وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٥] (٦٨) - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ - عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَن الشَّعْبِيّ، عَنْ جَرِيرٍ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: "أَيُّمَا عَبْدٍ أَبِقَ مِنْ مَوَالِيه، فَقَدْ كَفَرَ، حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ"، قَالَ مَنْصُورٌ: قَدْ وَاللهِ رُوِيَ عَن النَّبِيِّ - ﷺ -، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يُرْوَى عَنِّي هَهُنَا بِالْبَصْرَةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) هو ابن إبراهيم بن مِقسَم الأسديّ مولاهم، أبو بِشْر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٣ - (مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الْغُدَانيّ (^١) الأشلّ البصريّ، صدوق يَهِم [٦].
_________________
(١) بضم الغين المعجمة، وتخفيف الدال المهملة، نسبة إلى غُدَانة بن يَرْبُوع بن =
[ ٢ / ٤٦٥ ]
رَوَى عن أبي إسحاق السَّبِيعيّ، وعامر الشعبيّ، والحسن البصري.
وروى عنه أبو مطيع الحكم بن عبد الله البَلْخِيَّ، وشعبة بن الحجاج، وبشر بن المفضل، وإسماعيل ابن علية.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: صالح رَوَى عنه شعبة، قلت: ثقة؟ قال: حَدّث عنه شعبة، وإسماعيل، إلا أنه يخالف في أحاديث، وهو ثقة، ليس به بأس، وقال ابن معين وأبو داود: ثقة، وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ، يُكتَب حديثه ولا يحتجّ به، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات".
تفرّد به المصنّف وأبو داود، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٤ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ إمام مشهور فقيه فاضل [٣] (ت بعد المائة)، وله نحو ثمانين سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٥ - (جَرِير) بن عبد الله الصحابيّ الشهير - ﵁ - المذكور قبل باب، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن فيه قوله: "يعني ابن عُليّة"، هذه العناية من المصنّف رحمه الله تعالى، وذلك أن شيخه لم ينسب إسماعيل، فلما أراد أن ينسبه أتى بـ "يعني" فصلًا بين ما زاده وبين كلام شيخه.
٣ - (ومنها): أن منصورًا ليس له رواية في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، كما نبّهتُ عليه آنفًا.
٤ - (ومنها): أن جملة من يُسمّى بمنصور بن عبد الرحمن في الكتب الستة اثنان فقط:
[أحدهما]: هذا المترجم هنا عند المصنّف وأبي داود فقط.
[والثاني]: منصور بن عبد الرحمن بن طلحة الْعَبْدريّ الْحَجَبيّ المكّي عند الجماعة إلا الترمذيّ.
_________________
(١) = حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تيم، قاله في "الأنساب" ٤/ ٢٨٣، و"اللباب" ٢/ ٣٧٥.
[ ٢ / ٤٦٦ ]
ولهم ثالث يُذكَر للتمييز، وهو منصور بن عبد الرحمن الْبُرْجُميّ.
[تنبيه]: ذكر النوويّ رحمه الله تعالى في "شرحه" (٢/ ٥٩) ما نصّه: وفي الرواة خمسةٌ يقال لكلّ واحد منهم منصور بن عبد الرحمن، هذا أحدهم. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النوويّ نقله عن الحافظ أبي بكر الخطيب في كتابه "المتّفق" والمفترق" (٣/ ١٩٢٢)، فقد قال فيه: منصور بن عبد الرحمن خمسة، منهم اثنان ذكرهما البخاريّ في "تاريخه"، ثم قال: منصور بن عبد الرحمن بن الأحوص القرشيّ، من بني عبد شمس، مدنيّ، حدّث عن زيد بن ثابت، روى عنه الزهريّ، ثم ذكر الثلاثة المذكورين هنا، ثم قال: ومنصور بن عبد الرحمن حدّث عن الحسن البصريّ، روى عنه إبراهيم بن طهمان، ثم أورد الخطيب حديثًا من طريقه.
قال الجامع: أما منصور بن عبد الرحمن القرشيّ، فقد ذكره البخاريّ في "التاريخ الكبير" (٤/ ١/ ٣٤٤) باسم منصور بن عبد الله، وكذا هو في "الجرح والتعديل" (٨/ ١٧٤) لابن أبي حاتم، و"الثقات" (٥/ ٤٢٩) لابن حبّان، ولكن أشار في هامش "التاريخ الكبير" أنه وقع باسم: منصور بن عبد الرحمن، ولعل الخطيب اعتمد على هذه النسخة، والظاهر أنها غير صحيحة؛ لأن ابن أبي حاتم، وابن حبان ذكراه بابن عبد الله، والله تعالى أعلم.
وأما منصور الأخير فلم أر له ذكرًا عند غيره، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَرِير) بن عبد الله البجليّ - ﵁ - (أَنَّهُ) أي منصورًا (سَمِعَهُ) أي جريرًا - ﵁ - (يَقُولُ: "أَيُّمَا عَبْدٍ) "أيُّ" اسم شرط مبتدأ، وفي خبره الخلاف، هل هو جملة الشرط، أو الجواب، أو هما معًا؟ كما هو موضّح في كتب النحو، و"ما" زائدة، و"أيُّ" مضاف إلى "عبد" (أَبِقَ) بكسر الموحّدة وفتحها، يقال: أَبِقَ
_________________
(١) "شرح مسلم" ٢/ ٥٩.
[ ٢ / ٤٦٧ ]
العبدُ، كسَمِعَ، وضَرَبَ، وقَتَل (^١) أَبْقًا، ويُحَرَّكُ، وإِبَاقًا، ككتاب: ذهب بلا خوفٍ ولا كذ عَمَل، أو استخفى ثم ذهب، فهو آبقٌ وأَبُوقٌ، وجمعه ككُفّار ورُكَّع، قاله في "القاموس" (^٢)، وفي "المصباح": أَبِقَ العبدُ أَبْقًا، من بابي تَعِبَ وَقَتَلَ في لغة، والأكثر من باب ضَرَب: إذا هَرَبَ من سيّده من غير خوفٍ ولا كدّ عَمَلٍ، هكذا قيّده في "كتاب العين"، وقال الأزهريّ: الأَبْقُ: هُرُوبُ العبد من سيّده، والإِبَاقُ بالكسر اسمٌ منه، فهو آبقٌ، والجمعُ أُبّاقٌ، مثلُ كافر وكُفّار. انتهى (^٣).
وقال النوويّ في "شرحه": "وأبِقَ" بفتح الباء، وكسرها لغتان مشهورتان، والفتح أفصح، وبه جاء القرآن: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠)﴾ [الصافات: ١٤٠]. انتهى (^٤).
(مِنْ مَوَالِيهِ) متعلّق بـ "أبق"، وهو جمع مولى بمعنى السيّد، وقد سبق أنه يُطلق على أحد وعشرين معنى، جمعتها في أبيات تقدّم ذكرها، فراجعها تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (فَقَدْ كَفَرَ) تقدّم في الباب الماضي أقوال أهل العلم في المعنى المراد بالكفر هنا، وأن الأصحّ أنه كفر دون كفر، وليس كفرًا مخرجًا من الإسلام إلا لمن استحلّه (حَتَّى يَرْجِعَ) بفتح أوله وكسر ثالثه، من باب ضرب (إِلَيْهِمْ") فيه أن رجوعه إليهم يُعدّ توبة في حقّه.
(قَالَ مَنْصُور) هو ابن عبد الرحمن الراوي عن الشعبيّ (قَدْ وَاللهِ) قسم معترض بين "قد" ومدخولها (رُوِيَ) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله ضمير الحديث المذكور.
والمعنى: أن هذا الحديث الذي رواه الشعبيّ عن جرير - ﵁ - موقوفًا عليه مرويّ (عَن النَّبِيِّ - ﷺ -) مرفوعًا.
ولفظ أبي نُعيم في "مستخرجه": "قال منصور: وقد والله قاله رسول الله - ﷺ -".
_________________
(١) وقع في "القاموس": "وَمَنَعَ"، لكن الصواب، كما في "الصحاح"، و"المصباح" و"اللسان" أنه من باب قتل، فلذا أصلحته به، وقد نبه على هذا الشارح المرتضى، والله تعالى أعلم.
(٢) "القاموس" ص ٧٧٨.
(٣) "المصباح المنير" ١/ ٢.
(٤) "شرح مسلم" ٢/ ٥٩.
[ ٢ / ٤٦٨ ]
ورواه ابن منده في "الإيمان" من طريق شعبة عن منصور الأشلّ، قال: سمعت الشعبيّ يُحدّث عن جرير، قال شعبة: حدّثنيه مرّتين، ورفعه آخر مرّة عن النبيّ - ﷺ - قال: "إن العبد الآبق … " الحديث.
ورواه الخطيب البغداديّ في كتابه "المتّفق والمفترق" بسند المصنّف، وفيه: "قال منصور: قد والله رواه عن النبيّ - ﷺ - … ".
(وَلَكِنِّي أَكْرَهُ) بفتح أوله وثالثه، من باب تَعِبَ (أَنْ يُرْوَى عَنِّي) ببناء الفعل للمفعول، أي ينقله الناس عنّي (هَهُنَا بِالْبَصْرَةِ) بفتح الموحّدة وكسرها: المدينة المعروفة بالعراق، بُنيت في عهد عمر زعنه سنة ثماني عشرة من الهجرة بعد وقف السواد، ولذا دخلت في حدوده دون حكمه، قاله الفيّوميّ (^١).
ومعنى كلام منصور رحمه الله تعالى هذا أنه رَوَى هذا الحديثَ عن الشعبيّ، عن جرير موقوفًا عليه، ثم قال منصور بعد روايته إياه موقوفًا: والله إنه مرفوعٌ إلى النبيّ - ﷺ -، فاعلموه أيها الخواصّ الحاضرون، فإني أكرَه أن أُصَرِّح برفعه في لفظ روايتي، فَيَشِيَع عنيّ في البصرة التي هي مملوءة من المعتزلة والخوارج، الذين يقولون بتخليد أهل المعاصي في النار، والخوارج يزيدون على التخليد، فَيَحْكُمُون بكفره، ولهم شبهة في التعلّق بظاهر هذا الحديث، وقد قَدَّمنَا تأويله، وبطلان مذاهبهم بالدلائل القاطعة الواضحة التي ذكرناها في مواضع من هذا الكتاب، قاله النوويّ رحمه الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جرير - ﵁ - عنه هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٣٣/ ٢٣٥ و٢٣٦ و٢٣٧] (٦٨)، و(أبو داود) في "الحدود" (٤٣٦٠)، و(النسائيّ) في "كتاب المحاربة" (٤٠٥١ و٤٠٥٢ و٤٠٥٣ و٤٠٥٤ و٤٠٥٥ و٤٠٥٦ و٤٠٥٧ و٤٠٥٨)، وفي "الكبرى"
_________________
(١) "المصباح" ١/ ٥٠.
[ ٢ / ٤٦٩ ]
(٣٥١٢ و٣٥١٣ و٣٥١٤ و٣٥١٥ و٣٥١٦ و٣٥١٧ و٣٥١٨ و٤٥١٩)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٥٧ و٣٦٥)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٧٠ و٧١ و٧٢ و٧٣ و٧٤)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٢٦ و٢٢٧ و٢٢٨)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٦٦٦ و٦٦٧ و٦٦٨ و٦٦٩)، والبيهقيّ في "الكبرى" (٨/ ٢٠٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن إباق العبد من مواليه معصية كبيرة، تُضادّ مقتضيات الإيمان من وجوب الطاعة لهم، وهذا هو وجه إدخال المصنّف لهذا الحديث في أبواب الإيمان.
٢ - (ومنها): أن الإباق يعتبر كفرًا، وقد سبق أنه كفر دون كفر، فهو كفر لنعمة الله تعالى عليه.
٣ - (ومنها): أن قول منصور بن عبد الرحمن: "ولكني أكره أن يُرْوَى عني ها هنا بالبصرة" فيه ما كان عليه السلف من تيقّظهم وتحفّظهم من أن يتعلّق المبتدعون بالنصوص التي يروونها فيما يؤيّد بِدَعَهُم، وهكذا ينبغي للعالم أن يكون يَقِظًا متحفّظًا، لا ينشر من العلم بين العوامّ ما فيه مُتمسَّك لأهل الضلال وإن كان في نفسه حقًّا، فلا يورد النصوص التي ظواهرها تؤيّد أفكارهم، وعلى ذلك بوّب الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في "كتاب العلم" من "صحيحه"، فقال: "باب من خصّ بالعلم قومًا دون قوم كراهية أن لا يفهموا"، ثم أخرج بسنده عن عليّ - ﵁ - قال: حدّثوا الناس بما يَعرِفون، أتحبّون أن يكذّب الله ورسوله؟ "، وأورد أيضًا حديث معاذ - ﵁ - عنه حين قال للنبيّ - ﷺ -: أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: "لا تبشّرهم فيتكلوا"، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في (١١/ ١٥٢) فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٦] (٦٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَيُّمَا عَبْدٍ أَبِقَ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ").
[ ٢ / ٤٧٠ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاث) بن طَلْق بن معاوية النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقةٌ فقيهٌ، تغيّر حفظه قليلًا في الآخر [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٦.
٢ - (دَاوُد) بن أبي هند الْقُشيريّ مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ، كان يَهِم بآخره [٥] (ت ١٤٠) وقيل: قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢٢١.
والباقون تقدّموا في الذي قبله.
وقوله: (فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ) قال القرطبيّ: أي ذمّة الإيمان وعهدُه، وخَفَارته، إن كان مستحلًّا للإباق فيجب قتله بعد الاستتابة لأنه مرتدّ، وإن لم يكن كذلك فقد خرج عن حُرْمة المؤمنين وذمّتهم، فإنه تجوز عقوبته على إباقه، وليس لأحد أن يحول بين سيّده وبين عقوبته الجائزة إذا شاءها السيّد، ويقال: بَرِئْتُ من الرجل، والدين بَرَاءةً، وبَرِئت إليه بُرْءًا وبُرُوءًا، ويقال أيضًا: بَرُئت - بضم الراء - أبرُؤ. انتهى (^١).
وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: قوله: "فقد برئت منه الذمّة": أي لا ذمّة له حينئذ، و"الذمة" هنا يجوز أن تكون هي الذمة المفسرة بالذِّمَام، وهو الحرمة، ويجوز أن تكون من قَبِيل ما جاء في قوله: له ذمة الله وذمة رسوله - ﷺ -: أي ضمانه، وأمانته، ورعايته، وكلاءته، ومن ذلك أن الآبق كان مَصُونًا عن عقوبة السيد له وحبسه، فزال ذلك بإباقه، والله أعلم. انتهى (^٢)،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٧] (٧٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَن الشَّعْبِيِّ، قَالَ: كَانَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الله، يُحَدِّثُ عَن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "إِذَا أَبِقَ الْعَبْدُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ").
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٢٥٦ "كتاب الإيمان".
(٢) "الصيانة" ص ٢٤٧ - ٢٤٨.
[ ٢ / ٤٧١ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بُكير التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ، ثبتٌ، إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (جَرِيرٌ) بن عبد الحميد بن قُرط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (مُغِيرَةُ) بن مِقْسَم الضبيّ مولاهم، أبو هشام الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ متقنٌ، يدلّس [٦] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٥.
والباقيان تقدّما قريبًا.
وقوله: (إِذَا أَبِقَ الْعَبْدُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ) قيل: القبول أخصّ من الإجزاء، فإن القبول هو أن يكون العملُ سببًا لحصول الأجر والرضا والقرب من الله تعالى، والإجزاء كونه سببًا لسقوط التكليف عن الذّمّة، فصلاة العبد الآبق صحيحة مجزئة لسقوط التكليف عنه بها، لكن لا أجر له عليها، قاله السنديّ رحمه الله تعالى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بالإجزاء وسقوط التكليف مع عدم القبول فيه نظر لا يخفى؛ إذ هو قول بلا دليل ولا حجة، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: "لم تُقبل له صلاةٌ" إن كان مستحلًّا حُمل الحديث على ظاهره؛ لأنه يكون كافرًا ولا يُقبل لكافر عملٌ، وإن لم يكن كذلك لم تصحّ صلاته على مذهب المتكلّمين في الصلاة في الدار المغصوبة؛ لأنه منهيّ عن الكون في المكان الذي يُصلّي فيه ومأمور بالرجوع إلى سيّده، وأما على مذهب الفقهاء المصحّحين لتلك الصلاة، فيُمكن أن يُحمل الحديث على مذهبهم على أن الإثم الذي يلحقه في إباقه أكثر من الثواب الذي يدخل عليه من جهة الصلاة، فكأن صلاته لم تُقبَل؛ إذ لم يتخلّص بسببها من الإثم، ولا حصل له منها ثواب يَتخلّص به من عقاب الله على إباقه، فكان هذا كما في قوله - ﷺ -: "إن شارب الخمر لا تُقبل له صلاةٌ
_________________
(١) "شرح السنديّ" ٧/ ١٠٢ - ١٠٣.
[ ٢ / ٤٧٢ ]
أربعين يومًا" (^١). انتهى كلام القرطبيّ (^٢).
قال الجامع: القول بعدم صحة الصلاة في الدار المغصوبة هو الحقّ، كما سيأتي، والله تعالى أعلم.
وقال النوويّ في "شرحه": أَوَّلَ الإمام المازريّ وتبعه القاضي عياض رحمهما الله تعالى هذا الحديث على أن ذلك محمول على المستحلّ للإباق، فيَكْفُر، ولا تُقبل له صلاة ولا غيرها، ونبّه بالصلاة على غيرها.
وأنكر الشيخ أبو عمرو - يعني ابن الصلاح - هذا التأويل، وقال: بل ذلك جارٍ في غير المستحلّ، ولا يلزم من عدم القبول عدم الصحّة، فصلاة الآبق صحيحة غير مقبولة، فعدم قبولها لهذا الحديث وذلك لاقترانها بمعصية، وأما صحّتها فلوجود شروطها وأركانها المستلزمة صحّتها، ولا تناقض في ذلك، ويظهر أثر عدم القبول في سقوط الثواب، وأثر الصّحّة في سقوط القضاء، وفي أنه لا يُعاقب عقوبة تارك الصلاة. هذا آخر كلام الشيخ أبي عمرو رحمه الله تعالى.
قال النوويّ: وهو ظاهر لا شكّ في حسنه، وقد قال جماهير أصحابنا: إن الصلاة في الدار المغصوبة صحيحة لا ثواب فيها، ورأيت في "فتاوى أبي نصر بن الصبّاغ" من أصحابنا التي نقلها عنه ابن أخيه الْقَاضِي أَبُو مَنْصُور، قَالَ: الْمَحْفُوظُ مِنْ كَلَام أَصْحَابنَا بِالْعِرَاق، أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الدَّار الْمَغْصُوبَةِ صَحِيحَة، يَسْقُط بِهَا الْفَرْض، وَلَا ثَوَاب فِيهَا، قَالَ أَبُو مَنْصُور: وَرَأَيْت أَصْحَابَنَا بِخُرَاسَان اخْتَلَفُوا؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا تَصِحُّ الصَّلَاة، قَالَ: وَذَكَرَ شَيْخُنَا فِي "الْكَامِل" أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تَصِحَّ، ويَحْصُل الثَّوَاب عَلَى الْفِعْل، فَيَكُون مُثَابًا عَلَى فِعْله عَاصِيًا بِالْمُقَامِ فِي الْمَغْصوب، فَإِذَا لَمْ نَمْنَع مِنْ صِحَّتهَا لَمْ نَمْنَع مِنْ حُصُول الثَّوَاب، قَالَ أَبُو مَنْصُور: وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ عَلَى طَرِيق مَنْ صَحَّحَهَا، وَالله أَعْلَم. انتهى كلام النوويّ.
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذيّ (١٨٦٣)، والنسائي (٨/ ٣١٦) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ -.
(٢) "المفهم" ١/ ٢٥٧.
[ ٢ / ٤٧٣ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الحقّ في هذه المسألة هو الذي ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهو أنها لا تصحّ ولا يسقط بها الطلب؛ لظاهر حديث الباب، والفرق بين الصحّة والقبول مما لا يؤيّده دليلٌ، وقد ذكر ذلك في "شرح الكوكب الساطع" في الأصول، عند قوله:
مُطْلَقُ الأَمْرِ عِنْدَنَا لَا يَشْمَلُ … كُرْهًا فَفِي الْوَقْتِ الصَّلَاةُ تَبْطُلُ
أَمَّا الَّذِي جِهَاتُهُ تَعَدَّدَا … مِثْلُ الصَّلَاةِ فِي مَكَانٍ اعْتَدَى
فَإِنَّهَا تَصِحُّ عِنْدَ الأَكْثَرِ … وَلَا ثَوَابَ عِنْدَهُمْ فِي الأَشْهَرِ
وَقِيلَ لَا تَصِحُّ لَكِنْ حَصَلَا … سُقُوطُهُ وَالْحَنْبَلِيُّ لَا وَلَا
وقوله: "والحنبليّ لا ولا" يعني أن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى قال: لا تصحّ الصلاة، ولا ثواب فيها، وهذا هو الحقّ، فتبصر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.