وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٨] (٧١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ زيدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيّ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي إِثْرِ السَّمَاءِ كَانَتْ مِنَ اللَّيْل، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاس، فَقَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ "، قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِن بِي وَكَافِرٌ، فَأمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِه، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَب، وَأمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) المذكور في السند الماضي.
[ ٢ / ٤٧٤ ]
٢ - (مَالِك) بن أنس بن أبي عامر الأصبحيّ، إمام دار الهجرة الفقيه المجتهد الحافظ الحجة الثبت [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
٣ - (صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ) المدنيّ، أبو محمد أو أبو الحارث، مؤدّب ولد عمر بن عبد العزيز، ثقةٌ ثبتٌ فقية [٤] (ت بعد ١٣٠ أو بعد ١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٤ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود الْهُذليّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٥ - (زيدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ) أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو طلحة، ويقال: أبو زرعة، المدنيّ، رَوَى عن النبيّ - ﷺ -، وعن عثمان، وأبي طلحة، وعائشة، وروى عنه ابناه: خالد وأبو حَرْب، ومولاه أبو عمرة، وعبد الرحمن بن أبي عَمْرة، وقيل: أبو عمرة الأنصاريّ، وأبو الْحُبَاب سعيد بن يسار، وعبيد الله الْخَوْلانيّ، وعبد الله بن قيس بن مَخْرَمة، وبسر بن سعيد، وعطاء بن أبي رَبَاح، وعطاء بن يسار، ويزيد مولى الْمُنْبَعِث، وأبو سالم الْجَيْشانيّ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن وغيرهم.
شَهِد الْحُديبية، وكان صاحب لواء جُهَيْنَةَ يوم الفتح، قال أحمد بن الْبَرْقيّ: تُوُفّي بالمدينة سنة ثمان وسبعين، وهو ابن خمس وثمانين سنة، وقال غيره: بالكوفة، وقال ابن سعد وآخرون: مات في آخر أيام معاوية، وقال البغويّ: مات سنة (٦٨)، وقال ابن حبان في "الصحابة": مات سنة (٧٨)، قال: وقد قيل: سنة (٦٨).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثًا (^١)، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة غير شيخه، فتفرّد به هو والبخاريّ، والترمذيّ، والنسائيّ.
_________________
(١) هكذا في برنامج الحديث، والذي ذكرته في "قرّة العين" (ص ١٤٤) نقلًا عن ابن الجوزيّ رحمه الله تعالى أن له (٨١) حديثًا، اتفق الشيخان على خمسة أحاديث، وانفرد مسلم بثلاثة، ويمكن أن يكون التفاوت بالتكرار، والله تعالى أعلم.
[ ٢ / ٤٧٥ ]
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بفقهاء المدنيين غير شيخه، فإنه نيسابوريّ، وقد دخل المدينة للأخذ عن مالك.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: صالح عن عبيد الله.
٥ - (ومنها): أن فيه أحد الفقهاء السبعة، عبيد الله بن عبد الله، وقد تقدّم ذكرهم غير مرّة.
٦ - (ومنها): أن زيد بن خالد - ﵁ - هذا أوّل محلّ ذكره في هذا الكتاب، وجملة ما روى له المصنّف فيه (١٦) حديثًا، كما بيّنته آنفًا، وبالله تعالى التوفيق.
[تنبيه]: قال الحافظ أبو عليّ الجيّاني في "تقييد المهمل" بعد أن أورد إسناد المصنّف هذا ما نصّه: هكذا إسناد هذا الحديث، وفي نسخة أبي العلاء بن ماهان: "مالك، عن صالح بن كيسان، عن الزهريّ، عن عبيد الله، عن ابن عباس"، وإدخال الزهريّ في هذا الإسناد خطأٌ بَيِّنٌ، وصالح بن كيسان يرويه عن عبيد الله بن عبد الله دون واسطة، وصالح أسنّ من الزهريّ. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ زيدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنيِّ) هكذا (^٢) يقول صالح بن كيسان، لم يُخْتَلَف عليه في ذلك، وخالفه الزهريّ، فرواه عن شيخهما عبيدِ الله، فقال: عن أبي هريرة، كما سيأتي في الرواية التي يوردها المصنّف بعد هذا من طريقه، فالطريقان صحيحتان؛ لأن عبيد الله سَمِع من زيد بن خالد وأبي هريرة جميعًا عِدَّةَ أحاديث، منها: حديث الْعَسِيف وحديث الأمة إذا زَنَت، فلعله سمع هذا منهما، فحَدَّث به تارةً عن هذا وتارةً عن هذا، وإنما لم يجمعهما لاختلاف لفظهما كما تراه في روايتيهما، وقد صرح صالح بسماعه له من عبيد الله عند أبي عوانة في "مسنده" (٦٧)، ورَوَى صالح عن عبيد الله بواسطة الزهري عِدّة
_________________
(١) "تقييد المهمل، وتمييز المشكل" ٣/ ٧٧٩ - ٧٨٠.
(٢) راجع: "الفتح" ٢/ ٦٧٤.
[ ٢ / ٤٧٦ ]
أحاديث، منها: حديثُ ابن عباس في شاة ميمونة، كما سيأتي في "كتاب الحيض" (٣٦٣)، وحديثه عنه في قصة هِرَقل كما سيأتي في "الجهاد والسِيَر" (١٧٧٣) (^١).
(قَالَ: صَلَّى بِنَا) أي صلّى إمامًا ونحن مقتدون به، ووقع عند البخاريّ: بلفظ: "صَلَّى لنا" باللام، أي لأجلنا، أو اللام بمعنى الباء أي صلى بنا، وفيه جواز إطلاق ذلك مجازًا، وإنما الصلاة لله تعالى، قاله في "الفتح" (^٢).
(رَسُولُ اللهِ - ﷺ - صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ) بالمهملة والتصغير، وتخفف ياؤها وتُثَقَّل، يقال: سُمِّيَت بشجرة حدباء هناك، قاله في "الفتح".
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: أكثر رواة الحديث والخبر يُشدّدون الياء من الحديبية، والْحُذّاق منهم يُخفّفونها، وكذا قرأناه بالوجهين وبالتخفيف سمعناها من متقنيهم وحُفّاظهم: أبي الحسين بن سراج اللغويّ، وأبي عبد الله بن سليمان الحافظ النحويّ، والقاضي الشهيد الحافظ أبي عليّ السُّكَّريّ، والراوية أبي بحر بن العاص وغيرهم، وحَكَى لنا أبو الحسين أن الأصمعيّ يُخفّفها والكسائيّ يُشدّدها، وروى لنا القاضي الشهيد، عن إسماعيل القاضي، عن ابن المدينيّ أن أهل المدينة يُشذدونها وأهل العراق يُخفّفونها.
وكذلك اختلفوا في "الْجِعْرَانة"، فأهل المدينة يكسرون العين ويُشدّدون الراء، وأهل العراق يُخفّفون العين والراء.
وكذلك اختلفوا في ابن الْمُسَيِّب، فأهل المدينة يَكسرون الياء، وأهل العراق يفتحونها، وهذا عن أهل العراق في الحديبية خلافُ ما قال لنا أبو الحسين. انتهى كلام عياض (^٣).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: في "الْحُدَيبية" لغتان: تخفيف الياء وتشديدها، والتخفيف هو الصحيح المشهور المختار، وهو قول الشافعيّ وأهل اللغة وبعضِ المحدِّثين، والتشديدُ قول الكسائيّ، وابن وهب، وجماهير المحدثين، واختلافهم في الجعرانة كذلك، في تشديد الراء وتخفيفها،
_________________
(١) المراد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، فتنبّه.
(٢) "الفتح" ٢/ ٦٧٤.
(٣) "إكمال المعلم" ١/ ٣٦٨ - ٣٦٩.
[ ٢ / ٤٧٧ ]
والمختار فيها أيضًا التخفيف. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: "الْحُديبية": موضع فيه ماءٌ، بينه وبين مكة أميال، وَصَلَ النبيّ - ﷺ - إليه، وهو محرمٌ بعمرة قبل فتح مكّة، فصدّه المشركون عن البيت، فصالحهم وشَرَطَ لهم وعليهم، ولم يدخل مكّة في تلك السنة ورجع إلى المدينة، فلما كان العام المقبل دخلها، وسيأتي تفصيل ذلك كلِّهِ - إن شاء الله تعالى -. انتهى كلام القرطبيّ (^٢).
وقال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: "الحديبية": بئر بقرب مكة على طريق جُدّة دون مرحلة، ثم أُطلق على الموضع، ويقال: بعضه في الحلّ وبعضه في الحرم، وهو أبعد أطراف الحرم عن البيت، ونَقَل الزمخشريّ عن الواقديّ أنها على تسعة أميال من المسجد، وقال أبو العباس أحمد الطبريّ في "كتاب دلائل القبلة": حَدُّ الحرم من طريق المدينة ثلاثة أميال، ومن طريق جُدَّة عشرة أميال، ومن طريق الطائف سبعة أميال، ومن طريق اليمن سبعة أميال، ومن طريق العراق سبعة أميال، قال في "الْمُحْكَم": فيها التثقيل والتخفيف، ولم أَرَ التثقيل لغيره، وأهلُ الحجاز يُخَفّفون، قال الطَّرْطُوشيّ في قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ [الفتح: ١]: هو صلح الحديبية، قال: وهي بالتخفيف، وقال أحمد بن يحيى: لا يجوز فيها غيره، وهذا هو المنقول عن الشافعيّ، وقال السُّهَيليّ: التخفيف أعرف عند أهل العربية، قال: وقال أبو جعفر النَّحَّاس: سألت كل مَن لَقِيتُ ممن أثق بعلمه من أهل العربية عن الحديبية، فلم يَخْتَلِفُوا عليّ في أنها مخففةٌ، ونَقَلَ البكريّ التخفيف عن الأصمعيّ أيضًا، وأشار بعضهم إلى أن التثقيل لم يُسْمَع من فصيح، ووجهه أن التثقيل لا يكون إلا في المنسوب، نحو "الإِسْكَندَرِيَّة"، فإنها منسوبة إلى الإِسْكَنْدَر، وأما "الحديبية"، فلا يُعْقَلُ فيها النسبة، وياءُ النَّسَب في غير منسوب قليلٌ، ومع قلّته فموقوف على السماع، والقياسُ أن يكون أَصلها حَدْبَاةَ بألف الإلحاق ببنات الأربعة، فلما صغَرت انقلبت الألف ياء، وقيل: حُدَيْبِيَة، وَيشْهَد لصحة هذا قولهم: لُيَيْلِيَة بالتصغير، ولم يَرِدْ لها مُكَئر، فقدَّره الأئمة ليلاة؛ لأن المصغر فرع
_________________
(١) "شرح مسلم" ٢/ ٦٠.
(٢) "المفهم" ١/ ٢٥٨.
[ ٢ / ٤٧٨ ]
المكبر، ويمتنع وجود فرع بدون أصله، فقُدِّر أصله؛ ليجري على سَنَنِ الباب، ومثله مما سُمِعَ مُصغَّرًا، دون مكبره قالوا في تصغير غِلْمَة، وصبية: أُغيلمةٌ وأُصيبيةٌ، فَقَدَّروا أصله أَغْلِمَة وأَصْبِية، ولم يَنطِقوا به لما ذكرتُ فافهمه، فلا مَحِيد عنه، وقد تكلمت العرب بأسماءٍ مصغرةٍ ولم يتكلموا بمكبرها، ونَقَلَ الزجاجيّ عن ابن قُتيبة أنها أربعون اسْمًا. انتهى كلام الفيّوميّ (^١).
(فِي إِثْرِ السَّمَاءِ) بكسر الهمزة، وإسكان الثاء المثلّثة، وبفتحهما جميعًا؛ لغتان مشهورتان، ومعناه: بعدها وعَقِبها، قال الفيّوميّ: جئتُ في أَثَرِهِ بفتحتين، وإِثْرِهِ بكسر الهمزة وسكون الثاء: أي تبعته عن قُرْب. انتهى.
وقوله: (السَّمَاءِ) قال الشيخ ابن الصلاح رحمه الله تعالى: وقع في الأصل المأخوذ عن الْجُلُوديّ "السماء" بالألف واللام، وكذلك هو في أصل الحافظ أبي القاسم العساكريّ مُضَبَّبًا عليه، وهو جائز على أن يكون قوله: "كانت" مستأنفًا لا صفةً، وهو في أصل الحافظ أبي حازم العَبْدريّ، وأصل أبي عامر العَبْدريّ بخطّيهما: "سماء" منكّرًا وهو الأولى.
و"السماء" ها هنا المطر، وكلّ ما علاك وأظلّك فهو سماء، والسماء المعروفة من المعروف أنها مؤنّثةٌ، وقد تُذكَّرُ، وأما تأنيث السماء بمعنى المطر كما جاء في هذا الحديث ففي كتاب أبي حنيفة الدِّينَوَريّ في "الأنواء": إنه يقال: للمطر سماء، ألا ترى أنهم يقولون: أصابتنا سماء غزيرة، وفي "كتاب التهذيب" للأزهريّ: "السماء" المطر، و"السماء" أيضًا سم الْمَطَرَة الجديدة، يقال: أصابتنا سماءٌ، وهذا يُشعر بتخصيص التأنيث بهذه الْمَطَرَة، والله أعلم. انتهى كلام ابن الصلاح (^٢).
وقال في "اللسان": قال الزجّاج: السماء في اللغة يقال: لكلّ ما ارتفع وعلا، وكلّ سقف فهو سماء، ومن هذا قيل للسحاب: سماءٌ لأنها عالية، والسماء كل ما علاك فأظلّك، ومنه قيل لسقف البيت: سماءٌ، والسماء التي تُظلُّ الأرضَ أُنثى عند العرب لأنها جمع سماءة، والسماءة أصلها سماوةٌ، وإذا ذُكِّرت السماءُ عَنَوْا به السقف، ومنه قول الله تعالى: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ١٢٣ - ١٢٤.
(٢) "الصيانة" ص ٢٤٩ - ٢٥٠.
[ ٢ / ٤٧٩ ]
[المزمل: ١٨]، ولم يقال: منفطرةٌ، وقال الجوهريّ: السماء تُذكّر وتؤنّثُ أيضًا، وأنشد ابن برّيّ في التذكير [من الوافر]:
فَلَوْ رَفَعَ السَّمَاءُ إِلَيْهِ قَوْمًا … لَحِقْنَا بِالسَّمَاءِ وَبِالسَّحَابِ
والسماء: المطر مذكّرٌ، ومنهم من يؤنّثه وإن كان بمعنى المطر، كما تُذكّر السماء وإن كانت مؤنّثةً، كقوله تعالى: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾، قال مُعَوِّدُ الحكماء (^١) معاوية بن مالك [من الوافر أيضًا]:
إِذَا سَقَطَ (^٢) السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ … رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضابَا (^٣)
(كَانَتْ) أي السماء وأنّثها؛ لأنه يجوز تأنيثها وتذكيرها، كما سبق آنفًا (مِنَ اللَّيْلِ) ووقع في بعض روايات البخاريّ بلفظ: "من الليلة" بالإفراد (فَلَمَّا انْصَرَفَ) أي من صلاته وفرغ منها أو من مكانه الذي صلّى فيه (أَقْبَلَ عَلَى النَّاس، فَقَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ) لفظه استفهام، ومعناه التنبيه (مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ ") ووقع في رواية النسائيّ: "ألم تسمعوا ما قال ربكم الليلة؟ " (قَالُوا) أي الصحابة الحاضرون لديه (اللهُ) ﷾ (وَرَسُولُهُ) - ﷺ - (أَعْلَمُ، قَالَ) أي النبيّ - ﷺ - ("قَالَ) أي الله ﷾، قال في "الفتح": هذا من الأحاديث الإلهية، وهي تحتمل أن يكون النبيّ - ﷺ - أخذها عن الله بلا واسطة أو بواسطة. قاله في "الفتح" (^٤).
(أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي) هذه إضافة عموم، بدليل التقسيم إلى مؤمن وكافر، بخلاف مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] فإنها إضافة تشريف (مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ظاهره أنه الكفر الحقيقيّ؛ لأنه قابل به المؤمن الحقيقيّ، فيُحمل على من اعتقد أن المطر من فِعْل الكواكب وخَلْقِها لا من فعل الله تعالى، كما يَعتقده بعضُ جُهّال المنجّمين، والطبائعيين، والعرب، فأما من اعتقد أن الله تعالى هو الذي خَلَقَ المطر،
_________________
(١) قيل له: معوِّد الحكماء؛ لقوله في هذه القصيدة: أُعَوِّدُ مِثْلَهَا الْحُكَمَاءَ بَعْدِي … إِذَا مَا الْحَقُّ فِي الْحَدَثَانِ نَابَا
(٢) ويروى: "إذا نزل السماء".
(٣) راجع: "لسان العرب" ١٤/ ٣٩٨ - ٣٩٩.
(٤) "الفتح" ٢/ ٦٧٥.
[ ٢ / ٤٨٠ ]
واخترعه، ثم تكلّم بذلك القول، فليس بكافر، ولكنه مخطئ من وجهين:
[أحدهما]: أنه خالف الشرع، فإنه قد حذّر من ذلك الإطلاق.
[ثانيهما]: أنه قد تشبّه بأهل الكفر في قولهم، وذلك لا يجوز؛ لأنا قد أُمرنا بمخالفتهم، فقال - ﷺ -: "خالفوا المشركين" (^١)، وقال: "خالفوا اليهود" (^٢)، ونُهينا عن التشبّه بهم، وذلك يقتضي الأمر بمخالفتهم في الأفعال، والأقوال على ما يأتي - إن شاء الله تعالى -، ولأن الله تعالى قد منعنا من التشبّه بهم في النطق بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] لَمّا كان اليهود يقولون تلك الكلمة للنبيّ - ﷺ -، يقصدون ترعينه، منعنا الله تعالى من إطلاقها، وقولها للنبيّ - ﷺ - وإن قصدنا بها الخير سدًّا للذريعة ومنعًا من التشبّه بهم، فلو قال غير هذا اللفظ الممنوع يُريد به الإخبارَ عمّا أجرى الله تعالى به سنّته جاز، كما قال - ﷺ -: "إذا نشأت بحريّة، ثم تشاءمت، فتلك عينٌ غُدَيقةٌ" (^٣). انتهى كلام القرطبيّ (^٤)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، وسيأتي البحث فيه مستوفىً في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
(فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا) بالبناء للمفعول، أي نزل علينا المطر، يقال: مَطَرَتِ السماءُ تَمْطُرُ مَطَرًا من باب طَلَبَ، فهي ماطرةٌ في الرحمة، وأمطرت بالألف أيضًا لغة، قال الأزهريّ: يقال: نبتَ الْبَقْلُ وأنبت، كما يقال: مَطَرَت السماءُ وأمطرت، وأمطرت بالألف لا غيرُ في العذاب، ثم سُمّي القَطْرُ بالمصدر وجمعه أمطارٌ، مثلُ سَبَبٍ وأسبابٍ، قاله الفيّوميّ (^٥) (بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِه، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: أي مصدّق بأن المطر خَلْقي لا خَلْقُ الكوكب، أرحم به عبادي وأتفضّل عليهم به،
_________________
(١) أخرجه البخاريّ (٥٨٩٢)، والمصنّف (٢٥٩) من حديث ابن عمر - ﵄ -.
(٢) حديث صحيحٌ، أخرجه أبو داود (٦٥٢) من حديث شدّاد بن أوس - ﵁ -.
(٣) قال الحافظ الهيثميّ رحمه الله تعالى: رواه الطبرانيّ في "الأوسط"، وقال: تفرّد به الواقديّ، قلت: وفي الواقديّ كلام، وقد وثّقه غير واحد، وبقيّة رجاله لا بأس بهم، وقد وُثّقوا. انتهى. "مجمع الزوائد" ٢/ ٢١٧.
(٤) "المفهم" ١/ ٢٥٩ - ٢٦٠.
(٥) "المصباح المنير" ٢/ ٥٧٥.
[ ٢ / ٤٨١ ]
كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)﴾ [الشورى: ٢٨]. انتهى (^١).
(وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا) أي بطلوع نجم، وسقوط آخر، وفي حديث أبي سعيد - ﵁ - عند النسائيّ: "مُطِرْنَا بِنَوْءِ الْمِجْدَح" بكسر الميم، وسكون الجيم، وفتح الدال بعدها مهملة، ويقال: بضم أوله، هو الدَّبَرَانُ، بفتح المهملة والموحدةِ بعدها، وقيل: سُمِّي بذلك لاستدباره الثُّرَيَّا، وهو نجم أحمر صغير مُنِير، قال ابن قتيبة: كُلُّ النجوم المذكورة له نَوْءٌ، غير أن بعضها أحمر وأغزر من بعض، ونَوْءُ الدَّبَرَان غير محمود عندهم. انتهى.
وكأن ذلك وَرَدَ في الحديث تنبيهًا على مبالغتهم في نسبة المطر إلى النوء، ولو لم يكن محمودًا، أو اتَّفَقَ وقوع ذلك المطر في ذلك الوقت، إن كانت القصة واحدةً.
وفي "مغازي الواقدي": إن الذي قال في ذلك الوقت: "مُطِرنا بنوء الشِّعْرَى" هو عبد الله بن أبيّ، المعروف بابن سَلُولَ، أخرجه من حديث أبي قتادة - ﵁ -، قاله في "الفتح" (^٢).
وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: "النَّوْءُ" في أصله ليس هو نفس الكوكب، فإنه مصدرُ نَاءَ النجمُ يَنُوءُ نَوْءًا: أي سَقَطَ وغاب، وقيل: أي نَهَضَ وطَلَعَ، وبيان ذلك أن ثمانية وعشرين نجمًا معروفةَ المطالع في أزمنة السنة كُلِّها، وهي المعروفة بمنازل القمر الثمانية والعشرين، يَسقُط في كل ثلاث عشرة ليلة منها نجمٌ في المغرب مع طلوع الفجر، ويطلع آخر يقابله في المشرق من ساعته، وكان أهلُ الجاهلية إذا كان عند ذلك مطر ينسبونه إلى الساقط الغارب منهما، وقال الأصمعيّ: إلى الطالع منهما، قال أبو عبيد: ولم أسمع أَحدًا ينسب النوء للسقوط إلا في هذا الموضع، ثم إن النجم نفسه قد يُسَمَّى نَوْءًا تسميةً للفاعل بالمصدر، قال أبو إسحاق الزجاج في بعض "أماليه": الساقطة في الغرب هي الأنواء، والطالعة في المشرق هي البوارح، والله تعالى أعلم. انتهى كلام ابن الصلاح (^٣).
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٢٦٠.
(٢) "الفتح" ٢/ ٦٧٦.
(٣) "الصيانة" ص ٢٥٠ - ٢٥١.
[ ٢ / ٤٨٢ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي في المسألة الخامسة استيفاء ما قيل في النَّوء - إن شاء الله تعالى -.
(فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ") أي حيث نسب للمخلوق ما هو من خصوصيّات الخالق، فجحد نعمة الله تعالى في ذلك، وظلم بنسبتها لغير المنعم بها، فإن كان ذلك عن اعتقاد كان كافرًا ظالمًا حقيقة، وإن كان عن غير اعتقاد، فقد تشبّه بأهل الكفر والظلم الحقيقيّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث زيد بن خالد الْجُهَنيّ - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسأله الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٣٤/ ٢٣٨] (٧١)، و(البخاريّ) في "الأذان" ١/ ٢١٤ (٨٤٦) و"الاستسقاء" ٢/ ٤١ (١٠٣٨) و"المغازي" ٥/ ١٥٥ (٤١٤٧) و"التوحيد" ٩/ ١٧٧ (٧٥٠٣)، وفي "الأدب المفرد" (٩٠٧)، و(أبو داود) في "الطبّ" ٤/ ٢٢٧ (٣٩٠٦)، و(النسائيّ) في "الصلاة" (١٥٢٥)، وفي "الكبرى" (١٤/ ١٨٣٤)، وفي "عمل اليوم والليلة" (٩٢٤ و٩٢٥)، و(مالك) في "الموطأ" (١٣٦)، و(عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٢١٠٠٣)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٨١٣)، و(أحمد) في "مسنده" ٤/ ١١٥ و١١٦ و١١٧، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٦٦ و٦٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٢٩)، و(الطبرانيّ) (٥٢١٣ و٥٢١٤ و٥٢١٥ و٥٢١٦)، و(ابن منده) (٥٠٣ و٥٠٤ و٥٠٥)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (١١٦٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن قول "مُطرنا بنوء كذا وكذا" كفر ينافي الإيمان، وهذا هو وجه إيراد المصنّف رحمه الله تعالى له في هذا الباب.
٢ - (ومنها): تحريم الاستمطار بالكواكب.
٣ - (ومنها): طَرْحُ الإمام المسألة على أصحابه وإن كانت لا تُدْرَك إلا بدِقَّة النظر.
[ ٢ / ٤٨٣ ]
٤ - (ومنها): وجوب شكر الله ﷾ على إنزاله المطر.
٥ - (ومنها): تحريم نسبة نعمة من نعم الله تعالى إلى أحد من عباده، لا إلى ملك مقرّب، ولا إلى نبيّ مرسل، ولا إلى وليّ، أو أيّ مخلوق كان، فلا ينبغي للمسلم إذا حصلت له نعمة أن يقول: هذه مما أعطاني الشيخ الفلانيّ، بل ينسبها إلى خالقها، ومما ابتُلي به كثير ممن يعتقد بالأولياء والمشايخ الكبار نسبة ذلك إليهم، فإذا أجدبت الأرض أو حصلت أمراض في البلد يتضرعون بالدعاء، فإذا أزال الله ذلك عنهم قالوا: هذا من شيخنا الفلانيّ، أو لولا شيخنا لما حصل هذا، أو كانت امرأة أحدهم عقيمًا، ثم رزقه الله تعالى ولدًا منها قال: هذا من شيخي، بل كثيرًا ما نسمع منهم من يقول لأيّ أمر كان: إن أراد الله وأراد شيخنا سيكون هذا الأمر، وإلا فلا، بل بلغ الأمر ببعضهم أن لا يشرك شيخه بالله تعالى، بل يفرده بنسبة الأشياء إليه، فيقول: إن أراد شيخنا كذا فسيحصل لنا، وما أشبه ذلك، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ما أكثر غفلة كثير من الناس، وهذا من غربة الإسلام، فلقد عاد الكثيرون إلى الجاهليّة الأولى، بل إلى أشدّ وأطمّ منها كما أشرت إليه آنفًا، وهذا مصداق قوله - ﷺ -: "بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود كما بدأ غريبًا، فطوبى للغرباء"، كما سيأتي للمصنّف، فلا حول ولا قوّة إلا بالله العزيز الحكيم.
٦ - (ومنها): استحباب أن يقول عند نزول المطر: "مُطرنا بفضل الله تعالى وبرحمته"، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: ذكر في "الفتح": أنه يستنبط من هذا الحديث أن للولي المتمكن من النظر في الإشارة أن يأخذ منها عباراتٍ، ينسبها إلى الله تعالى، قال: كذا قرأت بخط بعض شيوخنا، وكأنه أخذه من استنطاق النبي - ﷺ - أصحابه عما قال ربهم، وحَمَلَ الاستفهام فيه على الحقيقة، لكنهم - ﵃ - فَهِموا خلافَ ذلك، ولهذا لم يجيبوا إلا بتفويض الأمر إلى الله ورسوله - ﷺ -. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا استنباط عجيب، فأين هو من الحديث؟ وأعجب منه سكوت الحافظ عليه بل توجيهه له، إن هذا لهو العجب
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٦٧٦.
[ ٢ / ٤٨٤ ]
العجاب، قال بعض المحققين معلقًا على قوله: "ينسبها إلى الله تعالى" ما نصّه: هذا خطأٌ، وقول على الله بغير علم، فلا يجوز لمسلم أن يتعاطى ذلك، بل عليه أن يقول إذا سئل عما لا يعلم: الله أعلم، كما فعل الصحابة - ﵃ -. انتهى، وهو تعقّب جيّد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في المعنى المراد بالكفر في هذا الحديث:
قال النوويّ رحمه الله تعالى: اختلف العلماء في كفر من قال: مُطِرنا بنوء كذا على قولين:
[أحدهما]: هو كفر بالله ﷾، سالب لأصل الإيمان، مُخْرِج من ملة الإسلام، قالوا: وهذا فيمن قال ذلك مُعتقدًا أن الكوكب فاعلٌ مُدَبِّرٌ مُنشئٌ للمطر، كما كان بعض أهل الجاهلية يَزْعُم ذلك، ومن اعتقد هذا فلا شكّ في كفره، وهذا القول هو الذي ذهب إليه جماهير العلماء والشافعيّ منهم، وهو ظاهر الحديث، قالوا: وعلى هذا لو قال: مُطِرنا بنوء كذا، مُعْتقدًا أنه من الله تعالى وبرحمته، وأن النَّوْء ميقاتٌ وله علاقةٌ اعتبارًا بالعادة، فكأنه قال: مُطِرنا في وقت كذا، فهذا لا يَكفُر، واختلفوا في كراهته، والأظهر كراهته، لكنها كراهة تنزيه لا إثم فيها، وسبب الكراهة أنها كلمة مترددة بين الكفر وغيره، فيُسَاءُ الظنُّ بصاحبها، ولأنها شِعَار الجاهلية ومن سلك مسلكهم.
[والقول الثاني]: في أصل تأويل الحديث أن المراد كفر نعمة الله تعالى؛ لاقتصاره على إضافة الغيث إلى الكوكب، وهذا فيمن لا يَعتقد تدبير الكوكب، ويؤيد هذا التأويل الرواية الأخيرة في الباب: "أصبح من الناس شاكرٌ وكافر … "، وفي الرواية الأخرى: "ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين"، وفي الرواية الأخرى: "ما أنزل الله تعالى من السماء من بركة، إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين"، فقوله: "بها" يدل على أنه كفر بالنعمة، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ (^١).
وقال في "الفتح": قوله: "مؤمن بي وكافر" يحتمل أن يكون المراد بالكفر
_________________
(١) "شرح مسلم" ٢/ ٦٠ - ٦١.
[ ٢ / ٤٨٥ ]
هنا كفرَ الشرك، بقرينة مقابلته بالإيمان، ولأحمد من رواية نصر بن عاصم الليثيّ، عن معاوية الليثيّ، مرفوعًا: "يكون الناس مُجْدِبِين، فيُنْزِل الله عليهم رزقًا من السماء من رزقه، فيُصبحون مشركين، يقولون: مُطِرنا بنوء كذا".
ويحتمل أن يكون المراد به كفرَ النعمة، ويُرشد إليه روايةُ أبي هريرة الآتية بعدُ: "قال الله: ما أنعمت على عبادي من نعمة، إلا أصبح فريق منهم كافرين بها … "، وفي حديث ابن عباس الآتي بعده: "أصبح من الناس شاكر ومنهم كافرٌ … "، وفي رواية النسائيّ: "فأما من آمن بي وحمدني على سُقياي، فذلك الذي آمن بي وكفر بالكوكب"، ونحوه في رواية أبي عوانة والإسماعيليّ، وقال في آخره: "وكفر بي، أو قال: كَفَرَ نعمتي".
قال: وعلى الأول حمله كثير من أهل العلم، قال: وأعلى ما وقفت عليه من ذلك كلام الشافعي رحمه الله تعالى، قال في "الأمّ": من قال: "مُطِرنا بنوء كذا وكذا" على ما كان بعض أهل الشرك يَعنُون من إضافة المطر إلى أنه مطر نَوْء كذا، فذلك كُفْرٌ، كما قال رسول الله - ﷺ -؛ لأن النوء وقت، والوقت مخلوق، لا يَملك لنفسه ولا لغيره شيئًا، ومن قال: مُطِرنا بنوء كذا، على معنى مُطِرنا في وقت كذا، فلا يكون كُفْرًا، وغيره من الكلام أحبُّ إليّ منه - يعني حسمًا للمادّة - وعلى ذلك يُحْمَل إطلاق الحديث.
وحَكَى ابنُ قتيبة في "كتاب الأنواء": أن العرب كانت في ذلك على مذهبين، على نحو ما ذكره الشافعيّ، قال: ومعنى النوء سقوط نجم في المغرب من النجوم الثمانية والعشرين التي هي منازل القمر، قال: وهو مأخوذ من ناء: إذا سقط، وقال آخرون: بل النَّوْء طلوع نجم منها، وهو مأخوذ من ناء: إذا نَهَضَ، ولا تخالف بين القولين في الوقت؛ لأن كل نجم منها إذا طلع في المشرق وقع حال طلوعه آخر في المغرب، لا يزال ذلك مستمرًّا إلى أن تنتهي الثمانية والعشرون بانتهاء السنة، فإن لكل واحد منها ثلاثة عشر يومًا تقريبًا، قال: وكانوا في الجاهلية يظنون أن نزول الغيث بواسطة النَّوْء، إما بصُنْعه على زعمهم وإما بعلامته، فأبطل الشرع قولهم وجعله كُفْرًا، فإن اعتقد قائل ذلك أن للنوء صنعًا في ذلك، فكفره كفرُ تشريك، وإن اعتقد أن ذلك من قبيل التجربة فليس بشرك، لكن يجوز إطلاق الكفر عليه، وإرادة كفر النعمة؛
[ ٢ / ٤٨٦ ]
لأنه لم يقع في شيء من طُرُق الحديث بين الكفر والشرك واسطة، فيحمل الكفر فيه على المعنيين لتناول الأمرين، والله أعلم.
ولا يَرِدُ الساكت، لأن المعتقد قد يَشْكُر بقلبه أو يكفر، وعلى هذا فالقول في قوله: "فأما من قال" لِمَا هو أعمّ من النطق والاعتقاد، كما أن الكفر فيه لِمَا هو أعمّ من كفر الشرك وكفر النعمة. انتهى ما في "الفتح" ببعض تصرّف (^١).
والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): ما جاء في "النَّوْءِ":
قال ابن منظور رحمه الله تعالى: "النَّوْء": النجم إذا مال للمغيب، والجمع أنواء ونُوْآن، حكاه ابن جني مثل عَبْد وعُبْدَان، وبَطْنٍ وبُطْنَان. قال حسان بن ثابت - ﵁ -[من المتقارب]:
وَيَثْرِبُ تَعْلَمُ أَنَّا بِهَا … إِذَا قَحَطَ الْغَيْثُ نُوآنُهَا
وقيل: معنى النَّوْء سقوط نجم من المنازل في المغرب مع الفجر وطلوع رقيبه، وهو نجم آخر يقابله من ساعته في المشرق، في كل ليلة إلى ثلاثة عشر يومًا، وهكذا كلُّ نجم منها إلى انقضاء السنة ما خلا الْجَبْهَةَ، فإن لها أربعة عشر يومًا، فتنقضي جميعها مع انقضاء السنة، وإنما سُمِّي نَوْءًا؛ لأنه إذا سقط الغارب ناء الطالع، وذلك الطلوع هو النوء، وبعضهم يجعل النَّوء السقوط، كأنه من الأضداد، قال أبو عبيد: ولم يُسْمَع في النوء أنه السقوط إلا في هذا الموضع، وكانت العرب تُضيف الأمطار والرياح والحر والبرد إلى الساقط منها، وقال الأصمعيّ: إلى الطالع منها في سلطانه، فتقول: مُطِرنا بنوء كذا.
وقال الزجاج في بعض "أماليه": معنى مُطِرنا بِنَوء كذا: أي مُطِرنا بطلوع نجم وسقوط آخر، قال: والنَّوءُ على الحقيقة سقوط نجم في المغرب، وطلوع آخر في المشرق، فالساقطة في المغرب هي الأنواء، والطالعة في المشرق هي الْبَوَارحُ، قال: وقال بعضهم: النوء ارتفاع نجم من المشرق وسقوط نظيره في المغرب، وهو نظير القول الأول، فإذا قال القائل: مُطِرنا بنوء الثُّرَيّا، فإنما
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٢/ ٦٧٥ - ٦٧٦.
[ ٢ / ٤٨٧ ]
تأويله: أنه ارتفع النجم من المشرق وسقط نظيره في المغرب، أي مطرنا بما ناء به هذا النجم.
وقال أبو عبيد: الأنواء ثمانية وعشرون نجمًا معروفةَ المطالع في أزمنة السنة كلها، من الصيف، والشتاء، والربيع، والْخَرِيف يَسْقُط منها في كل ثلاث عشرة ليلةً نجم في المغرب مع طلوع الفجر، ويطلع آخر يقابله في المشرق من ساعته، وكلاهما معلومٌ مُسَمّى، وانقضاء هذه الثمانية وعشرين كلها مع انقضاء السنة، ثم يرجع الأمر إلى النجم الأول مع استئناف السنة المقبلة، وكانت العرب في الجاهلية إذا سَقَط منها نجم وطلع آخر، قالوا: لا بُدّ من أن يكون عند ذلك مطرٌ أو رياح، فينسبون كلَّ غيب يكون عند ذلك إلى ذلك النجم، فيقولون: مُطرنا بنوء الثُّرَيّا، والدَّبَران، والسِّمَاك، والأَنْوَاء واحدها نَوْءٌ.
قال: وإنما سُمِّي نَوْءًا؛ لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء الطالع بالمشرق، يَنُوءُ نَوْءًا: أي نَهَضَ وطَلَع، وذلك النهوض هو النوء، فسُمِّي النجم به، وذلك كلُّ ناهض بِثِقَلٍ وإبطاء فإنه ينوء عند نهوضه، وقد يكون النَّوءُ السقوطَ، قال: ولم أَسْمَع أن النوء السقوط إلا في هذا الموضع.
وقال شَمِر: هذه الثمانية وعشرون التي أراد أبو عبيد هي منازل القمر، وهي معروفة عند العرب وغيرهم من الفرس والروم والهند، لم يختلفوا في أنها ثمانية وعشرون، يَنْزِل القمر كل ليلة في منزلة منها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩]، قال شمر: وقد رأيتها بالهندية والرومية والفارسية مترجمة، قال: وهي بالعربية فيما أخبرني به ابن الأعرابيّ: الشَّرَطَان، والْبَطِينُ، والنَّجْم، والدَّبَرَانُ، والْهَقْعَة، والْهَنْعَةُ، والذِّرَاعُ، والنَّثْرَةُ، والطَّرْفُ، والْجَبْهَةُ، والْخَرَاتَان، والصَّرْفَةُ، والْعَوَّاءُ، والسِّمَاكُ، والْغَفْرُ، والزُّبَانَى، والإِكْلِيلُ، والْقَلْبُ، والشَّوْلَةُ، والنَّعَائِمُ، والْبَلْدَةُ، وسَعْدُ الذَّابِح، وسَعْدُ بُلَعَ، وسَعْدُ السُّعُود، وسَعْدُ الأَخْبِيَة، وفَرْغُ الدَّلْوِ الْمُقَدَّمُ، وفَرْغُ الدَّلوِ الْمُؤَخَّرُ، والْحُوتُ، قال: ولا تَسْتَنِيء العرب بها كُلِّها، إنما تَذكُر بالأنواء بعضَها، وهي معروفة في أشعارهم وكلامهم.
وكان ابن الأعرابي يقول: لا يكون نَوْءٌ حتى يكون معه مطر وإلا فلا نَوْء.
[ ٢ / ٤٨٨ ]
قال أبو منصور: أولُ المطر الْوَسْمِيُ، وأنواؤه الْعَرْقُوتانِ المؤَخَّرتان، قال أبو منصور: هما الفَرْغُ المؤخَّر، ثم الشَّرَطُ، ثم الثّرَيَّا، ثم الشَّتَوِيُّ، وأنواؤه الجوزاء، ثم الذّراعان ونَثْرَتهما، ثم الجبهة وهي آخر الشَّتْوِيّ وأول الدَّفَئِيِّ والصَّيْفِيّ، ثم الصَّيْفِيُّ، وأنواؤه السِّمَاكان: الأوّل الأعزل، والآخر الرَّقِيب، وما بين السِّمَاكين صَيْفٌ، وهو نحوٌ من أربعين يومًا، ثم الْحَمِيمُ، وهو نَحْوٌ من عشرين ليلةً، عند طلوع الدَّبَرَان، وهو بين الصَّيفِ والْخَرِيف، وليس له نَوْءٌ، ثم الْخَرِيفيُّ، وأنواؤه النَّسْرَان، ثم الأخضر، ثم عُرْقُوَتَا الدَّلْوِ الأُولَيَان، قال أبو منصور: وهما الْفَرْغ الْمُقَدَّم، قال: وكُلُّ مَطَرٍ من الْوَسْمِيّ إلى الدَّفْئِيِّ رَبِيعٌ. انتهى المقصود من كلام ابن منظور بتصرّف (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٩] (٧٢) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، قَالَ الْمُرَادِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، وَقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللهِ - ﷺ -: "أَلمْ تَرَوْا إِلَى مَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالَ: مَا أَنْعَمْتُ عَلَى عِبَادِي مِنْ نِعْمَةٍ، إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِهَا كَافِرِينَ، يَقُولُونَ: الْكَوَاكِبُ، وَبِالْكَوَاكِبِ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التُّجِيبيّ المصريّ المذكور قبل باب.
٢ - (عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ) هو: عمرو بن سَوّاد - بتشديد الواو - بن الأسود بن عمرو بن محمد بن عبد الله بن سَعْد بن أبي سَرْح العامريّ السَّرْحيّ العامريّ، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ [١١].
_________________
(١) راجع: "لسان العرب" ١/ ١٧٥ - ١٧٧.
[ ٢ / ٤٨٩ ]
رَوَى عن ابن وهب، والشافعيّ، وأشهب، وعبد الله بن كُليب المراديّ، ومؤمل بن عبد الرحمن الثقفيّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه مسلم، والنسائيّ، وابن ماجه، وابن ابنه أبو الْغَيْدَاق إبراهيم بن عُمَر بن عَمْرو بن سَوّاد القرشيّ، وأبو حاتم، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وغيرهم.
قال أبو حاتم: صدوقٌ، وقال النسائيّ في "أسماء شيوخه": لا بأس به، وقال مسلمة في "الصلة": ثقة، وقال الحاكم: ثقةٌ مأمونٌ، وذكره أبو عليّ الغسانيّ في شيوخ أبي داود، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان رَاوِيًا لابن وهب، وقال الخطيب: كان ثقةً، وقال ابن يونس: كان ثقةً صدوقًا، تُوُفي يوم الجمعة لعشر بقين من رجب سنة خمس وأربعين ومائتين.
أخرج له الجماعة، سوى البخاريّ والترمذيّ، وله في هذا الكتاب (٢٤) حديثًا (^١).
[تنبيه]: قال الشيخ ابن الصلاح رحمه الله تعالى: قوله: "عمرو بن سوّاد" بدال آخره، والواو منه مشدّدة، قَطَعَ به عبد الغنيّ بن سعيد المصريّ بَلَديّهُ وأبو نصر بن ماكولا وغيرهما، ومايَزَ أبو بكر الخطيب بينه وبين أبي جدّ أبي الْيَسَر كعب بن عمرو بن عبّاد بن عمرو بن سَوَاد الصحابيّ الأنصاريّ الخزرجيّ البدريّ، آخر أهل بدر وفاةً، فذاك بتخفيف الواو وهذا بتشديدها. انتهى (^٢).
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ) هو: محمد بن سلمة بن عبد الله بن أبي فاطمة الْمُراديّ الْجَمَليّ - بفتح الجيم والميم - أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١].
رَوَى عن ابن وهب، وابن القاسم، وزياد بن يونس، وعبد الله بن كُليب، ويونس بن تميم، وأبي الأزهر، والحجاج بن سليمان الرُّعَينيّ وجماعة.
ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وأبو حاتم، والحسن بن علي الْمَعْمَريّ، وعليّ بن أحمد بن سليمان عَلّان المصريّ، وعبد
_________________
(١) وفي "تهذيب التهذيب" ٣/ ٢٧٦ نقلًا عن "الزهرة": روى عنه مسلم ستة وعشرين حديثًا.
(٢) "صيانة صحيح مسلم" ص ٢٥٤ - ٢٥٥.
[ ٢ / ٤٩٠ ]
الكريم بن إبراهيم المراديّ، والحسن بن سفيان، والباغنديّ، وأبو بكر بن أبي داود، وغيرهم.
قال أبو سعيد بن يونس: كان ثَبْتًا في الحديث، ذكره النسائيّ يومًا ونحن عنده، فقال: كان ثقةً ثقةً، وقال أبو عمر الكنديّ: كان فقيهًا، واستكتبه الحارث بن مسكين القاضي، وقال مسلمة في "الصلة": ثقةٌ.
قال ابن يونس: تُوفي لست خلون من ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين ومائتين.
أخرج له الجماعة سوى البخاريّ والترمذيّ، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) الحافظ العابد الفقيه المصريّ المذكور قبل باب.
٥ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجاد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم المصريّ، ثقة يَهِمُ قليلًا، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٦ - (ابْنُ شِهَابٍ) هو: محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت المشهور [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨.
٧ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) المذكور في السند الماضي.
٨ - (أبو هريرة) - ﵁ - تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة سوى شيوخه الثلاثة، فالأول تفرّد به هو والنسائيّ، وابن ماجه، والأخيران ما أخرج لهما البخاريّ والترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن في قوله: "قال المراديّ: حدّثنا عبد الله بن وهب، وقال الآخران: أخبرنا ابن وهب … إلخ" احتياطًا، وتدقيقًا من المصنّف ﵀ في المحافظة على صيغ الأداء التي اختلف فيها شيوخه، وإن كان لا يختلف المعنى بذلك، إلا أن هناك فرقًا دقيقًا من حيث الصناعة الحديثيّة.
فقول المراديّ: حدّثنا عبد الله بن وهب عن يونس، فيه إشارة إلى أنه
[ ٢ / ٤٩١ ]
سمعه من لفظ عبد الله مع غيره، وذكر اسم شيخه أيضًا، ولم يصرّح أيضًا بتحديث يونس لشيخه.
وقول حرملة، وعمرو بن سوّاد: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، فيه إشارة إلى أنهما سمعا قراءة من يقرأ على ابن وهب، ولم يسمعاه من لفظه، وأيضًا لم يصرّحا باسم شيخهما، وإنما ذكراه بكنيته ابن وهب، وقد صرّحا بإخبار يونس لشيخهما، وكلّ هذا مما يُستحسن في الأداء وليس بواجب، وإلى هذا أشار السيوطيّ رحمه الله تعالى في "ألفيّة الحديث"، حيث قال:
وَاسْتَحْسَنُوا لِمُفْرَدٍ "حَدَّثَنِي" … وَقَارِئٍ بِنَفْسِهِ "أَخْبَرَنِي"
وَإِنْ يُحَدِّثْ جُمْلَةً "حَدَّثَنَا" … وَإِنْ سَمِعْتَ قَارِئًا "أَخْبَرَنَا"
٣ - (ومنها): أن شيخيه عمرو بن سوّاد ومحمد بن سلمة، هذا أول محلّ ذكرهما في الكتاب، وقد ذكرت جملة ما رواه لكلّ منهما آنفًا.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى ابن شهاب، ومنه مدنيّون.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: ابن شهاب عن عبيد الله.
٦ - (ومنها): أن فيه عبيد الله أحد الفقهاء السبعة.
٧ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في دهره، وهو رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.
وقوله: (من نعمة) "من" زائدة، و"نعمة" مفعول به لـ"أنعمت"، قال الشيخ ابن الصلاح رحمه الله تعالى: قوله: "من نعمة" فيه تقصير من الراوي من حيث اللفظ، والمراد به خصوص نعمة الغيث بدلالة الرواية الأخرى المذكورة بعده. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا مانع من أن يكون المراد جميع النعم، فيدل على أن بعض الناس ينسبون جميع نعم الله تعالى إلى الكواكب ونحوها وذلك محرّم؛ لأنه لا يجوز نسبة نعم الله تعالى لخلقه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (كافرين) منصوب على أنه خبر لـ"أصبح"؛ لأنها من أخوات "كان" ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، واسمها "فريق"، وجملة "أصبح … إلخ"
_________________
(١) "الصيانة" ص ٢٥٢.
[ ٢ / ٤٩٢ ]
في محلّ نصب على الحال من الفاعل أو المفعول، فالاستثناء مفرّغ، أي إلا في حال إصباح فريق … إلخ.
وقوله: (يَقُولُونَ: الْكَوَاكِبُ، وَبِالْكَوَاكِبِ) قال الشيخ ابن الصلاح رحمه الله تعالى: قد روينا الثاني دون الأول بصيغة الجمع، وكلاهما في الأصل الذي بخط الحافظ أبي عامر الْعَبْدريّ من بين أصولنا بصيغة الواحد، والله أعلم. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تقدير الكلام: أي أنزلت الكواكبُ الغيثَ، أو أنعمت علينا الكواكب، وبالكوكب نزلت الأمطار، أو حصلت النعم، وتمام شرح الحديث مضى في الذي قبله.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٣٤/ ٢٣٩ و٢٤٠] (٧٢)، و(النسائيّ) في "الاستسقاء" (١٥٢٤)، وفي "الكبرى" (١٨٣٥)، وفي "عمل اليوم والليلة" (٩٢٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٦٢ و٣٦٨ و٤٢١ و٥٢٥)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٩٧٩)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٣٠ و٢٣١)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٥٠٨)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٠] (…) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ (ح) وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِث، أَنَّ أَبَا يُونُسَ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ، عَنْ
_________________
(١) "الصيانة" ص ٢٥٢.
[ ٢ / ٤٩٣ ]
أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ بَرَكَةٍ، إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنْ النَّاسِ بِهَا كَافِرِينَ، يُنْزِلُ اللهُ الْغَيْثَ، فَيَقُولُونَ: الْكَوْكَبُ كَذَا وَكَذَا"، وَفِي حَدِيثِ الْمُرَادِيِّ: "بِكَوْكَبِ كَذَا وَكَذَا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقة فقيهٌ حافظٌ [٧] (مات قديمًا قبل ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩.
٢ - (أَبُو يُونُسَ) سُليم بن جُبير، ويقال: ابن جُبَيرة الدَّوْسِيُّ، مولى أبي هريرة، المصريّ، ثقة [٣].
رَوَى عن أبي هريرة، وأبي أُسيد الساعديّ، ورَوَى عنه عمرو بن الحارث، وحَيْوَة بن شُرَيح، والليث بن سعد، وابن لَهِيعة، وحَرْمَلة بن عمران التجيبي المصريون.
قال النسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قال ابن يونس: قال أحمد بن يحيى بن وزير: تُوُفّي سنة ثلاث وعشرين ومائة.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا.
والباقون تقدّموا في السند السابق.
ومن لطائف الإسناد أنه مسلسل بثقات المصريين، إلا الصحابيّ فمدنيّ.
[تنبيه]: إنما ذكر المصنّف رحمه الله تعالى في هذا الإسناد عبد الله بن وهب وعمرو بن الحارث أوّلًا، ثم أعادهما ثانيًا، ولم يكتف بقوله: وحدّثني محمد بن سلمة، وعمرو بن سوّاد؛ لاختلاف لفظ الروايات، كما نبّهنا عليه في السند الماضي.
وقوله: (مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ بَرَكَةٍ) أي من غيث، كما يأتي بعده تفسيره.
وقوله: (يُنْزِلُ اللهُ الْغَيْثَ) بضم أول "يُنزل" من الإنزال، بيان وتوضيح لمعنى البركة.
و"الغيثُ": المطر، وغاث الله البلادَ غَيْثًا، من باب ضَرَبَ أنزل بها
[ ٢ / ٤٩٤ ]
الغيث، فالأرضُ مَغِيثَةٌ ومَغْيُوثَةٌ، ويُبنَى للمفعول، فيقال: غِيثَتِ الأرضُ تُغَاثُ، قال أبو عمرو بن العلاء: سمعت ذَا الرُّمّة يقول: قاتل الله أَمَةَ بني فلان ما أفصحها، قلتُ لها: كيف كان المطر عندكم؟ فقالت: غِثْنَا ما شِئنا. وغاثَ الغيثُ الأرضَ غَيْثًا، من باب ضَرَبَ أيضًا: نَزَلَ بها، وسُمّي النبات غَيْثًا تسميةً باسم السبب، ويقال: رَعَيْنَا الغيثَ، قاله الفيّوميّ (^١).
وقوله: (فَيَقُولُونَ: الْكَوْكَبُ كَذَا وَكَذَا) أي الكوكب أنزل الغيث.
وقوله: (وَفِي حَدِيثِ الْمُرَادِيِّ: "بِكَوْكَبِ كَذَا وَكَذَا") يعني أن شيخه محمد بن سلمة المرادي قال بدل قول عمرو بن سوّاد: "الكوكب كذا وكذا": "بكوكب كذا وكذا"، وتقديره: نزل الغيث بكوكب كذا وكذا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤١] (٧٣) - (وَحَدَّثَني عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو زُمَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَني ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: مُطِرَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ شَاكِرٌ وَمِنْهُمْ كَافِرٌ، قَالُوا: هَذِهِ رَحْمَةُ الله، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا وَكَذَا"، قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) - حَتَّى بَلَغَ - وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٨٢]).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ) هو: عباس بن عبد العظيم بن إسماعيل بن تَوْبَة الْعَنْبَريّ، أبو الفضل البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١١].
رَوَى عن عبد الرحمن بن مهديّ، ويحيى بن سعيد القطان، وسعيد بن عامر الضُّبَعيّ، وأبي داود الطيالسيّ، وصفوان بن عيسى، وعبد الرزاق، والأصمعيّ وإسحاق بن منصور السَّلُولي، وأسود بن عامر شاذان، وشَبَابة بن
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٤٥٨.
[ ٢ / ٤٩٥ ]
سَوّار، وأبي بكر الحنفيّ، وعثمان بن عمر بن فارس، وعمر بن يونس اليماميّ، والنضر بن محمد الْخُرَيبيّ، ويزيد بن هارون، ومحمد بن جَهْضَم، وبشر بن عُمر الزهْرانيّ وجماعة.
ورَوَى عنه الجماعة، لكن البخاري تعليقًا، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وأبو بكر الأثرم، وابن خزيمة، وابن بُجَير، وعبد الله بن أحمد، وزكرياء الساجيّ، وأبو بكر بن أبي عاصم، وأبو حاتم الرازيّ، والحسين بن إسحاق التُّسْتريّ، وعَبْدان الأَهْوَازيّ، ومحمد بن عبد الله الحضرميّ، وغيرهم.
قال أبو حاتم: صدوقٌ، وقال النسائيّ: ثقة مأمون، وقال محمد بن المثنى السِّمْسَار: كنا عند بشر بن الحارث، وعنده العباس بن عبد العظيم، وكان من سادات المسلمين، وقال معاوية بن عبد الكريم الزياديّ: أدركت الناس وهم يقولون: ما جاءنا بالبصرة أعقل من أبي الوليد، وبعده أبو بكر بن خَلاد، وبعده عباس بن عبد العظيم، وقال مسلمة: بصريّ ثقةٌ.
قال البخاريّ والنسائيّ: ومات سنة ست وأربعين ومائتين.
وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط، هذا الحديث، وحديث (١١٨٥): "ويلكم قد قد … "، و(١٢٣٦): "من كان معه هدي فليُقم … "، و(٢٣٦٢): "ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه … "، و(٢٤٢٣): "لقد قُدت بنبيّ الله - ﷺ - … "، و(٢٥٠١): "نعم عندي أحسن العرب … "، و(٢٧٨٣): "ألا أخبركم بأشدّ حرًّا منه … "، و(٢٩٦٥): "إن الله يحب العبد التقيّ الغني الخفيّ".
[تنبيه]: قوله: "الْعَنْبَريّ " - بالعين المهملة، والنون، بعدها مُوَحَّدة -: نسبة إلى بني الْعَنْبَر، ويُخفّف، فيقال: بلعنبر، وهو: العنبر بن عمرو بن تميم بن مُرّ بن أُذ بن طابخة بن إلياس بن مُضَر بن نِزَار، قاله في "الأنساب" (^١).
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وضبطه الْعُذْريّ "الْغُبَريّ " - بالغين المعجمة - وهو تصحيف، والأول الصحيح. انتهى (^٢).
_________________
(١) "الأنساب" ٤/ ٢٤٥، و"لب اللباب" ٢/ ١٢٣.
(٢) "إكمال المعلم" ١/ ٣٧٦.
[ ٢ / ٤٩٦ ]
٢ - (النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن موسى الْجُرَشيّ - بضمّ الجيم، وفتح الشين المعجمة - أبو محمد اليماميّ، مولى بني أمية، ثقةٌ، ربّما انفرد [٩].
رَوَى عن عكرمة بن عمار، وأبي أُويس، وصَخْر بن جُويرية، وشعبة، وحماد بن سلمة.
ورَوى عنه العباس بن عبد العظيم الْعَنْبريّ، وأبو الليث شجاع بن الوليد البخاريّ، وعبد الله بن محمد بن الرُّوميّ، وأحمد بن جعفر الْمَعْقِريّ، وأحمد بن عبد الله بن صالح العجليّ، ومُؤَمَّل بن إِهاب، وأحمد بن عمر بن يونس اليماميّ أحد الضعفاء، وغيرهم.
قال العجليّ: ثقةٌ، روى عن عكرمة بن عمار ألفَ حديث، رحلتُ إليه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما انفرد.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا.
٣ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) الْعِجليّ، أبو عمّار اليماميّ، أصله من البصرة، ثقة، إلا في روايته عن يحيى بن أبي كثير، فقد ضعّفوه فيه لاضطرابه [٥] (ت قبيل ١٦٠) (خت م س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٥.
٤ - (أَبُو زُمَيْلٍ) - بضمّ الزاي، مصغّرًا - هو: سِمَاك - بكسر السين المهملة، وتخفيف الميم - ابن الوليد الْحَنَفيّ، اليماميّ، سَكَن الكوفة، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن ابن عباس، وابن عمر، ومالك بن مَرْثَد، وعروة بن الزبير.
وروى عنه ابنه زُميل، وابن ابنه عبد ربه بن بارق، وشعبة، ومِسْعَر، وعكرمة بن عمار، وغيرهم.
قال أحمد، وابن معين، والعجليّ: ثقةٌ، واقال أبو حاتم: صدوق لا بأس به، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الدارقطنيّ: وقيل: سماك بن زيد، وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة.
أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، هذا الحديث، وحديث (١١٤): "إني رأيته في النار … "، و(١١٨٥): "ويلكم قد قد … "، و(١٤٧٩): "ألا ترضى أن تكون
[ ٢ / ٤٩٧ ]
لنا الآخرة … "، و(١٧٦٣): "اللهم أنجز لي ما وعدتني … "، و(٢٥٠١): "نعم قال: عندي أحسن العرب … ".
٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله البحر الحبر - ﵄ - تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث من أوله إلى آخره.
٣ - (ومنها): قوله في أوله: "حدّثني" بالإفراد، وفيما بعده: "حدّثنا" بالجمع، إشارة إلى أنه سمع الحديث من شيخه وحده، وأما من عداه فسمعوه من شيوخهم مع غيرهم.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل باليماميين، غير شيخه والصحابيّ، فبصريّان.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: عكرمة، عن أبي زُميل.
٦ - (ومنها): أن فيه قوله: "وهو ابن عمّار"، وذلك أن النضر لم ينسُب شيخه، فأراد المصنّف، أو شيخه إيضاحه بنسبه، فزاد لفظة "وهو" فصلًا بين ما رواه وبين ما زاده من عنده، وهذا من شدّة ورعه، وقد تقدّم غير مرّة.
٧ - (ومنها): أن صحابيّه - ﵁ - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا، وأحد المشهورين بالفتوى، وآخر من مات من الصحابة - ﵁ - بالطائف، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عن ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أنه (قَالَ: مُطِرَ النَّاسُ) وفي رواية ابن منده من طريق أحمد بن يوسف السلميّ، عن النضر بن محمد: استسقى رسول الله - ﷺ -، فمُطر الناس، حتى سالت قَنَاةُ أربعين يومًا، فقال رسول الله - ﷺ -: "أصبح من الناس شاكرٌ ومنهم كافر، يقولون: لقد صَدَق نَوءُ كذا، ومنهم من يقول: رحمة وضعها الله" (^١).
_________________
(١) راجع: "الإيمان" ٢/ ٥٩٣ الحديث رقم (٥٠٩).
[ ٢ / ٤٩٨ ]
فقوله: "مُطر الناس" ببناء الفعل للمفعول، وقد تقدّم أن مَطَرَ ثلاثيًّا للرحمة، وأما أمطر بالهمزة فللعذاب، قال في "القاموس": المطر: ماء السحاب، جمعه: أمطارٌ، ومطَرَتهم السماء مَطْرًا، - من باب نصر - ويُحَرَّك: أصابتهم بالمطر، وأمطرهم الله لا يقال إلا في العذاب. انتهى (^١). وقال الشارح المرتضى: وهذا على رأي الأكثرين، وقال جماعة من أهل اللغة: مَطَرَ وأمطر بمعنى، كما تقدّم، وقال قبل ذلك: ومطَرَتهم السماء كأمطرتهم، وهو أقبحها. انتهى (^٢). (عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ -) أي في وقته (فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "أَصْبَحَ) هي من أخوات "كان" ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، وقوله: (مِنَ النَّاسِ) خبرها مقدّمًا، و(شَاكِرٌ) اسمها مؤخّرًا، وعند أبي عوانة: "أصبح من الناس منهم شاكرٌ ومنهم كافر، قال بعضهم: هذه رحمةٌ وضعها الله، وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا … ".
ومعنى: "شاكر" أي معترف بنعمة الله تعالى، يقال: شكرت لله: أعترفتُ بنعمته، وفعلتُ ما يجب من فعل الطاعة وترك المعصية، ولهذا يكون الشكر بالقول والعمل، ويتعدّى في الأكثر باللام، فيقال: شكرتُ له شُكرًا، وشُكرانًا، وربّما تعدّى بنفسه، فيقال: شكرته، وأنكره الأصمعيّ في السَّعَة، وقال: بابه الشعر، ذكره الفيوميّ (^٣).
[تنبيه]: بين الشكر والحمد عموم وخصوص من وجه؛ إذ الشكر يخصّ النعمة، والحمد يعمّها وغيرها، وهو خاصّ باللسان، والشكر يكون باللسان والقلب، والجوارح، كما قال بعضهم [من الطويل]:
أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً … يَدِي وَلسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا
وقد تقدّم تمام البحث في هذا في أوائل شرح المقدّمة، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: (وَمِنْهُمْ كَافِرٌ) معطوف على "من الناس شاكر"، وهو من عطف المعمولين على معمولي عامل واحد، وهو جائز بالاتّفاق، يعني أن بعض
_________________
(١) "القاموس المحيط" ص ٤٢٩.
(٢) "تاج العروس" ٣/ ٥٤٥.
(٣) "المصباح المنير" ١/ ٣١٩.
[ ٢ / ٤٩٩ ]
الناس كافر بالنعمة، فالمراد بالكفر هنا كفر دون كفر، فهو كفران النعمة؛ إذ هو ظاهر السياق، حيث أتبعه بقوله: "قَالُوا: هَذِهِ رَحْمَةُ اللهِ" فإنه يؤيّد التفسير المذكور.
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: فمقابلته لـ"شاكر" بـ "كافر" يدلّ على أن المراد كفر النعمة وجَحْدها؛ إذ لم يُضفها إلى ربّه ويشكره عليها، ولا وَلَّى الأمر أهله، واقتصر على ذكر عادة غير مؤثّرة ومخلوقات مسخّرة، وآلات مُدَبَّرة، غير مُدَبِّرَة. انتهى (^١).
ويحتمل أن يكون المراد كفر الجحد، لكنه محمول على المستحلّ، كما سبق إيضاحه.
والكفر في الأصل: الستر، والتغطية، يقال: كفر الشيءَ، من باب نصر: إذا غطّاه وستره، قال لبيد [الكامل]:
يَعْلُو طَرِيقَةَ مَتْنِهَا مُتَوَاتِرًا … فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا
أي ستره، ويقال: كفَرَ بالله، يكفُرُ كُفْرًا، وكُفرانًا، وكَفَرَ النعمة، وبالنعمة أيضًا: جحدها، وكفر بكذا: تبرّأ منه، وفي التنزيل العزيز: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، وكفر بالصانع: نفاه وعَطّل، وهو الدَّهريّ والملحد، وهو كافرٌ، وكَفَرَةٌ، وكُفّار، وكافرون، أفاده الفيّوميّ (^٢).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: أصل الشكر: الظهور، ومنه قوله: دابّة شَكُور، إذا ظهر عليها من السّمَن فوق ما تأكله من العلف، والشاكر هو الذي يُثني بالنعمة، ويُظهرها، ويَعترف بها للمنعم، وجَحْدُها: كُفرانها، فمن نسب المطر إلى الله تعالى، وعَرَف مِنَّته فيه، فقد شكر الله تعالى، ومن نسبه إلى غيره، فقد جَحَد نعمة الله تعالى في ذلك، وظَلَم بنسبتها لغير المنعم بها، فإن كان ذلك عن اعتقاد كان كافرًا ظالِمًا حقيقةً، وإن كان عن غير اعتقاد، فقد تشبّه بأهل الكفر والظلم الحقيقيّ، كما قلناه آنفًا، وقد قابل في هذا الحديث بين الشكر والكفر، فدلّ ظاهره على أن المراد بالكفر هنا كفران النعم لا الكفر بالله تعالى.
_________________
(١) "إكمال المعلم" ١/ ٣٧٢ - ٣٧٣.
(٢) راجع: "المصباح المنير" ٢/ ٥٣٥.
[ ٢ / ٥٠٠ ]
وَيحْتَمِل أن يكون المراد به الكفر الحقيقيّ، ويؤيّد ذلك استدلال النبيّ - ﷺ - بقوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ [الواقعة: ٨٢]، أي تجعلون شكر رزقكم التكذيب، على حذف المضاف، قاله المفسّرون، وقرأ عليّ - ﵁ - (^١): "وتجعلون شكركم"، فعبّر عن الرزق بالشكر، والرزق: الشكر بلغة أزد شنوءة، يقال: ما رزقه: أي ما شكره، وما رزق فلان فلانًا: أي ما شكره. انتهى كلام القرطبيّ (^٢).
وقوله: (قَالُوا) هو من باب اللفّ والنشر المرتّب، فهذا راجع لقوله: "من الناس شاكر"، وقوله: "وقال بعضهم" راجع لقوله: "ومنهم كافر".
ومعنى قوله: (هَذِه رَحْمَةُ اللهِ) أي هذه رحمة رَحِمَنا اللهُ تعالى بها، قالوا هذا تحدّثًا بنعمة الله تعالى عليهم، ومثنين عليه بها، فهو معنى كونهم شاكرين، وعند أبي عوانة: "قال بعضهم: هذه رحمة وضعها الله"، ولأبي نعيم: "قالوا: هذه رحمة وضعها الله".
(وَقَالَ بَعْضُهُمْ) الكافرون بتلك الرحمة (لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا وَكَذَا") تقدّم أن النوء يُطلق على الطلوع وعلى الغروب، ويُطلق أيضًا على النجم الطالع والغارب، وقال الزجّاج: الساقطة في المغرب: هي الأنواء، والطالعة في المشرق: هي الْبَوَارح (^٣).
(قَالَ) أي ابن عبّاس - ﵄ - (فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ
_________________
(١) لكن أشار في "الفتح" أنه ليس قراءة من عليّ - ﵁ -، وإنما هو تفسير، ودونك نصّه: وقد رُوِي نحو أثر ابن عباس المعلّق مرفوعًا من حديث علي - ﵁ -، لكن سياقه يدلّ على التفسير لا على القراءة، أخرجه عبد بن حميد، من طريق أبي عبد الرحمن السُّلَميّ، عن عليّ - ﵁ - مرفوعًا: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ قال: تجعلون شكركم، تقولون: مُطِرنا بنوء كذا. انتهى. وأما قراءة ابن عبّاس - ﵄ -، فقد أخرجها سعيد بن منصور، عن هُشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنه كان يقرأ: "وتجعلون شكركم أنكم تكذبون"، وهذا إسناد صحيح، ومن هذا الوجه أخرجه ابن مردويه في "التفسير المسند". انتهى ما في "الفتح" ٢/ ٦٧٤.
(٢) "المفهم" ١/ ٢٦٠ - ٢٦١.
(٣) راجع: "الصيانة" ص ٢٥١.
[ ٢ / ٥٠١ ]
النُّجُومِ (٧٥) - حَتَّى بَلَغَ - وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٨٢]) فقوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ إلخ بدل من "هذه الآية".
قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: فيه إشكال يزول بالتنبيه على أنه ليس مرادُهُ أن جميع هذا نزل في قولهم في الأنواء، كما توهّمه القاضي عياض على ما بلغنا عنه، فإن الأمر في معنى ذلك، وتفسيره يأبى ذلك، وإنما النازل من ذلك في ذلك قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾، والباقي نزل في غير ذلك، ولكن اجتمعا في وقت النزول، فذكر الجميع من أجل ذلك، ومما يَدُلّ على هذا أن في بعض الروايات عن ابن عباس - ﵄ - في ذلك الاقتصار على هذا القدر اليسير فحسب. انتهى (^١).
[تنبيه]: قول ابن عبّاس - ﵄ -: "فنزلت هذه الآية" هذا مما يُعطى حكم الرفع؛ لأن قول الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل في آية من القرآن: "إنها نزلت في كذا" مرفوع إذا كان مما لا مجال للرأي فيه، وذلك كقول ابن عباس - ﵄ - هذا، وكقول جابر - ﵁ -: كانت اليهود تقول: من أتى امرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] الآية، رواه مسلم، وإلى هذا أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث"، حيث قال:
وَهَكَذَا تَفْسِيرُ مَنْ قَدْ صَحِبَا … فِي سَبَبِ النُّزُولِ أَوْ رَأْيًا أَبَى
تفسير هذه الآيات الكريمات:
قوله ﷿: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ قال جُويبر عن الضحاك: إن الله تعالى لا يُقْسِم بشيء من خلقه، ولكنه استفتاح يستفتح به كلامه، قال ابن كثير: وهذا القول ضعيف، والذي عليه الجمهور أنه قَسَمٌ من الله تعالى، يُقسِم بما شاء من خلقه، وهو دليل على عظمته. انتهى (^٢).
وقال أبو العباس القرطبيّ رحمه الله تعالى في "المفهم": هذا وأشباهه قَسَم من الله تعالى على جهة التشريف للمُقْسَم به، والتأكيد للمُقْسَم له، ولله تعالى أن يُقسِم بما شاء من أسمائه، وصفاته، ومخلوقاته، تشريفًا وتنويهًا، كما قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾،
_________________
(١) "الصيانة" ص ٢٥٢ - ٢٥٣.
(٢) تفسير ابن كثير ١٣/ ٣٨٩.
[ ٢ / ٥٠٢ ]
﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾، ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾ ونحو هذا، وقد تكلّف بعض العلماء، وقال: إن المقسَم به في مثل هذه المواضع محذوفٌ للعلم به، فكأنه قال: وربّ الشمس، وربّ الليل، والذي حمله على ذلك أنه لَمّا سمع الشرع قد نهانا أن نحلف بغير الله تعالى ظن أن الله تعالى يمتنع من ذلك، وهذا ظنّ قاصرٌ وفهم غير حاضر؛ إذ لا يلزم شيء من ذلك؛ لأن لله تعالى أن يحكم بما يشاء، ويفعل من ذلك ما يشاء؛ إذ لا يتوجّه عليه حكمٌ، ولا يترتّب عليه حقّ، وأيضًا فإن الشرع إنما منعنا من القَسَم بغير الله تعالى حماية عن التشبّه بالجاهليّة فيما كانوا يُقسمون به من معبوداتهم ومعظّماتهم الباطلة على ما يأتي الكلام عليه في "كتاب الأيمان" - إن شاء الله تعالى -. انتهى كلام القرطبيّ (^١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم.
ثم قال بعض المفسرين: "لا" ها هنا زائدة، وتقديره: أقسم بمواقع النجوم، رواه ابن جرير عن سعيد بن جبير، ويكون جوابه: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)﴾، وقال آخرون: ليست "لا" زائدة لا معنى لها، بل يُؤتَى بها في أول القسم، إذا كان مُقْسَمًا به على منفيّ، كقول عائشة - ﵂ -: "لا والله ما مست يدُ رسول الله - ﷺ - يد امرأة قط"، متّفقٌ عليه، وهكذا ها هنا تقدير الكلام: لا أقسم بمواقع النجوم، ليس الأمر كما زعمتم في القرآن، أنه سحرٌ أو كهانة، بل هو قرآن كريم، وقال ابن جرير: وقال بعض أهل العربية: معنى قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ فليس الأمر كما تقولون، ثم استُؤْنِفَ القسمُ بعد ذلك، فقيل: أقسم (^٢).
وقال أبو عبد الله القرطبيّ في "تفسيره": قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾: "لا" صلة في قول أكثر المفسرين، والمعنى: فأقسم بدليل قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ وقال الفراء: هي نفيٌ، والمعنى ليس الأمر كما تقولون، ثم استَأْنَفَ أُقسِمُ، وقد يقول الرجل: لا والله ما كان كذا، فلا يريد به نفي اليمين، بل يريد به نفي كلام تقدم، أي ليس الأمر كما ذَكرتَ بل هو كذا، وقيل: "لا" بمعنى "ألا" للتنبيه، كما قال [من الطويل]:
أَلَا عِمْ صَبَاحًا أَيُّهَا الطَّلَلُ الْبَالِي … وَهَلْ يَعِمَنْ مَنْ كَانَ فِي الْعُصُرِ الْخَالِي
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٢٦٢.
(٢) "تفسير ابن كثير" ٤/ ٢٩٨.
[ ٢ / ٥٠٣ ]
ونَبَّهَ بهذا على فضيلة القرآن؛ ليتدبروه، وأنه ليس بشعر، ولا سحر، ولا كهانة، كما زَعَمُوا، وقرأ الحسن، وحميد، وعيسى بن عمر: "فلأقسم" بغير ألف بعد اللام على التحقيق، وهو فعلُ حالٍ، ويُقَدَّرُ مبتدأ محذوف التقدير: فلأنا أقسم بذلك، ولو أريد به الاستقبال لَلَزِمت النون، وقد جاء حذف النون مع الفعل الذي يُراد به الاستقبال، وهو شاذّ.
وقوله: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾، اختلفوا في معناه، فقال حكيم بن جُبَير، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس: يعني نجوم القرآن، فإنه نَزَلَ جملةً ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا، ثم نزل مُفَرَّقًا في السنين بعدُ، ثم قرأ ابن عباس هذه الآية، وقال الضحاك عن ابن عباس: نزل القرآن جملةً من عند الله من اللوح المحفوظ إلى السَّفَرَة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا، فَنَجَّمَتْهُ السَّفَرَة على جبريل عشرين ليلة، ونجّمه جبريل على محمد - ﷺ - عشرين سنة، فهو قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥)﴾ نجوم القرآن، وكذا قال عكرمة، ومجاهد، والسُّدّيّ، وأبو حَزْرَة، وقال مجاهد أيضًا: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ في السماء، ويقال: مطالعها ومشارقها، وكذا قال الحسن، وقتادة، وهو اختيار ابن جرير، وعن قتادة: مواقعها منازلها، وعن الحسن أيضًا: أن المراد بذلك انتشارها يوم القيامة، وقال الضحاك: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥)﴾ يعني بذلك الأنواء التي كان أهل الجاهلية إذا مُطِرُوا قالوا: مُطِرنا بِنَوْء كذا وكذا (^١).
وقال أبو عبد الله القرطبيّ: قوله تعالى: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾: مواقع النجوم مَساقِطها ومغاربها، في قول قتادة وغيره، وقال عطاء بن أبي رباح: منازلها، وقال الحسن: انكدارها وانتثارها يوم القيامة، وقال الضحاك: هي الأنواء التي كان أهل الجاهلية يقولون إذا مُطِروا، قالوا: مُطرنا بنوء كذا، قال الماوردي: ويكون قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ مستعملًا على حقيقته من نفي القسم، وقال القشيريّ: هو قسم، ولله تعالى أن يقسم بما يريد، وليس لنا أن نقسم بغير الله تعالى وصفاته القديمة.
_________________
(١) "تفسير ابن كثير" ٤/ ٣٨٩ - ٣٩٠.
[ ٢ / ٥٠٤ ]
قال القرطبيّ: يدل على هذا قراءة الحسن "فلأقسم"، وما أقسم به ﷾ من مخلوقاته في غير موضع من كتابه.
وقال ابن عباس: المراد بمواقع النجوم نزول القرآن نجومًا، أنزله الله تعالى من اللوح المحفوظ من السماء العليا إلى السفرة الكاتبين، فَنَجَّمه السَّفَرة على جبريل عشرين ليلة، ونَجّمه على محمد عليهما الصلاة والسلام عشرين سنة، فهو يُنْزِله على الأحداث من أمته، حكاه الماورديّ عن ابن عباس والسُّدّيّ، وقال أبو بكر الأنباريّ: حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، حدثنا حجاج بن المنهال، حدثنا همام، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: نزل القرآن إلى سماء الدنيا جملة واحدة، ثم نزل إلى الأرض نُجومًا، وفرّق بعد ذلك خمس آيات، خمس آيات، وأقل وأكثر، فذلك قول الله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)﴾، وحكى الفراء عن ابن مسعود: أن مواقع النجوم هو مُحْكَم القرآن.
وقرأ حمزة والكسائيّ: "بموقع" على التوحيد، وهي قراءة عبد الله بن مسعود، والنخعيّ، والأعمش، وابن مُحيصن، ورُوَيس عن يعقوب، والباقون على الجمع، فمن أفرد فلأنه اسم جنس، يؤدي الواحد فيه عن الجمع، ومن جَمَعَ فلاختلاف أنواعه. انتهى (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)﴾ أي وإن هذا القسم الذي أقسمتُ به لقسم عظيم، لو تعلمون عَظَمَته لعظمتم المقسم به عليه.
وقال القرطبيّ المفسّر: قيل: إن الهاء تعود على القرآن، أي إن القرآن لقسم عظيم، قاله ابن عبّاس وغيره، وقيل: ما أقسم الله به عظيم. انتهى.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)﴾ أي إن هذا القرآن الذي نَزَلَ على محمد - ﷺ - لكتاب عظيم.
وقال أبو العبّاس القرطبيّ: الكريم: الشريف الكثير المنافع السهلها.
وقال أبو عبد الله القرطبيّ المفسّر: قوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)﴾ ذَكَرَ المقسم عليه، أي أُقسم بمواقع النجوم: إن هذا القرآن قرآن كريم، ليس
_________________
(١) "الجامع لأحكام القرآن" ١٧/ ٢٢٣ - ٢٢٤.
[ ٢ / ٥٠٥ ]
بسحر، ولا كِهانة، وليس بِمُفْتَرىً، بل هو قرآن كريم محمود، جعله الله تعالى معجزة لنبيه - ﷺ -، وهو كريم على المؤمنين؛ لأنه كلام ربهم، وشفاء صدورهم، كريم على أهل السماء؛ لأنه تنزيل ربهم ووحيه، وقيل: كريم أي غير مخلوق، وقيل: كريم لما فيه من كريم الأخلاق ومعالي الأمور، وقيل: لأنه يُكْرِم حافظه ويُعْظِمُ قارئه. انتهى.
وقوله تعالى: ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨)﴾ أي مُعَظّم في كتاب محفوظ مُوَقَّر، وقال القرطبيّ المفسّر: قوله: في كتاب مكنون: مَصُون عند الله تعالى، وقيل: مكنون محفوظ عن الباطل، والكتابُ هنا كتاب في السماء، قاله ابن عباس، وقال جابر بن زيد، وابن عباس أيضًا: هو اللوح المحفوظ، وقال عكرمة: التوراة والإنجيل فيهما ذكر القرآن، ومن يَنْزِل عليه، وقال السُّدّيّ: الزبور، وقال مجاهد وقتادة: هو المصحف الذي في أيدينا. انتهى.
وقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ قال ابن جرير: حدثني موسى بن إسماعيل، أخبرنا شريك، عن حكيم هو ابن جُبَير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، قال: الكتاب الذي في السماء، وقال الْعَوْفيّ عن ابن عباس: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ يعني الملائكة، وكذا قال أنس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والضحاك، وأبو الشَّعْثاء جابر بن زيد، وأبو نَهِيك، والسُّدّيّ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهم.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، حدثنا معمر، عن قتادة: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ قال: لا يمسه عند الله إلا المطهرون، فأما في الدنيا، فإنه يمسه المجوسيّ النَّجِس والمنافق الرِّجْس، قال: وهي في قراءة ابن مسعود - ﵁ -: "ما يمسه إلا المطهرون"، وقال أبو العالية: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ ليس أنتم، أنتم أصحاب الذنوب، وقال ابن زيد: زعمت كفار قريش، أن هذا القرآن تنزلت به الشياطين، فأخبر الله تعالى أنه لا يمسه إلا المطهرون، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ١٢]، وهذا القول قولٌ جَيِّدٌ، وهو لا يَخرُج عن الأقوال التي قبله.
[ ٢ / ٥٠٦ ]
وقال الفراء: لا يجد طَعْمه ونفعه إلا من آمن به.
وقال آخرون: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ أي من الجنابة والحدث، قالوا: ولفظ الآية خبر ومعناها الطلب، قالوا: والمراد بالقرآن ها هنا المصحف، كما روى مسلم عن ابن عمر: "أن رسول الله - ﷺ - نَهَى أن يُسَافَرَ بالقرآن إلى أرض العَدُوّ، مخافةَ أن يناله العدو".
واحتجوا في ذلك بما رواه الإمام مالك في "موطئه" (١١٩٩) عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنّ في الكتاب الذي كتبه رسول الله - ﷺ - لعمرو بن حزم: "أن لا يمس القرآن إلا طاهر"، وروى أبو داود في "المراسيل" من حديث الزهري قال: قرأت في صحيفة عند أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن رسول الله - ﷺ - قال: "ولا يمس القرآن إلا طاهر".
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: وهذه وجادة جَيِّدةٌ، قد قرأها الزهري وغيره، ومثل هذا ينبغي الأخذ به، وقد أسنده الدارقطني (١١١) عن عمرو بن حزم، وعبد الله بن عمر، وعثمان بن أبي العاص، وفي إسناد كل منها نظر، والله أعلم. انتهى (^١).
وقال أبو عبد الله القرطبيّ: اختُلِفَ في معنى ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ هل هو حقيقة في المسّ بالجارحة أو معنى، وكذلك اختُلِفَ في ﴿الْمُطَهَّرُونَ﴾ مَن هم؟.
فقال أنس وسعيد بن جبير: لا يمس ذلك الكتاب إلا المطهرون من الذنوب، وهم الملائكة، وكذا قال أبو العالية وابن زيد: إنهم الذين طُهِّرُوا من الذنوب، كالرسل من الملائكة، والرسل من بني آدم، فجبريل النازل به مُطَهَّر، والرسل الذين يجيئهم بذلك هم السَّفَرَة الكرام الْبَرَرَة، وهذا كله قول واحد، وهو نحو ما اختاره مالك، حيث قال: أحسن ما سمعت في قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ أنها بمنزلة الآية التي في ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١)﴾: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾، يريد أن المطهرين هم الملائكة الذين وُصِفوا بالطهارة في سورة "عبس".
_________________
(١) "تفسير ابن كثير" ١٣/ ٣٩٠ - ٣٩١.
[ ٢ / ٥٠٧ ]
وقيل: معنى ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ لا ينزل به إلا المطهرون، أي الرسل من الملائكة على الرسل من الأنبياء، وقيل: لا يمس اللوح المحفوظ الذي هو الكتاب المكنون إلا الملائكة المطهرون، وقيل: إن إسرافيل هو الموكل بذلك، حكاه القشيري.
قال ابن العربي: وهذا باطل؛ لأن الملائكة لا تناله في وقت، ولا تصل إليه بحال، ولو كان المراد به ذلك، لما كان للاستثناء فيه مجال، وأما من قال: إنه الذي بأيدي الملائكة في الصحف، فهو قول محتمل، وهو اختيار مالك.
وقيل: المراد بالكتاب المصحف الذي بأيدينا، وهو الأظهر، وقد رَوَى مالك وغيره أن في كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه له رسول الله - ﷺ -: "ألّا يمس القرآن إلا طاهر"، وقال ابن عمر: قال النبيّ - ﷺ -: "لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر"، وقالت أخت عُمر لعُمر عند إسلامه، وقد دخل عليها ودعا بالصحيفة: "لا يمسه إلا المطهرون"، فقام واغتسل، وأسلم، وعلى هذا المعنى قال قتادة وغيره: لا يمسه إلا المطهرون من الأحداث والأنجاس، وقال الكلبيّ: من الشرك، وقال الربيع بن أنس: من الذنوب والخطايا، وقيل: معنى لا يمسه: لا يقرؤه إلا المطهرون إلا الموحِّدون، قاله محمد بن فُضيل، وعبدة، وقال عكرمة: كان ابن عباس يَنْهَى أن يُمَكَّن أحد من اليهود والنصارى من قراءة القرآن، وقال الفراء: لا يجد طعمه ونفعه وبركته إلا المطهرون، أي المؤمنون بالقرآن، وقال ابن العربي: وهو اختيار البخاريّ، قال النبيّ - ﷺ -: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد - ﷺ - نبيًّا"، وقال الحسين بن الفضل: لا يَعْرِف تفسيره وتأويله، إلا من طهره الله من الشرك والنفاق، وقال أبو بكر الوَرّاق: لا يُوَفَّق للعمل به إلا السعداء، وقيل: المعنى: لا يمس ثوابه إلا المؤمنون، ورواه معاذ عن النبيّ - ﷺ -.
ثم قيل: ظاهر الآية خبر عن الشرع: أي لا يمسه إلا المطهرون شرعًا، فإن وُجِد خلاف ذلك فهو غير الشرع، وهذا اختيار القاضي أبي بكر بن العربي، وأبطل أن يكون لفظه لفظ الخبر ومعناه الأمر، وقال المهدويّ: يجوز أن يكون أمرًا، وتكون ضمة السين ضمة إعراب، ويجوز أن يكون نَهْيًا، وتكون=
[ ٢ / ٥٠٨ ]
ضمة السين ضمة بناء، والفعل مجزوم. انتهى (^١).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: المطهّرون بحكم عرف الشرع هم المطهّرون من الحدث، وعليه فتكون "لا" نهيًا، ويمسّه مجزوم بالنهي، وضُمّت سينه لأجل الضمير، ويجوز أن يكون خبرًا عن المشروعيّة، أي لا يجوز مسّه إلا لمن تطهّر من الحدث، ويكون هذا نحو قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وهذا تقرير وجه من استدلّ بالآية على تحريم مسّ القرآن على غير طهارة وهم الجمهور، وأما من أجاز ذلك وهم أهل الظاهر، فحملوا الآية على أنه خبرٌ عمّا في الوجود، أي لا يمسّه، ولا يناله، ولا يباشره إلا الملائكة، وهم المطهّرون بالحقيقة، وتكون الآية مثل قوله تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ [عبس: ١٣ - ١٦]، وإلى هذا صار مالك في تفسير هذه الآية، مع أن مذهبه أنه لا يجوز لمحدِثٍ مسّ المصحف أخذًا بهذا الحكم من السنّة عنده لا من الآية. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق من سوق الأقوال وحججها، أن أرجح الأقول قول من فسّر الآية بأن المراد بقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ أنه لا يمسّه إلا الملائكة، وهم المطهّرون كما صار إليه الإمام مالك رحمه الله تعالى واختاره، وقال: أحسن ما سمعت في قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ وأنها بمنزلة الآية التي في ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١)﴾: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾، يريد أن المطهرين هم الملائكة الذين وُصِفوا بالطهارة في سورة "عبس".
أما مسألة مس المصحف للمحدث فإن مذهب الجمهور هو الأرجح، لا لهذه الآية، بل لكتاب عمرو بن حزم، فإنه وإن قيل بإرساله، إلا أنه مشهور عملت به الأئمة، وقرأه الزهريّ رحمه الله تعالى، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: وهذه وجادة جَيِّدةٌ، قد قرأها الزهري وغيره، ومثل هذا ينبغي الأخذ به (^٣).
_________________
(١) "الجامع لأحكام القرآن" ١٧/ ٢٢٥ - ٢٢٧.
(٢) "المفهم" ١/ ٢٦٣.
(٣) "تفسير ابن كثير" ١٣/ ٣٩٠ - ٣٩١.
[ ٢ / ٥٠٩ ]
وقد أشبعت الكلام في هذا، واستوفيته في "شرح النسائيّ" (١٧١/ ٢٦٥) "باب حَجْب الجنب من قراءة القرآن"، فراجعه تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق، وهو الهادي إلى أقوم الطريق.
وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾ أي هذا القرآن منزّل من عند رب العالمين، وليس هو كما يقولون: إنه سحرٌ، أو كهانة، أو شعرٌ، بل هو الحق الذي لا مرية فيه، وليس وراءه حقّ نافع، قاله ابن كثير.
وقال القرطبيّ: هو كقولهم ضَرْبُ الأمير، ونَسْجُ اليمن، وقيل: تنزيل صفة لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)﴾، وقيل: أي هو تنزيل. انتهى.
وقوله - ﷿ -: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١)﴾ قال الْعَوْفيّ عن ابن عباس: أي غير مُصَدِّقين، وكذا قال الضحاك، وأبو جَزْرَة، والسُّدّيّ، وقال مجاهد: ﴿مُدْهِنُونَ﴾ أي تريدون أن تمالئوهم فيه وتركنوا إليهم. انتهى (^١).
وقال أبو العباس القرطبيّ: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ يعني بالحديث القرآن؛ لأنه أحاديث عن الأمم الماضية، والوقائع الآتية، والأحكام الجارية، و﴿مُدْهِنُونَ﴾ مكذّبون، وأصله من الدَّهْن، يقال: أدهن، وداهن: أي ترك ما هو عليه وتلبّس بغيره. انتهى (^٢).
وقال أبو عبد الله القرطبيّ: قوله: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ ويعني القرآن ﴿أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ وأي مُكَذِّبون، قاله ابن عباس، وعطاء، وغيرهما، والْمُدْهن الذي ظاهره خلاف باطنه، كأنه شُبِّهَ بالدهن في سهولة ظاهره، وقال مقاتل بن سليمان وقتادة: ﴿مُدْهِنُونَ﴾ وكافرون، نظيره: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)﴾ [القلم: ٩]، وقال المؤرِّج: المدهن المنافق، أو الكافر الذي يُلِين جانبه لِيُخفي كفره، والإدهان والمداهنة: التكذيب والكفر والنفاق، وأصله اللِّين، وأن يُسِرَّ خلاف ما يُظهر، وقال أبو قيس بن الأَسْلَت:
الحَزْمُ وَالْقُوَّةُ خَيْرٌ مِنَ الـ … إِدْهَاِن وَالْفُهَّةِ وَالْهَاعِ (^٣)
_________________
(١) راجع: "تفسير ابن كثير" ٤/ ٢٩٨ - ٣٠٠.
(٢) "المفهم" ١/ ٢٦٣.
(٣) "الْفُهّة": الْعِيُّ، و"الْهَاعُ" هنا: سوء الحرص مع ضعف.
[ ٢ / ٥١٠ ]
وأَدْهَنَ وداهن واحد، وقال قوم: داهنت بمعنى واريت، وأدهنت بمعنى غَشَشْتُ، وقال الضحاك: مدهنون: معرضون، وقال مجاهد: ممالئون الكفار على الكفر به، وقال ابن كيسان: المدهن الذي لا يَعْقِل ما حَقُّ الله عليه ويدفعه بالعلل، وقال بعض اللغويين: مدهنون: تاركون للجزم في قبول القرآن. انتهى (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ قال طائفة من المفسّرين: وتجعلون شكركم تكذيبكم بأن الرزاق هو الله تعالى، أي تجعلون التكذيب عِوَضَ الشكر، وتكذيبهم هو قولهم: مُطِرنا بنوء كذا وكذا، روى الترمذي بإسناده (^٢) عن على بن أبي طالب - ﷺ - رفعه قال: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ قال: شكركم أنكم تُكذّبون، قال: يقولون: مُطرنا بنوء كذا وكذا"، قال الترمذيّ: هذا حديث حسنٌ غريب صحيح (^٣).
_________________
(١) "الجامع لأحكام القرآن" ١٧/ ٢٢٧ - ٢٢٨.
(٢) وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا سفيان، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: "إن الله لَيُصَبِّح القومَ بالنعمة أو يُمَسِّيهم بها، فَيُصبِح بها قوم كافرين، يقولون: مُطرنا بنوء كذا وكذا". قال الجامع عفا الله عنه: رجال هذا الإسناد ثقات، إلا أن فيه عنعنة ابن إسحاف، وهو مدلّس. قال محمد - هو ابن إبراهيم -: فذكرت هذا الحديث لسعيد بن المسيب، فقال: ونحن قد سمعنا من أبي هريرة، وقد أخبرني مَن شَهِدَ عمر بن الخطاب - ﵁ -، وهو يستسقي، فلما استسقى التفت إلى العباس، فقال: يا عباس، يا عم رسول الله، كم بَقِيَ من نَوْء الثُّرَيَا؟ فقال: العلماء يزعمون أنها تَعْتَرض في الأفق بعد سقوطها سبعًا، قال: فما مضت سابعة حتى مُطروا. قال الحافظ ابن كثير: وهذا محمول على السؤال عن الوقت الذي أجرى الله فيه العادة بإنزال المطر، لا أن ذلك النوء مؤثّر بنفسه في نزول المطر، فإن هذا هو المنهيّ عن اعتقاده. انتهى "تفسير ابن كثير" ٤/ ٢٩٩.
(٣) بل هو ضعيف؛ لأن في سنده عبد الأعلى بن عامر الثعلبيّ، وهو ضعيف، والصحيح أنه موقوف على ابن عباس - ﵄ -، كما في حديث الباب.
[ ٢ / ٥١١ ]
وحكى ابن جرير عن الهيثم بن عديّ: أن من لغة أزد شنوءة: ما رَزَق فلان فلانًا، بمعنى ما شكره.
وقال آخرون: معناه: وتجعلون شكر رزقكم، فحَذَف المضاف، وأقام المضاف إليه مُقامه، قاله الأزهريّ وأبو عليّ الفارسيّ، وقال الحسن: أي تجعلون حَظّكم، قال قتادة: أما الحسن فكان يقول: بئس ما أَخَذَ قوم لأنفسهم، لم يُرزقوا من كتاب الله إلا التكذيب، فمعنى قول الحسن هذا: وتجعلون حَظَّكم من كتاب الله أنكم تُكذِّبون به، ولهذا قال قبله: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ (^١).
وقال أبو عبد الله القرطبيّ: قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ قال ابن عباس: تجعلون شكركم التكذيب، وذكر الهيثم بن عَديّ أن من لغة أسد شنوءة: ما رَزَقَ فلانٌ: أي ما شكره، وإنما صلح أن يوضع اسم الرزق مكان شكره؛ لأن شكر الرزق يقتضي الزيادة فيه، فيكون الشكر رزقًا على هذا المعنى، فقيل: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ أي شكر رزقكم الذي لو وُجِد منكم لعاد رزقًا لكم ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ بالرزق، أي تَضَعُون الكذب مكان الشكر، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥] أي لم يكونوا يصلون، ولكنهم كانوا يُصَفِّرون، وُيصَفِّقُون مكان الصلاة، ففيه بيانُ أن ما أصاب العباد من خير، فلا ينبغي أن يَرَوه من قبل الوسائط التي جَرَت العادة بأن تكون أسبابًا، بل ينبغي أن يروه من قبل الله تعالى، ثم يقابلونه بشكر، إن كان نعمةً، أو صبر إن كان مكروهًا؛ تعبدًا له وتذللًا.
وروي عن علي بن أبي طالب - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - قرأ: "وتجعلون شكركم أنكم تكذبون" حقيقة (^٢).
وعن ابن عباس أيضًا أن المراد به الاستسقاء بالأنواء، وهو قول العرب: مُطِرنا بنوء كذا، رواه علي بن أبي طالب - ﵁ - عن النبيّ - ﷺ -.
قال الشافعي رحمه الله تعالى: لا أُحبّ أحدًا أن يقول: مُطرنا بنوء كذا
_________________
(١) "تفسير ابن كثير" ٤/ ٣٠٠.
(٢) تقدّم أنه لا يصحّ مرفوعًا، وإنما الصحيح وقفه على ابن عباس - ﵄ -.
[ ٢ / ٥١٢ ]
وكذا، وإن كان النوء عندنا الوقتَ المخلوقَ لا يَضُرُّ ولا ينفع، ولا يُمطر ولا يَحبس شيئًا من المطر، والذي أحب أن يقول: مُطرنا وقت كذا، كما تقول مُطرنا شهر كذا، ومن قال: مُطرنا بنوء كذا، وهو يريد أن النوء أنزل الماء، كما عَنَى بعض أهل الشرك من الجاهلية بقوله فهو كافر، حلال دمه إن لم يتب.
وقال أبو عمر بن عبد البر: وأما قوله - ﷺ - حاكيًا عن الله - ﷾ -: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر"، فمعناه عندي على وجهين:
أما أحدهما: فإن المعتقد بأن النوء هو الموجب لنزول الماء، وهو المنشئ للسحاب دون الله - ﷿ - فذلك كافر كفرًا صريحًا، يجب استتابته عليه وقتله إن أبى؛ لنبذه الإسلام وردّه القرآن.
والوجه الآخر أن يعتقد أن النوء ينزل الله به الماء، وأنه سبب الماء على ما قدّره الله وسبق في علمه، وهذا وإن كان وجهًا مباحًا، فإن فيه أيضًا كفرًا بنعمة الله - ﷿ -، وجهلًا بلطيف حكمته في أن ينزل الماء متى شاء، مرة بنوء كذا، ومرة بنوء كذا وكثيرًا ما ينوء النوء فلا ينزل معه شيء من الماء، وذلك من الله تعالى لا من النوء، وكذلك كان أبو هريرة - ﵁ - يقول إذا أصبح وقد مُطِر: مُطِرنا بنوء الفتح، ثم يتلو ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢].
قال أبو عمر: وهذا عندي نحو قول رسول الله - ﷺ -: "بفضل الله ورحمته".
ومن هذا الباب قول عمر بن الخطاب للعباس بن عبد المطلب - ﵄ - حين استسقى به: يا عم رسول الله - ﷺ -، كم بقي من نوء الثريا؟ فقال العباس: العلماء يزعمون أنها تعترض في الأفق سبعًا بعد سقوطها، فما مضت سابعةٌ حتى مُطِروا، فقال عمر: الحمد لله، هذا بفضل الله ورحمته (^١). وكأن عمر - ﵁ - قد عَلِم أن نوء الثريا وقت، يُرجَى فيه المطر ويُؤَمَّل، فسأله عنه: أخرج منه أم بقيت منه بقية؟.
ورَوَى سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أمية، أن النبي - ﷺ - سمع رجلًا
_________________
(١) وقد تقدّم أن فيه محمد بن إسحاق، مدلس، وقد عنعنه.
[ ٢ / ٥١٣ ]
في بعض أسفاره يقول: مُطرنا ببعض عَثَانين الأسد، فقال رسول الله - ﷺ -: "بل هو سقيا الله - ﷿ -"، قال سفيان: عثانين الأسد: الذراع والجبهة (^١).
وقراءة العامة ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ من التكذيب، وقرأ المفضل، عن عاصم، ويحيى بن وَثّاب ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ بفتح التاء مخففًا، ومعناه ما قدمناه، من قول من قال: مُطِرنا بنوء كذا. انتهى كلام القرطبيّ (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس - ﵄ - هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٣٤/ ٢٤١] (٧٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٦٨)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٣٢)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٥٠٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كون شكر النعمة من الإيمان، وهو وجه إيراد المصنّف رحمه الله تعالى للحديث هنا.
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ - ﷺ - من الحرص الشديد على حماية التوحيد، وتنبيه أمته على دقائق الشرك، وأنه كثيرًا ما يتساهل الناس، فيقعون فيه جريًا على ما يألفونه من نسبة الأشياء إلى الأسباب دون أن ينتبهوا لخطره، وما يترتّب عليه من سلب التوحيد.
٣ - (ومنها): بيان أن الواجب على العبد إذا حصلت له نعمة أن يقول: هذه رحمة الله تعالى عليّ، دون أن أستحقّ عليه شيئًا، اللهم لك الحمد على
_________________
(١) هذا منقطع؛ لأن إسماعيل بن أميّة من الطبقة السادسة التي لم تلق الصحابة، راجع: "التقريب" ص ٣٢.
(٢) "الجامع لأحكام القرآن" ١٧/ ٢٢٨ - ٢٣٠.
[ ٢ / ٥١٤ ]
ما أنعمت، ولك الشكر على ما أوليت، سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك.
٤ - (ومنها) بيان سبب نزول هذه الآية الكريمة.
٥ - (ومنها): بيان أن الله - ﷾ - يُقسم بما شاء من خلقه، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾، وأما الخلق فلا يجوز لهم أن يقسموا إلا بالله - ﷾ -.
٦ - (ومنها): بيان عظم مواقع النجوم على اختلاف المعاني السابقة؛ لأنه - ﷾ - لا يُقسم بشيء إلا لبيان عظمته وكرامته عنده - ﷾ -.
٧ - (ومنها): بيان عظمة القرآن العظيم؛ لأنه الله - ﷾ - أقسم عليه، فقال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)﴾.
٨ - (ومنها): بيان أن هذا القرآن كان في كتاب مكنون، لا يمسه إلا المطهرون، فأنزله الله تعالى منجّمًا على النبيّ - ﷺ - في ثلاث وعشرين سنة على حسب الوقائع والأسباب.
٩ - (ومنها): بيان أن الآية دلّت على ذمّ من ينسب الأرزاق والنعم إلى غير الله - ﷾ -، وأن ذلك من التكذيب والكفر بالله تعالى.
١٠ - (ومنها): أن مما يدخل تحت دلالة الآية الكريمة ما وقع فيه كثير من الناس الذين يعتقدون في الأولياء والصالحين، حيث يتساهلون فينسبون إليهم كلّ ما يحصل لهم من الخيرات، فيقول أحدهم إذا حصل له أي خير: هذا مما أعطاني سيدي فلان، فما أكثر هذا في الأمة اليوم، ومن المؤسف أن يكون هناك من ينتسب إلى العلم، فيسمع ويرى هذا كله، ثم يسكت ولا ينكره، فإنا لله وإنا إليه راجعون، غربة في الإسلام وغربة في أهله، اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولّنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا شرّ ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، اللهم آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
[ ٢ / ٥١٥ ]