وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٨] (٦٤) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّيَّانِ وَعَوْنُ بْنُ سَلَّامٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ؛ كُلُّهُمْ عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ"، قَالَ زُبَيْدٌ: فَقُلْتُ لِأَبِي وَائِلٍ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ عَبْدِ اللهِ يَرْوِيهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ قَوْلُ زُبَيْدٍ لِأَبِي وَائِلٍ).
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّيَّانِ) - بالراء المفتوحة، وتشديد الياء التحتانيّة - الْهاشميّ مولاهم، أبو عبد الله البغداديّ الرُّصَافيّ، ثقةٌ [١٠].
رَوَى عن إسماعيل بن جعفر، وابن المبارك، وفُليح بن سليمان، وقيس بن الربيع، وفَرَج بن فَضَالة، وجعفر بن سليمان، ومحمد بن طلحة بن مصرف وغيرهم.
ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، وابنه إبراهيم، وأبو زرعة، وأبو حاتم، ومحمد بن إسحاق الصغاني، وموسى بن هارون، وحنبل بن إسحاق، وعبد الله ابن أحمد وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد: كان أبي لا يَرَى بالكتابة عن هؤلاء الشيوخ بأسًا، وقد حدّثنا عن بعضهم منهم محمد بن بكار، وقال عثمان الدارميّ عن ابن معين: لا بأس به، وقال عبد الخالق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وقال صالح بن محمد: صدوق يُحَدِّث عن الضعفاء، وقال الدارقطنيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
[ ٢ / ٤٢٧ ]
قال ابن أبي خيثمة: سمعته يقول في سنة ثنتين وثلاثين: أنا اليوم ابن (٨٧) سنة، وقال البخاري وغيره: مات سنة ثمان وثلاثين ومائتين.
تفرّد به المصنّف وأبو داود، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط (^١)، هذا الحديث، وحديث رقم (٤٠٦): "قولوا: اللهم صلّ على محمد … "، و(٦٤٩): "صلاة الرجل في جماعة تزيد … "، و(١٣٤٦): "أُتي وهو في مُعَرَّسه من ذي الحليفة … "، و(٢٣٤١): "لم يبلغ الخضاب، كان في لحيته شعرات … "، و(٢٤٠٨): "أما بعد، ألا أيها الناس … ".
٢ - (عَوْن بْنُ سَلَّامٍ) - بتشديد اللام - القرشيّ، أبو جعفر الكوفيّ، مولى بني هاشم، ثقةٌ [١٠].
رَوَى عن محمد بن طلحة بن مُصَرِّف، وزهير بن معاوية، وأبي بكر النَّهْشليّ، وأبي زبيد عَبْثَر بن القاسم، وإسرائيل بن يونس، وقيس بن الربيع وغيرهم.
وروى عنه مسلم، وأبو بكر بن أبي خيثمة، وأحمد بن عثمان بن حكيم، وإبراهيم بن عبد الله بن الجنيد، وموسى بن هارون الحمّال، وموسى بن إسحاق الأنصاريّ وغيرهم.
قال صالح بن محمد: لا بأس به، وقال البغويّ: وكان ضرير البصر، وقال الخطيب: كان ثقةً، وقال الدارقطنيّ: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: مستقيم الحديث، وفي "الميزان": كان صدوقًا، وقد لُيِّنَ شيئًا.
وقال محمد بن عبد الله الحضرميّ: مات سنة ثلاثين ومائتين، وكان ثقةً.
تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط (^٢)، هذا الحديث، وحديث رقم (٥٧٢): "إنما أنا بشر مثلكم … "، و(٦١٩): "فشكونا إليه حرّ الرمضاء … "، و(٦٢٨): "شغلونا عن الصلاة الوسطى … "، و(٧٠٥): "صلى رسول الله - ﷺ - الظهر … "، و(٩٧٨): "أُتِي النبيّ - ﷺ - برجل … "، و(١٠١٦): "من استطاع منكم أن يستتر من النار … ".
_________________
(١) هذا هو الذي في برنامج الحديث، وفي "الزهرة": روى عنه مسلم تسعة أحاديث، فليُحرّر.
(٢) وفي "الزهرة": رَوَى عنه مسلم ثمانية أحاديث. انتهى، ولا تخالف بينهما.
[ ٢ / ٤٢٨ ]
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ) بن مُصَرِّف الياميّ الكوفيّ، صدوقٌ، له أوهامٌ [٧].
رَوَى عن أبيه، وحميد الطويل، وزُبَيد الياميّ، والأعمش، وعبد الأعلى بن عامر، وحميد بن وهب، وعثمان بن يحيى، والعلاء بن عبد الكريم الياميّ وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه عبد الرحمن، وعبد الرحمن بن مهديّ، وإسماعيل بن عيّاش، ويزيد بن هارون، وأبو داود الطيالسيّ، وإسحاق بن منصور السَّلُولي، وأسد بن موسى، وشبابة بن سَوّار، وحجاج بن محمد، وأبو نعيم، وعون بن سلام وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: لا بأس به، إلا أنه كان لا يكاد يقول في شيء من حديثه: حَدَّثنا، وقال ابن معين: كان يقال: ثلاثة يُتَّقَى حديثهم: محمد بن طلحة، وأيوب بن عُتبة، وفُليح بن سليمان، سمعت هذا من أبي كامل، مُظَفَّر بن مُدْرِك، وكان رجلًا صالِحًا، وعن أبي كامل قال: قال محمد بن طلحة: أدركت أبي كالحلم، وقد رَوَى عن أبيه أحاديث صالحة، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: محمد بن طلحة صالح، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ضعيف، وقال أبو زرعة: صالح، وقال النسائيّ: ليس بالقوي، وقال عفان: كان محمد بن طلحة يروي عن أبيه - وأبوه قديم الموت - وكان الناس كأنهم يكذبونه، ولكن مَن يجترئ أن يقول له: أنت تكذب، كان من فضله وكان، قال أبو داود: كان يخطئ، وقال العقيليّ: قال أحمد: ثقة، وقال العجليّ: ثقة، إلا أنه سمع من أبيه وهو صغير، وقال بشر بن الوليد: كان سيدًا كريمًا.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان يخطئ، مات سنة سبع وستين ومائة، وفيها أَرَّخه ابن سعد، وقال: كانت له أحاديث منكرة.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ في "مسند علي"، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا الحديث، وحديث رقم (٦٢٨): "شغلونا عن الصلاة الوسطى … "، و(٢٥٤٨): "أمّك، ثم أمك، ثم أمك … ".
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ، تقدّم قريبًا.
[ ٢ / ٤٢٩ ]
٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) بن حسّان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ، عارفٌ بالرجال والحديث [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٨.
٦ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، الإمام الحجة الحافظ الثبت الفقيه المشهور [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٧ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٩] (١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٨ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحجة الثبت الحافظ المشهور، أبو بسطام الواسطيّ، ثم البصريّ [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١.
٩ - (زُبَيْد) بن الحارث بن عبد الكريم بن عمرو بن كعب الياميّ - بالتحتانيّة - ويقال: الأَيَاميّ، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٦].
رَوَى عن مُرّة بن شَرَاحيل، وسعد بن عُبيدة، وذَرّ بن عبد الله، وسعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعُمارة بن عُمير، وأبي وائل، وإبراهيم النخعيّ، وإبراهيم التيميّ، ومجاهد وجماعة.
ورَوَى عنه ابناه: عبد الله وعبد الرحمن، وجرير بن حازم، وشعبة، والثوريّ، وزُهير، والحسن بن حي، وشَريك، ومالك بن مَغْوَل، ومِسْعر، ومنصور، ومغيرة، والأعمش - وهم من أقرانه - وغيرهم.
قال القطان: ثبتٌ، وقال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة، وقال ليث عن مجاهد: أعجب أهل الكوفة إليّ أربعة فيهم زُبيد، وقال ابن شُبْرمة: كان يصلي الليل كله، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة ثقة خيارٌ، إلا أنه كان يميل إلى التشيع، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث، وكان في عداد الشيوخ، وليس بكثير الحديث، وقال العجليّ: ثقةٌ ثبت في الحديث، وكان علويًّا، وحَكَى ابن أبي خيثمة عن شعبة قال: ما رأيت بالكوفة شيخًا خَيْرًا من زُبيد، وقال سعيد بن جبير: لو خُيِّرت عبدًا ألقى اللهَ في مِسْلاخه اخترتُ زُبيدًا الياميّ، وقال البخاريّ في "تاريخه": قال عمرو بن مُرّة: كان زُبيد صدوقًا، وقال ابن حبان في "الثقات": كان من العباد الْخشُن مع الفقه في الدين، ولزوم الورع الشديد، وقال
[ ٢ / ٤٣٠ ]
محمد بن طلحة بن مُصَرِّف: ما كان بالكوفة ابنُ أبٍ وأخٌ أشدَّ مُجانبًا من طلحة بن مُصَرِّف وزبيد اليامي، كان طلحةُ عثمانيًّا، وكان زُبيد علويًّا.
قال أبو نعيم: مات سنة (١٢٢)، وقال ابن نُمير: مات سنة (٢٤)، وأرَّخه الإمام أحمد، وابن قانع سنة (٢٣).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط، هذا الحديث، وحديث رقم (٦٢٨): "شغلونا عن الصلاة الوسطى … "، و(٩٧٧): "نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها … "، و(١١٢٧): "كنا نصومه، ثم تُرك"، و(١٢٢٤): "لا تصلح المتعتان إلا لنا … "، و(١٨٤٠): "لو دخلتموها لم تزالوا فيها … "، و(١٩٦١): "إن أول ما نبدأ في يومنا هذا نصلي … "، و(٢٧٢٣): "أمسينا وأمسى الملك لله … " وأعاده.
١٠ - (أَبُو وَائِلٍ) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢] مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
١١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ) - ﵁ - تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى بالنسبة إلى السند الأول، ومن سداسيّاته بالنسبة إلى السندين الأخيرين.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من عون.
٣ - (ومنها): أن فيه كتابة (ح) مرتين إشارة إلى تحويل الإسناد، فللمصنّف فيه ثلاثة أسانيد، كلها تلتقي في زُبيد، والأول أعلى بدرجة، والباقيان متساويان.
٤ - (ومنها): أنه وقع في هذا السند قوله: "كلهم عن زُبيد … إلخ"، فقال النوويّ: هكذا ضبطناه، وكذا وقع في أصلنا وبعض الأصول، ووقع في الأصول التي اعتمدها الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى بطريقي محمد بن طلحة وشعبة، ولم يقع فيها طريق محمد بن المثنّى، عن ابن مهديّ، عن سفيان، وأنكر الشيخ قوله: "كلّهم" مع أنهما اثنان: محمد بن طلحة
[ ٢ / ٤٣١ ]
وشعبة، وإنكاره صحيح على ما في أصوله، وأما على ما اعتمدنا فلا إنكار، فإن سفيان ثالثهما. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى.
٥ - (ومنها): أنه ليس في الكتب الستّة من يُسمّى زُبيدًا غير ابن الحارث
الياميّ هذا، ويوجد في "الموطّأ" "زُييد" بضم الزاي وكسرها، وبتحتانيتين، وهو ابن الصلت بن مَعْدي كَرِب الكنديّ التابعيّ، ولا ذكر له في الكتب الستة، كما أنه لا ذكر لزُبيد بن الحارث في "الموطأ" أيضًا.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه من أكابر الصحابة - ﵁ -، ومن السابقين للإسلام، ومن المجوّدين للقرآن، أثنى عليه النبيّ - ﷺ - في القراءة، وحثّ على تلقّي القراءة منه، فقد أخرج الإمام أحمد في "مسنده" بإسناد صحيح (٣٥) من طريق زِرّ بن حُبَيش، عن عبد الله، أن أبا بكر وعمر - ﵄ - بشّراه، أن رسول الله - ﷺ - قال: "مَن سَرّه أن يقرأ القرآن غَضًّا كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد".
وأخرج أيضًا (١٧٠) من طريق الأعمش، عن خيثمة، عن قيس بن مروان، أنه أَتَى عمر - ﵁ -، فقال: جئت يا أمير المؤمنين من الكوفة، وتركت بها رجلًا يُملي المصاحف عن ظهر قلبه. فغَضِب وانتفخ حتى كاد يملأ ما بين شعبتي الرحل، فقال: ومن هو ويحك؟ قال: عبد الله بن مسعود. فما زال يُطْفَأُ ويُسَرَّى عنه الغضب، حتى عاد إلى حاله التي كان عليها، ثم قال: ويحك والله ما أعلمه بقي من الناس أحد، هو أحق بذلك منه، وسأحدثك عن ذلك، كان رسول الله - ﷺ - لا يزال يَسمُر عند أبي بكر - ﵁ - الليلة كذاك في الأمر من أمر المسلمين، وإنه سَمَر عنده ذات ليلة، وأنا معه، فخرج رسول الله - ﷺ - وخرجنا معه، فإذا رجل قائم يصلي في المسجد، فقام رسول الله - ﷺ - يستمع قراءته، فلما كدنا أن نعرفه، قال رسول الله - ﷺ -: "من سره أن يقرأ القرآن رطبًا كما أُنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد"، قال: ثم جلس الرجل يدعو، فجعل رسول الله - ﷺ - يقول له: "سل تعطه، سل تعطه"، قال عمر - ﵁ -: قلت: والله لأغدوَن إليه، فلأبشّرنه، قال: فغدوت إليه لأبشّره، فوجدت أبا بكر قد سبقني إليه فبشّره، ولا والله ما سبقته إلى خير قط إلا وسبقني إليه. وهذا إسناد صحيح، والله تعالى أعلم.
[ ٢ / ٤٣٢ ]
شرح الحديث:
(عَنْ زُبَيْدٍ) تقدم أنه بالزاي والموحدة مُصَغّرًا، وهو ابن الحارث الياميّ بياء تحتانية وميم خفيفة (^١).
[تنبيه]: قد رَوَى هذا الحديث شعبة أيضًا عن منصور وعن الأعمش، وهي الرواية التالية هنا، ورواه ابن حبّان من طريق سليمان بن حرب، عن شعبة، عن الثلاثة جميعًا، عن أبي وائل.
وقال الحافظ في "كتاب الإيمان" (٢/ ٦٧٢): رَوَى هذا الحديث عن أبي وائل سبعةُ نَفَر، فأما الأعمش فرفعه عنه بعضهم، وأوقفه بعضٌ، وكذلك منصور، ولم يَخْتَلف أصحاب زُبيد في رفعه، ورواه جماعة عن عبد الملك بن عُمير، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن النبيّ - ﷺ - مرفوعًا (^٢)، ورواه معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عمرو الشيبانيّ، عن ابن مسعود مرفوعًا، وأوقفه يحيى القطان، وجماعة، ورواه أبو الأحوص (^٣)، وأبو الزَّعراء (^٤)، والأسود، وهُبَيْرَة بن مُرّة، وأبو عبد الرحمن السلميّ، والقاسم بن عبد الرحمن، عن ابن مسعود - ﵁ - موقوفًا، وفي رفع مَن رفعه شيء.
ورُوي من حديث سعد (^٥) والنعمان بن مقرن (^٦)، وأبي هريرة (^٧)، وابن مغفل (^٨)، وعقبة بن عامر، وأنس رفعه. انتهى (^٩) كلام ابن منده رحمه الله تعالى.
_________________
(١) نسبة إلى بطن من همدان، ويقال له: الأياميّ.
(٢) أخرجه النسائيّ ٧/ ١٢١ - ١٢٢.
(٣) النسائيّ ٧/ ١٢١. واسم أبي الأحوص: عوف بن مالك بن نضلة.
(٤) النسائيّ ٧/ ١٢٢. واسم أبي الزعراء: عمرو بن عمرو، أو ابن عامر.
(٥) هو ابن أبي وقّاص - ﵁ -، أخرج حديثه النسائيّ ٧/ ١٢٢، والبخاريّ في "الأدب المفرد" (٤٢٩).
(٦) عند الطبرانيّ في "الكبير" ١٧/ ٨٠.
(٧) عند ابن ماجه (٣٩٤٠).
(٨) هو عبد الله بن مغفّل، رواه الطبرانيّ في "الأوسط". قال الهيثمي في "المجمع" ٨/ ٧٣: وفيه كثير بن يحيى، وهو ضعيف.
(٩) الإيمان لابن منده ٢/ ٦٧٣.
[ ٢ / ٤٣٣ ]
[تنبيه آخر]: قد تابع أبا وائل في رواية هذا الحديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، أخرجه الترمذيّ مصحّحًا، ولفظه: "قتال المسلم أخاه كفرٌ، وسبابه فسوقٌ"، ورواه جماعة عن عبد الله بن مسعود موقوفًا ومرفوعًا (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: ورواه أيضًا النسائيّ (٢٧/ ٤١٠٦) من حديث سعد بن أبي وقّاص أيضًا مرفوعًا، فانتفت بذلك دعوى من زعم أن أبا وائل تفرّد به.
(عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ) - ﵁ - أنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: ("سِبَابُ الْمُسْلِمِ) كذا هو في معظم الروايات، ولأحمد عن غُنْدَر، عن شعبة: "المؤمن"، فكأنه رواه بالمعنى، قاله في "الفتح".
والسِّباب والقتال بالكسر مصدرا سابّه وقاتله، كما قال في "الخلاصة":
لِفَاعَلَ الْفِعَالُ وَالْمُفَاعَلَهْ … وَغَيْرُ مَا مَرَّ السَّمَاعُ عَادَلَهْ
و"السّبَابُ" - بكسر السين وتخفيف الموحدة - بمعنى السبّ، وهو الشتم، وهو التكلّم في عرض الإنسان بما يَعِيبه، وفي "المطالع": السباب: المشاتمة، وهي من السبّ، وهو القطع، وقيل: من السَّبّة (^٢)، وهي حلقة الدبر، وسُمّي الفاحش من القول بالفاحش من الجسد، كأنها على القول الأول قطع المسبوب عن الخير والفضل، وعلى الثاني كشف عورته وما ينبغي أن يُستَرَ، لأن من شأن السابّ إبداء عورة المسبوب، وفي "العباب": التركيب يدلّ على القطع، ثم اشتقّ منه الشتم، وقال إبراهيم الحربي: السباب أشد من السبّ، وهو أن يقول في الرجل ما فيه وما ليس فيه يريد بذلك عيبه (^٣)، وقال غيره: السباب هنا مثل القتال، فيقتضي المفاعلة (^٤).
_________________
(١) "فتح" ١/ ١٥٤ "كتاب الإيمان" حديث ٤٨.
(٢) "السَّبَّةُ" بالفتح: الاستُ، قاله في "القاموس".
(٣) نقله ابن منده في "كتاب الإيمان" ٢/ ٦٧٢.
(٤) راجع: "عمدة القاري" ١/ ٣١٩، و"فتح الباري" ١/ ١٢١ و١٥٤ "كتاب الإيمان" حديث رقم (٣٠ و٤٨).
[ ٢ / ٤٣٤ ]
وإضافة "سباب" إلى "المسلم" وكذا "قتال" إلى ضميره من إضافة المصدر إلى مفعوله.
فقوله: "سبابُ المسلم" مبتدأ خبره قوله: (فُسُوقٌ) - بضم فسكون - مصدر فَسَقَ يفسُق بالضمّ، من باب نَصَر، وحكى الأخفش يَفسِق بالكسر، من باب ضرب: أي فجور، يعني أن سبابه خروجٌ عن الذي يجب من احترام المسلم وحُرْمة عرضه وسبّه، أو هو من أعمال أهل الفسوق.
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قوله: "فسوق": أي خروج عن الطاعة وواجبِ الشرع، وبه سُمّي الفاسق فاسقًا لخروجه عن ثِقاف الإسلام وانسلاخه عن أعمال البرّ، يقال: فَسَقَت الرُّطَبَة: إذا خرجت من قشرها (^١).
وقال في "الفتح": "الفسق" - في اللغة -: الخروج، وفي الشرع: الخروج عن طاعة الله تعالى ورسوله - ﷺ -، وهو في عرف الشرع أشدّ من العصيان، قال الله تعالى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ الآية [الحجرات: ٧].
ففي الحديث تعظيم حق المسلم، والحكم على من سبه بغير حق بالفسق، ومقتضاه الرد على المرجئة، وعُرف من هذا مطابقة جواب أبي وائل للسؤال عنهم، كأنه قال: كيف تكون مقالتهم حقًّا والنبي - ﷺ - يقول هذا؟. انتهى.
(وَقِتَالُهُ كُفْرٌ") أي من أعمال أهل الكفر، فإنهم الذين يَقصدون قتال المسلم، وأما تأويله بحمله على القتال مستحلًّا فيؤدّي إلى عدم صحّة المقابلة؛ لكون السباب مستحلًّا كفرًا أيضًا.
وقال عياض رحمه الله تعالى: أي قتاله من أجل إسلامه، واستحلالُ ذلك منه كفرٌ، وقيل: ذلك من أفعال أهل الكفر، أو يكون كفرَ طاعة، وكفرَ نعمة وغَمْطَها، بأن جعلهما الله تعالى مسلمين، وأَلّف بين قلوبهما، ثم صار هو بعدُ يقاتله، وقيل: كفرٌ بحقّ المسلم وجَحْدٌ له بالمعنى؛ لإظهاره إباحة ما أنزل الله من تحريم دمه وقتاله، وترك ما أُمر به من محبّته وصِلَته وإكرامه، فهو
_________________
(١) "إكمال المعلم" ١/ ٣٥٤ - ٣٥٥.
[ ٢ / ٤٣٥ ]
كفرٌ بفعله وعمله لا بقوله واعتقاده، وقد يكون القتال الْمُشَارّةَ - يعني المخاصمة والمدافعة - كما قال في الحديث الآخر في المارّ بين يدي المصليّ: "فليُقاتله" (^١)، وكلّه منهيّ عنه، وفاعله جاحد حقّ أخيه المسلم وحقَّ الله تعالى فيه. انتهى كلام القاضي (^٢).
وقال في "الفتح": ولا متمسّك في هذا الحديث للخوارج الذين يُكفّرون بالمعاصي لأن ظاهره غير مراد؛ وإنما عبّر بلفظ الكفر لكون القتال أشدّ من السباب؛ لأنه يفضي إلى إزهاق الروح، ولم يُرد حقيقة الكفر التي هي الخروج عن الملّة، بل أطلق عليه الكفر مبالغةً في التحذير، مُعْتَمِدًا على ما تقرّر من القواعد أن مثل ذلك لا يُخرج عن الملّة، مثلُ حديث الشفاعة ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [النساء: ٤٨].
أو أطلق عليه الكفر لشبهه به؛ لأن قتال المؤمن من شأن الكافر.
وقيل: المراد هنا الكفر اللغويّ وهو التغطية؛ لأن حقّ المسلم على المسلم أن يُعينه، ويَنصره، ويكُفّ عنه أذاه، فلما قاتله كان كأنه غطّى على هذا الحقّ.
وقيل: أراد بقوله "كفر" أي قد يؤول هذا الفعل بشؤمه إلى الكفر، وهذا بعيد وأبعد منه حمله على المستحلّ لذلك؛ لأنه يلزم منه أن لا يحصُل التفريق بين السِّبَاب والفسوق، فإن مستحلّ لعن المسلم بغير تأويل يكفر أيضًا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أولى ما قيل في معنى هذا الحديث أنه أطلق عليه الكفر مبالغة في التحذير من ذلك؛ ليَنْزجر السامع عن الإقدام عليه، أو أنه على سبيل التشبيه لأن ذلك من فعل الكفار (^٣).
_________________
(١) حمل القاضي عياض حديث المار على المشارّة فيه نظر، إلا أن يريد أنه يبدأ بالأسهل فالأسهل، وإلا فالظاهر حمله على القتال المعروف، كما سيأتي تحقيقه في محله.
(٢) "إكمال المعلم" ١/ ٣٥٥ - ٣٥٦.
(٣) راجع: "الفتح" ١٤/ ٥٢١.
[ ٢ / ٤٣٦ ]
ويأتي هذا أيضًا في قوله - ﷺ -: "لا ترجعوا بعدي كُفّارًا يضرب بعضكم رقاب بعض"، كما سيأتي بيان الأقوال التي قيلت في تأويله، وهي عشرة أقوال، في الباب التالي - إن شاء الله تعالى -.
ونظير هذا قوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ بعد قوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ الآية [البقرة: ٨٥]، فدلّ على أن بعض الأعمال يُطلق عليه الكفر تغليظًا.
وأما قوله - ﷺ - فيما رواه المصنّف: "لعن المسلم كقتله" فلا يُخالف هذا الحديث؛ لأن المشبّه به فوق المشبّه، والقدر الذي اشتركا فيه بلوغ الغاية في التأثير، هذا في الْعِرْض وهذا في النفس. أفاده في "الفتح" (^١).
[تنبيه]: ورد لهذا الحديث سببٌ، أخرجه البغويّ والطبريّ، من طريق أبي خالد الوالبيّ، عن عمرو بن النعمان بن مُقَرِّن الْمُزَنيّ، قال: انتهى رسول الله - ﷺ - إلى مجلس من مجالس الأنصار - ورجلٌ من الأنصار، كان عُرِف بالبذاء ومشاتمة الناس - فقال رسول الله - ﷺ -: "سباب المسلم فسوقٌ، وقتاله كُفرٌ"، زاد البغويّ في روايته: فقال ذلك الرجل: والله لا أُسابُّ رجلًا (^٢).
(قَالَ زُبَيْدٌ) الياميّ (فَقُلْتُ لِأَبِي وَائِلٍ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود - ﵁ - (يَرْوِيهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول (قَالَ) أبو وائل (نَعَمْ) أي سمعته منه، وإنما قال زُبيد هذا للتأكّد، وله سبب ذكره البخاريّ من طريق محمد بن عرعرة، عن شعبة، عن زبيد، قال: سألت أبا وائل عن المرجئة؟ فقال: حدّثني عبد الله أن النبيّ - ﷺ - قال: "سباب المسلم فسوقٌ، وقتاله كفر".
قال في "الفتح": قوله: "سألت أبا وائل عن المرجئة": أي عن مقالة المرجئة، ولأبي داود الطيالسيّ، عن شعبة، عن زبيد، قال: لَمّا ظَهَرت المرجئة، أتيت أبا وائل، فذكرت ذلك له، فظهر من هذا أن سؤاله كان عن
_________________
(١) "فتح" ١/ ١٥٥ "كتاب الإيمان" حديث رقم (٤٨).
(٢) راجع: "الفتح" ١٣/ ٣٠ "كتاب الفتن" رقم (٧٠٧٥ - ٧٠٨٠).
[ ٢ / ٤٣٧ ]
مُعْتَقدهم، وأن ذلك كان حين ظهورهم، وكانت وفاة أبي وائل سنة تسع وتسعين، وقيل: سنة اثنتين وثمانين، ففي ذلك دليل على أن بدعة الإرجاء قديمة. انتهى (^١).
وقوله: (وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ قَوْلُ زُبَيْدٍ لِأَبِي وَائِلٍ) يعني أن شعبة رواه عن زُبيد بدون قوله: "فقلت لأبي وائل … إلخ"، والله تَعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٣٠/ ٢٢٨ و٢٢٩] (٦٤) و(البخاريّ) في "الإيمان" (٤٨) و"الأدب" (٦٠٤٤) و"الفتن" (٧٠٧٦)، وفي "الأدب المفرد" (٤٣١)، و(الترمذيّ) في "البر والصلة" (١٩٨٣) و"الإيمان" (٢٦٣٤) و(٢٦٣٥)، و(النسائيّ) في "كتاب المحاربة" (٢٧/ ٤١١١ و٤١١٢ و٤١١٣ و٤١١٤ و٤١١٥)، وفي "الكبرى" (٢٧/ ٣٥٧٤ و٣٥٧٥ و٣٥٧٦ و٣٥٧٧ و٣٥٧٨)، و(ابن ماجه) في "المقدّمة" (٦٩) و"الفتن" (٣٩٣٩)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٤٨ و٢٥٨ و٣٠٦)، و(الحميديّ) في "مسنده" (١٠٤)، و(أحمد) في "مسنده" (٣٦٣٩ و٣٨٩٣ و٣٩٤٧ و٤١١٥ و٤١٦٧ و٤٢٥٠ و٤٣٣٢ و٤٣٨٠)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٤٩٨٨ و٤٩٩١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٩٣٩)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٦٥٣ و٦٥٤ و٦٥٥ و٦٥٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٥٨ و٥٩ و٦٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢١٩ و٢٢٠ و٢٢١) وفي "الحلية" (٥/ ٣٤)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٣٦٥)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٠١٠٥)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ٢٠ و١٠/ ٢٠٩)، و(الخطيب البغدادي) في "تاريخه" ١٣/ ١٨٥، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "فتح" ١/ ١٥٤.
[ ٢ / ٤٣٨ ]
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان حكم سباب المسلم وهو أنه فسوق، وقتاله وهو أنه كفرٌ على ما تقدّم من بيان المراد بالكفر هنا.
٢ - (ومنها): أن فيه تعظيم حقّ المسلم، والحكم على من سبّه بغير حقّ بالفسق، وعلى من قاتله بالكفر.
٣ - (ومنها): أن فيه الردّ على المرجئة القائلين بأن المعاصي لا تضرّ مع الإيمان، وفي "صحيح البخاريّ" من طريق شعبة، عن زُبيد، قال: سألت أبا وائل عن المرجئة؟ فقال: حدّثني عبد الله - يعني ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه، أن النبيّ - ﷺ - قال: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر"، يعني أن مذهبهم هذا باطلٌ، فكأنه قال: كيف يكون مذهبهم حقًّا، وقد خالف قول النبيّ - ﷺ - هذا؟ فمراده إبطال رأيهم الفاسد المذكور.
[فإن قيل]: هذا - وإن تضمّن الردّ على المرجئة - لكن ظاهره يقوّي مذهب الخوارج الذين يُكفّرون بالمعاصي.
[أجيب]: بأن المبالغة في الرّدّ على المبتدعة اقتضت ذلك، ولا متمسّك للخوارج فيه، لأن ظاهره غير مراد، لكن لَمّا كان القتال أشدّ من السباب - لأنه مفض إلى إزهاق الروح - عبّر عنه بلفظ أشدّ من لفظ الفسق وهو الكفر، ولم يُرِد به الكفر المخرج عن الملّة، وإنما أراد المبالغة في الحديث، معتمدًا على ما تقرّر من القواعد أن مثله لا يُخرج عن الملّة، مثل أحاديث الشفاعة وغيرها (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: أخرج النسائيّ من طريق أَبِي دَاوُدَ الطيالسيّ، عن شُعْبَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِحَمَّادٍ: سَمِعْتُ مَنْصُورًا، وَسُلَيْمَانَ، وَزُبَيْدًا، يُحَدِّثُونَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ الله، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: "سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ"، مَنْ تَتَّهِمُ؟ أَتَتَّهِمُ مَنْصُورًا؟، أَتَتَّهِمُ زُبَيْدًا؟، أَتَتَّهِمُ سُلَيْمَانَ؟، قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي أَتَّهِمُ أَبَا وَائِلٍ.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١/ ١٥٥ "كتاب الإيمان" حديث رقم (٤٨).
[ ٢ / ٤٣٩ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن حمّادًا هنا هو ابن أبي سُليمان، وهو شيخٌ لشعبة وكان مرجئًا، والظاهر أنه جرى بينه وبين شعبة النِّقَاش في الإرجاء فذكر له شعبة هذا الحديث محتجًّا عليه، ثم قال له: أتتّهم هؤلاء الرواة أنهم حدّثوا بحديث غير ثابت عن النبيّ - ﷺ -؟، فقال: لا أتّهمهم، وإنما أتّهم شيخهم أبا وائل.
وإنما اتّهم أبا وائل لأنه كان يردّ على هذا الرأي الباطل، ويذكر حديث ابن مسعود - ﵁ - هذا احتجاجًا على إبطاله، كما سبق من رواية البخاريّ في "صحيحه" عن شعبة، عن زبيد، قال: سألت أبا وائل عن المرجئة؟ فقال: حدّثني عبد الله أن النبيّ - ﷺ - قال: "سباب المسلم فسوقٌ، وقتاله كفر". وفي رواية أبي داود الطيالسيّ، عن شعبة، عن زبيد، قال: لَمّا ظهرت المرجئة، أتيت أبا وائل، فذكرت ذلك له.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: فظهر من هذا أن سؤاله كان عن معتقدهم، وأن ذلك كان حين ظهورهم، وكانت وفاة أبي وائل سنة (٩٩)، وقيل: سنة (٨٢)، ففي ذلك دليلٌ على أن بدعة الإرجاء قديمة. انتهى (^١).
ثمّ إن اتّهام حماد لأبي وائل بهذا الحديث اتّهام باطلٌ، وذلك لأن أبا وائل من العدول الثقات، الذين شهد لهم أهل عصرهم ومن بعدهم بالعدالة والصيانة، وبَرّؤوهم من وصمة الإتهامات، فقال الأعمش عن إبراهيم: عليك بشقيق، فإني أدركت الناس، وهم متوافرون، وإنهم ليعدّونه من خيارهم، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة، لا يُسأل عنه، وقال وكيع: كان ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال ابن حبّان: سكن الكوفة، وكان من عُبّادها، وقال العجليّ: رجل صالح، وقال ابن عبد البرّ: أجمعوا على أنه ثقة (^٢).
وأيضًا، فلم ينفرد أبو وائل برواية هذا الحديث عن ابن مسعود - ﵁ -، فقد تابعه أبو الأحوص وعبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، كما هو عند
_________________
(١) "فتح" ١/ ١٥٤.
(٢) راجع ترجمته في: "تهذيب التهذيب" ٢/ ١٧٨ - ١٧٩، وغيره.
[ ٢ / ٤٤٠ ]
النسائيّ، وأبو عمرو الشيبانيّ عند أبي يعلى في "مسنده" (٤٩٩١)، والأسود وهُبيرة بن يَريم عند الخطيب البغداديّ في "تاريخه" (١٠/ ٨٦ - ٨٧)، ومسروق عند أبي نعيم في "الحلية" (٥/ ٢٣)، سِتَّتهم عن ابن مسعود - ﵁ -.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀: وقد اتّهَم بعض فقهاء المرجئة أبا وائل في رواية هذا الحديث، أما أبو وائل فليس بمتّهم، بل هو الثقة العدل المأمون، وقد رواه معه عن ابن مسعود أيضًا أبو عمرو الشيبانيّ، وأبو الأحوص، وعبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، لكن فيهم من وقَفَه، ورواه أيضًا عَن النبيّ - ﷺ - سعد بن أبي وقّاص وغيره. انتهى (^١).
والحاصل أن اتهام حماد لأبي وائل في هذا باطلٌ، وإنما حمله عليه اعتقاده الباطل، والله المستعان على المتّهِمِين أهلَ الحقّ بالباطل زورًا وبُهتانًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٩] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَن الأَعْمَش، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ الله، عَن النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بن أَبِي شَيْبَةَ) المذكور قبل حديث.
٢ - (مَنْصُورٌ) بن المعتمر بن عبد الله السّلميّ، أبو عَتَّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، لا يدلّس [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٦.
٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
_________________
(١) راجع: "فتح الباري شرح صحيح البخاريّ" للحافظ ابن رجب ١/ ٢٠١.
[ ٢ / ٤٤١ ]
٤ - (عَفَّانُ) بن مسلم بن عبد الله الباهليّ، أبو عثمان الصّفّار البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، كان إذا شكّ في الحرف تركه، وربّما وَهِمَ، من كبار [١٠] (ت ٢١٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٤.
٥ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مهران الإمام الشهير تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا في السند الماضي، وكذا شرح الحديث ومسائله تقدّمت هناك.
وقوله: (كلاهما) أي منصور والأعمش.
وقوله: (بمثله) أي بمثل حديث زُبيد عن أبي وائل.
[تنبيه]: رواية منصور والأعمش، عن أبي وائل ساقها أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٣٣) فقال:
(٥٩) حدثنا يونس بن حبيب، قال: ثنا أبو داود (ح) وحدثنا يحيى بن عياش، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: أنبأ شعبة، قال: أخبرني الأعمش ومنصور، عن أبي وائل، عن عبد الله، عن النبيّ - ﷺ - قال: "سباب المسلم فسوقٌ، وقتاله كفرٌ". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.