتصنّع؛ لأنه شعار الإسلام، فحق كلّ مسلم فيه شائعٌ.
وفي "مسند الإمام أحمد" ١/ ٤٠٥ - ٤٥٦: عن ابن مسعود - ﵁ -، مرفوعًا: "إن من أشراط الساعة السلام للمعرفة".
(ومنها): ما قيل: جاء في الجواب ههنا أن الخير أن تطعم الطعام، وفي الحديث الذي بعده أنه من سلم المسلمون من لسانه ويده، فما وجه التوفيق بينهما؟.
[وأجيب]: بأن الجوابين كانا في وقتين، فأجاب في كلّ وقت بما هو الأفضل في حقّ السامع، أو أهل المجلس، فقد يكون ظهر من أحدهما قلّة المراعاة ليده ولسانه، وإيذاء المسلمين، ومن الثاني إمساك الطعام، وتكبّر، فأجابهما على حسب حالهما، أو علم - ﷺ - أن السائل الأول يسأل عن أفضل التروك، والثاني عن خير الأفعال، أو أن الأول يسأل عما يدفع المضارّ، والثاني عما يجلُب المسارّ، أو أنهما بالحقيقة متلازمان، إذ الإطعام مستلزم لسلامة اليد، والسلام لسلامة اللسان غالبًا. أفاد هذه الأسئلة والأجوبة في "عمدة القاري" (^١)، وهي وإن كان بعضها تقدّم خلال شرح الحديث، إلا أن
_________________
(١) راجع: "عمدة القاري" ١/ ١٥٧.
[ ٢ / ٩٢ ]
كونها مجموعة في محلّ واحد أتمّ فائدة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
[١٦٩] (٤٠) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِر، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحِ الْمِصْرِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِث، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيب، عَنْ أَبِي الْخَيْر، أَنَّهُ سَمِعَ عَبدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاص، يَقُولُ: إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ؟ قَالَ: "مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو الطَّاهِر، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ الْمِصْرِيُّ) ثقة فقيه [١١] (ت ٢٥٠) (م دس ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٢ - (ابْنُ وَهْب): هو عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقة ثبت عابد [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب بن عبد الله الأنصاريّ، مولى قيس، أبو أمية المصريّ، أصله مدنيّ، ثقة فقيه حافظ [٧].
رَوَى عن أبيه، وسالم، أبي النضر، والزهريّ، وعبد ربه، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وأبي الأسود يتيم عروة، وربيعة، وحَبّان بن واسع، وعبد الرحمن بن القاسم، ويزيد بن أبي حبيب، ويونس بن يزيد الأيلي، وهو من أقرانه، وطائفة.
ورَوَى عنه مجاهد بن جَبْر، وصالح بن كيسان، وهما أكبر منه، وقتادة، وبكير بن الأشجّ، وهما من شيوخه، وأسامة بن زيد الليثيّ، وبكر بن مُضَر، وعبد الله بن وهب، وغيرهم.
قال ابن سعد: كان ثقة - إن شاء الله -. وقال أبو داود عن أحمد: ليس فيهم - يعني أهل مصر - أصحّ حديثًا من الليث، وعمرو بن الحارث يقاربه، وقال الأثرم عن أحمد: ما في هؤلاء المصريين أثبتُّ من الليث بن سعد، لا عمرو، ولا غيره وقد كان عمرو عندي، ثم رأيت له مناكير، وقال في موضع آخر: يروي عن قتادة أشياء يضطرب فيها ويخطئ، وقال يعقوب بن شيبة: كان
[ ٢ / ٩٣ ]
ابن معين يُوَثِّقه جِدًّا، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة، وكذا قال أبو زرعة، والنسائيّ، والعجليّ، وغير واحد، وقال النسائيّ: الذي يقول مالك في كتابه: الثقة عن بكير يشبه أن يكون عمرو بن الحارث، وقال ابن وهب: سمعت من ثلاثمائة وسبعين شيخًا، فما رأيت أحدًا أحفظ من عمرو بن الحارث، وقال ابن وهب: ثنا عبد الجبار بن عُمَرَ قال: قال ربيعة: لا يزال بذلك المصر علمٌ ما دام بها ذلك القصير، وقال أيضًا: لو بقي لنا عمرو ما احتجنا إلى مالك، قال: وقال لي ابن مهديّ: اكتب إليّ من حديث عمرو بن الحارث، فكتبت له من حديثه، وحَدَّثْتُهُ به، وقال أبو حاتم: كان أحفظ أهل زمانه، ولم يكن له نظير في الحفظ، وقال سعيد بن عُفَير: كان أخطب الناس، وأرواهم للشعر، وقال ابن يونس: كان فقيهًا أديبًا، وكان مؤدّبًا لولد صالح بن عليّ، وقال يحيى بن بكير، عن الليث: كنت أرى عمرو بن الحارث عليه أثواب بدينار، ثم لم تَمْضِ الليالي حتى رأيته يَجُرّ الوشي، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وقال أحمد بن صالح: الليث إمام، ولم يكن بالبلد بعد عمرو بن الحارث مثله، وقال ابن الأخرم: عمرو بن الحارث عزيز الحديث جِدًّا، مع علمه وثبته، وقَلَّمَا يخرج حديثه من مصر، وقال الخطيب: كان قارئًا مفتيًا ثقةً، وقال ابن ماكولا: كان قارئًا مفتيًا، أفتى في زمن يزيد بن أبي حبيب، وكان أديبًا فصيحًا، وقال ابن حبان في "الثقات": كان من الحفاظ المتقنين، ومن أهل الورع في الدين، وقال الساجيّ: صدوقٌ ثقة.
وقال أحمد بن صالح: وُلد عمرو بن الحارث يقولون: سنة (٩٠) وقيل: بعد ذلك، وقال ابن سعد، ويعقوب بن شيبة: مات سنة (٧) أو ثمان وأربعين ومائة، وقال يحيى بن بكير، وغير واحد: مات سنة (٨)، وقال الغلابي عن ابن معين: مات سنة (١٤٩)، وقال أبو داود: مات، وله (٥٨) سنة، وقال الذهبيّ: مات كهلًا سنة (٨) كذا قال، وكان عالم الديار المصرية، ومحدثها، ومفتيها مع الليث.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١٩) حديثًا.
والباقون تقدّموا في السند الماضي، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: ذكر النوويّ رحمه الله تعالى فوائد هذا السند والسند الماضي،
[ ٢ / ٩٤ ]
أحببت إيراده، وإن تقدّم معظمه، لكن كونه مجموعًا في محلّ واحد أولى، وأرسخ في الذهن، قال رحمه الله تعالى:
هذان الإسنادان كلهم مصريون، أئمة جِلّة، وهذا من عزيز الأسانيد في مسلم، بل في غيره، فإن اتّفاق جميع الرواة في كونهم مصريين، في غاية القِلّة، ويزداد قلّةً باعتبار الجلالة، فأما عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ -، فجلالته وفقهه وكثرة حديثه، وشدّة ورعه، وزهادته، وإكثاره من الصلاة والصيام وسائر العبادات، وغير ذلك من أنواع الخير، فمعروفة مشهورة، لا يمكن استقصاؤها، فرضي الله عنه.
وأما أبو الخير - بالخاء المعجمة - واسمه مَرْثَد - بالمثلثة - ابن عبد الله الْيَزَنِيّ - بفتح المثنّاة تحتُ، والزاي - منسوب الى يَزَن بطن من حمير، قال أبو سعيد بن يونس: كان أبو الخير مفتيَ أهل مصر في زمانه، مات سنة سبعين من الهجرة.
وأما يزيد بن أبي حبيب، فكنيته أبو رَجَاء، وهو تابعيّ، قال ابن يونس: وكان مفتي أهل مصر في زمانه، وكان حَلِيمًا عاقلًا، وكان أول من أظهر العلم بمصر، والكلامَ في الحلال والحرام، وقبل ذلك كانوا يتحدثون بالفتن والملاحم، والترغيب في الخير، وقال الليث بن سعد: يزيد سيِّدُنا وعالمنا، واسم أبي حبيب سُوَيد.
وأما الليث بن سعد - ﵁ -، فإمامته وجلالته وصيانته وبراعته، وشهادة أهل عصره بسخائه وسيادته، وغير ذلك من جميل حالاته أشهر من أن تُذْكَر، وأكثر من أن تُحْصَر، ويَكفِي في جلالته شهادة الإمامين الجليلين: الشافعيّ، وابن بُكَير رحمهما الله تعالى أن الليث أفقه من مالك ﵃ أجمعين، فهذان صاحبا مالك - ﵀ -، وقد شَهِدا بما شهدا، وهما بالمنزلة المعروفة من الإتقان، والورع، وإجلال مالك، ومعرفتهما بأحواله، هذا كلّهُ مع ما قد عُلِمَ من جلالة مالك، وعظم فقهه، - ﵁ -.
قال محمد بن رُمْح: كان دَخْلُ الليث ثمانين ألف دينار، ما أوجب الله تعالى عليه زكاةً قط، وقال قتيبة: لَمّا قَدِمَ الليث أهدى له مالك من طُرَف المدينة، فبَعَثَ إليه الليث ألف دينار، وكان الليث مفتي أهل مصر في زمانه.
[ ٢ / ٩٥ ]
وأما محمد بن رُمْح، فقال ابنُ يونس: هو ثقةٌ ثبتٌ في الحديث، وكان أعلم الناس بأخبار البلد ووقْفِه، وكان إذا شَهِدَ في كتاب دار عَلم أهل البلد أنها طيبة الأصل، وذكره النسائيّ، فقال: ما أخطأ في حديث، ولو كَتَبَ عن مالك لأثبته في الطبقة الأولى من أصحاب مالك، وأثنى عليه غيرهما، والله أعلم.
وأما عبد الله بن وهب، فعلمه وورعه وزهده وحفظه وإتقانه وكثرة حديثه، واعتماد أهل مصر عليه، وإخبارهم بأن حديث أهل مصر وما والاها يدور عليه، فكله أمر معروف مشهور في كتب أئمة هذا الفنّ، وقد بلغنا عن مالك بن أنس - ﵁ -، أنه لم يكتب إلى أحد، وعَنْوَنَهُ بالفقه إلا إلى ابن وهب - ﵀ -.
وأما عمرو بن الحارث، فهو مفتي أهل مصر في زمنه، وقارئهم، قال أبو زرعة - ﵀ -: لم يكن له نظير في الحفظ في زمنه، وقال أبو حاتم: كان أحفظ الناس في زمانه، وقال مالك بن أنس: عمرو بن الحارث دُرَّةُ الغَوَّاص، وقال: هو مرتفع الشان، وقال ابن وهب: سمعت من ثلاثمائة وسبعين شيخًا، فما رأيت أحفظ من عمرو بن الحارث - ﵀ -، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ، نقلته برمّته، وإن كان جلّه تقدّم قريبًا؛ لكونه مجموعًا في محلّ واحد، فيكون أفيد، وأزيد، وأرسخ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي الْخَيْرِ) مَرْثد بن عبد الله الْيَزَنيّ رحمه الله تعالى (أنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) رضي الله تعالى عنهما، وقد سبق في "شرح المقدّمة" (^١) أن الأكثر في "العاص" أنه يأتي في كتب الحديث وغيرها بحذف الياء، وهي لغة قليلة، والفصيح كونه بإثباتها، ومثله "شدّاد بن الهاد"، و"ابن أبي الموال"، فتنبّه (يَقُولُ: إِنَّ رَجُلًا) تقدّم أنه لم يُعرف اسمه، ويقال: إنه أبو ذرّ - ﵁ - (سَأَل رَسُولَ اللهِ - ﷺ -: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ؟) قال النوويّ رحمه الله تعالى: قال العلماء رحمهم الله تعالى: إنما وقع اختلاف الجواب في خيرِ
_________________
(١) راجع: "شرح المقدّمة" ٢/ ٢٠.
[ ٢ / ٩٦ ]
المسلمين، لاختلاف حال السائل والحاضرين، فكان في أحد الموضعين الحاجة إلى إفشاء السلام وإطعام الطعام أكثر وأهمّ؛ لما حصل من إهمالهما والتساهل في أمورهما، ونحو ذلك، وفي الموضع الآخر إلى الكفّ عن إيذاء المسلمين. انتهى (^١).
[تنبيه]: وقع في هذه الرواية هنا بلفظ "خير"، ووقع في حديث أبي موسى الأشعريّ - ﵁ - الآتي بلفظ: "أفضل"، فأجاب عن الفرق بينهما الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى، وسنذكر جوابه في شرح حديث أبي موسى الأشعريّ - ﵁ - الآتي بعد حديث - إن شاء الله تعالى -.
(قَالَ) - ﷺ - " (مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ") "من": موصولة، خبرٌ لمحذوف: أي هو من سلم … إلخ، قال النوويّ: قال العلماء: معناه: مَن لم يؤذ مسلمًا بقول، ولا فعل، وخَصَّ اليد بالذكر؛ لأن معظم الأفعال بها، وقد جاء القرآن العزيز بإضافة الاكتساب والأفعال إليها؛ لما ذكرناه.
وقالوا أيضًا: إن المراد بالمسلم هو المسلم الكامل، وليس المراد نفي أصل الإسلام عن مَن لم يكن بهذه الصفة، بل هذا كما يقال: العلم ما نَفَعَ، أو العالم زيد، أي الكامل، أو المحبوب، وكما يقال: الناس العرب، والمال الإبل، فكلُّه على التفضيل، لا للحصر. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح": قوله: "المسلم" قيل: الألف واللام فيه للكمال، نحو: زيدٌ الرجل: أي الكامل في الرجولية.
وتُعُقِّبَ بأنه يستلزم أن من اتصف بهذا خاصة كان كاملًا.
ويجاب بأن المراد بذلك مع مراعاة باقي الأركان.
وقال الخطابي: المراد أفضل المسلمين مَن جَمَع إلى أداء حقوق الله تعالى أداء حقوق المسلمين. انتهى.
وإثبات اسم الشيء على معنى إثبات الكمال له مستفيض في كلامهم، ويحتمل أن يكون المراد بذلك أن يُبَيِّن علامة المسلم التي يُسْتَدَلُّ بها على
_________________
(١) "شرح مسلم" ١/ ١٠.
(٢) "فتح الباري" ١/ ٥٣.
[ ٢ / ٩٧ ]
إسلامه، وهي سلامة المسلمين من لسانه ويده، كما ذُكِر مثله في علامة المنافق.
ويحتمل أن يكون المراد بذلك الإشارة إلى الحثّ على حسن معاملة العبد مع ربه؛ لأنه إذا أحسن معاملة إخوانه فأولى أن يُحسن معاملة ربه من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى. انتهى (^١).
وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: [فإن قلت]: إذا سلم المسلمون منه يلزم أن يكون مسلمًا، وإن لم يأت بسائر الأركان؟.
[قلت]: هذا وارد على سبيل المبالغة تعظيمًا لترك الإيذاء، كأن ترك الإيذاء هو نفس الإسلام الكامل، وهو محصور فيه على الادّعاء.
قال: وتحقيقه أن التعريف في "المسلم" للجنس، قال ابن جني: من عادتهم أن يوقعوا على الشيء الذي يخصّونه بالمدح اسم الجنس، ألا ترى كيف سمّوا الكعبة بالبيت؟ وكتاب سيبويه بالكتاب؟.
وقال الراغب الأصفهانيّ: كلّ اسم نوع، فإنه يُستعمل على وجهين:
[أحدهما]: دلالةً على المسمّى، وفصلًا بينه وبين غيره.
والثاني: لوجود المعنى المختصّ به، وذلك هو الذي يُمدح به، وذلك أن كلّ ما أوجده الله في هذا العالم جعله صالِحًا لفعل خاصّ، ولا يصلح لذلك الفعل سواه، كالفرس للعَدْوِ الشديد، والبعير يقطع الفلاة البعيدة، والإنسان ليعلم ويَعْمَل بحسبه، وكلُّ شيء لم يوجد كاملًا لِمَا خُلِق له لم يستحقّ اسمًا مطلَقًا، بل قد يُنفى عنه، كقولهم: فلانٌ ليس بإنسان، أي لا يوجد فيه المعنى الذي خُلِق لأجله من العلم والعمل، فعلى هذا إذا وجدت مسلمًا يؤذي المسلمين بلسانه ويده، فقلت له: لست مسلمًا، عنيت أنك لست بكامل فيما تحلّيت به من حلية الإسلام، وهذا معنى قول محيي السنة: إن الإسلام يُنفَى عمن ليس بصفته.
[فإن قيل]: ما معنى تخصيص "المسلم" بالذكر، ثم "المسلمين"، ثم "اللسان واليد"؟.
_________________
(١) "فتح" ١/ ٦٩.
[ ٢ / ٩٨ ]
[والجواب]: - والله أعلم - هو إظهار رأفته - ﷺ - بالأمة، وإلحاقه بالكلّ من أصحابه - ﵃ -، كأنه قال: المسلم الكامل من تشبّه بهم، واتّصف بصفتهم التي وصفهم الله تعالى بها في قوله تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾، وكان شدّتهم على الكفار المجاهدة بالسنان واللسان، وترحّمهم على إخوانهم المسلمين بكفّ الأذى، والإيثار بالموجود، كما قال الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]، فخصّ بما يُنبئ عن كفّ الأذى؛ ليؤذن بغاية التواضع والذّلّة، تلويحًا إلى معنى قوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]، ولما كانت عزّتهم على الكفرة وقهرهم باليد واللسان، فينبغي أن ينتفي عنهم ما كانت العزّة له، وهو يستلزم الإيثار بطريق الأولى، وفي تقديم ذكر اللسان على اليد رمز إلى معنى قوله - ﷺ - لحسّان - ﵁ -: "اهج المشركين، فإنه أشقّ عليهم من رشق النبل" (^١)، أو كما قال. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح":
[تنبيه]: ذِكْرُ المسلمين هنا خَرَج مَخْرَج الغالب؛ لأن محافظة المسلم على كفّ الأذى عن أخيه المسلم أشدُّ تأكيدًا، ولأن الكفار بصَدَد أن يقاتَلُوا، وإن كان فيهم من يَجِب الكفّ عنه، والإتيان بجمع التذكير للتغليب، فإن المسلمات يدخلن في ذلك، وخَصَّ اللسان بالذكر؛ لأنه المعبِّر عما في النفس، وهكذا اليد؛ لأن أكثر الأفعال بها، والحديث عامّ بالنسبة إلى اللسان دون اليد؛ لأن اللسان يمكنه القول في الماضين والموجودين والحادثين بعدُ، بخلاف اليد، نعم يُمكن أن تُشارِك اللسانَ في ذلك بالكتابة، وأن أثرها في ذلك لعظيم، ويُستَثْنَى من ذلك شرعًا تعاطي الضرب باليد في إقامة الحدود والتعازير، على المسلم المستحِقِّ لذلك.
وفي التعبير باللسان دون القول نكتةٌ، فيدخُل فيه مَن أخرج لسانه على سبيل الاستهزاء، وفي ذكر اليد دون غيرها من الجوارح نكتة، فيدخل فيها اليد المعنوية، كالاستيلاء على حقّ الغير بغير حقّ.
_________________
(١) أخرجه مسلم ولفظه: "اهجوا قريشًا، فإنه أشدّ عليها من رشق النبل".
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٤٤١ - ٤٤٢.
[ ٢ / ٩٩ ]
[فائدة]: فيه من أنواع البديع تجنيس الاشتقاق، وهو كثير.
[تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ من طريق الشعبيّ عن عبد الله بن عمرو من قوله: "والمهاجر من هاجر من نهى الله عنه".
والمهاجر بمعنى الهاجر، وإن كان لفظ الْمُفَاعِل يقتضي وقوع فعل من اثنين، ولكنه هنا للواحد، كالمسافر.
ويحتمل أن يكون على بابه؛ لأن مِن لازم كونه هاجرًا وطنَهُ مثلًا أنه مهجور من وطنه.
وهذه الهجرة ضربان: ظاهرةٌ وباطنةٌ، فالباطنة تركُ ما تدعو إليه النفس الأمّارة بالسوء والشيطان، والظاهرة الفِرَار بالدين من الفتن، وكأنّ المهاجرين خوطبوا بذلك؛ لئلا يَتَّكِلوا على مجرد التحول من دارهم، حتى يمتثلوا أوامر الشرع ونواهيه.
ويحتمل أن يكون ذلك قيل بعد انقطاع الهجرة لَمّا فُتحت مكة؛ تطييبًا لقلوب مَن لم يُدرِك ذلك، بل حقيقة الهجرة تَحصُل من هجر ما نهى الله عنه.
فاشتملت هاتان الجملتان على جوامعَ من معاني الحكم والأحكام.
وزاد ابنُ حبان في "صحيحه"، والحاكم في "المستدرك" من حديث أنس - ﵁ -: "والمؤمن من أَمِنَهُ الناس".
وأخرج ابن حبان في "صحيحه" من طريق الشعبيّ أيضًا، قال: سمعت عبد الله بن عمرو، ورب هذه الْبَنِيَّة - يعني الكعبة - يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "المهاجر من هَجَرَ السيئات، والمسلم مَن سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده" (^١).
وأخرجه ابن منده من طريق الشعبي أيضًا قال: سمعت عبد الله بن عمرو، يقول: ورب هذه البنية لسمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "المهاجر من هَجَرَ السيئات، والمسلم مَن سَلِمَ الناس من لسانه ويده" (^٢).
قال في "الفتح": والمراد بالناس هنا المسلمون، فهم الناس حقيقةً عند
_________________
(١) راجع: "صحيح ابن حبان" ١/ ٤٢٤ - ٤٢٥ رقم (١٩٦).
(٢) راجع: "الإيمان" لابن منده ١/ ٤٥١ رقم (٣١٣).
[ ٢ / ١٠٠ ]
الإطلاق؛ لأن الإطلاق يُحْمَل على الكامل، ولا كمال في غير المسلمين، ويمكن حمله على عمومه على إرادة شرط، وهو إلا بحق، مع أن إرادة هذا الشرط متعينةٌ على كل حال؛ لما قدّمته من استثناء إقامة الحدود على المسلم. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - هذا من هذا الوجه تفرّد به المصنّف، ولم يُخرجه البخاريّ.
[تنبيه]: قال الحافظ في "الفتح": أخرج مسلم من طريق عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، بهذا الإسناد نظير هذا السؤال، لكن جعل الجواب، كالذي في حديث أبي موسى، فادَّعَى ابنُ منده فيه الاضطراب.
[وأجيب]: بأنهما حديثان اتَّحد إسنادهما، وافق أحدهما حديث أبي موسى - ﵁ -، ولثانيهما شاهد من حديث عبد الله بن سلام - ﵁ -، كما تقدم. انتهى (^١).
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [١٦/ ١٦٩] (٤٠) عن أبي الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عنه.
و(أحمد) في "مسنده" ٢/ ١٨٧ و١٩١، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" ٩/ ٦٤ و٦٥، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٠٠)، و(أبو نعيم) في "المسند المستخرج" ١/ ١٣٠ (١٥٦) (٤٠٠)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٣١٦).
وأما فوائد الحديث، فقد تقدّمت في الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١/ ٨٢.
[ ٢ / ١٠١ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٠] (٤١) - (حَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ جَمِيعًا، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَنْبَانا أَبُو عَاصِمٍ، عَن ابْنِ جُرَيْجٍ، أنَّهُ سَمِعَ أَبَا الزُّبَيْر، يَقُولُ: سَمِعْت جَابِرًا يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: "المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ").
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (حَسَن الْحُلْوَانِيُّ) - بضمّ الحاء المهملة، وسكون اللام - هو: الحسن بن عليّ بن محمد الْهُذَليّ، أبو عليّ الخلال، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيفُ [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الْكِسّيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، وعبد لقبه، ثقةٌ حافظ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٣ - (أَبُو عَاصِمٍ) الضحّاك بن مَخْلَد بن الضحّاك بن مسلم الشيبانيّ النَّبِيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ١١٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٤ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم، أبو الوليد، وأبو خالد المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضل، كان يدلّس، ويُرسل [٦] (ت ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٥ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يدلّس [٤] (١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
٦ - (جَابِر) بن عبد الله بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، مات بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخيه، فالأول ما أخرج له النسائيّ، والثاني تفرّد به هو والترمذيّ، وعلّق له البخاريّ.
[ ٢ / ١٠٢ ]
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمكيين، غير شيخه عبد، فكسيّ، وأبي عاصم، فبصريّ، وجابر - ﵁ -، وإن كان مدنيًّا، إلا أنه سكن مكة مدّةً.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه - ﵁ - من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا، والله تعالى أعلم.
(مسألة): حديث جابر - ﵁ - هذا مما انفرد به المصنّف عن البخاريّ، أخرجه هنا في "الإيمان" [١٦/ ١٧٠] (٤١) بهذا الإسناد فقط، وأخرجه (الطيالسيّ) في "مسنده" (١٧٧٧)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" ٩/ ٦٤، و(أحمد) في "مسنده" ٣/ ٣٧٢.
وأما شرحه، فسيأتي في الحديث التالي - إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧١] (٤٢) - (وحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثنا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَيُّ الاسْلَامِ أفضَلُ؟ قَالَ: "مَنْ يسَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ) هو: سعيد بن يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية، أبو عثمان البغداديّ، ثقة ربّما أخطأ [١٠].
رَوَى عن أبيه، وعمه محمد، وعيسى بن يونس، ووكيع، وابن المبارك، ومسلم بن خالد الزَّنْجِيّ، وعبد الله بن إدريس، وجماعة.
وروى عنه الجماعة، سوى ابن ماجه، وروى النسائي في "مسند مالك" عن محمد بن عيسى بن شيبة عنه أيضًا، وعبد الله بن أحمد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وغيرهم.
قال عليّ بن المديني: هو أثبت من أبيه، وقال يعقوب بن سفيان: هما
[ ٢ / ١٠٣ ]
ثبتان: الأب والابن، وقال النسائيّ: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال صالح بن محمد: صدوق إلا أنه كان يَغْلَطُ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: رُبَّما أخطأ، وقال مسلمة: رَوَى عنه من أهل بلدنا بَقِيّ بن مَخْلَد.
قال محمد بن إسحاق السرّاج: مات للنصف من ذي القعدة، سنة تسع وأربعين ومائتين، وكذا أرَّخَه البخاري، وابن قانع، وغير واحد، ووهم أبو القاسم البغويّ، فأرّخه سنة (٥٩)، وقد رَدّ ذلك الخطيب.
وله في هذا الكتاب (١٠) أحاديث.
٢ - (أَبُوهُ) هو: يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص بن أمية الأمويّ، أبو أيوب الكوفيّ الحافظ، نزيل بغداد، لقبه الجَمَل، صدوقٌ يُغْرب، من كبار [٩].
رَوَى عن أبيه، ويحيى بن سعيد، وسعيد بن سعيد الأنصاري، وهشام بن عروة، وعبيد الله بن عمر، وابن جريج، والأعمش، ومسعر، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه سعيد، وأحمد بن إسحاق، والحكم بن هشام الثقفي، وهو من أقرانه، ومَخْلَد بن مالك الجمال، وداود بن رُشيد، وسريج بن يونس، وآخرون.
قال الأثرم عن أحمد: ما كنت أظن عنده الحديث الكثير، وقد كتبنا عنه، وكان له أخ له قَدْر وعِلْم يقال له: عبد الله، ولم يبين أمر يحيى، كأنه يقول: كان يصدق، وليس بصاحب حديث، وقال الْمَرُّوذي عن أحمد: لم تكن له حركة في الحديث، وقال أبو داود عن أحمد: ليس به بأس، عنده عن الأعمش غرائب، وقال أبو داود: ليس به بأس ثقة، وقال يزيد بن الهيثم عن ابن معين: هو من أهل الصدق، ليس به بأس، وقال الدُّوريُّ وغيره عن ابن معين: ثقة، وكذا قال محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، والدارقطني، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال ابن سعد: كان ثقةً، قليل الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، أورده العُقَيليّ في "الضعفاء"، واستنكر له عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله: "لا يزال المسروق متغيظًا، حتى يكون أعظم إثمًا من السارق".
وقال سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي: مات أبي سنة أربع وتسعين ومائة في النصف من شوال، وبلغ ثمانين سنة.
[ ٢ / ١٠٤ ]
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا.
٣ - (أَبُو بُرْدَةَ (^١) بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى) هو: بُرَيد بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، ثقةٌ يُخطئ قليلًا [٦].
رَوَى عن جده، والحسن البصريّ، وعطاء، وأبي أيوب، صاحب أنس.
ورَوَى عنه السفيانان، وحفص بن غياث، وأبو معاوية، ويحيى بن سعيد الأمويّ، وابن إدريس، وابن المبارك، وأبو أسامة، وغيرهم.
قال ابن معين، والعجليّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: ليس بالمتين، يُكْتَب حديثه، وقال عمرو بن عليّ: لم أسمع يحيى، ولا عبد الرحمن يحدثان عن سفيان عنه بشيء قط، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال ابن عديّ: روى عنه الأئمة، ولم يرو عنه أحد أكثر من أبي أسامة، وأحاديثه عندي مستقيمة، وهو صدوق، وأَنْكَر ما رَوَى حديث: "إذا أراد الله بأُمّة خيرًا قَبَضَ نبيها قبلها … "، قال: وهذا طريق حسنٌ، رُواته ثقات، وقد أدخله قوم في صحاحهم (^٢)، وأرجو أن لا يكون به بأس، وقال النسائي في "الضعفاء": ليس بذاك القويّ، وقال أحمد بن حنبل: يَروي مناكير، وطلحة بن يحيى أحب إلي منه، وقال الترمذي في "جامعه": وبُريد كوفي ثقة في الحديث، رَوَى عنه شعبة، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ثقة، وقال ابن حبان في "الثقات": يخطئ، وقال ابن عديّ: سمعت ابن حماد يقول: بريد بن عبد الله ليس بذاك القوي، أظنه ذكره عن البخاريّ.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٣) حديثًا.
_________________
(١) بضم الموحّدة، وسكون الراء، واسمه بُريد بضم الموحّدة، وفتح الراء مصغّرًا.
(٢) أخرجه مسلم في "كتاب الفضائل" من "صحيحه"، فقال: قال مسلم: وحُدِّثت عن أبي أسامة، وممن رَوَى ذلك عنه إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا أبو أسامة، حدثني بُريد بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبيّ - ﷺ -: "إن الله - ﷿ - إذا أراد رحمةَ أمةٍ من عباده قَبَضَ نبيّها قبلها، فجعله لها فَرَطًا، وسَلَفًا بين يديها، وإذا أراد هَلَكَةَ أمة عَذَّبها ونبيّها حيٌّ، فأهلكها، وهو ينظر، فأقرّ عينه بهلكتها، حين كذبوه، وعصوا أمره".
[ ٢ / ١٠٥ ]
٤ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعري الفقيه، اسمه الحارث، وقيل: عامر، وقيل: اسمه كنيته، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن أبيه، وعليّ، وحُذيفة، وعبد الله بن سلام، والأغر المزنيّ، والمغيرة، وعائشة، ومحمد بن مسلمة، وابن عمر، وابن عمرو بن العاص، والأسود بن يزيد النخعيّ، وعروة بن الزبير، وهو من أقرانه، وغيرهم.
ورَوَى عنه أولاده: سعيد، وبلال، وعبد الله، وحفيده أبو بردة، والشعبيّ، وهو من أقرانه، وعاصم بن كليب، وإبراهيم بن عبد الرحمن السَّكْسَكيّ، وأبو صَخْرة جامع بن شدَاد، وثابت البنانيّ، وحميد بن هلال، وغيرهم.
قال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث، وقال العجليّ: كوفي تابعي ثقةٌ، وقال ابن خِرَاش: صدوق، وقال مرةً: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال علي بن المديني، عن سفيان بن عيينة: قال عبد العزيز لأبي بردة: كم أتى عليك؟ قال: اثنتان وثمانون سنة، وقال العجليّ: كان على قضاء الكوفة بعد شُرَيح، وكان كاتبه سعيد بن جبير، ورَجَّحَ ابن حبان أن اسمه عامر، ولم يذكره البخاري في "تاريخه" وغيره، وقال النسائيّ في "الكنى": أنا أحمد بن عليّ بن سعيد، سمعت يحيى بن معين، يقول: اسم أبي بردة عامر، وذكر المدائنيّ أنه وُلد لأبي موسى لَمّا كان أميرًا للبصرة - يعني في خلافة عمر بن الخطاب، أو عثمان - ﵃ -.
قال الواقدي وغيره: مات سنة ثلاث، وقال خليفة، وابن حبان، وغيرهما: مات سنة أربع ومائة، زاد ابن حبان: وقد نَيَّفَ على الثمانين، وقيل: مات سنة سبع ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٦٦) حديثًا.
٥ - (أَبُو مُوسَى) الْأَشْعَرِيُّ (^١)، عبد الله بن قيس بن سُلَيم - بضم السين، مصغّرًا - ابن حَضّار - بفتح الحاء المهملة، وتشديد الضاد المعجمة، وقيل:
_________________
(١) نسبة إلى الأشعر، وهو نبت بن أُدد، وقيل له: الأشعر؛ لأن أمه ولدته أشعر. "عمدة القاري" ١/ ١٣٥.
[ ٢ / ١٠٦ ]
بكسر الحاء، وتخفيف الضاد - ابن حَرْب بن عامر بن غَنْم بن بكر بن عامر بن عَذر بن وائل بن ناجية بن الْجُماهر بن الأشعر، أبو موسى الأشعري، مشهور باسمه وكنيته معًا، وأمه ظَبْية بنت وهب بن عَك، أسلمت وماتت بالمدينة، وكان هو سكن الرَّمْلة، وحالف سعيد بن العاص، ثم أسلم وهاجر إلى الحبشة، وقيل: بل رجع إلى بلاد قومه، ولم يهاجر إلى الحبشة، وهذا قول الأكثر، فإن موسى بن عقبة، وابن إسحاق، والواقدي لم يذكروه في مهاجرة الحبشة، وقدم المدينة بعد فتح خيبر، صادفت سفينته سفينة جعفر بن أبي طالب، فقدموا جميعًا، واستعمله النبي - ﷺ - على بعض اليمن، كزَبِيد وعَدَن وأعمالهما، واستعمله عمر على البصرة بعد المغيرة، فافتتح الأهواز، ثم أصبهان، ثم استعمله عثمان على الكوفة، ثم كان أحد الحكمين بصِفِّين، ثم اعتزل الفريقين.
وأخرج ابن سعد، والطبري من طريق عبد الله بن بُريدة أنه وصف أبا موسى، فقال: كان خفيف الجسم، قصيرًا، ثَطًّا (^١). وروى أبو موسى عن النبي - ﷺ -، وعن الخلفاء الأربعة، ومعاذ، وابن مسعود، وأُبَيّ بن كعب، وعَمَّار.
وروى عنه أولاده: موسى، وإبراهيم، وأبو بُرْدة، وأبو بكر، وامرأته أم عبد الله، ومن الصحابة: أبو سعيد، وأنس، وطارق بن شهاب، ومن كبار التابعين فمن بعدهم: زيد بن وهب، وأبو عبد الرحمن السُّلَمِيّ، وعُبيد بن عمير، وقيس بن أبي حازم، وأبو الأسود، وسعيد بن المسيب، وزِرّ بن حُبَيش، وأبو عثمان النَّهْدِيّ، وأبو رافع الصائغ، وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، ورِبْعِيّ بن حِرَاش، وحِطّان الرَّقَاشيّ، وأبو وائل، وصفوان بن مُحرِز، وآخرون.
قال مجاهد عن الشعبي: كتب عمر في وصيّته: لا يُقَرّ لي عامل أكثر من سنة، وأقرّوا الأشعري أربع سنين، وكان حسن الصوت بالقرآن. وفي
_________________
(١) "الثّطّ" بالفتح، وتشديد الطاء، والأثطّ: هو الكوسج الذي عَرِي وجهه من الشعر، إلا طاقات في أسفل حنكه. قاله في "النهاية" ١/ ٢١١، بزيادة من "القاموس".
[ ٢ / ١٠٧ ]
"الصحيح" المرفوع: "لقد أُوتي مِزْمارًا من مزامير آل داود"، وقال أبو عثمان النَّهْدي: ما صَنْجٌ، ولا بَرْبَط، ولا نايٌ أحسن من صوت أبي موسى بالقرآن. وكان عمر إذا رآه قال: "ذَكِّرنا ربنا يا أبا موسى"، وفي رواية: "شَوِّقْنا إلى ربنا"، فيقرأ عنده. وكان أبو موسى: هو الذي فَقَّهَ أهل البصرة، وأقرأهم. وقال الشعبي: انتهى العلم إلى ستة، فذكره فيهم، وذكره البخاري من طريق الشعبي بلفظ العلماء. وقال ابنُ المدائني: قضاة الأمة أربعة: عمر، وعلي، وأبو موسى، وزيد بن ثابت. وأخرج البخاري من طريق أبي التَّيّاح، عن الحسن قال: ما أتاها - يعني البصرة - راكب خير لأهلها منه - يعني من أبي موسى -، وقال البغوي: حدثنا علي بن مسلم، حدثنا أبو داود، حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس: كان لأبي موسى سراويل يلبسه بالليل، مخافة أن ينكشف، صحيح (^١)، وقال أصحاب الفتوح: كان عامل النبي - ﷺ - على زَبِيد وعدن وغيرهما من اليمن وسواحلها، ولما مات النبي - ﷺ - قَدِمَ المدينة، وشَهِدَ فتوح الشام، ووفاة أبي عبيدة، واستعمله عمر على إمرة البصرة، بعد أن عزل المغيرة، وهو الذي افتتح الأهواز، وأصبهان، وأقرّه عثمان على عمله قليلًا، ثم صرفه، واستعمل عبد الله بن عامر، فسكن الكوفة، وتفقه به أهلها، حتى استعمله عثمان عليهم، بعد عزل سعيد بن العاص.
قال البغوي: بلغني أن أبا موسى مات سنة اثنتين، وقيل: أربع وأربعين، وهو ابن نَيِّفٍ وستين، وبالأول جزم ابن نمير وغيره، وبالثاني أبو نعيم وغيره. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: عاش ثلاثًا وستين. وقال الهيثم وغيره: مات سنة خمسين، زاد خليفة: ويقال: سنة إحدى. وقال المدائني: سنة ثلاث وخمسين. واختلفوا هل مات بالكوفة أو بمكة؟.
أخرج له الجماعة، وله من الأحاديث (٣٦٠) حديثًا، اتفق الشيخان على (٥٠) وانفرد البخاريّ بأربعة، ومسلم بـ (٢٥) (^٢)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) هكذا نسخة "الإصابة"، والظاهر أنه أراد أن هذا الأثر صحيح.
(٢) هكذا ذكر ابن الجوزيّ وغيره أنّ له في "صحيح مسلم" (٧٥) حديثًا، والذي في برنامج الحديث أن له فيه (١٠١) حديثًا، ولعله بالمكرّر، فليُحرّر.
[ ٢ / ١٠٨ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه، فلم يُخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن هذا الإسناد هو نفس السند الذي أخرج به البخاريّ هذا الحديث.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فبغداديّ، وأما أبوه، فكوفيّ، ثم بغداديّ.
[تنبيه]: قال في "الفتح": هذا الإسناد كلّه كوفيّون، ويحيى بن سعيد المذكور اسم جدّه أبان بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أُميّة، يكنى أبا أيوب، وفي طبقته يحيى بن سعيد القطّان، وحديثه في هذا الكتاب - قلت: وكذا في "صحيح مسلم" - أكثر من حديث الأمويّ، وليس له ابن يروي عنه يُسمّى سعيدًا، فافترقا، وفي الكتاب ممن يقال له يحيى بن سعيد اثنان أيضًا، لكن من طبقة فوق طبقة هذين، وهما يحيى بن سعيد الأنصاريّ، ويحيى بن سعيد التيميّ أبو حيّان، ويمتاز عن الأنصاريّ بالكنية. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ويزيد المصنّف ممن يسمّى يحيى بن سعيد على هؤلاء الأربعة خامسًا، وهو يحيى بن سعيد بن العاص، أخرج له حديث واحدًا: "إن عثمان رجلٌ حييّ … " الحديث، سيأتي في "كتاب فضائل الصحابة" برقم (٢٤٠٢) ترقيم محمد محيي الدين، والله تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): أن ثلاثةً منهم اشتهروا بالكنى، اثنان منهم بكنية واحدة، أبو بردة، فأما الأول فمشهور باسمه أيضًا، وهو بُريد، وأما الثاني، فقد اشتهر بكنيته، وفي اسمه خلاف، وأما الثالث، فمشهور باسمه وكنيته، وهو أبو موسى - ﵁ -.
٦ - (ومنها): أن هذا الباب أول محلّ ذكر جميعهم، وأن مجموع ما رواه المصنف لشيخه (١٠)، ولأبيه (١١)، ولبريد (٣٣)، ولأبي بردة (٦٦)، ولأبي موسى - ﵁ - (١٠١)، كما هو المدوّن في برنامج الحديث.
_________________
(١) "فتح" ١/ ٧١.
[ ٢ / ١٠٩ ]
٧ - (ومنها): أنه ليس في الكتب الستة من اسمه بُريد إلا هذا، وفي السنن الأربعة اثنان آخران: أحدهما: بُرَيد بن أصرم، مجهول من الثالثة، وقيل: إنه يزيد بالياء والزاي، وقيل: تريد بالتاء والراء، والأول هو الصواب، والثاني: بُريد بن أبي مريم مالك بن ربيعة السَّلُوليّ البصريّ، ثقة من الرابعة، والله تعالى أعلم.
٨ - (ومنها): أن جملة من يُكنَى بأبي بُردة في الكتب الستة أربعة: أحدهم: هذا، والثاني: حفيده المذكور قبله، والثالث: أبو بُردة بن نِيَار الْبَلَويّ، حليف الأنصار، صحابيّ - ﵁ - اختُلف في اسمه، فقيل: هانئ، وقيل: الحارث بن عمرو، وقيل: مالك بن هُبيرة، مات سنة (٤١) وقيل: بعدها، والرابع: أبو بردة التميميّ، عمرو بن يزيد الكوفيّ، ضعيف من الثامنة، عند ابن ماجه فقط، والله تعالى أعلم.
٩ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه: سعيد بن يحيى عن أبيه، ورواية الراوي عن جدّه، عن أبيه: بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى - ﵁ -.
١٠ - (ومنها): أن أبا موسى - ﵁ - ممن اشتهر بحسن الصوت في القرآن، وقد أثنى عليه النبيّ - ﷺ - بأنه أُعطي مزمارًا من مزامير آل داود ﵇، وكان عمر - ﵁ - يقول له: شَوِّقنا إلى ربنا، وكان فقيهًا، تفقّه عليه أهل الكوفة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريّ - ﵁ -، أنه (قَالَ: قُلْتُ) هذا صريح في أن السائل هو أبو موسى - ﵁ -، ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: "قالوا"، ورواه النسائيّ عن شيخ المصنّف، بإسناده بلفظ: "قلنا".
ولا تخالف بين الروايات؛ لأنه في رواية المصنّف صرّح بأنه هو الذي تولّى السؤال، وفي رواية النساني أخبر عن جماعة، هو داخل فيهم، إذ الراضي بالسؤال في حكم السائل، وكذا في رواية البخاري أراد الصحابة الحاضرين، وهو منهم.
والحاصل أن المباشر للسؤال هو أبو موسى، وإنما نُسب إلى الآخَرين
[ ٢ / ١١٠ ]
تجوّزًا لرضاهم به. وقد جمع بعضهم بحمله على تعدد الواقعة، والأول أولى.
وقد سأل هذا السؤال أيضا أبو ذَرّ - ﵁ -، رواه ابن حبان، وعُمير بن قتادة، رواه الطبراني، قاله في "الفتح" (^١).
(يَا رَسُولَ الله، أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟) فيه حذفٌ، أيْ: أيُّ ذوي الإسلام؟ كما يدلّ عليه الجواب، وتؤيّده الرواية التالية: "أيُّ المسلمين أفضل؟ "، وبه يظهر دخول "أيّ" على متعدّد.
ويمكن أن يقال: المراد: أيّ أفراد الإسلام أفضل؟ أفاده السنديّ.
وقال في "الفتح": [إن قيل]: الإسلام مفرد، وشرط "أَيّ" أن تدخل على متعدد.
[أجيب]: بأن فيه حذفًا تقديره: أيُّ ذوي الإسلام أفضل؟، ويؤيده رواية مسلم: "أي المسلمين أفضل"، والجامع بين اللفظين، أن أفضلية المسلم حاصلة بهذه الخصلة، وهذا التقدير أولى من تقدير بعض الشراح هنا: أيُّ خصال الإسلام؟، وإنما قلت: إنه أولى؛ لأنه يلزم عليه سؤال آخر، بأن يقال: سُئِل عن الخصال، فأجاب بصاحب الخصلة، فما الحكمة في ذلك؟.
وقد يجاب بأنه يتأتّى، نحوَ قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ الآية [البقرة: ٢١٥]، والتقدير بأيِّ ذوي الإسلام؟ يقع الجواب مطابقًا له، بغير تأويل.
[فإن قيل]: "أفضل" أفعل تفضيل، وقد تقرّر في محلّه أن أفعل التفضيل لا يُستعمل إلا بأحد الأوجه الثلاثة، وهي: الإضافة، و"من"، واللام، ولا يوجد شيء منها هنا.
[أجيب]: بأنه يجوز تجريده من كلها عند العلم به، نحو قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧]، أي وأخفى من السرّ، ونحو قولك: "الله أكبر": أي أكبر من كلّ شيء، فالتقدير هنا: أفضل من غيره، ومعنى الأفضل: هو الأكثر ثوابًا عند الله تعالى، كما تقول: الصدق أفضل من غيره: أي هو أكثر
_________________
(١) "فتح" ١/ ٧١.
[ ٢ / ١١١ ]
ثوابًا عند الله تعالى من غيره، أفاده العينيّ رحمه الله تعالى (^١).
[تنبيه]: وقع التعبير في حديث أبي موسى الأشعريّ - ﵁ - هنا بلفظ: "أفضل"، وفي حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما المذكور قبل حديث بلفظ: "خير".
فقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: والذي ظهر لي في الفرق بين "أفضل"، و"خير" أن لفظة "أفضل" إنما تستعمل في شيئين اشتركا في غير فضل، وامتاز أحدهما عن الآخر بفضل اختصّ به، فهذا الممتاز قد شارك ذاك في الفضل، واختصّ عنه بفضل زائد، فهو ذاك. وأما لفظة "خير" فتستعمل في شيئين، في كلّ منهما نوع من الخير، أرجح مما في الآخر، سواء كان لزيادة عليه في ذاته، أو في نفعه، أو غير ذلك، وإن اختلف جنساهما، فترجيح أحدهما على الآخر يكون بلفظة "خير"، فيقال مثلًا: النفع المتعدّي خير من النفع القاصر، وإن كان جنسهما مختلفًا، ويقال: زيد أفضل من عمرو، إذا اشتركا في علم، أو دين، ونحو ذلك، وامتاز أحدهما على الآخر بزيادة. وإن استُعمل في النوع الأول لفظة "أفضل"، مع اختلاف الجنسين، فقد يكون المراد أن ثواب أحدهما أفضل من ثواب الآخر، وأزيد منه، فقد وقع الاشتراك في الثواب، وامتاز أحدهما بزيادة منه.
وحينئذٍ فمن سلم المسلمون من لسانه ويده إسلامه أفضل من إسلام غيره، ممن ليس كذلك؛ لاشتراكهما في الإتيان بحقوف الله تعالى في الإسلام من الشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ونحو ذلك، وامتاز أحدهما بالقيام بحقوق المسلمين، فصار هذا الإسلام أفضل من ذلك.
وأما المسلم: فيقال: هذا أفضل من ذاك؛ لأن إسلامه أفضل من إسلامه، ويقال: هو خير من ذاك؛ لترجح خيره على خير غيره، وزيادته عليه. انتهى كلام ابن رجب (^٢).
(قَالَ) - ﷺ - (مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ) "من": موصولة، على
_________________
(١) راجع: "عمدة القاري" ١/ ١٥٣ - ١٥٤.
(٢) "شرح البخاريّ" لابن رجب رحمه الله تعالى ١/ ٤٠ - ٤١.
[ ٢ / ١١٢ ]
حذف مضاف، خبرٌ لمحذوف: أي هو إسلام من سلم إلخ، وقد سبق شرح هذه الجملة مستوفًى في شرح حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [٦/ ١٧١] (٤٢) بهذا الإسناد، و[١٦/ ١٧٢] بالسند التالي.
و(البخاريّ) في "الإيمان" ١/ ١٠ (١١) عن سعيد بن يحيى بن سعيد الأمويّ، عن أبيه، عن بُريد بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبيه.
و(الترمذيّ) في "الزهد" (٢٥٠٤)، وفي "الإيمان" (٢٦٢٨) عن إبراهيم سعيد الجوهريّ، عن أبي أسامة، عن بريد به، وقال: صحيح غريب من حديث أبي موسى.
و(النسائيّ) في "الإيمان" ٨/ ١٠٦ عن سعيد بن يحيى، عن أبيه به.
و(أبو نعيم) في "المسند المستخرج" ١/ ١٣١ (١٥٨)، وفوائد الحديث تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٢] (…) - (وحَدَّثَنِيهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ الله، بِهَذَا الْإِسْنَاد، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ أَفْضَلُ؟ … فَذَكَرَ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ) أبو إسحاق الطبريّ الأصل، نزيل بغداد، ثقة حافظ، تُكُلِّم فيه بلا حجّة [١٠].
[ ٢ / ١١٣ ]
رَوَى عن أبي أسامة، وابن عيينة، وأبي أحمد الزبيريّ، وأسود بن عامر، وأبي ضمرة، والواقديّ، وعبد الوهاب الثقفيّ، وجماعة.
وعنه الجماعة سوى البخاريّ، وزكرياء السجزيُّ، وأبو حاتم، وموسى بن هارون، وابن صاعد، وغيرهم.
قال أبو العباس الْبَرَاثِيُّ: سأل موسى بن هارون أحمد بن حنبل عن إبراهيم بن سعيد الجوهريّ، فقال: كثير الكتاب، كَتَبَ فأكثر، فأستأذنه في الكتابة عنه، فأذن له، وقال أبو حاتم: كان يُذْكَر بالصدق، وقال النسائيّ: ثقة، وقال: قال إبراهيم الجوهريّ: كلُّ حديث لا يكون عندي من مائة وجه، فأنا فيه يتيم، وقال الخطيب: كان ثقةً مكثرًا ثبتًا صَنّف "المسند"، وقد وثقه الدارقطنيّ، والخليليّ، وابنُ حبان، وغيرهم، وفي "تاريخ الخطيب" عن ابن خِرَاش قال: سمعت حجاج بن الشاعر يقول: رأيت إبراهيم بن سعيد عند أبي نعيم، وأبو نعيم يَقْرَأ، وهو نائم، وكان الحجاج يَقَعُ فيه.
قال الحافظ: وابنُ خِرَاش رافضيّ، ولعل الجوهريَّ كان قد سَمِعَ ذلك الجزء من أبي نعيم قبل ذلك. انتهى.
قال ابن قانع: مات سنة (٢٤٩) وقال غيره: مات بعد الخمسين ومائتين، كان ببغداد، ثم سَكَن عَيْنَ زَرْبَةَ مرابطًا، ومات بها، صَحَّحَ ابنُ عساكر أنه مات سنة (٥٣)، وخَطّأه الذهبيّ، وقال: إن قول ابن قانع أولى، وأَرَّخَه ابن أبي عاصم سنة (٥٦).
قال الحافظ: وألفيتُ بخط الحافظ أبي زرعة في "حاشية الأصل" أن الذي في وفيات ابن قانع ذِكْرُ وفاته في سنة سبع وأربعين بتقديم السين، قال: وكذا نقله عنه الخطيب، والذهبيّ. انتهى.
وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا الحديث، وحديث (٢٠٠) (^١): "لكل نبي دعوة … "، و(١٧٨٥): "فلقد رأيتني يوم أبي جندل … "، و(٢٢٨٨): "إن الله ﷿ إذا أراد رحمة أمة … ".
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) هو: حمّاد بن أُسامة القرشيّ مولاهم الكوفيّ الثقة الثبت المذكور في الباب الماضي.
_________________
(١) بترقيمات الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي.
[ ٢ / ١١٤ ]
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: "بهذا الإسناد" الإشارة إلى ما قبله من إسناد أبي بُردة بن عبد الله عن أبي بُردة، عن أبي موسى - ﵁ -.
وقوله: "سئل رسول الله - ﷺ - … إلخ " تبين في الحديث الماضي أن السائل هو أبو موسى - ﵁ - نفسه.
وقوله: "فذكر مثله" الضميرُ الفاعلُ يعود على إبراهيم بن سعيد، أي ذَكَرَ إبراهيم الحديث، وساقه مثل حديث سعيد بن يحيى.
[تنبيه]: رواية أبي أسامة عن بُريد بن عبد الله هذه ساقها أبو نعيم في "مستخرجه"، إلا أنه أدخل عليها رواية يحيى بن سعيد عنه، ونصّه (١/ ١٣١):
(١٥٨) حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، ثنا محمد بن يحيى بن منده، ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهريّ، ثنا أبو أسامة، ثنا يزيد عن عبد الله (^١) …
وحدثنا أبو عمرو ومحمد بن أحمد بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا سعيد بن يحيى الأموي، ثنا أبي، قالا (^٢): ثنا أبو بردة بن عبد الله، عن أبي بُرْدة، عن أبي موسى، قال: سُئِل النبيّ - ﷺ -: أيُّ المسلمين أفضلُ؟ قال: "من سلم المسلمون من لسانه ويده". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.